في الحياة، بعض الأبطال يظهرون وسط الظلام، ينقذونك ثم يرحلون، تاركين وراءهم لغزًا يحيرك أكثر مما يريحك."
<<<<<<<<<<<<<<<<<
توقفنا عند مدخل المبنى، بعد ان تأكدنا من رحيل اولئك اللعينين.
الجو كان مشحونًا بالتوتر، وكأن الأجواء كلها تشاركنا قلقنا.
ضربات قلبي كانت تتسارع، لكن المكان كان غارقًا في صمتٍ قاتل.
فقط خطواتنا الثقيلة هي التي تُسمع.
لا كلمات، فقط صمت ثقيل يعم المكان.
قلت، محاوِلة إخفاء ارتباكي:
"أظن أنه بإمكاني العودة الآن، لا حاجة لك أن تبقى هنا."
لكن بدلًا من الرد، أوقفني بحركة باردة.
حركة كانت كفيلة بأن توقف جميع أفكاري.
قال بصوت عميق:
"لن تذهبي وحدك."
نظرت إليه بدهشة لم أكن أستطيع استيعاب ما سمعته.
أجبت، وأنا أحاول أن أبدو قوية:
"لماذا؟ أعتقد أنني أستطيع العودة بمفردي."
رفع حاجبيه قليلاً، لكن عينيه ظلت ثابتة، جامدة.
رد بصوت خافت، لكن حاسم:
"أنتِ لا تدركين الصورة بالكامل، الحياة ليست كما تظنين."
الكلمات كانت ثقيلة، وكأنها تترك أثراً عميقًا في قلبي.
حاولت أن أتماسك، لكن نبرته جعلتني أشعر وكأنني أواجه جدارًا باردًا:
"وأنت؟ لماذا تفعل هذا؟ هل لديك مصلحة في متابعتي؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ضبابية، غامضة:
"ليس ما تظنينه، فقط حافظي على هدوئك."
كان صوته منخفضًا، لكنه كان يحمل في طياته أمرًا لا يمكن رده.
شعرت وكأنني أبتلع كلماتي، لم أستطع الرد.
كلما نظرت إلى عينيه، كلما شعرت أنني أغرق في بحر من الغموض.
ثم، سار أمامي يمسك بمعصمي ويجرني
دون أن يلتفت.
كنت أتبعه، رغم أنني لا أريد ذلك.
وصلنا إلى سيارته الفخمة، السوداء، اللامعة، كانت السيارة تحمل هيبة لا توصف، كأنها تكمل صمت الليل الذي نعيشه.
دخلنا السيارة، لكن الصمت كان يملأ كل شيء.
أشعر أنني غارقة في أفكار متشابكة، وهو بجانبي، غارق في صمته.
حاولت كسر جدار الصمت الذي يملأ السيارة، فقلت بنبرة خفيفة، أبحث عن شرارة تفتح بيننا الحديث:
"ما اسمك؟"
لكنه لم يلتفت إلي، كانت عيناه ثابتة على الطريق، وملامحه جامدة، كأن سؤالي لم يُقال أصلًا.
ابتسمت بضجر، محاولة التسلل إلى بروده:
"كأنني... متشوّقة جدًا لمعرفة اسمك."
مرّت ثوان وكأنها دهر، ثم أخيرًا، بصوت منخفض يشبه الهمس، لكنه يحمل هيبة غريبة، قال دون أن يلتفت:
"كريستوفر."
كريستوفر!! ياله من إسم!
اسمه وحده كان كافيًا ليُربك دقّات قلبي.
ابتسمت، ثم همست:
"أنا سيفدا..."
تابعت بسرعة، وكأن قلبي سبقني:
"شكرًا لك... على كل شيء."
وصلنا إلى منزلي بعد ان اخبرته بمكانه، توقفت السيارة بسلاسة أمام البوابة.
مددت يدي لفتح الباب، لكن فجأة، أمسك بمعصمي بقوة وهدوء، لم تكن قبضته قاسية، بل واثقة.
تجمّدت... نظرت إلى يده، ثم رفعت بصري إليه... عيناه تراقبني بصمت عميق، نظراته آسرة، وفيها شيء مخيف... لكنه لا يُقاوَم.
قبل أن أتمكن من قول شيء، سحب يده ببطء وكأن اللحظة كانت أثقل مما تحتمل، ثم قال
بصوت منخفض خشن، نبرته أقرب إلى أمر:
"أعطني بطاقة الذاكرة."
ارتبكت، ونظرت إليه بتوجس، وصوتي خرج أضعف مما أردت:
"هل ساعدتني فقط من أجل بطاقة الذاكرة؟"
رفع حاجبه قليلًا بنظرةٍ ساخرة باردة، ثم ردّ بنبرة جعلتني أبتلع ريقي:
"لو كنت أريد البطاقة فقط... لما خرجتِ من هناك حيّة."
صمتّ، وكانت كلماته كصفعة أصابت قلبي مباشرة.
ثم تابع، بنفس البرود، لكن خلف نبرته شيء صادق، ثابت:
"لكنني هنا لأسبابٍ أخرى."
ترددت، نظرت إليه بقلق، وقلت بنبرة حذرة:
"ولماذا تريدها إذن؟ لقد خاطرتُ بكل شيء للاحتفاظ بها... لن أُسلّمها بسهولة لرجلٍ غريب!
ارتسم على شفتيه شبح ابتسامة، بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لبعثرة مشاعري:
"تحتوي البطاقة على معلوماتٍ قد تُنقذ، أو تُدمّر، ولا ينبغي أن تقع في الأيدي الخطأ.
إن كنتِ حريصةً على حياتك... فستفهمين."
صوته كان هادئًا، لكن فيه نغمة حارقة... كأن تحت ذلك الجمود نيرانًا لا تهدأ.
لم أجد ما أقوله، قلبت عيني بضجر، بعد كل محاولاتي للحفاظ عليها، ها أنا أعطيها بكل رحابة صدر لرجل غريب.
شعرت بغضبه يتطاير فجأة عندما أردف ببرود حاد:
"إياكِ وقلب عينيكِ بتلك الطريقة مرة أخرى،
وإلا نزعتُهما من محجريهما وعلّقتهما قلادة في عنقك، هل فهمتِ؟"
تجمدت من نبرته، فأومئت بصمت، بالطبع لن أعانده فحياتي على المحك الان.
وحين فتحت الباب لأغادر، جاء صوته من الخلف، باردًا... حادًا:
"لا تخبري أحدًا بما حدث. "
تجمّدت في مكاني، التفت إليه ببطء.فأضاف:
"لا أريد تدخل أحد في هذا الموضوع، إن علم أحد بما جرى، قد تفقدينه."
كلماته سقطت كالثقل على صدري، تحمل تحذيرًا... وخوفًا خفيًا عليّ.
نظرت إليه للحظة، ولم أفهم مشاعري،
لكنني أيقنت أن خلف هذا البرود... رجل لا يشبه أحدًا.
ترجلت من السيارة، لكن قلبي... بقي هناك.
---
اتّجهت نحو المنزل والليل قد بلغ منتصفه، والجميع يظن أن تأخّري كان بسبب المعرض.
دخلت بصمت، أغلقت الباب خلفي بحذرٍ وكأنّني أخشى أن تتسرّب الحقيقة من بين أنفاسي.
صعدت إلى غرفتي مسرعة، وكأنني أهرب من تلك الذكريات الثقيلة التي التصقت بي طوال الطريق.
دخلت الحمام واستحممت بسرعة، أحاول عبثًا أن أُطهر نفسي من أثر لمسته، من ظلال نظراته التي لم تفارقني للحظة.
رغم حرارة الماء المنسكب على جسدي، ظلّ برده يتسلل إلى أعماقي، صورة وجهه، عيناه الباردتان، صوته الهادئ القاسي، كلّها تتراقص أمامي كأنّها مشاهد محفورة في عقلي.
كيف لرجلٍ بالكاد أعرفه أن يعبث بسلامي بهذه الطريقة؟
كانت نظراته كمن يرى الناس دون أن يراهم، كأنّه يحمل ثِقَل عالمٍ كاملٍ فوق كتفيه... عالم لا يريد لأحد أن يقترب منه.
ارتديت بجامتي السوداء، وجلست على حافة السرير، أُحدّق في الفراغ، حاولت تصفية ذهني.
لكن كلّما أغمضت عيني، عادت كلماته لتطرق رأسي من جديد، تعيدني إلى تلك اللحظة، إلى طريق العودة، إلى معصمي حين أمسكه.
ما الذي يريده حقًا؟ ولماذا أنا تحديدًا؟
استسلمت أخيرًا للنوم، بعد أن أرهقني التفكير، وغرقت في سباتٍ طويل.
***
استيقظت على صوت هاتفي الذي يرنّ بإلحاح، كان شريكي في العمل، ردَدتُ عليه بصوتٍ متماسك رغم التعب العالق في نبرتي.
قال بصوتٍ معاتب:
"أين كنتِ سيفدا؟ لقد اختفيتِ فجأة... ولم تُخبِرينا بشيء."
أجبت معتذرة، وأنا أحاول جمع شتات نفسي:
"آسفة إيمره... طرأ أمرٌ طارئ، لم أتمكّن من التواصل."
صمت للحظة، ثم قال بهدوء:
"لا بأس... لقد انتهى المعرض بكل سلام."
بعد انتهاء المكالمة، توجهت إلى المطبخ وجلست لتناول الإفطار، لكن… لم أكن هناك فعلًا.
عيني تحدق في فنجان القهوة، وذهني يسبح بعيدًا، يتنقل كفراشة مذعورة بين تفاصيل الحادثة… وصوت ذلك الرجل الغامض.
كنت أغوص في أفكاري بصمت، حين شعرت بوجود مارت يجلس قربي.
لم يقل شيئًا في البداية، فقط راح يراقبني بنظراته المعتادة التي لا تفوّت شيئًا.
ثم سأل بصوت منخفض وكأنه يخشى كسر الزجاج الذي بداخلي:
"ما بكِ عزيزتي؟ هل هناك شيء يزعجك؟
حاولت رسم ابتسامة خفيفة على وجهي، علّها تُطمئنه، علّها تُقنعني أيضًا أن كل شيء بخير… لكن توتري كان يفضحني.
ترددت، ثم قلت بصوت واهن:
"لا شيء، فقط… أشعر ببعض التعب."
لم أكن أُجيد الكذب، لكنني لم أكن مستعدة للحقيقة أيضًا.
في طريقي للعمل، ارتديت قناعًا شفافًا من التماسك… ذلك النوع من الأقنعة الذي يُخفي خلفه حربًا داخلية.
كنت أحاول التركيز على مهامي، أن أُغرق نفسي في التفاصيل، ولكن… تلك النظرات، تلك اللمسة، تلك الكلمات… كانت تُطاردني كظل لا يفارقني.
***
مرّت الأيام ببطء، وقلبي يسير على أطراف أصابعه.
لكن وسط كل ذلك القلق، كان هناك أمر يهدئني
الا وهو تحسن حالة إليف شيئًا فشيئًا، كان وجهها يستعيد لونه، وابتسامتها بدأت تعود.
وجدت في رعايتها، وفي عملي، ملجأ صغيرًا أتنفس فيه… رغم أنني كنت أعلم، أن ما حدث… لم ينتهِ بعد.
-----
سينتقل سرد الاحداث الى(كريستوفر)
-----
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والشارع أمامي صامت إلا من همسات الإطارات على الإسفلت المبتل.
أقود سيارتي ببطء، وكأنني لا أرغب في الوصول، وكأن الطريق ملجأ مؤقت من ضجيج الأفكار في رأسي.
سيفدا.
ذلك الاسم الذي تسلل إلى ذهني دون إذن، واستقر فيه بثقل غريب.
لم أكن أبحث عنها… لكن القدر قرر أن يرميها في طريقي.
وهي، ببساطتها وجرأتها، بدأت تعبث بتوازن خطتي.
وقفت عند الإشارة الحمراء، حدّقت في الضوء الثابت أمامي، بينما فكري كان يركض خلف تفاصيلها.
شيء ما فيها... جعلني أشعر بالاضطراب، تصرفاتها لا تشبه أحدًا ممن التقيتهم في هذا الطريق المُعتم.
كانت نقيضة كل شيء أعرفه… وهذا بالتحديد ما يجعلها خطرًا.
هل هي صدفة؟ أم أنها وُضعت هناك عمداً؟
لا أعلم، ما أعلمه فقط… أنها الآن أصبحت جزءاً من خريطتي، وخريطتي لا ترحم من يتجاوز حدودها.
وصلت إلى المنزل، أطفأت المحرك، وجلست للحظة في السيارة.
كل شيء ساكن، لكن رأسي يموج بأصوات كثيرة…
المنظمة… المهمة…
تنهدت بعمق، ثم ترجلت ودخلت المنزل.
ستيف لم يأتي بعد، وهذا أفضل، الفوضى في الخارج تكفيني.
دخلت غرفتي، وأغلقت الباب خلفي بإحكام، كأنني أُغلق على سر لا يجب أن يسمعه أحد.
ألقيت نظرة على الأوراق المبعثرة فوق المكتب… تقارير، ملاحظات، تفاصيل المهمة القادمة.
وقفت أمام النافذة، أحدق في العتمة لمدة ثم ذهبت لأستحم، ربما... ربما يزورني النوم قليلا.
***
بدأ يوم جديد، ومعه مشاعر القلق التي تسللت إلى عقلي.
رغم أن كل شيء من حولي يبدو عاديًا، إلا أن هناك شيئًا غير مرئي يثير توتري ويشعل في داخلي الأسئلة التي لا أستطيع الإجابة عنها.
دخلت مكتبي في المنظمة، وكان الانتظار ثقيلًا كعادته.
ملفات جديدة تنتظرني، كما لو أن العالم بأسره كان يترقب تحركاتي.
مع حلول الليل، دخل أحد رجال المنظمة إلي، خطواته الغاضبة كانت تسبق حضوره، وحين دخل، شعرت فورًا بتغيير في الأجواء.
توقف للحظة أمامي، وكانت عيناه مشتعلة بالغضب، بينما كنت أنا متماسك وبارد الأعصاب لا أسمح له بأن يؤثر عليّ، سألته بكل ثبات:
"ماذا حدث؟"
أجابني وهو يكاد ينفجر غضبًا:
"لماذا تأخرت في القدوم؟ كانت هناك توجيهات واضحة، والآن بدأت الأمور تخرج عن السيطرة."
أجبته بصوت هادئ، حاولت أن أوازن بين البرد والسلطة في كلماتي:
"الأمور تحت السيطرة، أنت تحتاج إلى فهم أن الأشياء لا تحدث دائمًا كما نريدها."
أخذ نفسًا عميقًا، وقال بصوت متوتر:
"لكننا لا نملك وقتًا، يجب أن نسرع، المنظمة لا تنتظر."
رددت عليه بثبات، كنت أدرك أن الكلمات مهما كانت حادة لن تنقذ الموقف:
"أعرف جيدًا ما يجب فعله، إذا كنت تظن أن التوتر سيساعدنا، فأنت مخطئ."
جلس الرجل أمامي، عيونه كانت تشع بالغضب تحاول اختراق الجليد الذي أضعه بيننا.
بدأ يتحدث عن سيفدا عن تلك الفتاة التي أفلتت من بين أيدينا، عن الطريقة التي تمكنت بها من النجاة.
كان يسخر، لكن خلف سخريته استهزاء من ماحدث:
"كيف لشخص مثلها أن ينجو؟ كيف أفلتت منا؟"
لم أخبره بالطبع أنني كنت أعلم بكل شيء. وأنني أيضا من أنقذها من بين لعنة أيديهم.
استمر يتكلم، محاولًا فهم ما حدث، وتوجه بحديثه إلى السخرية أكثر:
"إنها مجرد فتاة لعينة! كيف يمكن لها أن تظل حية بعد كل هذا؟"
شعرت بحمّى غضب داخلي، لكني تمالكت نفسي رددت عليه ببرود، ولكن بكلمات كانت كالرصاص:
"الرجال الذين يظنون أن الأمور بسيطة هم من يقعون في الفخ أولاً، كن حذرًا."
خرج الرجل أخيرًا، تاركًا خلفه آثار الغضب معلّقة في هواء الغرفة، وكأنها تأبى الرحيل.
جلست وحدي في المكتب، أستعيد كلماته الثقيلة، وبين تنهيدة وأخرى، حاولت أن أركّز في عملي، مدفوعًا برغبة في كبح التوتر المتصاعد داخلي.
لكن لم يمضِ وقت طويل حتى دُفِع باب المكتب بقوة، ودخل رجل آخر كأنه يداهم المكان.
رفعت نظري إليه ببرود، تمعّنت في وجهه للحظة، ثم قلت بسخرية خفيفة:
"يبدو أن المداهمات الليلة لا تعرف نهاية،
ما الأمر، ريتشارد؟"
كان ريتشارد أحد الرجال الموثوقين
( لفيلكس إسكوبار...)
ذاك الرجل الذي لا يتحرك ولايظهر إلا لأمر مصيري.
اقترب مني بخطى هادئة، لكن عينيه حملتا شيئًا أكثر اضطرابًا مما حاول إخفاءه.
قال بصوت منخفض:
"كريس... هناك خائن بيننا في المنظمة."
حدّقت فيه قليلًا، متفاجئًا من وقع كلماته، لكنني كنت أعلم...أعلم أن شيئًا كبيرًا كان قادمًا.
"هل أنت متأكد؟"
أومأ برأسه، وقال بصوت خافت لكن حاسم:
"الأدلة ليست كافية... لكنها قوية، هناك تحركات مريبة داخل المنظمة، شخص ما يسرّب معلومات حساسة."
أغمضت عيني للحظة، محاولة لتهدئة الصخب الذي بدأ في رأسي، ثم فتحتها بهدوء وقلت:
"متى تبدأ التحقيقات؟"
"لقد بدأنا بالفعل، نحن نتعقّب أحد المشتبه بهم، لكننا بحاجة إلى دعمك الكامل."
نظرت إليه بثبات، وأجبت بكلمات قاطعة:
"سنعرف من هو الخائن ريتشارد... لكن بهدوء لا نريد أن نزرع الفوضى داخل المنظمة أكثر مما هي عليه."
تنهد ببطء، ثم قال:
"هناك مؤشرات... قد يكون أحد كبار الأعضاء هو من يفعل ذلك."
شعرت بنبضات قلبي تتسارع، لكنني تماسكت ثم قلت بصوت منخفض:
"وما الذي يضمن لي... أنك لا تشك بي أنت أيضًا؟"
ضحك ريتشارد ضحكة قصيرة، لكنها حملت في طياتها شيئًا من الاستهزاء.
ثم اقترب خطوة وقال بنبرة هادئة لكنها صارمة:
"هل تظنني غبيًا؟ أم مجنونًا؟ أنت أكثر من يفهم آلية العمل داخل المنظمة،وقد مررتَ بهذا الجحيم أكثر من مرة...أنت لست في دائرة الشك، كريستوفر."
توقف لثوانٍ، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
"إن لم نتحرك الآن، سيقوم الخائن بإلصاق التهمة بأي أحد...وربما... نحن بالفعل ضمن قائمته القادمة."
كلماته جعلت القلق يتسلّل إلى أعماقي بهدوء، كتيار بارد يمر في العروق،
لكنني أخفيت ذلك خلف نظرات جامدة،
ثم تمتمت بثقة:
"سنكتشفه، ريتشارد، لكن الأمر يتطلّب حذرًا وصبرًا."
_
_
( سيفدا )
خرجت من غرفتي بخطوات هادئة، متجهة نحو الدرج.
كانت إليف تقف هناك، عند الحافة، تنظر إليّ بنظرات خجولة، كأنها تنتظر دعوة بسيطة للنزول معي.
اقتربت منها وانخفضت إلى مستوى ركبتها،
تحدثت إليها بلطف، فرأيت بوضوح لمعة إعجاب في عينيها، وكأنها ترى فيَّ شيئًا جميلاً اليوم أكثر من المعتاد.
ابتسمتُ وقلت بنبرة مرحة:
"خمني لما أنا انيقة اليوم؟"
ثم أضفت بسرعة، قبل أن ترد:
"أنا على وشك أن أحدد لكِ موعدًا مع عارضكِ المفضل... كاغان."
شاهدت تعبير وجهها يتبدل في لحظة،
الفرح كان واضحًا، كأن ضوءًا أشرق في عينيها،
وارتسمت ابتسامة نقية على ملامحها الصغيرة.
لكن... لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى انقلب كل شيء.
شعرت بكعبي يعلق بين درجات الدرج،
وتوازني اختلّ في لحظة لم أكن مستعدة لها.
جسدي سقط بسرعة مؤلمة.
وقبل أن أستوعب ما حدث، سمعت صوتًا يمزق الصمت من حولي:
"سيفداا!"
كان الصوت صرخة، لكنه مألوف...كان صوتها...هي
إليف.
الألم في ظهري لم يكن أقوى من المفاجأة التي صدمتني، هل كانت تلك حقًا... هي؟
هل نادتني بصوتها؟
تمالكت نفسي بصعوبة، وصرخت بألم وذهول:
"إليف... هل... تحدثتِ؟"
لكن الألم قطع عليّ كلماتي.
مارت كان أول من ركض نحوي، وحملني بسرعة إلى المستشفى، كل لحظة في الطريق كانت ضبابية، مختلطة بين ألم جسدي ودهشة ما سمعته منها.
الطبيب طمأننا لاحقًا، لا كسور، فقط بعض الرضوض، حين خرج هو وأمي ومارت من الغرفة، تركوني أنا وإليف وحدنا.
جلست بجانبها، وأنفاسي لا تزال متلاحقة من وقع المفاجأة، نظرت إليها وقلت بصوت هادئ، يكاد يهمس:
"كيف تحدثتِ؟"
لم تجب.
مدت يدي الى الطاولة، سحبت ورقة صغيرة وقلم، ثم أعطيتها إياها وكتبت:
"لا أعلم كيف...لكني عندما رأيتكِ تسقطين،
شعرت بشيء داخلي ينفجر، خفت أن أفقدكِ،
وفجأة، خرج الصوت من فمي."
قرأت كلماتها...
ثم نظرت إليها والدموع تغمر عينيّ، شهقت بحرقة، ثم صرخت بفرح مجنون:
"إليييييف! أكنتِ تتحدثين؟!
بحق السماء! أنتِ حقًا تحدثتِ!"
ركضت نحو الباب، ناديت بأعلى صوتي:
"أمي! مارت! تعالوا بسرعة! إليف... بدأت تتحدث!"
دخل الجميع ونحن في حضن واحد، بكيتُ وأنا أضمها بقوة، وهم ينظرون إلينا بدهشة وفرح.
بعد صمت دام لشهر ونصف، ها هو أول صوت منها يعود... كأن الحياة أهدتنا لحظة معجزة.
لحظة لن أنساها أبدًا.
كانت الفرحة تملأ المكان...
أليف استردت صوتها، وأمي لم تتوقف عن البكاء، تتنقل بين عناقها وعناق مارت.
أما أنا، فكنت واقفة هناك، أراقبهم بصمت، أتنفس الصعداء وكأن جبلًا من الألم انزاح عن صدري.
همست لها بصوت دافئ:
"أليف... هذا يومك. يوم انتصارك الحقيقي."
نظرت إليّ بعينيها الصافيتين، ثم همست بكلمة جعلت قلبي يقفز من مكانه:
"شكرًا لكم..."
صوتها... بعد كل هذا الغياب، عاد مثل نبضٍ توقّف فجأة ثم عاد ينبض بالحياة.
---
بعد يومين من الصراع مع نفسي، قررت أن لا أظل صامتة أكثر.
دخلت مركز الشرطة بخطوات ثقيلة، لكن عزيمتي كانت أقوى من أي تردد.
كان القائد جالسًا خلف مكتبه، بنفس الهيبة المعتادة، عيونه تلمع بخبرة من رأى الكثير.
ابتسم فور رؤيتي:
"أهلاً بكِ، سيفدا. كيف حال إليف؟"
—"إليف بخير... تتعافى ببطء، لكنها أقوى مما كنت أتصور."
ترددت قليلًا، ثم تابعت:
"أخبرتها عن قصتك مع صديقك، شعرت أنها بحاجة لأن تعرف... أنها ليست وحدها."
أومأ برأسه، وعيناه تشي بالكثير مما لم يُقل:
"قصتي مؤلمة، نعم... لكنها لم تذهب سدى. والآن، لماذا أتيتِ؟ تبدين مشوشة."
جلست أمامه، وتشابكت أصابعي بقوة وكأنها تحاول الإمساك بما تبقّى من شجاعتي.
قلت بقلق:
"في يوم المعرض، حصل شيء غريب، شيء لم أستطع نسيانه حتى الآن. أشعر أن هناك خطرًا خفيًا خلف كل ما حدث."
رفع حاجبيه بتركيز شديد، وقال بصوت منخفض وكأنه يستعد لسماع تفاصيل صادممة:
"ماذا حدث سيفدا؟"
"سأكون صريحة معك، أيها القائد..."
قلتُها ونبرة قلقي تتسلل إلى الكلمات،
"بينما كنتُ أتنقّل بين الحضور في المعرض، لفت انتباهي وجود مجموعة من الرجال يقفون في زاويةٍ بعيدة... لم أكن متأكدة من نواياهم في البداية، لكن الأمور تصاعدت بسرعة... لقد طاردوني."
ارتسمت علامات القلق على ملامحه، وارتفع حاجباه:
"طاردوكِ؟ ولماذا لم تُخبِرينا بذلك فورًا؟"
أجبته بسرعة، وكأنني أُدافع عن قراري:
"كنتُ مرتبكة... ولم أرغب بإثارة الذعر أو إشراك أحد في أمرٍ لم أكن متأكدة منه.
اقترب بجسده للأمام قليلًا، وقال بجدية:
"هل تعرفين من يكونون؟
أو ما الذي أرادوه منكِ تحديدًا؟"
هززتُ رأسي نفيًا:
"لا... لكن أحدهم كاد أن يُمسكني، نجوتُ بإعجوبة."
ضاقَت عيناه وهو يتكئ للخلف، صوت تفكيره يكاد يُسمع في الصمت:
"سيفدا، ما تصفينه يوحي بوجود جهة تقف خلفهم!."
ثم أردف بتساؤل دقيق:
"هل رأيتِ شيئًا قد يدل على هويتهم؟
أي علامة، وشم، أو رمز؟"
ترددتُ لوهلة، أُقلّب الصور في ذهني... ثم قلت:
"نعم... أحدهم كان يحمل وشمًا على يده، لم أتمكن من رؤيته بوضوح تام، لكنه بدا لي كمجسّم لطائر... نسر أو صقر."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ عميق:
"هذا قد يكون خيطًا مهمًا، ما حدث لا يمكن التهاون معه.
نظرت إليه، والتردد يزاحم تساؤلاتي:
"لكن... هل تظن أن ما حدث مرتبط بشيء أكبر؟"
نظر إليّ بعينين لا تعرفان الهزل، وقال بنبرةٍ حاسمة:
"جميع الاحتمالات واردة. ولهذا... علينا أن نتحرّك قبل أن يسبقونا بخطوة."
غادرتُ المكتب وأنا أشعر بثقلٍ خطواتي نحو السيارة كانت مثقلة بالأفكار، قبل أن أسمع صوت خطوات مسرعة خلفي.
التفتُّ، لأفاجأ بالقائد يتقدّم نحوي بعجلة ونظرة جادة تملأ وجهه.
توقف بجانبي وقال بنبرة خافتة ولكن حازمة:
"سيفدا... أحتاج إلى مساعدتك في أمر حساس. لكنه ليس سهلًا، وقد يحمل بعض المخاطر."
حدّقت فيه بدهشة وقلتُ:
"ما الأمر؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"هناك اجتماع مرتقب لمجموعة تابعة لمنظمة خطيرة... خططنا لنصب فخ لهم في أحد المطاعم. سنقوم بمراقبتهم عن كثب."
ثم اقترب قليلاً، وخفّض صوته:
"نحن بحاجة إلى شخص يمكنه الاندماج بين العاملين دون إثارة أي شكوك. وكنتُ أعتقد... أنكِ قد تكونين الخيار الأنسب."
ارتفع حاجباي تلقائيًا من شدة المفاجأة:
"أنا؟! ولكن... ماذا لو كانوا نفس الأشخاص وتعرّفوا عليّ؟ ستكون مخاطرة كبيرة!"
—أعلم أنكِ لستِ شرطية، ولكن وجودكِ في دائرة الأحداث قد يمنحنا خيوطاً لا نملكها."
ترددتُ للحظة، ثم سألت بحذر:
"وما المطلوب مني بالضبط؟"
قال وهو يتفحّص وجهي ليتأكد من استيعابي لكل التفاصيل:
"ستعملين كنادلة داخل المطعم. سنُخبئ جهاز تنصت صغير في ملابسك أو أحد إكسسواراتك.
شعرتُ بجفافٍ في حلقي، همست:
"ماذا لو انكشف أمري؟"
لقد رأوا وجهي في المعرض!
ابتسم القائد ابتسامة خفيفة، ممزوجة بالثقة، وقال:
"لدينا خطة كاملة لتغيير مظهركِ بشكل لا يترك مجالًا للشك، سنُغير لون شعركِ إلى لونٍ داكن، ونستبدل عدساتك اللاصقة لتبدو عيناكِ بلون مختلف.
توقف لوهلة وأضاف :
"سنتخذ كل الاحتياطات. ستكون هناك فرق مراقبة قريبة منكِ طوال الوقت.
وقفتُ للحظات بين القلق والواجب، ثم رفعت نظري إليه بعزم:
"حسنًا... سأفعلها. لكن أريد وعدًا بأنكم ستتخذون كل الإجراءات لحمايتي."
ابتسم هذه المرة بثقة كاملة، وقال بثبات:
"وعد. لن نترككِ وحدكِ أبدًا سيفدا، سلامتك أولويتنا القصوى."
_
_
( 3010 words.)
ملاحظة:
عندما أضع إسم شخصية بين قوسين هذا يعني انها من ستتولى سرد أحداث روايتنا.
---
آرائكم!
عاشقة المستحيل