10

10

13 0

"ليس كل ما يبدو أمامك هادئًا يخلو من العواصف... أحيانًا، تحت السطح الهادئ، تكمن أعتى الأعاصير.

_

_

(ستيف)

عادت إليف بخطوات متصلبة، كأن الأرض ترفض أن تحتمل توترها.

نظراتها لم تكن هادئة، بل حادة كالسكاكين، وقد ثبتتها مباشرة في عيني كريس، تحمل بين طياتها غليانًا مكتومًا.

وحين نطقت، بدا صوتها جامدًا، خاليًا من أي دفء:

"ننتظركم في الطائرة بعد قليل."

وقبل أن تختفي من أمامي، تحركت يدي تلقائيًا، أمسكت بمعصمها بخفة وهمستُ بقلق:

"هل أنتِ بخير؟"

لكنها سحبت يدها بسرعة، وكأن لمستي كانت عبئًا آخر، وقالت ببرود قاتل:

"بخير."

ثم ابتعدت بخطوات أسرع، دون أن تلتفت، دون أن تفسح مجالًا لأي كلمة إضافية.

همست لنفسي، بشكّ بدأ يتسلل إلى صدري:

"سيفدا... لا بد وأنها قالت شيئًا، شيء قلب الموازين، ربما أعادت عليها نظريات جنونها المعتادة... أننا من أعدائها.

نظرت إلى سيفدا، وشيء من الغضب يعصف داخلي، نطقتُ بصوت خفيض لكنه مشبع بالغضب المكبوت:

"ماذا قلتِ لها، أيتها الحمقاء؟!"

ابتسمت سيفدا بسخرية باردة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بثقة:

"أخبرتها كم أنتم خطيرون."

قهقه كريس بخفة، وهزّ رأسه ساخرًا:

"أوه، وهل قلتِ لها أننا نلتهم الأطفال على العشاء أيضًا؟ أم احتفظتِ بهذه للمرة القادمة؟"

تقدّمت خطوة منها، والغضب يكاد يحرق صدري:

"هل تعين ما قد يسببه هذا؟!"

لكنها رفعت يدها، كأنها تسكت عاصفتي، وقالت بهدوءٍ لا يليق بثقل ما فعلته:

"اهدأ ستيف، لم أقل شيئًا مباشرًا، فقط لمّحت. أردت أن أختبر ردة فعلها، لا أكثر.

همست لها بغضب مكبوت:

"إن أفسدت علاقتي بها، لن أغفر لكِ سيفدا."

لكنها، كعادتها، اكتفت بابتسامة ساخرة، ونظرة إلى الأفق البعيد، وكأنها تستمتع بإشعال الحرائق ثم المشي وسط الرماد.

**

آن وقت الإقلاع.

وها أنا أقف، أراقبها من بعيد... تعمل بحماس واضح، بين يدي هاتفي، لكنه بدا فجأة بلا معنى كنت أبحث عن أي ذريعة، أي جسر صغير يربط قلبي بقلبها قبل أن تفصلنا السماء.

الركاب يصعدون واحدًا تلو الآخر، أما أنا،

شيء ما في داخلي لا يريد المغادرة!

اقتربتُ منها بخطًى هادئة، وعيناي لا تفارق وجهها، ثم قلت بصوت خافت كأنني أبوح بسر:

"آنسة إليف... يبدو أنني سأكون أحد ركابك المميزين اليوم."

رفعت رأسها نحوي ببطء، وعينيها التقتا بعيني، للحظة لم تقل شيئًا، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، خجولة:

"شرف لنا ذلك، سيد ستيف

آمل أن تكون رحلتك مريحة."

ابتسمتُ بدوري، ثم أجبت:

"أظنها ستكون كذلك... طالما أنكِ من تُشرف على الرحلة."

تغيرت ملامحها قليلًا، وكأن كلماتي لامست شيئًا ما داخلها، لكنها حافظت على رباطة جأشها، وقالت بصوت منخفض أقرب للهمس:

"ماذا تقصد، سيد ستيف؟"

أخفضت بصري للحظة، ثم قلت بنبرة مازحة:

"لا شيء يُذكر... كنت أكلّم نفسي فقط.

عادة سيئة عند التوتر."

ابتسمت بطريقة أذابت فؤادي اللعين،

ثم قالت بهدوء:

"إذًا... أتمنى لك رحلة هادئة، يبدو أنك تحتاجها."

ضحكت بخفة، وأجبت:

"طالما أن طاقم الطائرة بهذه الكفاءة... فأنا مطمئن تمامًا.

بدأت الرحلة، وبدأت إليف تتنقّل بين المقاعد برشاقةٍ وهدوءٍ مُربك.

كانت ابتسامتها كأنها توقظ في الركاب شعورًا بالأمان... وفي داخلي؟ كانت توقظ عاصفة.

مالت قليلاً على راكب في الصف المقابل، كانت تسأله بلطف إن كان بحاجة لشيء.

فاستدرت نحو كريس-أو بالأحرى: "أوزان".

همستُ بنبرة ساخرة:

"أوزان... فكّر معي قليلاً."

رفع حاجبه دون أن يلتفت، قال بنبرة تحمل مزيجاً من الحذر والضجر:

"أفكر بماذا؟ لا تقل لي إنك تنوي على شيئًا غبيً!

ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم تمتمت:

"أريد مشهدًا بيننا... شيء درامي، ملفت، يجعل الركاب يعتقدون أننا في مسلسل تركي."

استدار ناحيتي ببطء، وعيناه تضيقان كمن لا يصدق ما يسمع، ثم قال بجفاف:

"أراس، نحن على متن طائرة ياغبي!

هل تريد أن تنفّذ مشهد مطاردة في الممر؟

أم تنقلب على ظهرك وتصرخ بأنك نسيت جواز سفرك؟"

ضحكتُ بخفة، ثم أخذت رشفة من قهوتي وقلت بنبرة المتأمل:

"لا، فقط أشعر أن الرحلة مملة، ووجودها..."

نظرتُ نحو إليف، ثم عدت بنظري إليه:

"وجودها يجعل كل شيء قابل للاشتعال."

تنهد أوزان بعمق، ثم قال بنبرة مشبعة بالتهكم:

"ياإلهي!!!

قهقهت، وقلت:

" لن تكون رحلة هادئة، أعدك بذلك."

ثم رفعت عيني، وإذا بها تقترب

توقفت أمامنا، تنظر إلينا بوجهها المألوف، الهادئ، المحترف.

قالت بهدوء:

"هل يمكنني أن أقدم لكما شيئًا؟"

نظرتُ إليها بثقةٍ وابتسامة لا تخلو من العبث:

"هل من ضمن الخيارات أن أطلب قلب المضيفة؟ أم أن ذلك يُخالف سياسة الطيران؟"

احمرّ وجهها قليلاً، لكنها تماسكت وقالت بابتسامة رسمية:

"للأسف نعم، لكن بإمكانك طلب مشروب بارد... قد يُخفف من حماسك."

إبتسم كريس بجانبي، وأنا اكتفيت بهز كتفي وكأنني هُزمت بنقطة لصالحها.

همستُ لأوزان بعد أن ابتعدت:

"أرأيت؟ حتى ردودها فيها نكهة... كيف تريدني أن ألتزم الصمت؟"

وبعد حوالي ساعتين انتهى بي الأمر، بحركةٍ مقصودة تماماً، رفعتُ كوب القهوة عاليًا، ثم تركته يسقط برشاقةٍ محسوبة.

تناثرت القطرات الداكنة على السجادة الفاخرة،

لم أحتج سوى لحظات، حتى جاءت إليف مسرعة، بانحناءٍ سريع وحركةٍ مألوفة اعتادتها مع الحوادث العابرة.

ركعت على الأرض، تمسح الآثار دون أن ترفع رأسها، لحقت بها بانحناءة خفيفة، وقلت بهدوء مصطنع:

"أعتذر... سقط الكوب دون قصد."

رفعت نظرها نحوي، ابتسامة صغيرة رسمت على ملامحها:

"لا بأس... سأهتم بالأمر، هذا واجبي."

حدّقت بعينيها مباشرة، بصوتٍ ناعم، قلت:

"لا يمكنني ترككِ تنظفين وحدك،

ليس وأنا السبب."

توقفت للحظة، وكأن كلماتي أخذتها على حين غفلة، ثم همست وهي تخفض عينيها:

"حقاً... لا داعي، إنه حادث بسيط."

لكنني لم أتحرك، بقينا هناك، على الأرض، أقرب مما ينبغي، وأبعد مما يسمح به المنطق.

نظراتنا تشابكت، لا تبحث عن تفسير، فقط كانت هناك... حقيقية، صامتة، دافئة.

شعرت بنفَسِها يلامس وجهي، وشعرتُ بنفسي أخرج عن حدودي، كل شيء فيها،

رعشة يدها، نظراتها كلها.

اللعنة إنها تربكني!!

وقبل أن ينكسر هذا الصمت الساحر، جاء صوت أوزان من بعيد، بنبرة لا تخلو من سخرية:

"أراس... هل قررتَ الجلوس هناك إلى الأبد؟

أم ننتظر حتى تكتبا الفصل الأخير من فيلمكما الرومانسي؟"

ضحكتُ بخفة، لكن عيني لم تترك عينيها، همست دون أن أنظر إليه:

"أحيانًا، مشهدٌ صغير على الأرض... يكون أصدق من كل سيناريوهات الحياة."

رفعت إليف نظرها نحوي أولاً، ثم وقالت بشك:

"من أنت؟ ستيف أم أراس؟"

أجاب كريس بسرعة وهو يبتسم ابتسامته المراوغة المعتادة:

"ستيف بالطبع، أوليس؟ "

نظرت إليه بحنق، ثم التفتُّ نحوها وقلت بابتسامة هادئة:

"ستيف ديفيد، كما قلتُ لكِ من قبل.

أما أراس... مجرد لقب، مزحة بين الأصدقاء."

ردت بصوت يكاد لايسمع:

ربما هو من اختار اسمك، لكن ليتك لم تختره

كصديق.

قلتُ وأنا اوحي لها اني لم اسمع :

"هل قلت شيء

رفعت نفسها وقالت:

كلا لم اقل سيد ستيف...

**

مضت ساعات أخرى ببطءٍ قاتل، وكأنّ الزمن قرّر أن يُمارس هوايته المفضّلة في تعذيبي.

أنا ستيف ديفيد، أو أراس ديميركان، الرجل الذي لا يعرف للملل صبرًا ولا للهدوء طعمًا.

نهضت من مقعدي متظاهرًا بأنّني متّجه إلى دورة المياه. حركة عابرة، روتينية، لا تستدعي الريبة...

لكن داخلي؟

كان يشتعل بحماسٍ خجول، متوترٍ، وكأنني فتى يُقابل حبّه الأول خِلسة.

وحين وصلت إلى قرب قسم الطاقم... رأيتها.

كانت هناك، تقف إلى جانب زميلتها، تتبادل معها حديثًا خافتًا،

وابتسامتها...

آهٍ من تلك الابتسامة التي قلبت لعنة كياني بلحظات.

مجرد رؤيتها جعلني أنسى لماذا أتيت من الأساس.

اللعنة أراس اهدأ قليلا!!

تماسكت، وسرت نحو دورة المياه بخطوات باردة ظاهريًا، مشتعلة داخليًا.

أغلقت الباب، وأسندت ظهري إليه، وضعت يدي على صدري احاول تنظيم أنفاسي اللعينة التي بمجرد رؤيتها إضطربت فورا.

همست لنفسي:

"أراس... ما الذي تفعله؟ إنها مجرد مضيفة طيران! لقد عرفتها منذ ساعات فقط أيها اللعين! هي ليست جزءًا من خطتك، ولا من عالمك."

بعد مدة تنفست بعمق، ثم خرجت مجددًا وأنا أبحث في ذهني عن مشهدٍ آخر، حيلة صغيرة، كلمة عابرة، أي شيء يجذب انتباهها نحوي.

لكن القدر...كان أكرم من خطتي.

فها هي تقف أمام أحد الركاب، في زاوية بعيدة عن الأنظار، تحاول تهدئته بلغةٍ منطفئة في الصوت، مشتعلة في الحضور.

كل شيء فيها كان مشهدًا لا يكتبه سوى مخرج عاشق.

خطوتُ نحوها دون تردّد، وقفتُ بجانبها بثقة هادئة، وحدّثت الراكب بنبرة جمعت بين اللطف والحزم:

"هل هناك ما يمكنني فعله لأساعدك، سيدي؟"

التفتت إليّ إليف بدهشة خفيفة، وكأن وجودي في هذا التوقيت تحديدًا لم يكن في الحسبان.

لكنّها لم تنبس بكلمة، فقط أفسحت لي المجال بعينيها.

نظرتُ إلى الرجل وقلت بابتسامة دافئة:

"نحن الآن بين السماء والأرض، ولا وقت لدينا للغضب.. صحيح؟"

تردّد الرجل قليلًا، ثم تنهد وقال بانزعاج خافت:

"كنت فقط أود أن أوضح وجهة نظري..."

استمعت إليه بإصغاء، أومئ برأسي في كل مرة يُنهِي فيها جملة، وبعد دقائق، هدأ صوته... ثم هدأ كل شيء.

ابتسمت بخجل، وقالت بصوت خافت:

"شكرًا... لم أكن أعرف كيف أتعامل معه."

رفعت حاجبي مازحًا وقلت:

"الملل لا يناسبني، لذا قررت أن أخلق مغامرتي الخاصة."

ضحكت بخفوت، وتلك الضحكة وحدها كانت كافية لتجعل صدري يضيق ويُضيء في آنٍ معًا

أضافت بإمتنان:

شكرا لك سيد ستيف.

ما إن همّت بالرحيل، حتى اهتزت الطائرة بعنفٍ مفاجئ، وكأن السماء قررت اختبار قلوبنا، أو منحتنا لحظةً لم يكن مُقدّرًا لها أن تحدث.

شهقت بخفوت، وانكمشت فجأة، قبل أن تتشبث بذراعي دون وعي، كأن جسدها قد اختارني ملاذًا قبل أن يدرك عقلها ما يحدث.

كانت قريبة... قريبة حدّ الارتباك، حدّ ارتعاش أنفاسي، حدّ الرجفة التي سرت في أوصالي لمجرد ملامسة يدها .

همستُ بنبرةٍ هادئة، يحاول فيها قلقي أن يتوارى خلف الكلمات:

"هل أنتِ بخير؟"

أجابت بصوت خافت، ورأسها ما زال مختبئًا في صدري:

"أنا... لا أحب المطبات الهوائية."

شددت ذراعي حولها قليلًا، وضعت كفي برفق فوق كتفها، ثم تمتمت:

"هشش... لا بأس، ستمرّ بعد قليل."

وبالفعل، بدأ الاهتزاز يخفت تدريجيًا. ومع تلاشي العاصفة في الخارج، بدا وكأنها أدركت العاصفة التي كانت على وشك أن تشتعل بيننا.

تراجعت بسرعة، وكأنها ارتكبت جُرمًا، وارتسم الحرج على وجهها، وقالت بصوت مرتبك:

"أ-أنا آسفة، سيد ستيف... لم أكن أقصد الاقتراب... لقد أفزعني المطب فقط."

لم أجبها في البداية. فقط نظرت إلى عينيها... ثم سحبتها من جديد، ببطء وثقة، حتى عادت إلى صدري.

نظرتُ إلى عينيها، ثم لشفتيها، واقتربت من أذنها بصوت خافت، صوت بالكاد يمرّ من بين أنفاسي:

"لو سقطت هذه الطائرة الآن... فندمي الوحيد هو أنني لم أعرفكِ من قبل."

تجمّدت إليف في مكانها، وكأن الزمن توقف لثانية.

انسحبت يدها من صدري بتردد، خفضت نظراتها، ووجهها مشبعٌ بالارتباك والحرارة. تمتمت بصوتٍ بالكاد يُسمع:

"أ-أنا... آسفة مجددًا، لم أقصد أن أتمسك بك... المطب فاجأني فقط."

ابتسمتُ، بنعومةٍ لا تخلو من سخرية لطيفة، وقلت:

"لا بأس... أعتقد أن أيّ شخص في مكانك كان سيفعل نفس الشيء."

رفعت رأسها قليلًا، نظرت إلى وجهي بنظرة فيها خليط من الحرج والتحدّي، وقالت بابتسامة خجولة:

"تبدو معتادًا على هذه المواقف سيد ستيف."

رفعت حاجبًا، وبابتسامة جانبية قُلت:

"في الواقع... هذه أول مرة أتمنى فيها ألا ينتهي المطب الهوائي بهذه السرعة."

اتسعت عيناها بدهشة، ارتبكت لثانية، ثم عضّت شفتها لتمنع نفسها من الضحك، وقالت وهي تتجه نحو مقعدها:

"سأعود إلى عملي... يبدو أن الطقس عاد لطبيعته.

راقبتها وهي تبتعد، وابتسامة صغيرة تسللت إلى ملامحي... ليس على كلامها، بل على طريقتها الطفولية في الهرب من مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها.

***

وأخيرا.... وصلنا إلى إسبانيا.

وسط ضجيج المسافرين، اقتربت منها، فقالت بابتسامة خفيف:

"سيد ستيف... أعتقد أن هذه لحظة الوداع."

نظرت إليها بصمت للحظة، ثم أخرجت هاتفي وقدّمت لها رقمي، وقلت بنبرة دافئة:

"إذا احتجتِ لأي شيء... لا تترددي في الاتصال. هذا رقمي، وسأكون دومًا على بُعد رسالة فقط."

أخذت الرقم مني :

"شكرًا لك، سيد ستيف... سأحتفظ به جيدًا."

نظرت إلي للحظة طويلة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، ولوّحت لي قبل أن تستدير وتغيب وسط الزحام.

***

بدأ أسبوع الراحة، لكنّ الراحة لم تكن كذلك.

في ركنٍ هادئ من الفندق، جلستُ شاردًا.

يا إلهي... كم كنت غبيًا.

رقمي أعطيتها إياه، نعم... لكن لماذا لم أطلب رقمها؟! كيف أفوّت شيئًا كهذا؟!

زفرتُ بملل، ثم أغلقت هاتفي ووقفت متأففًا من رأسي المزدحم، ناديت على أوزان، صديقي الثقيل، خفيف الوجود، علّه يُخرجني من رأسي.

سرنا في شوارع إسبانيا، المدينة التي تعجّ بالحياة، وكأنها تتحداني أن أعيش، لا أن أفكر.

حتى توقفنا عند جسر حجريّ قديم، يطل على نهر رقراق، وقفت هناك، وحدي في منتصفه تقريبًا، تأملتُ الماء، السماء، وشيئًا في داخلي تمرد فجأة.

التفتُّ إلى أوزان وابتسمت ابتسامة مريبة:

"أعدك... أنك ستندم على مرافقتي اليوم."

حدّق بي بريبة، وقال وقد بدأ التوتر في ملامحه:

"أراس... لا تبدأ. "

لكنني كنت قد بدأت... بخطوات واثقة، صعدت على حافة الجسر، مددتُ ذراعيّ للهواء، وصرخت:

أنا أراااااس ديميركااااااااان! وسأظل كذلك حتى آخر نَفَس من عمري!"

تردّد صوتي في المكان، شعرتُ أن الكون سمعني أخيرًا، ربما حتى إليف...

"أراس!!! أيها اللعين، انزل حالًا قبل أن تقفز الشرطة فوقنا!"

صوت أوزان كسر لحظتي البطولية التفتُّ إليه، كان يضع يده على جبينه بيأس وكأنه يفكر في خطة هروب.

ضحكت، وقلت:

"أحيانًا نحتاج أن نُذكّر أنفسنا من نكون،

يا صديقي. العالم لا يسمع إلا من يصرخ!"

لم تمضِ ثوانٍ حتى شعرت بيده تشدني بعنف من الخلف، كدت أتعثر، لكنه أنزلني بحزم.

نظر إلي، عاقدًا ذراعيه، وقال بسخرية:

"هل هذه طريقتك لتثبت للعالم أنك موجود؟ كدتَ تقع، أيها الأحمق، غبي!"

ضحكت بحرارة وقلت:

"على الأقل أنا أعيش اللحظة، أوزان.

جربها يومًا، قد تعجبك."

هز رأسه، وضرب كفه على كتفي:

"ربما يوما ما... لكن الان دعنا نتجنب المخالفات القانونية، سيد أراس ديميركان!"

تقدّم بخطواته، فتبعتُه، وأنا أضحك:

"اتفقنا... لكن تذكّر، لن يكون جنونك بقدر جنوني.!"

---

(سيفدا)

عادت إليف وهي تجرّ حقيبتها خلفها، والتعب مرسوم بوضوح على ملامحها.

أسرعت نحوها بخطى قلقة، وصوتي محمّل بالاهتمام:

"إليف، كيف كانت رحلتكِ؟"

رفعت رأسها نحوي، وابتسامة مرهقة ارتسمت على شفتيها:

"كانت رحلة طويلة... لكنها كانت لتكون أفضل لو لم يكن منقذك ذاك، كريستوفر، على متن الطائرة."

ضحكت بخفة، محاوِلة تهدئتها:

"لا تهتمي له... أعدكِ أنني سأكتشف إن كان حقًا منهم أم لا."

لكنها قطعت حديثي فجأة، وكأن ذكرى خطرت في بالها للتو:

"أما ستيف... فذلك الرجل يُدعى بطلًا."

نظرتُ إليها باستغراب، الحيرة تملأ نبرتي:

"ماذا؟ لم أفهم... ماذا تقصدين؟"

أجابت، وعيناها تلمعان بخليطٍ من الخجل والإعجاب:

"أنتِ تعلمين جيدًا كم أكره المطبات الهوائية... وفجأة، كان ستيف أمامي عندما وقع المطب، التفت إليّ وكأنه شعر بخوفي حتى قبل أن أتفوه بكلمة، حاول التخفيف عني، ومن هذا الشي.

رفعتُ حاجبي بدهشة وقلت بمكر:

"آه حقًا؟ وماهو هذا الشيء؟ يبدو أنّ هناك تفاصيل لم تذكريها بعد، عزيزتي!"

تنحنحت بخجل واضح، وأخفضت نظرها، ثم تمتمت:

"أيًّا يكن... ما يهم هو أنه كان بطلًا حقيقيًا. تصرّف وكأن سلامتي من مسؤوليته.

اقتربتُ منها، أراقب ملامحها المرتبكة، وقلت مبتسمة:

"بطل حقيقي؟ كلماتكِ تبدو وكأنها من مشهد سينمائي، لا مجرد موقف عابر في طائرة."

أغمضت عينيها لثوانٍ، قالت بهمسٍ يكاد لا يُسمع:

"ستيف لا يُشبه أحدًا... هادئ، واثق،

لا أعلم كيف أصفه، لكنه مختلف... مختلف بطريقة تطمئن ولا تُخيف."

رمقتني بنظرة ممتعضة، وقالت بنبرة حانقة ممزوجة بالدهشة:

"كيف لرجل وسيم وقوي مثل ستيف أن يكون صديقًا لذلك الوحش؟!"

نظرت إليها وقد بدأ الغضب يتسلل إلى صوتي دون أن أتمكن من كتمه:

"إليييف! ما بكِ؟ منذ وصولكِ وأنتِ لا تتحدثين سوى عن ستيف!"

تنهدت اليف وأشاحت بنظرها بعيدًا ثم قالت بصوت منخفض:

"لا شيء... هو فقط مميز.

عدنا إلى المنزل، ولكن وأفكاري المتداخلة لم تكن لتتركني، كيف يمكنني أن أتيقن؟ كيف أميز الحقيقة من الوهم؟

قطعت إليف حبل أفكاري فجأة، بصوتها المتردد:

"هل تظنين أن ستيف سيعود قريبًا؟"

نظرتُ إليها وابتسمت ابتسامة باهتة:

"ربما... لكن هناك الكثير من الأمور العالقة التي تحتاج إلى تفسير."

حاولتُ أن أخفي القلق، لكن إليف كانت أذكى من أن تنخدع، فقالت بهدوء:

"تبدين شاردة... هل كل شيء على ما يرام؟"

أجبتها، وأنا أحاول أن أسيطر على اضطرابي:

"نعم، لا تقلقي فقط... أرتّب بعض الأفكار في رأسي."

ما إن فُتح الباب، حتى تفاجأتُ بمارت واقفًا أمامنا، يرتدي بزّته الرسمية.

ابتسامته المعتادة سبقت كلماته ككل مرة، ثم انحنى أمامنا بخفة، وفتح ذراعيه بتمثيل مبالغ فيه، قائلًا بنبرة درامية مرِحة:

"هوب! أميرتاي الجميلتان، تفضّلتا بعناق الفارس العائد من ساحة الشرف!"

تبادلنا، أنا وإليف، نظرة سريعة... لحظة صمت قصيرة، تلتها نظرة تحدٍّ صامتة...

ثم، في اللحظة نفسها، انطلقنا ركضًا نحوه وكأن سباقًا أُعلن فجأة، وأنا مصمّمة على ألا تسبقني إليها، مهما كلّف الأمر.

ضحك مارت وهو يفتح ذراعيه ليحتضننا معًا قائلًا:

"لم أتصوّر أن التنافس على عناقي سيكون بهذه الشراسة!"

دفنت وجهي في صدره، وعلّقت بسخرية دافئة:

"ربما لأنك دائمًا تبالغ في لعب دور البطل العائد من أرض المعارك... بينما نحن الضحايا الأبديّات لحكاياتك!"

ضحكنا جميعًا... لحظة دافئة تسللت وسط ضجيج كل ما نمرّ به مؤخرًا.

جلسنا إلى الطاولة، ومع أول لقمة يضعها مارت في فمه، توقّف فجأة، ثم أخرج منديلاً قماشيًا وكأنه على مائدة ملكيّة، ومسح شفتيه بحركة مصطنعة.

نظر إلينا بنظرة مدروسة، وقال بنبرة متفاجئة:

"انتظرا لحظة... أمعقول أن أبدأ الأكل دون أن أُبجّل حضور أميراتي؟! ما هذا الخلل في البروتوكول؟!"

ضحكت إليف بخفة، وهزّت رأسها قائلة:

"جائعون يا سيادة الحارس الملكي، اترك البروتوكولات جانبًا."

لكنه تجاهل تعليقها، واعتدل في جلسته كأنه يستعد لإلقاء خطاب رسمي، ثم قال بلهجة ملكية مفتعلة:

"جميلاتي... صغيرتاي... نجمتي هذا القصر ونوره المتوهّج، اعذراني إن لم أُحيّكما كما يليق.

فليُسجّل هذا اليوم في دفاتر التاريخ، إذ اجتمعنا على الطاولة، بلا شجار، بلا صراخ، وبلا أوامر تفتيش."

رفعت حاجبي وسألته ساخرة:

"هل شربت شيئًا غريبًا قبل أن تأتي؟ أم أن هذا هو وضعك الطبيعي؟"

ضحك وهو يمدّ يده ليضع قطعة خبز في طبقي، وقال:

"من أجل عينيك يا صغيرتي، سيشعر هذا الخبز بالفخر لمجرد أن يُلامس طبقك."

وضعت يدي على وجهي، متمتمة باستسلام:

"أقسم أنني بدأت أظن أننا نعيش داخل مسرحية لا منزل!"

غمز مارت وقال وهو يرفع كأس الماء وكأنه نبيذ ملكي:

"بل نحن في قصر... وأنا فارسُكن المخلص. "

***

في صبيحة اليوم الرابع من لقائنا في المطار، لم أعد قادرة على البقاء في الظل.

كان الشك ينهشني من الداخل بلا رحمة، ومشاعري تجاه كريس أصبحت ضبابية، هل هو فعلاً العدو المتخفي؟ أم أنني فقط متأثرة بانطباعات إليف وانجذابها لستيف؟

اتخذت قراري.

ذهبت إلى القائد، بخطى ثابتة وعينين تملؤهما العزيمة. طلبت منه أن أعمل كعميلة سرّية، ليس فقط لكشف الحقيقة... بل لفهمها بعمق، ومواجهة ما ينتظرني بقلبي قبل عقلي.

لم يكن إقناعه سهلاً، لكنني نجحت. وافق، بعد نقاش طويل، أن أبدأ تدريبًا خاصًا يؤهلني للعمل متخفية في قلب المنظمة، كحارسة شخصية لإحدى الشخصيات الأساسية فيها.

اقترب القائد، وضع يديه على الطاولة، وقال بجدية لا تحتمل التراجع:

"ستكونين تحت ضغط هائل، كل كلمة، كل نظرة، كل حركة... ستكون مراقبة. عليكِ أن تكوني أكثر من حذرة، هل تستطيعن حقا؟؟ "

رفعت رأسي، وأجبت بابتسامة واثقة، تخفي خلفها آلاف المخاوف:

"أنا قادرة، وسأفعل ما يلزم."

مضى اليوم الأول والثاني وأنا أواصل التدريب بلا توقف، متجاهلة التعب والألم الذي بدأ يتسلل إلى جسدي.

في اليوم الثالث، كانت عضلاتي تؤلمني بشكل لا يحتمل، لكنني حاولت إخفاء أي علامة ضعف.

القائد كان يراقبني عن كثب، وفي كل مرة أخطئ فيها، كان يصححني بنبرة حادة وقاسية.

عندما شعرت بألم في يدي بعد تمرين قاسي، اقترب مني القائد وقال بحزم:

"سيفدا، هذه ليست لحظة للضعف، إن لم تستطيعي التحمل الآن، كيف ستحمين شخصًا مهمًا في المستقبل؟"

أجبته بثقة رغم الألم:

"أنا مستعدة، ولن أتوقف حتى أتقن كل شيء."

_

_

_

(كريستوفر)

ها نحن نقترب من العودة لذات الظلام، بعد أن كان أسبوعنا هادئ وجميل.

سمعنا صوت قائد الرحلة دوّى في مكبرات الصوت:

"السادة الركاب، نود إعلامكم بأنه طرأ تغيير في خطة الرحلة، وسنهبط في مطار مختلف عن الوجهة المقررة مسبقًا، لأسباب لوجستية خارجة عن إرادتنا."

نظرت فورًا إلى ستيف، الذي تحولت تعابير وجهه إنقلبت بسرعة إلى الإستياء كان يحدّق في شاشة هاتفه بين الحين والآخر، ينتظر شيئًا لم يأتِ.

تمتم بقلقٍ واضح وهو يغلق هاتفه بعصبية:

"أين هي؟ لماذا لا تتصل؟

لم أشأ أن أعلّق، لكنني شعرت بالضيق من أجله.

هبطنا أخيرًا في المطار البديل، وبعد إنهاء الإجراءات، استقللنا سيارة أجرة متوجهة نحو العاصمة.

مع اقترابنا من المدينة، غمرتنا أضواؤها المتلألئة كنت أشعر بالإرهاق الشديد، ولم أرغب سوى بالعودة إلى المنزل والنوم

لكن ستيف، الذي بقي شارد الذهن طوال الرحلة، قال فجأة:

"أريد التوجه إلى المطار... أحتاج لرؤيتها، حتى لو لوهلة."

نظرت إليه بصمت. كان من الواضح من يقصد، ولم يكن في نبرته تردّد، كان يشتعل شوقًا غير مفهوم، إنها فتاة! فتاة يارجل! حتى أنه بالكاد يعرفها.

أجبته بهدوء، رغم دهشتي:

"إن كنت مصرًا، فلنذهب... لكن لا يجب أن نتأخر."

حينما وطئت قدماي أرض المطار، كان ستيف قد سبقني بخطوتين، يتلفّت بعينيه بين الزحام كما لو أنه يبحث عن كنز ضائع.

لكن ما لم أكن أتوقعه، هو أنني أنا أيضًا... كنت أبحث بعيني دون وعي، عن وجهٍ مألوف.

عن "سيفدا".

ما إن وقعت عينا ستيف على إليف، حتى استدار إليّ قائلاً بنبرة مازحة وهو يرمقها بإعجاب:

"أعتقد أن لدينا هنا من هي أجمل من كل فتيات إسبانيا، أليس كذلك كريس؟"

ثم لوّح بيده بحماس، مناديًا بصوت مرتفع:

"أنسة إليف! لقد عدتُ!"

التفتت إليف إليه، مقاطعة حديثها مع سيفدا، ورفعت حاجبيها قليلًا بدهشة:

"سيد ستيف؟ أهلا بعودتك! "

اقترب منها بخطى واثقة، واضعًا يديه في جيبه، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه:

أهلا بك آنستي! كيف كان حالك؟

ردّت بصوت هادئ وثابت:

أنا بخير كما ترى.

ضحك ستيف بخفة، مشيرًا إليها بإصبعه:

"أوه، هذا مطمئن... لكن صدقيني، الرحلة كانت باهتة من دونك.

في تلك اللحظة، تقدّمت سيفدا نحونا بهدوء، خطواتها واثقة ونظراتها تلمع بذكاء.

وعندما وصلت، وضعت يديها على خصرها،

ثم قالت بسخرية لاذعة:

"منذ الصباح وأنا أتساءل... ما بال السماء قاتمة بهذا الشكل؟ والآن فقط اتّضح السبب-أنتم هنا."

ضحك ستيف بخفة، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول:

"أوه سيفدا، حديثك دائمًا مزيج من الشعر... والأساطير القاسية، هل اشتقتِ إلينا ولو قليلًا؟"

رمقته بنظرة جانبية، ثم أجابت بنبرة ساخرة:

"اشتقت؟ ربما فقط للسكينة التي كانت تحيط بالمكان قبل أن تطؤوه."

تدخلت إليف بابتسامة دافئة تخفف الأجواء:

"سيفدا، لا تكوني قاسية. "

وضع ستيف يده على صدره، متظاهرًا بالخذلان:

"سيفدا... قاسية حتى في الترحيب، نحن لا نحمل سوى الحياة حيثما نذهب!"

ابتسمت سيفدا بخفة، وعيناها تلمعان بمكر:

"الحياة؟ بل عاصفة من الفوضى، لو تمطر السماء الآن، ربما تُنقينا من غبار قدومكم."

كنت أراقب المشهد بصمت، لكن لساني لم يطاوعني، قلت ببرود دون أن أنقل نظري عنها:

"سيفدا، هل لاحظتِ أننا منذ لقائنا الأول لم نكمل لحظة دون جدال ومناقرة!؟ "

نظرت إليّ وهي تميل برأسها، شبح ابتسامة على شفتيها:

"وهل توقعت شيئًا مختلفًا؟

أنت تشعل النيران، وأنا... أُطفئها بإتقان."

قهقه ستيف وهو يتأملنا:

"يبدو أنكما تعيشان مسلسلكما الخاص، أخبراني فقط متى يبدأ البث الرسمي؟ أريد أن أكون أول المشاهدين!"

توجهت سيفدا بنظرة حادة إليه بينما توجهت في ذات اللحظة وقلنا معا في آن واحد:

ستيف أصمت!!!

رفع يديه مستسلماً ومندهشا من هذه الصدفة:

"أسف، أنا مجرد متفرّج مستمتع... بل غارق في المتعة."

نظرتُ إليها، وكانت عيناها تعكسان مزيجًا غريبًا من الهدوء والقلق.

همستُ بصوتٍ خافتٍ بالكاد عبر الهواء بيننا:

"ليتكِ تفهمين..."

رفعت حاجبها بخفة، نظرتها تملأها الحيرة وقالت:

"أفهم ماذا؟"

ترددت، ثم ابتسمتُ ابتسامة باهتة، مُحمّلة بما لا يُقال:

"لا شيء... مجرد كلام عابر."

لكنها لم تكن من النوع الذي يترك الأمور تمر ببساطة.

تقدّمت خطوة، ونبرتها حملت جديّة مفاجئة:

"كريس... أنت لا تتكلم عبثًا، ما الذي تحاول إخفاءه؟"

لم أنظر إليها، نظري كان قد علِق بنقطةٍ ما في الأرض، كأنني لو نظرت في عينيها لانكشفت كل دفاعاتي.

ابتعدتُ خطوة للخلف، ومنحتها تلك الابتسامة الهادئة التي اعتادت رؤيتها، لكنها اليوم كانت تخفي عاصفة:

"ربما... في يومٍ ما... ستعرفين."

ما إن بدأنا نسير وسط الممرات حتى ارتجف الهواء من حولي، وكأن قلبي سبقني في التحذير

نظرة واحدة كانت كفيلة بإشعال جرس الخطر داخلي.

صرخت بحدة، رافعًا نداءً يتردد في أروقة المطار:

"ستيف! إلييييف!"

_

_

(3486 words.)

آرائكم ياحلوين!

شوصار؟ بدأت الأحداث تاخد منحنى ثاني 🫠😭

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الولاء الصامت

المؤلف عاشقة المستحيل
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة