8

8

18 0

"في خضم العواصف، يتعلم الإنسان أن يلتقط قوته من صمته، وألا يندم على ما فات، بل أن يواجه ما هو قادم بشجاعة."

_

_

(سيفدا)

كانت الأيام تمرّ كأنها تهرُب من بين يدي، سريعة، صامتة... لكن الأشدّ إيلامًا من الوقت، كان التغيّر الذي طرأ على إليف.

لم تعد تلك القريبة مني، لم تعد تشارك أفكارها، ولا تضحك كالسابق. كانت تتجنب النظر في عينيّ، وكأن بيننا جدارًا لا يُرى... لكنه يُشعَر.

وفي لحظة قررت ألا أظلّ صامتة، خاصة أن المنزل كان خاليًا، مارت وأمي في الخارج.

همست لها بصوت منخفض:

"هل التجاهل هو الحل؟ هل هو ما نحتاجه ونحن نغرق في دوامة الحقيقة؟"

ثم حدث ما لم أكن أتوقعه...شعرت بذراعيها تلتفان حولي، ببطء، بتردد، وكأنها كانت تخشى أن أرفض عناقها.

ثم جاء صوتها، ضعيفًا، خافتًا:

"أنا آسفة، سيفدا... فكرة أن أختي قد تقع في حبّ شخص شارك في وجعي كانت قاتلة بالنسبة لي."

شعرت بحرارة دموعي تسيل على وجهي وأنا أبادلها العناق، الصمت بيننا كان خانقًا.

ثم قلت بصوت متهدّج:

"ظننتُ أننا سنجتاز كل شيء معًا... لكن كلما اقتربتُ من الحقيقة، كلما شعرت أنني أضيع."

شدَدتُ ذراعيّ حولها أكثر، وكأنني أصرخ:

"افهميني."

ابتعدتْ عني قليلًا، نظرت إليّ بعينين دامعتين، وهمست:

"عندما شككتِ بمنقذك... تأكدت أنه منهم، سيفدا، لم أحتمل رؤيتك تقتربين ممن دمّرني، ولم أكن أريد أن أبدو ضعيفة... لكنني خفت أن أتحوّل إلى ظل في حياتك."

نظرتُ إليها بابتسامة مرتجفة، وقلت:

"أنتِ لستِ ظلًا إليف... أنتِ ضوئي حين أعجز عن الرؤية وسأبقى معكِ دائمًا."

ساد صمت دافئ، قبل أن تنهض فجأة، وتمسح دموعها بحركة سريعة، وابتسامة غريبة ارتسمت على وجهها:

"انهضي سيفدا!"

سألتها بدهشة ممزوجة بالبكاء:

"إلى أين؟"

أجابت، وهي تضحك كأنها تحاول التحرر من كل شيء:

"لنذهب ونجنّ قليلًا!"

ابتسمتُ، رغم كل ما في صدري، وقلت بهدوء:

"بكل سرور... عزيزتي إليف."

قضينا اليوم نتنقل بين أماكن لا تُعدّ، كل لحظة كانت أشبه بمحاولة جميلة للهرب من صخب العالم.

مررنا بأماكن بسيطة، حدائق ومسارات ضاعت بها خطوات العابرين، ومحالّ قديمة تحمل رائحة الزمن الجميل.

وفي طريق العودة، ساد بيننا صمت مريح، فقط صوت أنفاسنا المتعبة وقلوبنا الممتلئة.

قالت إليف فجأة، بصوت يشبه الهمس:

"لن يُنسى هذا اليوم أليس كذلك؟"

نظرت إليها، وابتسمت بهدوء:

"لن يُنسى أبدًا... لأنه كان اليوم الذي قررنا فيه أن نعيش، لا أن ننجو فقط."

***

في صباح اليوم التالي، كنتُ متجهة كعادتي إلى العمل، أحمل حقيبتي على كتفي، والخمول يثقل خطواتي. لكن فجأة، وعلى غير عادتي، راودتني رغبة مفاجئة بالتوقف.

"ربما أحتاج إلى قهوة..."

تمتمتُ لنفسي، شيء بسيط يساعدني على التركيز أكثر."

دخلتُ المقهى بخطى هادئة، وعيناي تبحثان عن طاولة فارغة، أو على الأقل زاوية لا أحد فيها. لكنّ عيني اصطدمتا بشيء... أو بالأصح، بشخص.

توقفت خطواتي، وكأن الزمن ذاته تجمّد.

كان واقفًا هناك، إلى يسار الباب، يستند بظهره إلى الجدار، ذراعاه مطويتان، ورأسه مائل قليلاً، يراقبني بصمتٍ عميق.

عينيه... لم تتركا وجهي. كأنّه كان ينتظرني.

عبثًا حاولت إقناع نفسي أنّها مصادفة، لكن قلبي كان يقول غير ذلك.

أكان القدر من خطّ هذا اللقاء؟ أم أنّ قدماي ببساطة قادتا قلبي؟!

بقيتُ واقفة للحظات، أشعر بأنفاسي تتسارع. نظراته لم تكن عابرة... كانت حادة، موجهة إليّ كأنها سهم.

اقتربتُ منه ببطء، خطوة... فخطوة.

كان ساكنًا كتمثال، لا يتحرك، ولا ينبس ببنت شفة.

تردّدت للحظة، ثم نطقتُ، محاولةً كسر ذلك الصمت الثقيل:

"لماذا تنظر إليّ هكذا؟"

لم يجب مباشرة، بل أطلق زفرة خافتة، ثم قال بصوته العميق الهادئ:

"أنتِ متوترة"

رفعتُ حاجبي باستغراب، كأنني أحاول إخفاء اضطرابي خلف تظاهرٍ بالثقة:

"وهل هذا يزعجك؟"

تحرّك نحوي، خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بجعل الهواء حولي يضيق.

اقترب حتى كدت أشعر بحرارة أنفاسه تلامس وجنتي، ثم همس، بنبرة حملت أكثر مما نطقت:

"لا، لكنك تثرثرين كثيرا حين تخافين. ."

شعرت بوجهي يحمرّ، لا أعلم إن كان من الغضب أم من الخجل.

نظرتُ إليه، أحاول أن أبدو ثابتة... لكن كل شيء في داخلي كان يرتجف.

قلتُ بنبرة حاولتُ أن أجعلها حازمة:

"أكره هدوءك... يُربكني."

رفع زاوية فمه بابتسامة خفيفة، لم تبلغ عينيه، ثم تمتم:

"وهذا أكثر ما يعجبني "

اتسعت عيناي بدهشة، وتراجعت خطوة، لكنني فوجئت به يقترب مجددًا، وكأنّ خطواتنا ترسم رقصة على إيقاع متناقض.

نظرتُ إليه مباشرة هذه المرة، وقلت بلهجة حاولتُ أن أجعلها جادة رغم الارتباك في صوتي:

"لماذا تستمتع بإرباكِ؟"

صمت لوهلة، ثم أجاب بصوتٍ منخفض، كأنّه يكشف سرًا دفينًا لا يقال إلا بين سطور الليل:

"لأنكِ الوحيدة التي لا تخفين خوفك خلف الأقنعة."

شعرتُ بشيء ينهار بداخلي... ربما لأنّه رآني أكثر مما ينبغي.

مدّ يده فجأة، حركته كانت بطيئة، وكأنّه يمنحني فرصة للهروب... لكنني لم أفعل.

مرّر أصابعه بلطف على طرف وجهي، وقال بنبرة ساخرة خفيفة:

"كان هناك رماد على خدك."

شهقتُ دون وعي، ثم قلت، بصوتٍ مرتجف:

"تستطيع أن تخبرني بالكلام... لا باللمس."

لم يعلّق. فقط ابتسم بهدوء، واقترب أكثر، حتى صارت أنفاسه عند أذني، وهمس:

"وأنتِ... كان يمكنكِ التراجع... لكنكِ لم تفعلي."

ابتعد بعدها بخطوة واحدة فقط، كأنّه يمنحني فرصة للتنفس،

لكنه ترك في الهواء شيئًا لا يُفسَّر،

تركني أنا... أتساءل منذ متى بدأتُ أرغب في اقترابه.

أغمضتُ عينيّ للحظة، ثم همست بمحاولة أن أخفي إرتباكي:

"هل تُحاول جعلي أرتبك؟؟"

ردّ بصوتٍ لم يكن إلا بقايا همسات:

"أنتِ تعرفين الإجابة"

تقدمتُ خطوة للأمام، أحاول أن أسيطر على نفسي أمامه، ثم نظرتُ في عينيه وقلت، بصوتٍ حادٍ :

"ماذا تريد مني؟"

أجابني ببرود، كأن كلماته خالية من أي اهتمام:

"لا أريد شيئًا، وجودي هنا مجرد مصادفة."

ضحكت بسخرية واضحة ثم قلبت عيني بضجر وقلت:

مصادفة!؟؟

شعرتُ كأنني وضعت البنزين على النار، عندما تقدم بخطى ثابثة، ولكنها غاضبة، وقال

ببرود ساحق:

"ألم أُحذرك من قبل ألا تقلبي لعنة عينيك أمامي؟ أم أنكِ بحاجة لدرس يُرسّخ الأمر في ذاكرتك؟"

تجمد الدم في عروقي، فأردفت بخوف لعين واضح:

م-مابك! إنها مجرد عادة!

اقترب مرة أخرى وقال أمام وجهي مباشرة وكأنه قاتل متسلسل:

"اقلّبي عينيكِ مرة أخرى، وسأجعلها عادة لا تنسين عقوبتها أبدًا، أفهمتِ؟"

لكن فجأة... وقبل أن أرد

صرخة فتاة صغيرة قطعت كل التوتر الذي كان بيني وبينه:

"أأأنتِ سيفداا يلمازز؟!"

التفتُّ بسرعة لأجد فتاة في عمر المراهقة، شعرها مربوط على شكل كعكة، وعيناها تلمعان كأنها رأت نجمًا من السماء سقط أمامها!

وخلفها كان شاب يبدو أنه شقيقها، ملامحه هادئة لكن الحماس واضح عليه، أمسك هاتفه وقال بخجل:

"لو سمحتِ... هل يمكنني أخذ صورة معك؟ والدتي تحبك كثيرًا وتتابعك يوميًا!"

أنا؟!

أنا سيفدا التي كانت قبل لحظات تحت تهديد "عقوبة لا تُنسى" أصبحت فجأة نجمة؟!

توترت، ضحكت، شعرت بالحرج، وامتلأ وجهي حمرة كأنني مزيج من الطماطم والكرز والفلفل في آنٍ واحد...

نظرت إلى كريس بارتباك، فوجدته يرفع حاجبه ويبتسم بسخرية واضحة.

أغمضتُ عيني، وضحكت قائلةً للفتاة وأنا أحاول كتمان خجلي:

"نعم، أنا سيفدا... ولكن رجاءً لا تصرخي مرة أخرى، قلبي خفيف!"

قفزت الفتاة من شدة الفرح:

"آآه!! أنا أعشقك!! توقيعك لو سمحتِ، اكتبيه باسمي! اسمي ليان!"

أخذتُ الورقة منها، ووقّعت بخطٍ ترجف فيه يدي قليلاً، ثم التفتُّ إلى الشاب:

"صورة؟"

هزّ رأسه بحماس، اقترب مني، وحاولتُ ضبط وضعي والابتسام، لكن كريس، بطبعه المزعج، قال:

"ابتسمي دون أن تقلّبي عينيكِ... تذكّري الدرس!"

يا إلهي...اللعنة عليك كريس، حتى اللحظات الجميلة لا تتركها تمر بسلام!

لكن أكثر من ذلك، أحببت أنه كان واقفًا هناك، يشهد دهشة الناس بي.

ذهبت الفتاة بعد أن احتضنتني بحماس، وتركت في صدري أثرًا من الدفء.

التفتُ نحو كريس، الذي كان يرمقني بنظرةٍ لا تُقرأ، وما إن التقت أعيننا حتى قال، بصوتٍ ساخر كأن شيئًا لم يحدث قبل دقائق:

"ما بهم هؤلاء؟ يصرخون كالمجانين!"

نظرتُ إليه بثقة، ورفعت حاجبيّ بغرور افتعلته رغم توتري، ثم قلت:

"أنت الآن تقف أمام أشهر مصوّرة مجلات في المدينة، سيد كريستوفر."

رفع حاجبًا واحدًا باستهزاء، ورد بنبرة مليئة بالسخرية:

"أوه، حقًا؟ إذًا... هل ينبغي لي أن أصرخ كالمجانين احتفالًا بذلك؟"

تجاهلت سخريته، وتقدّمت خطوة ثابتة، ثم قلت ببرود:

"لا... فقط ابتعد عن طريقي، فأنا لا أريد شيئًا منك."

لكن كريس لم يتزحزح، بل اقترب خطوة... ثم أخرى، حتى بات واقفًا أمامي تمامًا، والمسافة بيننا لم تعد تحتمل الصمت.

ابتسم بمكر، ونبرته صارت أكثر استفزازًا حين قال:

"إذاً، بما أنكِ هنا... ما الذي تنوين فعله؟"

شعرتُ بتسارع نبضات قلبي، وبكلماتٍ تتكدس في حلقي دون أن تجد طريقها للخروج.

لكني، وبصوتٍ خافتٍ فيه ارتباك لا أستطيع إنكاره، تمتمت:

"سـ... سأفعل ما يجب عليّ فعله وأنت؟"

لم يتغير تعبير وجهه، فقط هزّ رأسه ببطء، وكأن ما قلته لم يثر فيه شيئًا، ثم قال بنبرة هادئة وخالية من التوتر:

"إذاً... تفضّلي بالدخول."

تقدّمت بخطواتٍ مترددة وجلست أمامه، فيما ظل هو واقفًا لبضع لحظات قبل أن يجلس أيضًا.

لم تتلاقَ نظراتنا، لكنني كنت أراقبه خفية، أتابع حركة أصابعه، وطريقة جلوسه، وحتى الطريقة التي تنفّس بها.

ترددت قليلًا، ثم سألتُ، وأنا أشعر برجفةٍ تسري في صوتي:

"أأستطيع سؤالك عن... ذلك اليوم؟"

توقف للحظة، ثم نظر إليّ بنظرةٍ حادّة جعلتني أتحاشى عينيه فورًا.

رفع كوب القهوة أمامه ببطء، وكأنه يتعمّد أن يطيل الصمت، ليُبقي قلبي في حالة ترقّب قاتلة... ولم يجب بعد.

همس بصوت منخفض، صوته خالي من العاطفة:

"إذا كنتِ هنا لشرب القهوة، فاشربيها.

أما إذا كنتِ هنا لطرح المزيد من الأسئلة، فأنا موجود...لكن لا أضمن لكِ أنني سأجيب."

وقفت أمامه، أنظر إلى عينيه الثابتتين، وأجبت بحزم:

"كريس، أنت تعرف أني لا أسأل عن شيء تافه، ذلك اليوم كان له وقع كبير في نفسي."

ابتسم ابتسامة باردة وقصيرة، ثم وضع الكوب على الطاولة ببطء، وقال بحدة:

"ومن قال لكِ أن سؤالك تافه؟"

تملكني الغضب، وقلت له بحدة:

"برودك هذا هو ما يشعرني بذلك!"

لم يجب، فقط استدار ليشرب من الكوب بهدوء غير مبالٍ.

وأنا؟ أشعر برغبة قوية في توجيه لكمة له!

تنهدت بعمق، ثم سألته بنبرة متوترة:

"ماذا تخفي عني، كريس؟"

لم يلتفت لي، وأجاب بهدوء بارد كأنه يعترف بسر لا يريد أن يكشفه:

"الأسرار ليست ملكنا دائماً... أحياناً تكون كغيوم عابرة، تمر فوقنا وتختفي."

أردت المغادرة، فحركت قدمي للوقوف، لكنه قال بصوت خشن وجليدي:

"لا تدعي الفضول يقتلك."

التفت إليه، التقيت عينيه الثاقبتين، وقلت بعناد لا يقبل الرفض:

"لن أتوقف عند هذا الحد."

ابتسم ابتسامة ساخرة، رفع حاجبه كأنه يتحدى إصراري، وقال بصوت منخفض:

"فلتستمري إذاً... لكن احذري، قد تندمين."

تنهد ببطء وهو يتجه نحو الباب، وأضاف بحزم:

"الفضول قد يكون بداية النهاية."

وانطفأ صدى كلماته في أذني، كأنها سحابة عابرة، تركت ورائها شعوراً غامضاً لا يُنسى.

_

_

_

(كريستوفر)

استيقظت صباحًا على صوت دخول ستيف، كالمداهمة:

"كريس! كريس! انهض بسرعة!"

نهضت فجأة، قلبي ينبض بشدة وكأنني دخلت في عالم آخر.

تساءلت في نفسي:

ماذا حدث الآن؟

رفعت رأسي لأراه يركض في الغرفة ويهز هاتفه في يده، عينيه متسارعتين، وكأنه امتلك إرث عظيم.

سألته، متجاهلًا الفوضى التي بدأها صوته المرتبك:

مالأمر ستيف!

قال، وابتسامته مشوبة بالحيرة والتحدي:

"يبدو أنني سأجد الفتاة المناسبة."

لم أستطع أن أخفي شعوري للحظة، كان هناك شيء في كلامه أثار غيظي.

رغبت في تمزيق تلك السخرية في حديثه، لكني تمالكت نفسي.

"ماذا تقصد؟"

رد ستيف بسخرية ممزوجة بالجدية:

"صديقك يبحث عن زوجة."

كان الغضب يتأجج بداخلي كالنار في الهشيم، وعينيّ تحترقان من شدة الغضب، لم أعد أستطيع تحمل سخفه.

"ستيف!"

قلتها بصوت منخفض، لكنه كان مشبعًا بالتهديد:

"ذات يوم سأقتلك بيدي."

أجاب ستيف بابتسامته المستفزة، وهو يلوح بهاتفه أمامي كأنه يكشف عن سر عظيم:

"ألا تريد أن ترى صديقك متزوجًا ولديه أطفال؟"

قلت له بجدية، وأنا أضغط على فكي من شدة الغضب:

"لاتهذي ستيف! نحن في مهمة."

ابتسم بسخرية، رفع حاجبه كما لو كان يقرأ أفكاري:

"إذاً تريدني أن أعيش حياتي كلها أطبخ لنفسي وأمضي حياتي بدون زوجة أو أطفال؟"

ثم أضاف، بنبرة حادة وكأنه يريد إثارة الجدل:

"انظر لنفسك، كريس أنت في الثلاثين من عمرك ولا تملك زوجة ولا حتى قلبًا يا رجل!"

نظرت إليه بثبات، محاولاً أن أخفي كل مشاعري المتفجرة بداخلي.

قلت بجدية، محاولًا تمالك نفسي:

"المهمة أهم من حياتي ومن زوجتي، ستيف."

ضحك ستيف ضحكة قاسية، كأنه يستهين بكل شيء حوله، وأجاب بإستهزاء:

"لماذا لا تضرب عصفورين بحجر واحد؟

كن مثلي، يا رجل."

ثم أضاف، وهو يميل إلى الوراء ويضع يديه في جيوبه، رافعًا حاجبيه بتحدٍّ:

"أنت تعلم أن هذه المهمة ستستمر لسنوات طويلة، القضاء عليهم لن يأخذ سنة أو اثنتين.

وأنا لست مستعدًا لأن أخسر شبابي وحياتي في سبيل مهمة، سأضرب عصفورين بحجر واحد، وهذا أفضل حل، كريس."

شعرتُ بكلمات ستيف كأنها تضرب وتعصف بي للأفكار التي كنت أخشى أن أواجهها.

كان محقًّا، كان يحق له أن يشعر بالغضب،

لو كنتُ مكانه، ربما كنتُ سأفكر بنفس الطريقة.

لكن رغم كل ذلك، شيء داخلي كان يرفض أن أسمح لهذه المشاعر أن تكون مجرد ذريعة للتخلي عن مهمتنا.

قلت له، ولأول مرة أخطئ منذ سنتين، منذ أن تطوعنا لهذه المهمة:

"أراس، انظر... أعلم أنك لا تريد إضاعة حياتك، ولكن هل تعتقد حقًا أنه ستجد فتاة تقبل بأن يعيش مع رجل يعرض حياته للخطر كل يوم؟ هل تريد لأولادك أن يصبحوا يتامى منذ صغرهم؟"

نظَر لي بصدمة واضحة ثم، وبصوت منخفض، قال:

"هل ما سمعته صحيحًا؟ هل سمعتُ اسمي لأول مرة منذ سنتين؟"

أدركت خطئي، فأردت تلافيه، حاولت جاهدًا أن أُصلح ما تسببت فيه من زلة، فقلت بسرعة:

"ستيف، هل تشعر بالملل؟

هل بدأت تفقد صبرك؟"

نظرتُ إليه، ولأول مرة، رأيت في عينيه شيئًا مختلفًا، لم تكن نظرة ازدراء أو سخرية، بل كانت نظرة عميقة، مليئة بالتعب والخوف.

قال بصوتٍ غاضب، كما لو أن انفجارًا قد حدث داخله:

"أوزان... نعم، أوزان، لم أعد أستطيع كبح شخصيتي بعد الآن، أنا لن أترك مهمتي، ولكنني أشعر أننا في سجن."

توقف لحظة، وكأن الكلمات التي تخرج منه تؤلمه، وكأنها جزء من روحه المكسورة:

"نحن نطبع أنفسنا بأسمائنا المزيفة، نخفي حقيقتنا، نعيش حياتًا وهمية، لا نتحدث ولا نرى عائلاتنا، وكأننا سجناء للتزيف.

لم أتمكن من الرد، لكنني شعرت أن كلامه كان يلمس نقطة ضعف عميقة فينا جميعًا.

ثم تابع، وكأن الكلمات نفسها تجرح قلبه قبل أن ينطق بها:

" أوزان، إشتقت لذلك الشخص الذي كنت عليه قبل أن أكون هذا الشخص المزعوم، هذا الشخص الذي لا يعترف بحقه في الحياة.

كل شيء مزيف، أوزان، نحن مزيفون!"

لم أتمكن من الرد، كنت أعرف أنه محق، نعم، كان محقًا في كل كلمة قالها.

خرج ستيف من غرفتي بضربةٍ قوية للباب، وكأنّه يُسقط كل ما في صدره من وجع وغضب دفعةً واحدة.

تجمّدتُ في مكاني، ولم أفكر في كلماته بقدر ما فكرت في نظراته الأخيرة... كانت تصرخ آلم.

لم أسأل نفسي إن كنتُ غاضبًا، سألتُ نفسي شيئًا آخر...هل يمكنني أن أتحمل خسارته؟

إن تقاعَس عن المهمة الآن، لن تكون النتيجة مجرد فشل... بل دمار، دمار له... وربما لي أيضًا.

ورغم أنني ظننتُ نفسي القويّ دائمًا، إلا أنني لم أستطع إنكار الحقيقة الأوضح من أي شيء آخر.

أراس ليس مجرد صديق! إنه الشخص الذي تعرفت عليه منذ ست سنوات ومنذ ذلك الوقت لم أعد وحيدا.

كان مصدر قوتي حين يتساقط كل شيء.

سخريته التي أظنها ساذجة، كانت الحبل الذي يشدّني حين أغرق.

ضحكته التي تضايقني، كانت الشيء الوحيد الذي يشعرني أني ما زلتُ على قيد الحياة.

خرجتُ بعد برهة من الغرفة... خطواتي كانت ثقيلة، وحلقي جاف من الصمت الذي ابتلعني.

رأيته هناك... جالسًا على الأريكة، رأسه بين كفيه، كأن العالم انهال عليه دون رحمة.

كان يبدو صغيرًا... لا، كان يبدو إنسانًا.

اقتربتُ منه بصمت، جلستُ إلى جواره دون ضجيج، وأسندت ظهري للخلف.

للمرة الأولى منذ عامين... وضعت قناع كريستوفر جانبًا، وسَمحت لأوزان أن يتحدث.

اليوم، لن أتحدث عن المهمة... بل عنّا.

عنا، نحن أوزان، وأراس

قلت له بصوتٍ هادئ، خالٍ من الأوامر والعتاب، مليء فقط بالصدق الذي لم نعد نعرفه:

"أراس... أظن أن الوقت قد حان لنكون صادقين مع أنفسنا، لم نعد نملك ترف التجاهل، ولا ترف الإنكار.

ظلّ صامتًا... لكنني رأيت ذقنه ترتجف قليلًا.

رفع رأسه ببطء... وفي عينيه كل التعب.

كان ينظر إليّ وكأنّه يقول:

أوزان، أريد أن أكون نفسي من جديد!

صوته خرج هامسًا كأن الحروف كانت تنهار من بين شفتيه:

"أنا... لا أستطيع الاستمرار هكذا."

قلت بهدوءٍ مغمورٍ بالصدق:

"أراس، القوة لا تعني الصمت، ولا تعني أن نحمل العالم على أكتافنا حتى ينكسر عظمنا، نحن في هذه المعركة معًا، وسأكون سندك، مهما أظلمت الطرق أمامنا."

لم يرفع رأسه، عيناه ثابتتان على كفيه المتشابكتين كأنهما قيدان، لكن صوته خرج أخيرًا، مجروحًا، مترددًا:

"أشعر بالضياع يا أوزان... إن تركت المهمة، أخون كل شيء... وإن أكملت أخون نفسي."

وضعت يدي فوق يده بحذر، لا لأهدّئه فقط، بل لأشعره أنه ليس تائهًا وحده في هذا الضباب:

"أراس، سنجد الطريق، حتى لو اضطررنا أن نخلقه بأقدامنا وسط العتمة."

رفع نظره إليّ ببطء، همس، وصوته ارتجف:

"أنت محق... ربما آن الآوان لأتوقف عن الزيف، وأكون أنا... ولو للحظة واحدة فقط."

وقف، وتنفس بعمق، وكأن أول نفس منذ سنتين عاد له أخيرًا، ثم قال بثبات لم أره فيه من قبل:

"لن أترك المهمة. ولكنني... سأمنح نفسي حق التنفّس."

أومأت له، والابتسامة تعلو وجهي رغم غصة الحلق:

"بل ستتنفس بعمق أراس.

قررتُ أنا وأراس أن نضع نهاية مؤقتة لهذا العبء الخانق، أن نطلب إجازة.

عند وصولنا، التقط الحراس لمحة من الشارات. لم يتحدث أحد، فقط فتحوا الطريق وكأنهم شعروا أن هذا اللقاء لا يُشبه غيره.

دخلنا مكتب القائد دون موعد، بخطوات ثابتة رغم التوتر الذي كان ينهش أعصابنا.

ما إن رآنا القائد، حتى وقف من مكانه، نظراته جمّدت الهواء.

صوته اخترق الصمت بحدّة:

"ماذا تفعلون هنا؟ دخولكم دون إخطار مسبق خرقٌ صريح! هل تعرفون ما العواقب؟! هذه ليست لعبة!"

أحسست بأراس يتردد، رأيته يحاول أن يتماسك، لكنه ظلّ صامتًا... نظراته وحدها كانت كافية لتكشف ما يخفيه.

ففتحتُ فمي أخيرًا، وصوتي كان واثقًا رغم كل شيء:

"نحن هنا لنطلب إجازة، سيدي، المهمة ما زالت مستمرة... لكننا لم نعد كذلك."

صمتنا للحظة، القائد كان يحدق فينا، كأنه يقرأ في ملامحنا معركةً أكبر من التي أُرسلنا لها.

تابعت كلامي:

"نحن لا نهرب، نحن نحاول أن نبقى على قيد الحياة قبل أن نصبح عبئًا على هذه العملية...أو على أنفسنا."

سادت لحظة من الصمت الخانق، عين القائد كانت تتنقل بيننا بريبة، ثم قال بصوت منخفض، مشبع بالخطر:

"أنتم تعرضون حياتكم للخطر إذا قررتم التوقف الآن، ولكن إن كان هذا قراركم... فلتكونا مستعدين للعواقب."

أخذت نفسًا عميقًا، وقلبي ينبض كأنّه يصرخ بداخلي. نظرت إليه بثبات وقلت:

"سيدي، لدي حجة لأبتعد أنا وأراس عن المنظمة."

في اللحظة التي خرج فيها اسمي واسم أراس من فمي، تجمد كل شيء.

القائد تصلبت ملامحه، ثم اقترب منا خطوة بخطوة، وعيناه كأنّهما نار تشتعل خلف هدوءٍ زائف:

"هل فقدتما عقلكما؟"

قالها وهو يضغط على كل كلمة:

"استخدام الأسماء الحقيقية داخل هذا المكان، دون ترميز، دون إذن، يعد خيانة لقواعدنا، أنتما تعلمان ذلك جيدًا! ما الذي تفكران به بحق الجحيم؟"

ارتفعت نبرة صوته في نهاية الحديث، لكن أراس ظل صامتًا للحظة، قبل أن يقطع التوتر بنبرة ثابتة:

"نحن ندرك ذلك تمامًا، سيدي. لم نفعل هذا بخفة أو تهاون. لكننا نحتاج... إلى وقت."

ثم تابع، وهو ينظر إليه مباشرة دون خوف:

"إذا استمررنا على هذا النحو، فسوف نفقد أنفسنا، وسنفقد المهمة، هذه الإجازة... قد تكون وسيلتنا للنجاة. لنا... وللمنظمة."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت مبحوح، يخفي وراءه الكثير:

"أعلم أنكما من أفضل من أنجبتهم شرطتنا... لكن لا تنسيا، أن الأفضل هم من يُسقطون أولًا، عندما يُصابوا بالثقة الزائدة أو العاطفة."

ثم اقترب منا بخطوات بطيئة، نظر في عيني مباشرة، وكأنه يحاول أن يكشف ما خلف الكلمات التي قلناها:

أمامكما ٤٨ ساعة لادقيقة أكثر، بعدها إما أن تعودا... أو لا تعودا أبداً."

أجبنا معًا، بنفس النبرة التي جمعت بين الجرأة والخوف:

"واضح تمامًا، سيدي."

بعدها أشار القائد بيده لنا للخروج.

خرجنا من مكتبه، ركبنا السيارة بصمت مهيب، وكأن كلينا يعرف أن اليومين المقبلين سيحددان مصيرنا.

نظرت إلي ستيف وأنا أمسك بالمقود بثبات،

ثم قال لي بجدية:

"كريستوفر تايلور وستيف ديفيد...

هذه الأسماء ستبقى معنا ليومين فقط، لن نستخدم أسماءنا الحقيقية، ولا حتى حياتنا. نحن الآن مجرد ظلال تتحرك لتنهي مهمة، لا شيء أكثر."

أومأت برأسي وانا احدق في الطريق أمامنا، ثم قلت بنبرة حازمة:

"يومين فقط، ستيف، بعدها سنكون إما في قمة النجاح... أو في الهاوية، علينا أن نحذر.

ابتسم بسخرية خفيفة وقال:

"الحذر؟ هذه ليست كلمة تناسبنا كريس، نحن نلعب بالنار منذ سنتين، وما زلنا واقفين فقط هذه المرة، اللعبة أكبر."

نظرت إليه بعينين حادتين وقلت:

"هذه المرة، الأمر ليس لعبة، إذا فشلنا، لن تكون هناك مرة أخرى، ستيف لا تخطئ."

_

_

_

( 2883 words.)

آرائكم؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الولاء الصامت

المؤلف عاشقة المستحيل
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة