6

6

12 0

في هذا العالم، حيث لا شيء يبقى مخفيًا إلى الأبد، يتعلم المرء أن أقوى الأسلحة هي الكلمات التي لا تقال، والنظرات التي لا تُفهم.

_

_

(كريتستوفر)

جلست في مكتبي بهدوء، كانت شاشات المراقبة تعرض صورًا ثابتة، لكنها في نظري كانت تتحرك، تهمس بما لا يُقال.

في الزاوية كان ستيف يتكئ على الأريكة، هاتفه بين يديه، يبتسم تارة ويضحك تارة أخرى.

لكنني كنت أعرفه أكثر مما يعرف نفسه، خلف تلك الابتسامة، عقل يعمل كآلة حربية، يرصد، يحلل، ويستعد لكل طارئ.

همست بصوتٍ مبحوح:

"نحن في موقف لا نحسد عليه ستيف، خطوة واحدة خاطئة، وكل شيء سيتحول إلى رماد."

رفع عينيه عن الهاتف، وضاقت حدقتاه بشيء يشبه التحدي، ثم قال بابتسامة جانبية:

"كريس... نحن لم نأتِ إلى هنا لنراقب ونرحل، جئنا لنقلب الطاولة على رؤوسهم، الخوف يتغذى على الأسرار، ونحن نحمل المفاتيح."

كلماته كانت قوية، لكنها لم تهدّئ الصراع الذي يشتعل داخلي.

رددت بهدوء متوتر:

"ما نواجهه الآن ليس تدريبًا ستيف، ليست مهمة كتلك التي اعتدناها، هذه معركة حقيقية، من النوع الذي لا يسمح بهامش خطأ."

ظل صامتًا للحظات، كأنما يختبر صدق قلقي، ثم نهض واقترب مني بخطوات واثقة،

قال بجدية لا تقبل الجدال:

"لا مجال للتراجع، كريس. إما أن ننهيهم نحن،

أو ينهونا هم "

نظرت إليه بعينين مثقلتين بالشكوك وقلت:

"لقد بدأوا يلاحظون حركات بسيطة، نظرات أطول من اللازم... نحن مكشوفون أكثر مما نتصور."

رفع يده، وكأنما يرسم سيناريو في الهواء، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد كالسكين:

"لن نُطاردهم، بل سندعهم يأتون إلينا. وعندما يفعلون... سنكون مستعدين. بل وأكثر."

ورغم ثقته، كانت في عينيه تلك اللمعة... لمعة رجل يعرف أن اللعبة اقتربت من نهايتها، وأن كل خطوة قادمة قد تكون الأخيرة.

أنهينا حوارنا وخرجنا معًا، نسير في شوارع المدينة المتعرجة كأننا وفي أحد الأزقة المظلمة، كان ريتشارد ينتظرنا، وملامحه مشدودة على غير عادته.

لكن قبل أن تكتمل الصورة، ظهر فيلِكس.

الرجل الذي لا يحتاج إلى كلمات كي يُشعل التوتر... نظراته وحدها تكفي لتجمد الدم في العروق.

وقف بثبات أمامي، كأن الأرض ذاتها تخضع لهيبته، وعيناه المتقدتان بالغضب التهمتاني بلا رحمة.

قال بحدة، دون أي مقدمات:

"هل تظن أنك ستنجو؟! نعلم أن بيننا خائن، وكل الأدلة تشير إليك، كريستوفر!"

نظرت إليه بهدوء يشبه ما قبل العاصفة، وقلت بنبرة باردة:

"تتوهم كثيرًا فيلكس، لا تملك دليلاً واحدًا، فقط أوهام تطاردك."

لكنّه لم يتراجع، بل زاد اقترابًا، كأن شرار عينيه على وشك الانفجار.

"لم تكن يومًا بهذا البرود، كريس! الكل يلاحظ ذلك... لا تظن أنني غافل عمّا تخفيه."

ابتسمت بسخرية خفيفة، وقلت بثقة قاتلة:

"لو كنتَ تعرف نصف الحقيقة... لما تجرأت على النظر في وجهي."

ريتشارد ظل واقفًا، صامتًا، وعيناه تتنقلان بيننا كأنه يقرأ النهاية قبل أن تُكتب.

ثم... فجأة، وكأن كل شيء بلغ ذروته، رفع فيلكس سلاحه نحوي، وجهه صارم، يده لا ترتجف، وعيناه تقولان إن هذه اللحظة قد تكون الأخيرة.

"لن أسمح لك بالخداع أكثر، كريستوفر تايلور!"

وعلى الجانب، ريتشارد رفع سلاحه نحو ستيف،

لكننا - أنا وستيف - لم نتحرك.

الهدوء الذي سكنني لم يكن هدوء استسلام... بل كان استعدادًا للمواجهة.

قلت بصوت خافت، لكنه اخترق الصمت كسهم:

"إذا كنتَ ستطلق النار، فكن مستعدًا للعواقب... لأنك ستفتح بابًا لن تستطيع إغلاقه."

تردد فيلكس، لم يكن يتوقع ذلك البرود، ولا تلك الثقة، شيء ما بداخله بدأ يتشقق.

اقتربت خطوة منه، والمسافة بيننا الآن كأنها ساحة حرب صامتة.

نظرت إليه بعمق، ثم أردفت:

"أنت تلعب بنار لا تعرف حرارتها... وإن كنتَ تصرّ فليكن، لكنك ستندم."

مرت لحظة خرساء، كأن المدينة كلها توقفت لتراقب ما سيحدث...

ثم فجأة، خفض فيلكس سلاحه.

ريتشارد تبعه بتردد.

رفعت حاجبي بإشارة لستيف، دون كلمة، استدرنا أنا وهو، وابتعدنا بخطوات واثقة، لا نلتفت، لا نتهرب.

تركناهم خلفنا، يغرقون في رماد الشكوك التي أشعلوها بأنفسهم.

---

وصلنا إلى السيارة، وركبناها بصمتٍ ثقيل، ما إن أغلق ستيف الباب وجلس إلى جانبي، حتى انفجر صوته فجأة:

"كيف يمكنك أن تبقى بهذا البرود؟!"

أضاف بدهشة:

"هؤلاء لم يأتوا للحديث كريس! ... كانوا على استعداد للقتل، وأنت؟ وكأنك كنت تجلس على طاولة شاي!"

نظرت أمامي، عيني لا تترك الطريق، ثم قلت بهدوء متعمد:

"الهلع لا يغير شيئًا ستيف، لو ارتبكت، لكنّا الآن مرميين على الأرض."

زمّ شفتيه، ثم أطلق ضحكة ساخرة، أقرب إلى المرارة منها إلى السخرية:

"أنت تتعامل مع العالم كما لو كان رقعة شطرنج... كل شخص عندك مجرد بيدق، تحركه متى شئت وتُسقطه إن لزم الأمر."

لم أعلق، فقط ضغطت على دواسة الوقود بقوة، محولًا تركيزي إلى الطريق أمامنا، مشيرا الى أن النقاش انتهى.

_

_

_

سيفدا (المطعم)

بينما كنت أُقدِّم الطعام إلى الطاولة المنزوية في أقصى الزاوية، استوقفتني نظرات غريبة شعرت بها تخترق ظهري كالسهم.

رفعت بصري بحذر، وما إن التقت عيناي بعينيه، حتى تجمّد الزمن.

هو... ذلك الرجل ذو وشم الصقر، صاحب الملامح الحادة والوجه اللعين، الذي لا يحمل سوى القسوة.

الرجل ذاته الذي أمسك بكتفي في تلك الليلة السوداء...

كان يجلس بهدوء قاتل، لا ينبس بكلمة، لكن عيناه كانت تلتهمني مراقبةً، كل جزء في جسدي ارتجف، غير أنني أخفيت اضطرابي ببراعة معتادة.

في أذني، كانت السماعة الصغيرة تبث صوت القائد بهدوء، لكن نبرته كانت مشبعة بالتوتر.

قال أحد الجالسين، بصوت خافت خلفي:

"الوقت يضيق... إن لم نتحرك الآن، ستتسرب منا الخيوط كلها."

أخفضت رأسي، وضغطت على أعصابي بكل قوتي، أحاول الاستماع لكل تفصيلة تدور حولي.

أحاديث مقتضبة، همسات مشبوهة، ونظرات تحمل في طياتها أسرارًا أكثر مما يجب.

ثم... حدث ما لم أتوقعه.

عندما التفتُّ نحو الباب، رأيته.

اللعنة إنه كريستوفر!.

كان واقفًا هناك، بين الظلال، كأنه خرج للتو من كابوسي الأكثر إرباكًا، عيونه التقت بعيني، وفي لحظة قصيرة، شعرت أن كل الأصوات حولي تلاشت.

ارتجف قلبي.

كان ذلك اللقاء كالصاعقة... فيه شيء من الفرح الخجول، وفيه وجع، وفيه خوف لا يمكن تفسيره.

ما الذي يفعله هنا؟ هل وجوده مصادفة... أم رسالة؟هل هو أحده هؤلاء الوحوش!؟

حاولت أن أبدو متماسكة، أن أركز مجددًا على الطاولة ومن حولها، لكن أفكاري كانت تتراقص بينه وبينهم، بين ما كان، وما سيكون.

وما زال الصقر يراقبني.

_

_

_

(كريستوفر)

دخلتُ مع ستيف إلى المطعم المحدد، ذلك الذي كان من المفترض أن ألتقي فيه بزعيم المنظمة ورفاقه.

لم يكن هناك شكّ، تلك الطاولة في أقصى الزاوية، حيث تلاشت الإضاءة وكأنها تتعمد إخفاء الوجوه.

اقتربت بخطوات ثابتة، ولكن داخلي كان قلبي ينبض بطريقة لا يسمعها أحد.

ثم، فجأة، حدث ما لم أتوقعه.

عيني اصطدمت بعينيها.

كانت تقف هناك، على بعد أمتار، ترتدي زي النادلات، بوجه شاحبٍ يُخفي ما لا يقال، لكنّ عينيها... عيناها كانتا تصرخان بالأسئلة والارتباك.

سيفدا.

تجمّدت في مكاني لوهلة، وكأن الزمن قرر أن يسخر منّا ويجمد تلك اللحظة بين نظرة ونبضة.

لم أكن مستعدًا لرؤيتها هنا.

ولا هي، على ما يبدو.

عادت إليّ حواسي سريعًا، فهذه اللحظة قد تكون فاصلة بين النجاة والانكشاف.

التفتُّ بنصف ابتسامة واثقة، وجلست إلى الطاولة، متقمّصًا الهدوء وكأن دمي لا يغلي تحت جلدي.

بدأ النقاش.

حديثهم كان يدور حول الخائن، العيون مشتعلة، والنوايا تتسلل بين الكلمات كالسّم، كل جملة كانت تُسحب من فم أحدهم كأنها شفرة.

لكنني لم أكن قادرًا على التركيز الكامل.

ففي كل مرة أرفع عيني، أجدها هناك، واقفة في تلك الزاوية، تتظاهر باللامبالاة.

ولكن ارتجاف يديها وخفوت أنفاسها كانا يكشفان أنها تسمع كل شيء... وتحاول أن تبقى واقفة رغم الخوف.

شعور غريب بدأ يتسلل إلى صدري.

مزيج من القلق... والرغبة في حمايتها.

فجأة، اقترب ستيف مني وهمس في أذني بصوته المعتاد المليء بالسخرية:

"هل أعجبتك، يا صاحبي؟ أأطبقها لك بعد اللقاء؟"

لم ألتفت إليه، بل اكتفيت بنظرة جامدة، حجبت خلفها فيضانًا من المشاعر، لكن ملامحي بقيت ثابتة كالصخر.

تمتمت بصوت خافت، لكنه كان يحمل كل تهديد العالم:

"أطبق لعنة فمك ستيف، لا تدفعني لتفريغ غضبي بك!."

ضحك بسخرية وهو يتراجع للخلف قليلًا، ثم قال:

"لكن نظراتك تفضحك! صديقي... دعني أكون رسول الحب خاصتك، هل أطبقها لك الليلة!"

لم أتمالك نفسي، نظرت إليه نظرة ملتهبة،

مزجت بين تحذير :

"لتذهب للجحيم أنت وسخريتك اللعينة ستيف!"

في تلك اللحظة دخل نيكولاس بخطوات واثقة وأكمل الطاولة، وفي اللحظة ذاتها، كانت سيفدا تتقدم نحونا، وفي عينيها ارتباك لا يخفى على ناظِر.

وما إن التقت عيناها بعيني نيكولاس... حتى بدت وكأنها اصطدمت بأشباح ماضيها.

اهتزت الصينية بين يديها، ثم ارتطمت بالأرض، محدثة صوتًا مدوّيًا جعل العيون تلتفت فجأة.

شعرت بانقباض في صدري، نظرت نحوها،

حاولت تثبيت عيني بعينيها... وكأنني أقول لها:

تماسكي، أنا هنا.

لكنها لم ترَ شيئًا، كانت غارقة في دوامة من الذهول.

انحنت بسرعة، التقطت الصينية المرتجفة، ثم عادت إلينا بابتسامة مصطنعة،

بصوت مرتجف قالت:

"هل... هل تحتاجون إلى شيء آخر؟"

لكنها لم تكن هي.

البراءة التي جذبتني تلك الليلة اختفت.

كأنّ الزمن فجأة نزع عنها طفولتها وترَكها عارية أمام القسوة.

نظر الزعيم إليها بنفاد صبر وقسوة:

"لا نريد شيئًا. اغربي عن وجهي."

شعرت بها تتراجع خطوة، لكنها لم تنسحب

ترددت، وكأنها تودّ الرد... لكن نيكولاس مدّ يده فجأة.

أمسك بمعصمها بقوة، بعنفٍ جعل الدم يغلي في عروقي، كانت نظرته كفيلة بإشعال حرب...كأنه كان على وشك أن يكشف أمرًا، أو ينقض عليها بعبارات مميتة.

لم أمهله حتى لحظة.

وقفت بثبات، وبرود قاتل يغلف كلماتي، قلت:

"اتركوها لي."

سحبت يديها من قبضته، ثم نظرت إلى الطاولة وتابعت:

"أكملوا حديثكم... ريثما أُؤدبها بطريقتي."

هم لا يعلمون... أنني لست أجرها للعقاب،

بل أُنقذها من بين أنيابهم .

أمسكتُ معصمها بقوة، وسحبتها خلفي وسط النظرات التي بدأت تتطاير كالرصاص.

دخلنا إلى دورة المياه، ثم أغلقت الباب خلفي والتفتت إليها كإعصار هائج:

"ما الذي تفعلينه بحق الجحيم؟

أجننتِ؟ هل تسعين للموت؟ ألستِ مجرد مصوّرة؟ كيف وصلتِ إلى هذا المكان؟!"

نظرت إليّ بعينين كأن فيهما نارًا مشتعلة، ثم صرخت بحدة:

"بل أنت ما الذي تفعله هنا؟!

مرة تنقذني من بين أيديهم وكأنك بطل، ومرة أراك تجلس معهم وكأنك واحدٌ منهم!"

كانت كلماتها تخترقني كالسكاكين، لكنها لم تنل من صلابتي. تماسكتُ، ورسمت على وجهي هدوءًا باردًا كالجليد،

ثم تمتمت:

"لستُ ملزمًا بأن أشرح لكِ شيئًا،

ما يجب أن تعرفيه فقط هو أنك تخوضين لعبة أخطر منك بكثير."

سحبت يدها من قبضتي بعنف، وصاحت بصوت مرتجف من الانفعال:

"لست وصيًا عليّ! أستطيع أن أعتني بنفسي كما أريد!"

اقتربتُ منها خطوة واحدة، خطواتي مثقلة بالتحذير، ونظراتي تثقب عينيها:

"إن كنتِ تظنين أن هذا عبث... فأنتِ لم تري بعد الجانب الحقيقي لهذا الجحيم."

سكتت للحظة، نظرت إلي بنظراتٍ فيها الكثير من الجروح المكبوتة، ثم تمتمت بصوت مخنوق بالغضب:

"ربما لا أدرك كل شيء... لكنني أراه، وأراك معهم... كأنك جزء منهم كريستوفر."

اسمــي على لسانها جاء وكأنه صفعة، لكنه أيقظني أكثر مما آلمني، حدّقتُ بها طويلاً، ثم تمتمت بصوت غامض:

"فقط... تأكدي أنك لن تعلقي رقبتك بحبل نهايته لا تشبه ما تظنينه."

وفجأة، انفتح الباب بصوتٍ حاد، ودخل رجلٌ طويل القامة، يرتدي زي النادل، لكنه لا يشبههم في شيء.

عيناه... كانتا باردتين حد التجمد، وملامحه توحي بأن خلف هذا المظهر البسيط، ذئبًا يترصّد فريسته.

اقترب وسحب سيفدا إليه كما لو كانت ملكه، ثم نظر إليّ بنظرة فوقية وقال:

"ما الأمر أيها السيد؟"

نظرت إليه، والشّرر يتطاير من عيني، وجاهدت لأكبح النار المتصاعدة في داخلي. قلت ببرود يقطر سمًا:

"ليس من شأنك. كنت أتحدث معها فقط."

ردّ بنبرة أقوى وأكثر استفزازًا:

"التحدث مع النادلات غير مسموح به هنا،

إذا أردت شيئًا... أطلبه مني."

تقدّمت نحوه خطوة، ووقفت أمامه كصخرٍ لا ينكسر، وصوتي مشحونٌ بكل ما في داخلي من احتراق:

"تسحبها إليك وكأنها ملكك... من تكون لتفعل ذلك؟"

ابتسم، ابتسامة خاوية من أي تعبير، ثم ألقى قنبلته الباردة:

"أنا... خطيبها."

صوت كلماته كاد يصفعني، وملامحي لم تستطع أن تخفي الصدمة، نظرت إلى سيفدا التي تجنبت عيني، وإلى يده الممسكة بها وكأنها رهينة.

شعرت بشيء لا أفهمه يتفجر داخلي، خليطٌ من الغضب، الشك، والغيرة... لكنها غيرة لا أعترف بها، لا أملك حقها... لكنها تنخرني.

من هذا؟ ومن أين خرج؟ ولماذا تخفض عينيها الآن؟ أحقًا... خطيبها؟

لحظة تماسكٍ عابرة هي كل ما استطعتُ انتزاعه من داخلي حين غادرتُ دورة المياه، تاركًا سيفدا خلفي تتبع ذلك الرجل.

جلستُ بينهم بجسدٍ حاضر، وروحٍ غائبة، كلّ حديثٍ بات ضجيجًا في أذني، كلّ ضحكةٍ بدت نشازًا، وكلّ نظرةٍ باتت باهتة.

فقط تلك الكلمة تدور في رأسي بلا انقطاع.

"خطيبها؟" لتذهب هي وخطيبها إلى الجحيم!

لكن... لماذا لا تغادر ذهني؟

لاحظ الجميع تغيري، وحتى ستيف لم يفوّت الفرصة، اقترب وهمس ساخرًا، وعيناه تتراقصان بمكر:

"هل رأيتَ شيئًا في عينيها يا صاحبي؟

شيءٌ عالق جعلك تفقد توازنك؟"

ابتسمت بسخرية، تلك الابتسامة التي تخفي عاصفة، وقلت ببرود:

"ربما... مجرد فضول زائد لا أكثر."

نعم، إنه مجرد فضول تجاه جرئتها لاغير.

خرجنا معًا بعد انتهاء اللقاء، واستقلينا السيارة.

تبدّلت الأحاديث مع ستيف إلى ما هو أهم

بدأنا في تحليل خطوات فيلكس، وسبب شكه المفاجئ بنا، على الرغم من تأكيد ريتشارد سابقًا أن الأمر مستحيل.

حين وصلنا الفيلا، كان الليل قد مدّ ستاره الثقيل، خطونا داخل ذلك المكان الذي اعتدناه لكنه بدا هذه الليلة أكثر ظلمة، وأكثر خنقًا.

جدرانه شاهدة على وحدتنا، على قلوبنا المتعبة، وأرواحنا العالقة في عوالم لا نملك منها خلاصًا.

انفصلت عن ستيف وصعدت الى طابقي ثم دخلت غرفتي أغلقت الباب خلفي، رميتُ جسدي على السرير، وأغمضت عينيّ لكن لا هدوء.

"أنا... خطيبها."

همستها داخلي، مرارًا وتكرارًا، كأنها لعنة.

لماذا أثرت بي هكذا؟

لماذا بدا قلبي وكأنه يرفض تصديقها؟هل كنت أغار؟

ولكن..... على ماذا أغار؟! إنها فتاة التقيتها لمرة واحدة فقط! سحقا أشعر كأني اعرفها منذ قرون!

تركت كل شيء، وانا أردد في نفسي:

كفاك جنون كريس، انها مجرد فتاة.

واندفعت نحو الحمام، غسلت وجهي بماءٍ باردٍ، وكأنني أحاول كبح جمرةً لا تهدأ.... لكن لا فائدة.

عدت إلى سريري، غاص رأسي في الوسادة، وغطيتُ نفسي ببرودٍ متعمّد.

ثم أغمضت عينيّ، هاربًا من عالمٍ لم أعد أفهمه

هاربًا منها... ومني.

لكن حتى في نومي، كان اسمها... وصورتها...

هناك..

_

_

(2106 words.)

---

آرائكم!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الولاء الصامت

المؤلف عاشقة المستحيل
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة