9

9

13 0

بينما نركض خلف ما نظن أنه الحقيقة، نكتشف أن هناك دائمًا ما هو أكثر عمقًا مما نراه.

_

_

(كريستوفر)

بدأ العدّ التنازلي.

ثمانٍ وأربعون ساعة فقط تفصلنا عن مصير مجهول، ومع كل دقيقة تمضي، كانت وطأة الترقب تزداد ثقلا.

كان ستيف شاردًا في ورقة أمامه، عيناه تلتهمان السطور دون رمشة، إلى أن قطع الصمت بصوته الجاد:

"كريس، أتظن حقًا أن بإمكاننا تنفيذ هذه الخطة خلال يومين فقط؟"

نظرت إليه مطولًا، ثم تنهدت وقلت بثقة هادئة تخفي عاصفة القلق داخلي:

"نعم. ليس لدينا خيار آخر ستيف، الخطة هذه ليست مجرد خطوة... إنها مخرجنا الوحيد."

لقد اتخذنا القرار.

فيلِكس، سيكون هو الهدف، المتهم، الخائن.

بدأنا نسحب الخيوط، نعيد تتبع تحركاته خطوة بخطوة، كل مكالمة، كل تقرير، كل كلمة قالها، خضع لتشريحنا الدقيق.

لكن اليوم الأول... مر كسراب، كأن الأدلة تفر من بين أيدينا عمدًا.

مع حلول اليوم الثاني، كنا نكاد نُفتَت من التوتر.

ستيف نهض أخيرًا، وعيناه غائرتان من السهر والضغط:

"سأعدّ كوبين من القهوة، يبدو أننا بحاجة لهدنة بسيطة."

أخذ حاسوبه المحمول معه، عازمًا على مواصلة التنقيب عن الخيط الأخير، بينما بقيت وحدي،

أقلب الملفات القديمة.

وبعد لحظاتٍ من ذهابه، عاد ستيف يركض بجنون، كأنّ الحياة قد عادت إليه فجأة، أو كأنه أمسك بمفتاح النجاة من الجحيم.

كان يلهث، وعيناه تتوهّجان بوميضٍ غريب، مزيج بين النصر والذهول.

رفع اللابتوب بيده، وصاح بصوتٍ يكاد يُزلزل المكان:

"كريس! وجدتها... وجدتها أخيرًا!"

رفعت حاجبي بدهشة وأنا أتمدد على الكرسي بإرهاق، ثم قلت بسخرية ثقيلة:

"هل نحدد موعد زفافك؟"

لوّح بيده بنفاد صبر ورد بسرعة:

"يا رجل، هذه أكبر من أي زفاف!

أنا أتحدث عن فيلكس!"

قفزت من مكاني، وانطلقت نحوه بخطوات متسارعة:

"ماذا؟! فيلكس؟!"

اقتربت منه بسرعة، فتح ستيف اللابتوب أمامي، وأشار إلى الشاشة بيده المرتجفة من الحماس.

على الشاشة، ظهرت ملفات مشفّرة، مكدّسة في مجلدات مهملة، لكنه تمكّن من فك أحدها.

حدّقت في البيانات، وبدأت أقرأ رسائل سرّية مشفّرة بين فيلكس وأطراف خارجيّة.

كانوا يتداولون معلومات حسّاسة تخصّ تحرّكات المنظمة، صفقات غير مشروعة، تحويلات مالية ضخمة، وحتى أسماء أفراد مرشّحين للتصفية.

كلّ شيء كان موثّقًا بدقة مرعبة... كأن فيلكس لم يكن يتخفّى، بل كان يتباهى بخيانته من خلف الستار.

شهقت، ونظرت إلى ستيف بحدة:

"هذه... هذه الورقة الرابحة!"

أومأ برأسه، وابتسامة نصر ارتسمت على وجهه المتعب:

"أكثر من ذلك، كريس... انظر لهذه الرسالة."

فتح ملفًا آخر، فظهرت أمامنا رسالة تحمل توقيعًا مجهول الهويةظ

تحتوي على تفاصيل بالغة الدقة حول مواقع عملياتنا القادمة، وتقارير داخلية لا يمكن أن يطّلع عليها إلا من كان في قلب المنظمة... في القيادة.

قال بصوت خافت لكنه ممتلئ بالغضب:

"فيلكس لم يكن مجرد خائن... كان العدو داخل أسوارنا."

أغلقت اللابتوب بعزم، وقلت بنبرة حادة:

"الآن لدينا كل ما نحتاجه. لن تكون هناك فرصة ثانية، ستيف... لن نرحمه."

من فرحتي، أمسكت كتفي ستيف واحتضنته بشدة، قائلاً:

"يا رجل، سأزوجك على حسابي!

لا بل سأجعلك تشكرني طوال حياتك على جودة الإختيار. "

صدم ستيف من تصرفي وابتعد بسرعة، وقال بدهشة:

"هل هذا أنت؟ منذ متى تحب التلامس؟

منذ متى البرود لا يختلط بكلماتك؟"

أدركت فعلتي بسرعة فابتعدت عنه، وحككت رأسي من الخلف قائلاً:

"ستيف ديفيد، استعد لرحلة تخرج فيها

أراس ديميركان للعالم!.

وها نحن نجلس في المقر بثبات، لكن الأعصاب كانت مشدودة إلى أقصى حد.

قلت بصوت هادئ وثابت:

"سيدي، لدينا ما يثبت خيانة فيلكس، وهذه الأدلة ستكشف كل شيء.

القائد، الذي لم يكن يبدوا متأثراً، أومأ بهدوء، لكنه لم يفقد تركيزه. قال بصوت منخفض لكنه حاد:

"أخبروني بما وجدتم."

شعرت بشيء من الثقل في الصمت الذي تلاه، ثم انتبهت إلى ستيف، الذي بدأ بفتح جهاز اللابتوب بحذر.

بدأ بعرض الوثائق والصور التي جمعناها على مدار اليومين، وهو يتأكد من كل تفصيل صغير ليكون أمام القائد بشكل لا لبس فيه.

القائد ظل صامتًا، ثم، وكأن القائد قد شعر بالتمرد يزداد في داخله، وقف فجأة من على كرسيه:

"هل جننتما كريس وستيف؟

هل هكذا دربتكم؟ هل تريدان أن تموتا؟"

قلت بسرعة، وأنا أحاول التماسك:

"لكن سيدي، هذه أدلة كافية لتثبت ما نريد! "

صمت القائد للحظة طويلة، ثم تقدم نحونا بخطوات حاسمة.

نظر إلينا بعمق، ثم سأل بهدوء:

"من الذي وجد الدليل؟"

أجبت بثبات وأنا أقف كالمسمار يدي خلف ظهري وعيني ثابتة:

"ستيف، سيدي."

ابتسم القائد ابتسامة ضيقة، وهو يرفع حاجبه بتقدير:

"أيها الذكي، أحسنت."

تبادلت النظرات مع ستيف، وكان قلبي في فمي. أخذنا نفسًا عميقًا، ثم قلنا معًا، بنبرة لا تقبل النقاش:

"نحن تحت أمر الدولة، سيدي."

_

_

(ستيف)

وصلنا أخيرًا إلى المنظمة اللعينة، التي كانت تعج بالحراس، كريس كان هادئًا كالمعتاد، عينيه ثابتتين على الهدف، لا يرف له جفن.

خطونا بثبات داخل غرفة الزعيم. كان جالسًا على كرسيه المرتفع في الطرف البعيد من الغرفة، محاطًا بكشافات الضوء التي كانت تتسلط عليه وتمنحه هالة من القوة والهيبة.

رفع الزعيم عينيه نحونا، صوته كان باردًا وحادًا، قال بصوت منخفض، لكن حاد:

"لديكم دقيقة واحدة لتخبروني لماذا يجب أن أضع ثقتي فيكم، لا وقت للمقدمات."

تبادلنا النظرات، ثم جاء رد كريس، هادئًا كعادته،

مبتسمًا ابتسامة باردة، ونبرة صوته رقيقة جدًا:

"إذا كان الوقت هو كل ما تحتاجه، سيدي، فإننا هنا لنوفر لك كل دقيقة ثمينة."

عرضنا الأدلة أمامه، كانت الصدمة واضحة على وجهه، لكن سرعان ما تدارك الأمر.

ثم، وبنظرة حادة، أدار الزعيم بصره إلى أحد الحراس الواقفين بالقرب من الباب.

أشار بيده ببطء وقال بصوت منخفض ولكنه حاسم:

"أحضر لي أليكس فورًا."

بعد لحظات، دخل أليكس، نظر إلى كريس ولي، ثم سخر بصوت مرتفع، محاولًا انتزاع شيء من الاستفزاز:

"مالأمر، سيدي الزعيم؟ هل سأنهي هذا الثرثار مع صديقه المتحجر هذه المرة؟ أم أن هناك تغير آخر؟"

ابتسم الزعيم ابتسامة ضيقة، ثم قال بنبرة باردة:

"أليكس، لا تتسرع، لدينا خطط أخرى، سنستمتع بحالة فيلكس وريتشارد بعد قليل."

ثم أمر الزعيم الحراس بسرعة أن يجلبوا فيلكس وريتشارد، وأول من دخل كان فيلكس قال بسخرية:

"هل هناك شيء غير عادي يحدث هنا؟ أعتقد أنني محط اهتمام الجميع الآن."

قال الزعيم بصوت منخفض كالنصل:

"كشفت خيانتك أيها اللعين.

التفت فيلكس إليه بعينين تشتعلان خوفا ولكنه تدارك خوفه، وصاح متحديًا:

"أتظن أنك قادر على كسري؟"

أجابه الزعيم بصوت جليدي مستهزء:

أنتما... ستكونان عبرةً تُروى."

ثم انبرى ريتشارد يتوسل وقد تسربت الرعشة إلى نبرته:

"سيدي... لستُ جزءًا من هذه الخيانة!

كنتُ أتبع الأوامر فحسب! فيلكس هو الرأس المدبر، صدقني!"

رمقه الزعيم بنظرة باردة، ثم قال بلهجة ثابتة:

"حين تصمت على الجريمة، تصبح شريكًا فيها ريتشارد، لم تنطق بكلمة حتى صار الخنجر في خاصرتنا... الآن تود النجاة؟ فات الأوان."

تجمد ريتشارد في مكانه، وكأن الهواء من حوله ثقُل، وعيناه تدوران في الغرفة يائسًا، باحثًا عن مخرج.

التفت الزعيم إلى فيلكس وقال بنبرة قاتلة:

" لن تغادر وحدك ايها اللعين، خادمك الوفي سيرافقك إلى الجحيم."

في الزاوية، كان أليكس يراقب ثم قال ببطء، وهو يتقدم بخطى ثابتة:

"لقد خنتم الثقة، وآن أوان الحساب."

فيلكس، الذي بدا ثابتًا بداية الأمر، بدأ التوتر يتسلل إلى حركاته، لكنه تشبث بكبريائه:

"لن تنتهي القصة هنا... هناك من سيأتي من بعدي، وستندمون جميعًا."

أما ريتشارد، فكان يتوسل كمن يُغرق في ظلمات البحر:

"أرجوكم... لا أستحق هذه النهاية... أرجوكم!"

لكن الكلمات ارتطمت بجدران الغرفة ولم تجد آذانًا.

رفع الزعيم يده وأشار لأليكس إشارة خفيفة، وقال دون أن يرمش:

"نفذ."

أومأ أليكس بإيجاز، ثم اقترب من فيلكس وريتشارد كظل الموت، وفي لحظات صامتة... دوّى صوت الرصاص.

طلقتان اخترقتا رأسيهما كأنهما وضعتا نقطة النهاية على صفحة ملوّثة بالخيانة.

أغمضت عيني للحظة، ورأسي يدور مع قسوة المشهد، لكنني تمالكت نفسي سريعًا.

إبتسم أليكس وهو ينفث هوائه على فوهة سلاحه:

لا مجال للشفقة في هذا المكان... في هذه القاعة المظلمة، وحدهم الأوفياء ينجون.

بعد التصفية، اجتمعنا مع الزعيم في غرفة الاجتماعات.

الجو كان مشحونًا بالصمت الثقيل، لا أحد يتحدث، لكن العقول كانت تموج بالأفكار والتساؤلات.

جلس كريس بجانبي بثباته المعتاد، وكأن ما جرى للتو لم يكن إلا عرضًا مسرحيًا شاهده مرارًا.

ثم فجأة، وبنبرة هادئة كعادته، قال:

"سيدي... هل لي بطلب؟"

رفع الزعيم حاجبه، ونظر إليه بثبات، ثم قال:

"تفضل، لقد أنهيتَ مهمة لم يجرؤ أحد غيرك على كشفها، تستحق أن تُسمع."

وقبل أن يُكمل كريس حديثه، قاطعتُه سريعًا وأنا ألتقط أنفاسي:

"سيدي، نرغب بإجازة قصيرة من مهام المنظمة."

بدت الدهشة على ملامح الزعيم، وكأن الفكرة لم تخطر له أبدًا، التفت إلى كريس وقال متسائلًا:

"إجازة؟ بعد كل ما حدث؟

أجاب كريس دون أن يهتز صوته:

"نعم، أسبوع واحد خارج البلاد... ثم نعود بتركيز مضاعف واستعداد لأي مهمة قادمة."

صمت الزعيم لثوانٍ، ثم هزّ رأسه ببطء وقال بأمر :

أسبوع واحد فقط.... مع السلامة.

خرجنا من الغرفة، كأننا نجونا من الموت لنمنح أنفسنا هدنة قصيرة...

ركبنا السيارة، جلستُ بجانب كريس، وأنا أبتسم ابتسامة خفيفة لكنها مليئة بالمعاني.

نظرت إليه وقلت بمرح ممزوج بالحذر:

"مرحبًا بك في عالم أراس ديميركان،

سيد أوزان دينيز."

ابتسم كريس بخبث، ومال برأسه قليلًا نحوي قائلًا:

"من يستخدم أسماءنا المزيفة... عليه دفع تكاليف الرحلة كاملة، هل اتفقنا، سيد أراس؟"

ضحكت بسخرية وقلت بتحدٍ واضح:

"إذًا لنبدأ بتجهيز أوراق السفر، سيد أوزان ولكن... لا تتوقع مني أن أكون مسافرًا هادئًا."

رد كريس بسخرية وهو يشغل المحرك:

"وهل كنت يومًا هادئ؟"

انطلقت السيارة، ومعها بدأت رحلة جديدة،

رحلة لم أتوقع يوما أن تحدث لي.

_

_

(سيفدا)

استيقظتُ صباحًا على صوتٍ ناعم يهمس باسمي بإلحاحٍ مفعم بالحيوية:

"سيفدا... انهضي وانظري إليّ!"

فتحتُ عينيّ بتكاسل، وما إن اعتادت على النور، حتى وقعت نظرتي على إليف...

كانت تقف أمامي، ببدلتها الحمراء، وابتسامةٍ عريضة تتوسّد شفتيها، عيناها... يا إلهي كأن بهما نورًا عاد لينبض بعد غياب.

قالت بحماسةٍ كأنها طفلة تستعدّ لعيد:

"اشتقت لها! اشتقت لرحلاتي، لصوت الطائرة، لرائحة المطارات، لكل شيء!"

توسّعت حدقتاي بدهشة، ونهضتُ فجأة من فراشي، حتى شعرت بدوارٍ خفيف.

وضعت يدي على جبيني وهمست:

"هل_هل ستعودين للعمل؟"

اقتربت مني، ثم جلست على حافة السرير، وضعت يدها على يدي وقالت بثقةٍ لا تقبل الجدل:

"بالطبع... الحياة لا تنتظر أحدًا، وأنا خُلقتُ للحركة، للمجازفات، والركض خلف الحقيقة.

خرجتُ مع إليف متوجهتين إلى المطار، وفي داخلي شعورٌ غريب بعدم الراحة.

قلبي لم يطاوعني أن أتركها تذهب وحدها.

عندما دخلنا المطار، استقبلتنا مجموعة من المضيفات كنّ واقفات عند المدخل، يطلقن الزينة وكلمات الترحيب احتفالًا بعودة إليف إلى العمل.

تقدم مدير المطار بخطوات واثقة نحوها، يحمل باقة زهور أنيقة بين يديه. ابتسم بلطف وقال:

"تهانينا لعودتكِ، سيدة إليف، المطار بأكمله سعيد بعودتكِ بيننا."

أخذت إليف الباقة بابتسامة دافئة، وقالت:

"شكراً لكم على الترحيب الحار.

أنا سعيدة جدًا بالعودة."

أضاف المدير بنبرة عملية:

"استعدي، أول رحلاتكِ ستكون إلى إسبانيا. طائرتك ستغادر بعد ساعتين، لذا تأكدي من أن كل شيء على ما يرام."

أومأت إليف بحماس وقالت:

"سأكون جاهزة."

وقفت بجانبها، وحاولتُ أن أخفي قلقي من فكرة عودتها للعمل بهذه السرعة، لكن قلبي كان يعلم أن هذه هي إليف... لا شيء يستطيع إيقافها.

قررت أن أبقى معها حتى تقلع طائرتها.

جلست على أحد المقاعد القريبة، أراقبها عن كثب وهي تتفقد الأوراق، تتحدث مع الطاقم، وتطمئن على التفاصيل.

بدأ الركاب بالصعود إلى الطائرة واحدًا تلو الآخر، وكانت إليف تقف بجانب سلم الطائرة، توزع ابتساماتها على الجميع.

لكن فجأة، من بين الركاب الذين يصعدون، لفت نظري شخص ما، ملامحه كانت مألوفة بشكل غريب، وكان من الصعب أن أميز إن كان هو.

بدأ قلبي ينبض بسرعة، وتسللت إلى عقلي تساؤلات متعددة:

"هل يمكن أن يكون هو؟ ولكن ماذا يفعل هنا؟ وكيف انتهى به المطاف في هذا المكان؟"

تسارعت خطواتي باتجاهه، وقلبي يكاد يقفز من صدري.

وعندما أصبحت على بعد خطوات، تأكدت.

إنه هو.... كريستوفر.

عندما وصلت له، مددتُ يدي بسرعة، أمسكت بذراع كريستوفر لأتحدث معه، لكن، وقبل أن أفتح فمي، شعرت بيد قوية تمسك معصمي بقسوة، كأنها تعني إيقافي بأي ثمن.

التفتُ بسرعة نحو صاحب اليد، فوجدت رجلًا طويل القامة، يناهز طوله المئة والخمسة والثمانين بقليل

قامته مستقيمة كالسيف، عريضة الكتفين، ويملك في مشيته وقفة من تعوّد أن يسير في طرقٍ لا مجال فيها للرجوع.

ملامحه؟ كأنما خُلقت من تناقضٍ ناعمٍ وعاصف؛

فكٌّ واضح الحدة، وجبهةٌ عريضةٌ تنبئ بفكرٍ لا ينام.

أنف مستقيم بحدّة خفيفة تزيده ثباتًا،

وعينان بلون البندق المعتّق، تسكنهما نظرة جافّة، راصدة، لا تقبل الهزل.

في عينيه لا تجد الحنان، بل تجد شيئًا آخر...

نظرة من قرأ الحروب في أعين الرجال،

ومن عايش الخسارة حتى صارت وجهًا من وجوهه.

شعره بني داكن، يُقصّه بعناية عسكرية، ويتركه دائمًا كما هو، كما لو أن مظهره جزء من انضباطٍ صارمٍ لا يُخلّ به حتى المزاج.

لم أكن أعرفه، لكن هيبته كانت كافية لأن تجعلني أتراجع خطوة إلى الوراء.

قبل أن أتمكن من التفكير أو أن أسأل، قطع صمت الموقف صوت كريستوفر وهو يقول بهدوء جاف:

"أراس، اهدأ... إنها سيفدا."

أرخى الرجل الذي يدعى "أراس" قبضته قليلًا، لكن نظراته لم تترك معصمي.

كان يتفحصني كما لو أنه يريد أن يتأكد من شيء، ثم قال بصوت ساخر مشوب بالريبة:

"صحيح... أنتِ تلك الفتاة؟"

تراجعت خطوة أخرى.

ماذا يقصد؟ ولماذا هذا الرجل مع كريستوفر؟

ما الذي يحدث هنا؟

نظرت إلى كريستوفر بنظرة تحمل مزيجًا من القلق والغضب، وأطلقت كلمات كالسيوف:

"كريس إلى أين؟ ولماذا تركب في طائرة إليف؟ أرجوك إذا كنت تفكر في إيذائها تراجع فورًا.

هذه أول مرة تمارس فيها مهنتها منذ شهرين ونصف، لا تفسد عليها هذا اليوم."

نظر إليّ كريستوفر بنظرة باردة كعادته، لكن لم يجب على الفور، وكأن عالمًا آخر كان يختبئ وراء عينيه الجليديتين.

أخيرًا قال بهدوء قاتل، صوته غامض كأعماق البحر:

"سيفدا، أنتِ تبالغين، أنا هنا لأن لدي عملي الخاص، وجودي في طائرة إليف مجرد صدفة... أو ربما... قدر."

ثم التفت إلى الرجل الملقب بـ"أراس" الذي وقف خلفه كحارس شخصي، وكأن لا أحد يستطيع الاقتراب منه، وقال بنبرة ساخرة:

"أراس، هل تظن أنها ستصدقني؟

أم أننا بحاجة إلى رواية أكثر إثارة؟"

رد أراس بابتسامة مشبعة بالسخرية، وكأنه وجد متعة في اللعبة:

"بصراحة؟أعتقد أن كذبتك جيدة بما يكفي لتجنب دراما المطار."

أمسكت بذراع كريستوفر مجددًا، وقلت بتحدٍّ قاطع:

أليست المنظمة كافية لتثير فوضاك؟

هل تريد أيضًا؟ العبث بحياة أصدقائي؟"

ابتسم كريستوفر أخيرًا، لكن ابتسامته لم تكن مطمئنة، بل كانت ابتسامة قاسية، كأنها تستفز العالم بأسره.

وضع يده على معصمي برفق، ثم قال بنبرة مليئة بالسخرية الهادئة:

"سيفدا، دائمًا تأخذين الأمور على محمل شخصي، لا أدري ماذا حدث للملقبة بـ 'إليف'، لكن أعدك أنها لن تتأذى، على الأقل... ليس مني."

تركني وتوجه نحو الطائرة، وكأن شيئًا لم يكن ولم يحدث.

قبل أن أتمكن من التفكير فيما يحدث، جاء الصوت من مكبر الصوت في المطار:

"تم تأجيل الرحلة رقم 2272 المتجهة إلى إسبانيا لمدة ساعتين إضافيتين، نرجوا

من الركاب البقاء في صالة الانتظار."

تم تأجيل الرحلة؟ شعرت وكأن السماء قد انفجرت في وجه الأرض، إنها فرصة لأكتشف ما الذي يفعله كريس هنا.

كانت إليف، أول الخارجين من الطائرة تلتها خطوات من كريس وأراس اللذين خرجا معًا، يتبادلان كلمات لم أستطع سماعها بوضوح.

قررت أن أتحرك بخطوات حذرة، اقتربت من كريس، مظهرة كأنني لا أهتم، لكن قلبي كان ينبض في صدري كأنه سيخرج من مكانه.

نظر إليّ كأنه كان ينتظرني، ثم قال بهدوء قاتل وكأن شيئًا لم يكن:

"أوه، سيفدا، هل أتيتِ لتوديع إليف؟

أم لتتبع خطواتي؟"

نظرت إليه بعينين مشتعلتين، ثم همست بصوت منخفض حتى لا ألفت الأنظار:

"كريستوفر، ما الذي تخطط له؟"

ابتسم ابتسامة جانبية، وكأن كل هذا الموقف هو مجرد ترفيه بالنسبة له.

ثم رد بنبرة هادئة، مليئة بالسخرية التي كانت تكاد تقتلني:

"اهدئي، إنها مجرد إجازة، صدفة عجيبة أن تكون رحلتي على متن الطائرة التي تعمل فيها عزيزتك إليف."

نظرت إليه بسخرية، ولوهلة كنت سأقلب عيني ضجرا، ولكني تذكرت كيف ينقلب الى وحش عندما افعلها :

"إجازة؟ أنت؟ كريس تأخذ إجازة؟

هذا آخر شيء يمكنني تصديقه."

ضحك بخفة، ضحكة كانت كالسيف المرهف، ثم أردف:

"جيد أنك تراجعتي عن لعنة تلك الحركة، ثم حتى نحن الأشخاص المشغولون نحتاح الى بعض الراحة..

حاولت أن أقرأ ملامحه، لكنه كان كالعادة صامتًا كالجدار، لا يكشف عن شيء.

قبل أن أتمكن من الرد، تدخل أراس فجأة وقال بسخرية مريرة:

"سيفدا اسمك صحيح؟ نعم سيفدا، أنتِ تقلقين كثيرًا، كريس هنا ليغير الجو، وأنا هنا لأتأكد أن السيد الهادئ جدًا، لا يورط نفسه بمشكلة جديدة."

نظرت إلى أراس، ثم عدت بعيوني إلى كريس، وقلت لهم:

"لا أصدقكم لكن سأراقبكم، إن حدث أي شيء... لن أرحمكم."

أجاب بطريقة جعلتني اتمنى صفعه:

"كما تريدين، لكن صدقيني، إن كنتِ ستظلّين تشكين بي دائمًا، فقد يكون من الأفضل أن تأخذي إجازة أنتِ أيضًا."

تركتهما، وابتعدت قليلاً، بقيت أراقبهم من بعيد، وقلبي لا يتوقف عن الخفقان،

كريس يجلس هناك بهدوء غريب، كأن لا شيء في العالم يزعجه.

بينما أراس، الذي لا يكف عن المفاجآت، نهض فجأة، واتجه نحو المقهى القريب، هل ذهب لشراء قهوة لهما؟ أم كان يريد فقط أن يهرب قليلاً؟

لم أستطع إخراج تلك الهواجس من رأسي، هل يجب عليّ أن أذهب وأتحدث مع كريس مرة أخرى؟ أم أنني سأبدو كالمتطفلة التي لا تعرف كيف تبتعد؟

ترددت للحظة، لكن قلبي كعادته، تفوّق على عقلي تنفست بعمق، وأخذت خطوة نحو كريس، بينما كان غارقًا في النظر إلى شيء على هاتفه.

اقتربت منه بخفة، وعندما رفعت بصري، وجدته يرفع عينيه نحوي، ينظر إليّ بنظرة باردة.

قال كريس بصوته الهادئ، وكأنّه يتحدث عن شيء عادي تمامًا، لا يحمل في نبرته أي اهتمام حقيقي:

"كنت أعلم أنكِ ستعودين... فضولكِ لا يترك لكِ خيارًا آخر، اوليس؟"

لم أرد منحه لذة السيطرة على الموقف، فتجاهلت نبرته المستفزة ورددت بصوتٍ حازمٍ لا يقبل المساومة:

"كريس، أريد إجابات. لماذا أنت هنا؟

لا أستطيع أن أتجاهل الشعور بأنك تخفي شيئًا كبيرًا."

لم يتأثر بكلماتي، بل وضع هاتفه جانبًا بهدوء، وأسند ذراعه على الطاولة بثقة لا تطاق.

ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة الغامضة التي لا تدل على شيء واضح، وقال:

"ألم أخبركِ من قبل؟ إنها مجرّد إجازة.

في بعض الأحيان تكون الأمور ببساطة كما تبدو ... بلا ألغاز ولا عقد."

ارتجفت يداي تحت الطاولة، لكنني تماسكت. قلت بنبرة حاولت جاهدًة أن تبقى ثابتة:

"إجازة؟ لا تبدو كذلك إطلاقًا."

ضحك بسخرية ناعمة، لكنها كانت تحمل شيئًا من التحدي، وكأنه يعرف كم تستفزني طريقته:

"ربما... كنت فقط أبحث عن طريقة للهروب منكِ لبضعة أيام.. من يدري؟"

نظرت إليه مطولًا، لا لأنني كنت أبحث عن رد، بل لأنني كنت أحاول ألا أنفجر. لم أُجبه.

فقط نهضت ببطء، واستدرت لأغادر، لكن صوته لحق بي:

"سيفدا."

توقفت، دون أن ألتفت. كأنّ نبرة صوته سحبتني رغمًا عني. التفت إليه ببرود، وقلت بنبرة متماسكة:

"ألم تكتفِ من سخريتك بعد؟"

رفع زاوية فمه بابتسامة جانبية، تلك التي لطالما جعلتني أشعر بالتيه، ما بين السخرية والغموض، وقال بصوتٍ هادئٍ على غير عادته:

"ألا تريدين أن تجلسي؟ربما الحديث وجهًا لوجه سيكون أقل توترًا من مراقبتنا من بعيد."

رفعت حاجبي بدهشة خفيفة، مستغربة من تغير نبرته المفاجئ. تنهدت داخلي، ثم لمت نفسي بصمت:

"سيفدا... هل فقدتِ عقلك؟ تجلسين مع رجل لا تعرفين حقيقته وكأنه صديق طفولتك!"

ومع ذلك... جلست.

لكنني تعمّدت أن أترك بيني وبينه مسافة واضحة، وكأنني أرسم خطًا لا يُمكن تجاوزه.

لم أنظر إليه مباشرة. كانت نظراتي تهرب نحو النافذة، وكأنني أجلس قرب غريب لا أريد منه شيئًا.

ساد الصمت بيننا لثوانٍ، لكنه قطعه بصوته البارد، فيه لمحة سخرية، كعادته:

"لِمَ كل هذا التوتر؟ تبدين وكأنك تحرسين شخصية رفيعة... لا صديقة."

التفت إليه ببطء، ونظرت مباشرة في عينيه، ثم قلت بهدوء فيه شيء من الحدة:

"لو كنتَ مكاني، وحدث لصديقك ما حدث لإليف... لربما فقدتَ صبرك منذ زمن."

قطب حاجبيه، وأظهر اهتمامًا صادقًا لأول مرة، وسأل بصوت منخفض:

"وماذا حدث؟ "

ترددت. جزء مني أراد أن يتكلم...أردت أن أراه يتأثر، ربما ليكف عن ألاعيبه، وربما ليكشف شيئًا من قلبه، إن وُجد له قلب أصلاً.

قلت أخيرًا، وعيناي تهربان منه إلى زاوية في الذاكرة:

"قبل ثلاثة أشهر...إليف أُصيبت بطلق ناري. هنا، في هذا المكان بالضبط، والنتيجة... شلل مؤقت."

أغمضت عينيّ للحظة، أحاول حبس الشعور الذي يرتجف في صدري، وتابعت بصوتٍ منخفض:

"واليوم... كانت هذه المرة الأولى التي تعود فيها للعمل، بعد كل ما مرّت به."

ظهر على وجهه شيء يشبه الصدمة، عينيه اتسعتا قليلاً، لكنه سرعان ما غطّى ذلك بنبرة حزينة خافتة:

"يا له من حادث مؤلم..."

ابتسمت بسخرية باهتة، رفعت زاوية فمي ببرود، وقلت:

"شكرًا لعطفك... سيد كريس."

نظر إليّ بثبات، ثم قال بنبرة هادئة:

"إن كنتِ قلقة... فلماذا لا تذهبين معها؟

لتطمئني بنفسك."

شعرت بوخز في صدري، شيء ما في طريقته أزعجني. لمحت فيه تهرّبًا مقنّعًا، فقلت بصوت خافت بالكاد يُسمع:

"لا أستطيع."

رفع عينيه إليّ بدهشة خفيفة، وظهرت على وجهه ملامح حيرة حقيقية:

"ولِمَ لا؟"

أشحت بوجهي، أردت أن أحتفظ بسرّي، أن أتركه يتعذب في جهله...لكن الكلمات خرجت منّي، وكأنها كانت تحترق في الداخل ووجدت طريقها للخلاص:

"لأنني... لن أحقق حلمنا بهذه الطريقة."

صمت للحظة، ثم تغيرت ملامحه، رفع حاجبه ببطء، وسأل بدهشة خافتة:

"حلم؟"

أجبته بسرعة، وكأنني أحاول أن أسحب الكلمة من الهواء قبل أن تلامس عقله:

"مجرد أمر... لا شيء مهم."

_

_

(ستيف)

بينما كنت أركّز نظري على كوب القهوة في يدي، غافلًا عن حركة المطار من حولي، شعرت فجأة بجسدي يصطدم بشيء لم ألحظه، أو بالأحرى شخص.

ارتفعت عيناي سريعًا لأدرك أنني اصطدمت بفتاة، وقد سقطت على الأرض بسبب اندفاعي.

شهقت بدهشة، وانحنيت فورًا أمدّ يدي إليها:

"آسف جدًا... لم أركِ، هل أنتِ بخير؟"

بدت متفاجئة للحظة، ثم حاولت الوقوف وهي تلوّح بيدها بخجل:

"لا بأس، أنا بخير... كنت مستعجلة فقط،

لا تقلق."

ساعدتها على النهوض، والتقطت حقيبتها الصغيرة التي سقطت أرضًا، ولاحظت ملامحها المرتبكة، تحاول إخفاء إحراجها خلف ابتسامة خفيفة.

ليست بالطويلة، ولا تتجاوز قامةُ جسمها عن مئة وسبع وخمسين سنتمتراً.

خصرها دقيق كقوسٍ ناعم، يُرسم على هيئة ساعةٍ من الزمن الذي لا يرحم.

وجسدها يتبع سلاسةَ حركة الريح، تلتحف ببذلة المضيفات، رفيعة القَصة، تُحيط بها كما لو كانت درعاً رشيقاً من الأناقة،

وجهها، شاحبٌ قليلاً، يحمل في طياته قصص نُقشت بحبر الصمت.

وشفتاها كاللؤلؤتين تسترقان نظرات صامتة، تفضح بينهما ابتسامةً ناعمةً لا تفصح عن ما تختبئ.

شعرها الأسود، منسدلٌ على كتفيها، ينحني كأمواج البحر في هدوء، يجعل من كل حركة لها رقصة تهمس في فضاء الغرفة.

أنا أيضًا حاولت أن أبدو هادئًا، لكن داخلي كان مضطربًا بشكل غريب... وكأن هذا اللقاء لم يكن صدفة.

وبينما كنت أرتب كلماتي لأعتذر مجددًا، شعرت بخطوات مسرعة تقترب من الخلف.

رفعت نظري، لأراها... سيفدا، ملامحها مشتعلة بالغضب، نظراتها تتقد كأنها على وشك الانفجار.

تجاوزتني وكأنني غير موجود، واتجهت نحو الفتاة التي اصطدمت بها، قائلة بلهفة ممزوجة بقلق واضح:

"إليف! عزيزتي، هل أنتِ بخير؟!"

تجمدت عيناي عليها... إليف؟!

تلك الفتاة الهادئة التي سقطت أمامي، كانت هي نفسها إليف التي سمعت عنها في أحاديث سيفدا؟!

لم أتمكن من إخفاء صدمتي، فتلعثمت قائلاً:

"إليف؟... هل هذه هي إليف التي كنتِ تتحدثين عنها؟!"

نظرت إلي سيفدا بسرعة، والغضب لا يزال يغلي في صوتها:

"نعم، إنها هي، ما الأمر؟

لِم تبدو وكأنك رأيت شبحًا؟"

لم أُجِب... لم أستطع.

قلت وأنا أحدق في وجهها بعفوية ممزوجة بدهشة:

"أنسة إليف... هل تعلمين أنكِ مشهورة؟"

ارتبكت للحظة، ثم أجابت بخجل ظاهر في نبرة صوتها:

" هل تعرفني؟"

سيفدا، التي كانت تقف بجانبنا، قطعت هذا الهدوء بنظرة حنق موجهة نحوي، وقالت بتهكم:

"نعم... وليتني لم أذكرها لك."

أما إليف، فابتسمت بخفة ناعمة يصعب وصفها بالكلمات، وأجابت بنبرة هادئة:

"تشرفت بك سيدي... ولا داعي للاعتذار،

إنه مجرد حادث بسيط لا أكثر."

كنت أراقبها بصمت، أتأمل بساطتها غير المتوقعة... وتلك الرقة التي تشع من حضورها.

هل هذه هي إليف؟ تلك التي كانت محور الحديث... ومصدر القلق؟ لم تكن كما توقعت

بل أكثر نقاءً بكثير.

وقبل أن أغرق في تفاصيل تلك الملامح المبعثرة، سحبتها سيفدا من ذراعها بخفة.

وهمست بنبرة صارمة:

"لا تعبث معها..."

رفعت عيناي نحو إليف مجددًا، وشعرت برغبة لا تفسير لها... رغبة تدفعني لمعرفة المزيد عنها.

تقدمت خطوة، ومددت يدي مبتسمًا:

"مرحبًا، إليف... أنا أرا-"

لكنني لم أكمل.

نظرة كريس وصلتني بسرعة خاطفة، نظرة لم تكن بحاجة لكلمة واحدة.

تحذير واضح... "اصمت."

تداركت الأمر فورًا وقلت:

"أنا ستيف ديفيد.

نظرت إلي، ثم رفعت يدها بخجل حذر وصافحتني بلطف، وقالت بصوت خافت:

"أهلاً وسهلاً بك... تشرفت بمعرفتك،

سيد ستيف."

ثم أضافت، بصوت بالكاد يُسمع، أقرب للهمس منه للكلام:

"ستيف!!.

نظرت إليها، وابتسمت، كانت تلك اللمحة الصغيرة كفيلة بجعل قلبي يشتعل بفضول لا حدود له.

قلت لأكسر الصمت الخفيف:

"لا تستغربي من اسمي... والدي أجنبي،

هو من أطلقه عليّ."

هزّت رأسها بسرعة ونفت بلطف، وقالت:

"كلا... لم أقصد شيئًا، إنه اسم جميل."

ابتسمت بلطف وأجبتها بنبرة دافئة:

"شكرًا... يسعدني أنه راق لكِ، واسمكِ أيضًا يحمل وقعًا جميلاً في النفس."

نظرت إليّ للحظة، نظرة خفيفة، لكن نظرات سيفدا المترقبة كانت كفيلة بأن تُعيدنا إلى الواقع.

قلت مبتسمًا:

"متى سنقلع بالطائرة التي تعطلت؟"

أجابت إليف بهدوء وبابتسامة لطيفة:

سيد ستيف، هل وجهتك القادمة... إسبانيا؟"

رفعت حاجبي ببطء، لم أخفِ استغرابي، وأجبت:

"نعم، كيف عرفتِ؟"

ابتسمت، تلك الابتسامة الصغيرة التي لا أعرف لماذا أربكتني، ثم قالت:

"لأن الطائرة المتعطلة كانت متجهة إلى إسبانيا... وسأكون من طاقم المضيفات عليها."

توقفت لثانية دون سبب منطقي... ثم ابتسمت بدفء لا يشبه هذا الجو البارد من حولي.

وجدتني أجيب، بصوت أخف مما اعتدت عليه:

"جميل... يبدو أنها ستكون رحلة مختلفة إذًا."

إبتسمت بخفة وقالت بلطف:

نعم، إنه عطل بسيط، سنقلع قريبًا."

قلت مازحًا:

"وهل عليّ أن أظل ألقّبك بـ(آنسة إليف) أم يمكننا تجاوز الرسميات؟"

ردّت بابتسامة خفيفة ونظرة خجولة:

"بالطبع... يسعدني أن نكون أصدقاء."

وقبل أن أُكمل، انطلقت سيفدا بنبرة حادة:

"ستيف؟ أم آراس؟"

نظرت إليها ببرود وقلت بهدوء مدروس:

"اسمي ستيف، لكنني أفضل أن يُنادى عليّ بـ أراس."

قالت بنظرة صارمة:

"أيًّا كان... ابتعد عنها، لا تجعلني أكرر كلامي!."

لكن إليف قاطعتها بلطف واضح ونبرة واثقة:

"سيفدا... لا تقلقي... أنا بخير. "

سيفدا سحبتها بلطف نحو زاوية قريبة لتتحدث معها على انفراد.

أما أنا، فوقفت أراقب إليف بشرودٍ غريب...حاولت أن أوقظ نفسي من شرود،

فقلت لنفسي:

أراس هل وقعت لها بهذه السرعة!

أهذا مايقولون عنه حب من أول نظرة!!

وفجأة، صوت مألوف شقّ أفكاري.

كريس همس بسخرية لاذعة:

"أراس... هل أُطبّقها لك؟ لأنه يبدو أنك عاجز عن إزاحة نظرك عنها."

نظرت إليه بضيقٍ وقلت من بين أسناني:

"اصمت اوزان... يكفي أنني سأدفع تكاليف الرحلة بأكملها دعني وشأني."

ضحك كريس بخفة وهو يتمتم:

"ذلك خطؤك أراس... أنت من خسرت الرهان."

اضاف بتحذير:

" استمع جيدًا، لا تستخدم أي شيء يمكن أن يكشف من نحن لا نحتاج لأي مشاكل إضافية."

عدت بنظري إليها، ولكن هذه المرة شعرت بثقل نظرات كريس نحوي، لم يتركني وشأني، وأكمل بنبرة أكثر استفزازًا:

"ستيف، أعجبتك أوليس؟ هل تريد مني أن أرتب لك موعدًا معها؟"

ابتسمت نصف ابتسامة وقلت بلا مبالاة:

"لن أنكر أنها لفتت انتباهي، لكن لا تقلق سيد كريس، سأترك الأمور تسير كما هي."

رد كريس بابتسامة جانبية، وكأنه حقق انتصارًا:

"جيد أنك تعترف، لكن تذكّر، نحن هنا للعمل لا لتحويل المهمة إلى مغامرة عاطفية."

حاولت أن أتجاهله، لكنني لم أستطع منع نفسي من النظر إليها.

_

_

( 3766 words.)

يلا آرائكم!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الولاء الصامت

المؤلف عاشقة المستحيل
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة