البداية

البداية

16 0

الحب أم الصداقة؟

من وجهة نظري:

الحب أقوى، لكن الصداقة أبقى

فقد يجف النهر ويبقى مجراه

ويبقى الصديق بأحلى ذكراه.

_

_

_

**في لحظة... تغير كل شيء.**

_

_

_

كان صوتها في الهاتف يرافقني بينما عيني تتنقل بين الوجوه تفتش عنها وسط الزحام الهواء مشبع بضجيج المدينة لكن صوتها كان واضحًا هادئًا كأنه يرشدني إليها

وما إن لمحتها عيناي واقفة هناك بزيها الرسمي تحمل حقيبة صغيرة وتبدو منشغلة بالنظر في الاتجاه الآخر حتى رفعت يدي ولوحت لها ثم قلت عبر الهاتف بابتسامة خفيفة.

"رأيتك أغلقي لقد وصلت إليك"

أغلقت هي المكالمة والتقت نظراتنا فخطوت نحوها بخفة كأن قدمي عرفتا الطريق دون تفكير.

اقتربتُ منها بابتسامة خفيفة، تنبض بالود والاطمئنان:

"سلام إليف، كيف حالك؟"

ردّت إليف بابتسامة مشرقة تضيء وجهها، وكأن الشمس تسللت إلى غرفتي:

"بخير، وأنتِ؟"

نظرت إلى ساعتي بمرحٍ وقلت مازحة:

"لم يمضِ الكثير على تركي لكِ يا فتاة."

أمسكت يدي، وحملت في صوتها فضولاً صادقاً:

"كيف كانت جلسة التصوير؟"

ضحكتُ بسخرية خفيفة تخفي تعب يوم طويل:

"لا تسألي... العارضة كادت تقتلني."

ابتسمت إليف، وعيناها تتلألأان بلهفة لمعرفة السبب:

"لماذا؟"

تنهدت وأنا أعدل خصلات شعري التي لم تهدأ طوال اليوم:

"لأنه ليس من السهل أن تشاركي كاغان في جلسة تصوير."

ارتفعت حاجباها بدهشة واضحة، وعبر صوتها الحماسة:

"هل صوّرتِ كاغان؟"

أومأت برأسي، أسترجع تلك اللحظات التي حملت عبق المغامرة:

"نعم."

ابتسمت بحماس واضح، وكأنها كانت تتمنى وجودها هناك:

"إنه عارضي المفضل، ليتني استطعت رؤيته."

ضحكتُ بثقة، وأنا أغمز لها بدلال:

"لن تحظي بمشاهدته، عليكِ أن تحجزي أولاً، عزيزتي إليف."

اقتربت منها وأنا أبتسم، صوتي يحمل حناناً:

"أخبريني، كيف كانت رحلتك؟"

وضعت يدها على جبهتها ببطء، كأنها تتألم من تعبٍ أكبر مما تطيق، وقالت بيأس مشبع بالضحك:

"آه يا سيفدا، في الأصل أنتِ لا تسألي، أنا التي سأمزق شعري قريبًا!"

ضحكت من تعبير وجهها المتعب، وسألتها:

"ولماذا هذا التعب؟"

أجابتني بعيون شبه مغلقة من الإرهاق، وبصوت لا يخلو من الامتعاض:

"ذاك يتأمر عليّ بكل صغيرة وكبيرة، وذاك لا يخرج من الحمام إلا بعد أن تمر عشر دقائق، وكلٌ منهم يريد شيئًا مختلفًا!"

ابتسمت بسخرية، مداعبة:

"ألم تختاري أن تكوني مضيفة طيران؟ إذًا عليكِ أن تتحملي."

نظرت إليّ بعينيها اللامعتين، كأنها تثبت لي إصرارها، وقالت بثقة:

"أعلم، لكني لم أتخيل أبدًا أن يكون الأمر بهذه الصعوبة."

اقتربت منها مبتسمة:

"إذاً تعالي واعملي معي، ربما يكون أسهل."

أطلقت نظرة متفحصة ثم قالت بعزم متزايد:

"هل جننتِ؟ هل أتخلى عن حلمي الذي حملته معي طيلة هذه السنوات؟"

ثم وضعت يدها على قلبها، وبصوت جاد مشحون بالعاطفة:

"لن يفرقني عن بدلتي الحمراء سوى الموت...فقط الموت."

ابتسمتُ لها، وهمستُ بحب، وكأنني أخبرها بسر:

"إذا كان حبك لعملك بهذه القوة، فكيف سيكون لمن يسرق قلبك؟"

رفعت كتفيها بثقة، مع ابتسامة صغيرة:

"حينها سيكون.. محظوظًا جدًا، يا عزيزتي."

ضحكتُ بخفة على طريقتها العفوية، ثم وقفتُ فجأة بحماسٍ لم أُخفِه، وربّتُّ على كتفها قائلة:

"إذاً، هيا بنا نذهب إلى مكانٍ ما!"

رفعت إليف رأسها، نظرت إلى ساعتها بسرعة، ثم قالت بتردد:

"فترة الاستراحة ستنتهي، ورحلتي القادمة بعد ساعة."

نظرت إليها بشيء من التحدي، وقلت وأنا أرفع حاجبي:

"إييه يعني؟"

تأملتني للحظات، ثم انفرجت شفتيها عن ابتسامة مشاكسة، اقتربت أكثر وهمست:

"هل أنتِ مستعدة؟"

عبستُ بخفة وأنا أجيبها:

"لِمَ؟"

فاجأتني بأخذ يدي، قبضت عليها بحماس وقالت:

"لنذهب ونجن قليلاً."

قهقهتُ من ردّها الصادم والمثير، ثم هززت رأسي باستسلام:

"بكل سرور، عزيزتي إليف."

بدأنا نمشي سويًا باتجاه المخرج، خطواتنا مليئة بالحيوية، وشيء من الحنين الذي لا أعرف مصدره، وكأننا نركض خلف لحظة لن تتكرر.

لكن فجأة، وبينما نحن نقترب من البوابة، شعرت بفراغٍ فوق كتفي، كأن جزءًا مني انتُزع.

توقفتُ، نظرت خلفي بسرعة، ثم شهقتُ:

"يا فتاة! لقد نسيتُ الكاميرا!"

وضعت يدي على جبيني بسرعة وقلت:

"انتظريني هنا، سأجلبها وأعود فورًا!"

ثم استدرتُ وركضت عائدة، وكأن الوقت يتلاعب بي... وكأن شيئًا ما ينتظر أن ينقلب في لحظة.

التقطتُ الحقيبة من الطاولة، لكن… فجأة، انقبض قلبي دون سببٍ واضح.

شعور غريب اجتاحني، وكأن الهواء من حولي صار أثقل. نظرت حولي بسرعة، شيء ما لم يكن على ما يُرام.

تركتُ الحقيبة دون تفكير، وبدأ قلبي ينبض بعنف، كأن شيئًا بداخلي يصرخ بي أن أعود. ركضتُ نحو إليف، دون أن أستوعب ما يحدث تمامًا.

أمسكتُ يدها بقوة وصرخت من أعماقي:

"اركضي! إليف، اركضي!"

نظرت إليّ بذهول، وجهها كان مشوشًا، لا يفهم شيئًا، سألتني بارتباك:

"ما الذي يحدث؟"

زفرتُ بحرارة، عيني تجول في كل الاتجاهات، وصرخت مجددًا:

"اركضي بسرعة!!"

وفجأة… دوّى صوت الرصاص في المكان كأنه صاعقة شقت السماء، تلاه تحطم زجاج وصراخ وزحمة أقدام تركض بلا هدف.

كانت الفوضى تلفّنا من كل جانب، صدى الرصاصات يتردد في أذني، وكأن كل شيء حولي بدأ يتلاشى إلا صوت قلبي.

أمسكتُ يدها بقوة، شددتها خلفي وبدأنا الركض معًا، كنت أتنفس بسرعة، أختنق من الخوف، من القلق… من الشعور الغامض بأن هناك من يلاحقنا.

لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… خطواتها بدأت تتباطأ.

التفتُّ بقلق، لأراها تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع، ووجهها شاحب كأن روحه تغادره.

"إليف؟!"

همستُ بخوفٍ يكاد يخنقني.

"إليف، مابك؟!"

صرختُ بينما كانت تنهار أمامي وتسقط على ركبتيها.

سقطتُ بجانبها بسرعة، مددتُ يدي لأرفعها، لأضمها إليّ، لكن يدي اصطدمت بشيء دافئ… شيء لزج.

نظرتُ إلى راحتي… كانت مغطاة بالدماء.

دماؤها.

دماء إليف التي بدأت تتسرب على يدي ببطء، كأنها تودّع الحياة بصمت.

في تلك اللحظة، توقف كل شيء.

الصوت، الحركة، الزمن.

تجمّدتُ في مكاني، والارتجاف سكن كل جزءٍ مني… شعرتُ وكأنني أختنق تحت وطأة الكارثة التي لم أتوقعها.

صرخت بأعلى صوتي:

"النجدة! استدعوا الإسعاف! أرجوكم!"

احتضنتها بذعر، وقلت باكية:

"لا... لا تغلقي عينيكِ، أرجوكِ! لا تفعلي!"

كانت تنظر إليّ بعينين موشكتين على الرحيل، همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:

"سيفدا..."

—"لا تتحدثي!"

قلت وأنا أضغط على الجرح بكل ما أملك:

"الإسعاف قادم، لا تتركيني، أرجوكِ!"

بدأت جفونها تثقل، تنسحب ببطء لعالمٍ لا أراه.

هززتها بخوف:

"إليف! لا تغلقي عينيكِ! انظري إليّ! أرجوكِ!"

وبينما قلبي يوشك على الانهيار، لمحت حقيبتها بجانبها، فتحتها بارتباك، وسحبت منها تذكرة الطيران.

رفعتها أمام وجهها المرتجف وقلت:

"انظري! هل ترين؟ هذه هي المفاجأة، إنها تذكرة الرحلة التي ننتظرها منذ الصغر،

أنتِ كمضيفة وأنا كمصورة."

نظرت إليّ بعينين نصف مغمضتين، وابتسمت:

"أنتِ... دائمًا تخططين لكل شيء... حتى المفاجآت..."

صرختُ باكية:

"نعم! لكنني لم أخطط أن أخسركِ! لا تذهبي! لدينا أحلام لم نحققها بعد!"

أغمضت عينيها، وجسَدها بات ساكنًا، نظرتُ إلى التذكرة التي ارتعشت بين يدي، وقلت هامسة:

كنتُ أريد أن أراكِ تفتحين حقيبتكِ وتكتشفينها بنفسكِ. ألا تتذكرين؟ كنا نحلم بهذه الرحلة طوال الوقت!

لكنها لم تجب.

"ألم تقل... لن يفرقها عن بدلتها الحمراء سوى الموت؟

" هل.. هل كانت تقصد هذا؟"

_

_

بدأت: 2025/4/4

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الولاء الصامت

المؤلف عاشقة المستحيل
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة