"في الحياة، لا يمكننا الهروب من الماضي، لكنه يعطينا القوة للتقدم في المستقبل.
_
_
_
(سيفدا)
مضى يومان على اللقاء الأخير بيني وبينه.
يومان كنت أعيش فيهما على شفير هاوية من التوتر والانتظار، أُمني نفسي بلقائه مجددًا، وأحارب صراعًا داخليًا لا يهدأ.
أبلغت القائد أنني مستعدة لكل شيء... لأي مهمة، لأي خطر، فقط لأصل إلى ذلك الغجري القذر الذي كان السبب في إصابة إليف.
لكن، رغم كل الحماس، كانت جملة القائد تطاردني كظل لا يفارقني:
"لا تثقي به كثيرًا... ربما يكون مجرد فخ ذكي."
كنت أرفض هذه الفكرة، أرفضها تمامًا،
فكرة أن كريستوفر قد رحل وهو يظن أنني مخطوبة.
ذهبت للمطعم نفسه طوال اليومين... لا لأتناول شيئًا، بل لأنتظر، على القدر يريني إياه.
ولكن كل مرة كنت أخرج من المطعم خالية الوفاض.
وفي اليوم الثالث، وكأن قدماي تعرف الطريق وحدها... قادتا جسدي المُتعب إلى هناك مجددًا.
لكنني هذه المرة...وجدته.
كان جالسًا هناك، في الزاوية ذاتها، بنفس الجمود، بنفس البرود، كأنه تمثال من حجر، تغلفه هالة رمادية تُبعد عنه أي مشاعر.
اقتربت منه، خطواتي واثقة، لكن قلبي كان يصرخ باسمه.
قلتُ بنبرة أقرب للرجاء منها للعتاب:
"كريستوفر!"
لم يرد...لم يلتفت...حتى أنه لم يرمقني بنظرة واحدة، وكأنني غير موجودة.
لكنني جلست، رغماً عن صمته...جلست وكأن كل الكراسي اختفت، ولم يبقَ لي سوى ذاك المقعد أمامه.
سألته، ونبرة خفيفة من الألم تنزلق من بين كلماتي:
"هل تتجاهلني الآن؟"
وبعد لحظة من الصمت، قالها أخيرًا، صوته كان منخفضًا، باردًا، وحادًا كحد السكين:
"لا.... ليس هناك شيء للحديث عنه."
أردت أن أصرخ، أن أبرر، أن أشرح له كل شيء، لكني تمسكت بالهدوء:
"كريستوفر!"
وهنا، تنهد ببطء، ورفع رأسه أخيرًا...نظر إليّ بعينين سوداويتين، جامدتين كليلة شتاءٍ قارس، وقال:
"لا داعي لأن تقولي كريستوفر... كريس تكفي"
كلمته تلك...مجرد أنه سمح لي بإختصار إسمه، مدني براحة غريبة، كأن جدارًا انكسر بيننا.
تحدثنا بعدها.. حديثًا عابرًا، بلا معنى، بلا دفء.
كان كلامه قصيرًا... كلماته محسوبة، لكن نظرته؟ كان يختبئ خلفها آلاف الجروح.
وبينما وقف ليغادر، شعرت أن اللحظة تختطفه مني مجددًا، صرخت عيناي قبل لساني، لكنني قلتها بصوت مبحوح:
لاأستيطع قول شيء ولكني لستُ مخطوبة."
توقف للحظة، لم يلتفت، لم يتحرك... لكنه سمعني
أجاب بصوت منخفض:
"لا شأن لي."
كلماته اخترقتني، لكنها لم تُسكتني، أغمضتُ عيني، وتمتمت بهدوء:
"فقط أردتك أن تعرف."
***
عدت إلى المنزل، وقلبي يسبقني إلى الداخل... لم أكن أتوقع أن أرى شيئًا يزلزلني كما رأيت.
عند المدخل، كانت إليف...تمشي بخطى ثابتة، تتكئ على أمي ومارت، مرتديةً بدلتها الحمراء التي لطالما كانت رمزًا لقوتها.
لم أصدق ما أراه...عيناها كانتا تحملان مزيجًا من الألم العميق والراحة الدافئة، وكأنها خرجت للتو من معركة طويلة، مرفوعة الرأس.
ركضت نحوها بلا وعي، وكأن قلبي دفعني دفعًا،
وقفت أمامها، أحدق بذهول، قلت، وصوتي يتقلب بين الدهشة والفرحة التي أوشكت أن تبكيني:
"كيف... كيف تمشين؟!
كيف لم ألحظ ذلك خلال الأيام الماضية؟!"
ابتسمت إليف، تلك الابتسامة التي لطالما كانت ملاذي، مدّت يدها برفق، لمست وجهي وكأنها تُعيدني للحياة.
قالت بنبرة ناعمة، تحمل كل ما فقدته من طمأنينة:
"انشغالك بالبحث عنهم... جعلكِ لا تلاحظين، عزيزتي سيفدا، لكنني بخير الآن، وأنتِ هنا... وهذا وحده يكفيني."
تلعثمت الكلمات، واختلطت أحاسيسي بين ارتياح مؤلم وفرح مبهم، قلت بصوت خافت، كأنني أُعاتب نفسي:
"لقد كنت أبحث عنهم... كأن أملي في معاقبتهم هو الأمل الوحيد في النجاة.
ضحكت إليف بخفة، فقال مارت وهو يتقدم بخطوات درامية نحوها:
"أميرتي إليف... أقسم أنني لو كنت أملك سجادة حمراء، لبسطتها الآن تحت قدميكِ...لكن للأسف، أمي غسلتها البارحة."
انفجرت ضحكتي، ولم أستطع أن أمنع دموعي التي اختلطت بضحكتي تلك.
مسحَ مارت على شعر إليف بحنانٍ أبويّ، ونبرةُ صوته المفعمة بالدفء تخترق قلبها، ثم قال مبتسمًا بخفة:
"هكذا تعود البطلات إلى مملكتهن... شامخات، منتصرات، وأجمل من كل القصص!"
رمقته إليف بعينين دامعتين، كان فيهما أثر تعبٍ كبير، وداخلها مزيج من الشوق والامتنان، ثم تمتمت بصوتٍ خافت:
"مارت... ما زلتُ أتعثر قليلاً."
ضحك مارت بلطافة، ورفع سبابته أمام وجهها قائلاً بثقة:
"تتعثرين لأنكِ معتادة على الطيران... لا أحد يتعلّم المشي بعد أن اعتاد التحليق. ولكن لا بأس... سأكون جناحكِ الأيسر حتى تستعيدي قوتكِ كاملة."
ثم استقام واقفًا فجأة، ورفع يده عاليًا كمن ينادي جنودًا خياليين، وصفر بخفة وكأنه يعطي أمرًا:
"افتحوا الطريق! ملكتي عادت، ويجب أن يُعلن ذلك في أنحاء المملكة فورًا!"
ثم التفت إليها ومدّ ذراعه أمامها وكأنه يقدّمها لحفلٍ مهيب، وقال بنبرة درامية مازحة:
"انظروا إليها... البدلة الحمراء، الهيبة، الجمال، والقوة! هذه ليست إليف فقط... هذه أسطورة تمشي على الأرض!"
ضحكت إليف رغم دموعها، وأسدلت يدها لتغطّي وجهها بخجل، ثم همست من خلف كفّها:
"مارت... كفّ عن ذلك."
وبينما كانت تحاول إخفاء ابتسامتها، التفت مارت نحوي أنا، سيفدا، وهو يرفع حاجبًا بنظرة ماكرة وقال:
"أما أنتِ... سيفدا، أميرتي الثانية... فأنا قلق أنكِ ستُصابين بالغيرة، لأنني قد أعلن إليف ملكة المملكة، وأنتِ ما زلتِ أميرة قلبي."
هززت رأسي وأنا أضحك بخفة، ثم رفعت حاجبيّ ساخرة وقلت:
"مارت، إن واصلت على هذا النحو، سأطلب من أمي أن تعاقبك بغسل الصحون شهرًا كاملًا."
فتح عينيه بدهشةٍ مفتعلة، ووضع يده على صدره وهو يقول بصدمةٍ درامية:
"الخيانة؟! في عقر داري؟! لا بأس... لكن تذكّروا دائمًا، إن سقطت المملكة، فاعلموا أنني سقطت وأنا أخدم أجمل أميرتين عرفتهما الحياة!"
انفجرنا جميعًا بالضحك... لحظة خفيفة وسط كل التعب، ضحكة حقيقية بعد أيام من البكاء والخوف.
اقتربت إليف من مارت أكثر، وتشبّثت بذراعه بخفة، كأنها تخاف أن يفلت منها، ثم همست بصوتٍ فيه شيء من الطفولة والاطمئنان:
"طالما أنك هنا... فالمملكة بخير."
بعد مدة من التهويل والمعاملة كالأميرات، ذهب مارت إلى عمله، تاركًا خلفه سكونًا ناعمًا لا يشبه أيامي المعتادة.
أما أنا، فقد كرّست وقتي لمساعدتها على المشي خطوةً بخطوة، ببطء يشبه الحنين.
وبعد دقائق من المحاولة، قررت أن ترتاح قليلًا. جلسنا معًا على الأريكة في صالة المنزل، بينما أمي، التي لا تفارق الابتسامة وجهها، انطلقت إلى المطبخ لتعد لنا الطعام.
جلست بجانبها بصمت، أراقب تفاصيلها، وأتأمل تلك الخطوات التي اشتقت إليها، والتي لطالما تمنّيت رؤيتها من جديد.
وبينما كنت أغرق في أفكاري، قطعت صمتي بصوتها الهادئ، ويدها التي لامست وجهي برفق، كما لو كانت تمسح عني ثقل الأيام:
"عزيزتي... ما الذي يشغلكِ؟"
ابتسمت بخفة، ثم سرحت بنظري إلى زاوية أخرى، محاولة الهروب من نظرتها التي كانت كافية لفضح كل ما بداخلي.
همست، وقلبي يعاندني:
"مجرد عمل، لا شيء يستحق القلق."
لكنها لم تكن ممن تنطلي عليهم تلك الحجج الصغيرة، كانت تعرفني، وربما أكثر مما أعرف نفسي، حدّقت في وجهي للحظة، ثم مالت نحوي وابتسمت ابتسامة ساخرة، وقالت:
"لن تخدعيني بتلك الإجابة، إما أن تخبريني الآن... أو تعلمين جيدًا ما سأفعله، أليس كذلك؟"
ضحكت رغمًا عني، محاوِلة إخفاء ارتباكي، ثم أجبتها بنبرة دافئة:
"أعدكِ... سأخبركِ بكل شيء في غرفتنا، عند النوم، الآن... لا يبدو الوقت مناسبًا، أليس كذلك؟"
أومأت برأسها، وكأنها توافقني رغم إدراكها لثقل ما أخفيه.
_
_
(كريستوفر)
كان الليل قد أسدل ستاره، والهدوء يخيّم على المكان، إلا من صوت الورق وهو يُقلَب بين يديّ.
جلست على مكتبي، أنقل بصري بين الملفات والتقارير، أحاول التركيز، لكن عقلي كان يرفض الانصياع.
لا أعلم لماذا شعرت بذلك الفرح الخفي حين قالت إنها ليست مخطوبة، تجاهلت الأمر مرارًا، أقنعت نفسي أنه مجرّد وهم عابر... لكنني لم أفلح.
وفجأة، انفتح باب المكتب، ودخل ستيف كعادته، يحمل على وجهه تلك الابتسامة الساخرة التي لا تفارقه.
اقترب مني، وقال بنبرة مليئة بالتهكم:
"أخيرًا بدأت تركز في عملك أوزان! كنت على وشك أن أهنئك لأنك لم تعد تضيع وقتك بالتفكير في أمور تافهة."
رفعت نظري إليه بنظرة تحمل شيئًا من الغضب، وقلت بفتور:
"ستيف... هل نسيت شيئًا؟"
ضحك قليلًا، ثم قال بسخرية مصطنعة:
"أوه! أوووبس، نسيت أنه يمنع علينا إستخدم أسماءنا الحقيقية! "
تابع، متجاهلًا جديتي وكأن الأمر كله لعبة سخيفة:
"بصراحة، لم أتوقع أن تشغلك إلى هذه الدرجة، فتاة واحدة تُربك عميلًا مثلك؟ هذا تطور مذهل."
نظرت إليه نظرة مباشرة، باردة كالجليد، ثم قلت:
"ستيف، اغرب عن وجهي."
لكنه لم يتحرك، بل استدار بخفة، رافعًا كتفيه كعادته، ثم قال بصوت منخفض، يحمل في طياته استفزازًا خفيًا:
"عزيزي أوزان... عذرًا، أقصد كريستوفر، لا تظن أنني لم ألاحظ أنك أخذتها من أمامنا لتحميها لكنني أتساءل فقط... من تكون؟ ما اسمها؟ أخبرني وربما أتوقف عن السخرية."
أغمضت عيني لثوانٍ، محاولًا كبح الانفعال المتصاعد داخلي. ثم فتحتها ببطء، ونطقت ببرودٍ محسوب:
"هذا لا يعنيك ستيف! ابتعد عن هذا الموضوع."
لكن ستيف لم يكن ممن يتراجع بسهولة، اقترب مجددا بنبرة تمزج بين المزاح والجد:
"أحقًا؟ هل وقعت في شيء أكبر مما تتخيل؟
أم أنك بدأت تشعر بشيء... لم تُخطط له يومًا؟"
وكأن كلماته صفعتني، فصرخت بحدة غير معتادة:
"أخبرتك أن تبتعد! لا أريد سماع لعنة سخريتك!"
تراجع ستيف خطوة، لكن ابتسامته بقيت في مكانها، ثابتة، مستفزّة، كان يعرف تمامًا كيف يثير غضبي، وكان أكثر من يعلم... أنني لن أخرج عن هدوئي مهما حاول.
ثم استدار وغادر الغرفة، وضحكته تتردد في أرجائها، تاركًا خلفه أثرًا كصوت لا يُمحى.
تنهدت بعمق، وجلست على الأريكة الصغيرة في الزاوية، أغمضت عينيّ محاولة أن أُطفئ صخب الأفكار، أن أبحث عن لحظة راحة مؤقتة.
---
كنت أركض بجنون، ألهث بين زقاقٍ وآخر، قدماي تلامسان الأرض وكأنها تشتعل.
الطلقات تنفجر من حولي كالصواعق، وضجيجها يعلو حتى صار يطنّ في أذني كصفير الموت، أبحث عنه، عن ستيف، وسط فوضى غير مفهومة.
وفجأة...تجمدت خطواتي.. رأيتها.
تقف أمامي، وسط الدخان والركام، تبتسم.
اللعنة إنها تبتسم لي!
وكأنها لا ترى الخراب، ولا تسمع صوت الرصاص، وكأنها تسكن عالمًا آخر، عالمًا لا يعرف الألم.
مددت يدي نحوها بلا وعي، خطوة واحدة فقط كانت تفصلني عنها، لكن الرصاصة سبقتني.طش
اخترقت الهواء، مزّقت السكون المؤقت، واستقرت فيها.
سقطت كزهرة قُطفت بعنف، وابتسامتها... تلك الابتسامة التي منحتني الأمان، اختفت.
ركبتاي خذلتاني، جثوت أرضًا وأنا أراها تغيب عني، الدم يتسرب من جسدها، يرسم على الأرض خطوط وداع صامتة.
فجأة، شعرت بخنقة...شيء ثقيل انغرس في صدري، أنفاسي تتقطع، والعرق يغمر وجهي.
استيقظت، فزعًا... أنظر حولي كالمجنون، والظلام يحتضنني بصمت ثقيل.
أدركت أنه مجرد كابوس، لكنه لم يكن عاديًا.
كان أكثر من حلم، كان رسالة.
وضعت يدي على صدري، أتنفس بصعوبة، ثم همست لنفسي:
"اللعنة، ما الذي يحدث لي؟
لماذا شعرت أنها تموت... حقًا؟"
_
_
(سيفدا)
وضعت الكأس جانبًا، وقررت أن أبتعد عن هذا الصمت الذي أصبح يطوقني كالسلاسل.
صعدت الدرج بخطوات بطيئة، كل خطوة أقوم بها تزيد من التوتر الذي يراودني.
وعندما وصلت إلى الطابق العلوي، توجهت مباشرة نحو غرفتنا.
دفعْت الباب ببطء، وإذا بها تقف هناك، بجانب الشرفة، وكأنها جزء من هذا الليل.
شعرها يتطاير برفق مع النسيم البارد، وعينها الثابتة على الأفق وكأنها تبحث عن شيء بعيد.
لكنني كنت أعرف جيدًا أن خلف هذه الطلة الهادئة هناك حزن عميق يكاد يشبه حزني، إن لم يكن أعظم.
ترددت قليلاً، ثم تقدمت نحوها بخطوات متعثرة، وعندما اقتربت منها، لم أتمالك نفسي، فتقدمت بسرعة واحتضنتها بكل ما أملك من قوة.
لقد كان الألم في صدري، منذ شهور، ثقيلًا جدًا لم أعد أستطع تحمله أكثر.
وكل ما استطعت فعله هو أن أترك دمعة واحدة تتسلل من عيني، كانت أول دمعة تخرج مني منذ تلك الليلة.
شعرت بيدها تلامس كتفي برفق، وكأنها تحاول أن تمنحني بعض الطمأنينة في هذا السكون العاصف.
همست بصوتها الرقيق:
"أنا هنا"
لكن كلماتها، رغم أنها كانت مليئة بالراحة، إلا أن الألم في قلبي كان أكبر من أن يتم تخفيفه بأي كلمة.
جلست بجانبها على حافة السرير، ونظرت في عينيها، عينيها اللتين تعكسان كل شيء، كما لو أنها تستطيع أن ترى داخل أعماق روحي.
وضعت يدها على يدي، وقالت بصوتها الهادئ، ولكنها كانت تحمل إصرارًا لا يخفى:
"أخبريني ما الذي يشغلك؟ ما الذي تكتمينه بداخلك؟ الهروب من الواقع ليس حلًا عزيزتي، إذا لم تواجهي، فلن تتخلصي من هذا العبء."
أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت أروي لها كل شيء، كل ما مررت به منذ تلك الليلة المشؤومة، منذ لحظة المعرض، وكيف انقلبت حياتي رأسًا على عقب.
أخبرتها عن كريستوفر، الرجل الذي ظهر في حياتي بشكل غير متوقع، وكيف أصبح جزءًا من كل لحظة حساسة في حياتي.
تحدثت عن مشاعري المضطربة تجاهه، عن هذا الارتباك الذي يعصف بي في كل مرة أفكر فيه.
لكنني توقفت عند تلك الحقيقة المظلمة، تلك الشكوك التي تأكلني من الداخل.
لم أستطع إخبارها بأنني بدأت أظن أن كريستوفر قد يكون أحد هؤلاء الذين دمروا حياتنا.
تغيرت ملامح وجهها، ابتسمت ابتسامة ساخرة ممزوجة بالحنان:
"يا فتاة، يبدو أنك أخيرًا تفتحين باب قلبك! "
رفعت حاجبي بدهشة، وقلت:
"لم أفهم ما تعنين!"
ضحكت بخفة، وقالت وهي تضع يدها على كتفي:
"أوه، لا تتظاهري بالبراءة، أنت معجبة بمنقذك، أليس كذلك؟"
شعرت بحرارة في وجنتيَّ، وقلت محاولة التهرب:
"ما الذي تقولينه؟ أنا فقط ممتنة لأنه ساعدني."
لكنها لم تتوقف عن سخريتها اللطيفة، وقالت بابتسامة عريضة:
"ممتنة؟ يا لسذاجتك سيفدا! هذا أكثر من مجرد امتنان! عيناك تقولان كل شيء، ولكن لا تقلقي، أنا هنا لأرشدك في مسيرتك العاطفية."
رميت وسادة باتجاهها وأنا أقول بنبرة متوترة:
"كفى! لقد أخبرتك فقط لأفرغ ما بداخلي، وليس لتبدأي حملة تحقيق!"
ضحكت مجددًا وقالت وهي تلوح بيدها:
"كما تشائين، كما تشائين، لكن تذكري كلامي عندما تجدين قلبك ينبض بسرعة في المرة القادمة التي ترينه فيها."
أضافت بنبرة متوترة :
"أكملي سيفدا... أخرجي كل ما بداخلك. لا تتركيني أستجدي الحقيقة من بين سطور صمتك!"
أخذت نفسًا عميقًا، لكن صوتي خرج ضعيفًا، مترددًا، ممزوجًا بالرعب:
"أخاف... أخاف أن يكون أحدهم... ربما... يكون منهم."
في تلك اللحظة، وكأن الزمن تجمّد.
اتسعت عيناها، وتشنّجت ملامح وجهها بدهشة قاتلة.
ثم ما لبثت أن ابتعدت عني بخطوات سريعة، كما لو أنّ اعترافي صفع قلبها.
تبعثرت أنفاسها، وارتجف صوتها عندما سألت:
"سيفدا... إن كان أحدهم... إن كان هو من عالمهم اللعين.. هل ستتقبلينه؟!"
نهضت فورًا محاوِلة الاقتراب، لكن يدها ارتفعت أمامي فجأة، كأنها حاجز فولاذي يمنعني من المضيّ نحوها.
قالت بحدة:
"لا تقتربي! لا تلمسيني!"
ارتبكت، وتلعثمت كلماتي:
"إليف... لا تهذي، أنتِ تسيئين الفهم-"
قاطعتني بصوتٍ يشتعل بالخذلان والانهيار:
"العيون لا تكذب، سيفدا! إن كانت هناك شجاعة بداخلك، فانظري لنفسك جيدًا عندما تتحدثين عنه... ستدركين الحقيقة!"
اقتربت منها خطوة، لكن صوتها انفجر كقنبلة مزقت الهواء بيننا:
"قلت لك لا تقتربي!! أنتِ لا تفهمين شيئًا! إن كان هو السبب في كل ما حدث... إن كان هو من دمّر حياتنا... فكيف لكِ حتى أن تفكّري فيه؟!"
لم أستطع الرد.
كل ما أردت فعله هو تهدئتها، شرح موقفي، تبرير قلقي... لكن الكلمات تجمدت على شفتي.
صمتت للحظة، تحاول كبح دموعها، نظرت إلي بنظرة انكسار، نظرة امرأة انخدعت، واهتز صوتها وهو يقول:
"اخرجي، سيفدا... أريد البقاء وحدي."
هممت بالكلام، بخطوة تقرّب، برجاء..لكنها صرخت بألم:
"واللعنة، قلت لك اخرجي!!!"
كانت كلماتها كالسكاكين تمزق أعماقي، ولم أملك سوى أن أنصاع.
خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفي بهدوء ثقيل، أسندت ظهري إليه، أحاول التقاط أنفاسي وسط كل هذا الانهيار.
وبصمت متثاقل، نزلت إلى الطابق السفلي، أبحث عن أي ركنٍ قد يخفف وطأة الخيبة في صدري.
ألقيت بجسدي على الأريكة، أدفن وجهي بين راحتيّ، أحاول كبح كل ما في داخلي، لكن عبثًا...
النوم أبى أن يقترب، والهدوء هجرني تمامًا.
كانت كلماتها، دموعها، وانكسارها، كأشواك مغروسة في صدري، لا تتركني، ولا تتركني أنسى.
وهكذا، الى حين بزغ نور الفجر خلف الستائر...
كنت ما زلت غارقة في ليلٍ آخر، أشد ظلمة، وأقسى من كل ليلٍ سبق.
---
استيقظت صباحًا على وجعٍ يسري في مفاصلي، وكأن الأريكة قد قررت الانتقام منّي لصمتي في الليلة الماضية.
نهضت بتثاقل، أعدّ خطواتي نحو المطبخ، فوجدت والدتي منشغلة في إعداد الإفطار.
قبّلتها على عجل، لتسألني بنبرة دافئة:
"لماذا نمتِ على الأريكة؟"
ارتسمت على وجهي ابتسامة باهتة وأجبتها:
"كنت أعمل حتى وقت متأخر، غفوت دون أن أشعر."
لكن الحقيقة... كانت أثقل من أن تُروى.
استدرتُ كي أتناول كوب الماء من على الطاولة، لكن صوت الباب وهو يُفتح بحدة جعلني أتجمد في مكاني.
دخل مارت، أخي، بخطواتٍ واثقة كعادته... لكن ما شدّ انتباهي لم يكن صوته ولا حضوره.
بل الصندوق الخشبي الصغير الذي كان يحمله بين يديه، وكأنه يحمل ملفًا سرّيًا في قضية دولية.
رفعت حاجبي بدهشة وقلت بنبرة ساخرة:
"ما الذي جلبك من ميدان الحرب بهذه السرعة؟"
أجاب وهو يضع الصندوق على الطاولة أمامي:
"مضبوطات... وصلتني من مصدرٍ موثوق، ويجب التعامل معها بسرّية تامة."
نظرت إليه بذهول، ثم فتحت الصندوق بحذر كما لو أنني سأتفاجأ بشيء خطير... لتقع عيناي على علبة شوكولاتة فاخرة!
تأملت الشوكولاتة وكتمت ضحكتي، بينما هو شبك ذراعيه وقال بجديّة:
"تُهمتها الوحيدة... أنها جعلتكِ تبكين ليلة أمس."
ضحكت أخيرًا، وأنا أتناول قطعة منها قائلة:
"إذن هذه تحقيقاتك؟ شوكولاتة تُهرَّب عبر صندوق مضبوطات؟"
ردّ وهو يجلس بثقة أمامي:
"عزيزتي أحيانًا تكون المعركة الحقيقية
في تهدئة قلب أختك العنيدة."
أغمضت عيني للحظة، وكأن قطعة الشوكولاتة ذابت في قلبي لا فمي، ثم همست وأنا أنظر إليه بابتسامة صافية:
"لستُ بحاجة لمحاربين حين أملك ضابطًا بهذا الجنون اللطيف."
تناولت الشكولاة، ثم عدت لواقعي المرير، صعدت بهدوء إلى غرفتنا، دفعت الباب ببطء، فتسللت منه رائحة الشتاء الباردة.
كانت إليف واقفة قرب الشرفة، عيناها تحدقان في البعيد، وكأنها تهرب من كل شيء... حتى مني.
نطقت، بصوتٍ خافتٍ مرتجف:
"إليف... هل يمكننا التحدث؟"
استدارت إليّ ببطء، نظرتها كانت سكينًا يشقّ صدري، مزيجًا من الحزن والغضب والخذلان.
قالت بنبرة هادئة لكنها جارحة:
"لا شيء يستحق الحديث."
تقدّمت نحوها خطوة، وكأنني أحاول اقتحام الجدار الذي بنته بيننا، وتمتمت:
"إليف، صدقيني... لا أشعر تجاهه بشيء، أنا فقط... ممتنة لإنقاذه لي."
لكنها لم تترك لي مجالًا، حدّقت بي بعينين
تلتمعان بالوجع، ثم انفجرت بنبرة صادمة:
"سيفدا! لا تكذبي على نفسك! نظراتك تفضحك قبل كلماتك، أنتِ لا تدركين كم حجم الجحيم الذي عشته في غيابك."
لم أستوعب بعد وقع كلماتها، حتى تابعت بانفعال:
"ما زلتِ تدافعين عنه؟! بعد كل شيء؟! إنه منهم يا سيفدا! ومن يكون منهم... لا يمكن أن يكون معنا أبداً!"
شعرت بأن قلبي يتمزق بين ما أراه، وما أريد أن أصدق، تماسكت بصعوبة وقلت:
"لكن... إليف، هو... مختلف، أظنّ أنه ليس مثلهم..."
صرخت فجأة، بعينين ممتلئتين بالخوف:
"سيفدا! لا تفعلي هذا بنفسك! لا تحاولي تبرير وجوده! هذا الرجل... ليس إنسانًا عاديًا! كلما فكرتِ به، تبتعدين عن نفسك أكثر!"
شعرت أن الأرض تتهاوى تحت قدمي، همست بخفوت:
"أنا فقط... أريد أن أفهم."
رفعت بصرها إليّ، ثم قالت بصوتٍ اختلط فيه اليأس بالغضب:
"أعطني دليلاً واحدًا على أنه ليس منهم... دليلاً واحدًا فقط! كل ما تعرفينه عنه يشير إلى العكس."
تجمدت الكلمات على طرف لساني، أردت أن أصرخ، أن أنكر، أن أتمسك بأملٍ صغير... لكنني لم أستطع.
فقط وقفت هناك، متجمدة في مكاني، تتقاذفني الأسئلة، ويخنقني الشك... وقلبي يرفض التصديق، رغم كل العلامات.
_
_
(ستيف)
كعادتي، كنت أجلس مع كريس، أستفزه بشأن تلك الفتاة التي أثارت فضوله مؤخرًا.
لكنّ ملامحه الصارمة وطريقته في الرد دفعتني إلى التراجع، إلى كتم مزاحي، وإلى الهروب نحو عملي لعلّي أجد فيه ما يشغلني عن غموضه.
ركبت سيارتي، قاصدًا وجهة مجهولة، أوقفتها قرب أحد الأزقة القديمة، ونزلت أتمشّى بين الجدران المتقشرة والظلال الطويلة.
لكن شعورًا غريبًا تسلّل إلى قلبي...وكأن عين أحدهم تخترق ظهري.
تابعت السير متظاهرًا باللامبالاة، ثم استدرت فجأة.
كان هناك.
يتكئ على عمود إنارة صدئ، يداه معقودتان على صدره، وقبعته المكسيكية تغطي ملامحه، لكنها لم تخف حضوره...ذلك الحضور القاتل.
أليكس!!!
قاتل الخونة، ظل المنظمة، واليد التي لا ترتجف حين تقرر أن تنهي أحدهم.
وقفت متجمّدًا، أعرفه حتى دون أن أرى وجهه.
نطقت، محاولًا الحفاظ على نبرة هادئة، على طريقة كريس:
"ما الذي تفعله هنا، أليكس؟"
ابتسم بسخرية باردة، وقال:
"أليس من المفترض أن تعرف السبب؟"
لم أتزحزح، لكن قلبي كان يطرق أضلعي بجنون:
"وجودك هنا... خطأ، أليكس."
رفع السلاح نحوي، ابتسامته اتسعت، وصوته صار كأنه صدى موتٍ قادم:
"دورك أولًا... ثم صديقك البارد كريستوفر.
لا تقلق، ستذهبان معًا يد بيد... إلى الجحيم."
ثم أطلق رصاصة في الهواء.
اندفعت كغريزة، أجري بين الأزقة الضيقة، الأرض تهتز تحت قدمي، والهواء يُقطع بصوت لهاثي.
وضعت يدي على خصري لأستل سلاحي...
اللعنة! تركته... في مكتب كريس.
صرخت في نفسي:
تبا لي... ولسخريتي السخيفة!
كنت أركض بلا وجهة، بلا خطة، وقع خطواته خلفي بدا أقرب من أن يُحتمل، كأن الموت يلهث خلفي.
في لحظة هلع، تذكرت هاتفي.
سحبته بجنون، وضغطت على الاتصال بكريس.
يده التي لا تخيب... أرجوك، أجب!
رنّ... ثم رنّ...
ثم جاء صوته، ساخرًا كعادته:
"ماذا؟ ألم تتعب من السخرية ستيف؟"
صرخت:
"كريس... سأُقتل! أليكس هنا... أليكس!"
لحظة صمت تبعها صوت كرسيه وهو يندفع، ثم ردّ بنبرة حادة ولكن متزنة:
"اهدأ، ستيف. أخبرني... أين أنت؟"
لم أكن بحاجة لشرح، هو فهم كل شيء.
ربما الخطّة انكشفت... نحن تحت التهديد.
قلت له بصوت مضطرب:
"إنه قريب... لا أستطيع النجاة وحدي."
ردّ بصوت أخفض، لكن فيه توتر برق:
"أرسل موقعك... الآن."
أرسلت الموقع بسرعة، وعيناي تفتشان المكان كفأر محاصر.
كل ثانية تمرّ كأنها الأخيرة.
وكل ما أتمناه الآن...أن يصل كريس، قبل أن تصل رصاصة أليكس.
أختبئت في زاوية مظلمة بين أكوام صناديق مهترئة، واضعًا يدي على فمي أكبح بها شهقاتي المتلاحقة.
صوت خطوات أليكس كان يزحف نحوي كوحش جائع، يلتهم السكون شبراً بعد شبر.
ثم صدح صوته في الزقاق، غليظًا، حادًا، كأنّه سُمّ يُحقن في أوردتي:
"أتعلم، ستيف؟ لقد سئمت لعبتك، سئمت وجهك، وسئمت صبرًا على غبائك... لكن لا تقلق، النهاية اقتربت."
أغمضت عيني، كأنني بذلك أستطيع إيقاف الزمن، لم يعد في صدري ما يكفي من الهواء، ولم تعد قدماي قادرتين على الحركة.
وفجأة... رنّ هاتف أليكس.
توقفت خطواته.
استدار ببطء وهو يخرج هاتفه من جيبه، وردّ.
لم أتمكن من سماع سوى شتات همسات، لكن الطريقة التي كان يضغط بها على الهاتف كادت تُكسره من الغضب.
استغللت اللحظة وتحركت بخفة، زاحفًا نحو الجدار الآخر، باحثًا عن أي مخرج... أي نافذة... أي أمل.
لكن، فجأة، جاء صوته مرةً أخرى،أقرب... أشرس:
"لا تحاول اللعب، ستيف... رائحتك تفضحك!"
تجمدت في مكاني.
سمعت صوت الهاتف يُغلق، ثم خطواته تقترب مجددًا، لكنه لم يتحرك كثيرًا إذ رنّ الهاتف مرة أخرى.
ردّ، وصوته هذه المرة كان هامسًا، لكنه مشحون بنيران الغضب:
"الآن؟! لماذا الآن؟!"
ثم همس بصوت يكاد يُسمع:
"كنت سأُنهيه بثلاث ثوانٍ، لماذا تُوقفونني؟"
سكت قليلًا، يستمع، ثم ردّ بجملة واحدة، حادة كالسيف:
"حسنًا. سألتزم... ولكن الدم الذي منعتوني من سفكه اليوم، سيعود أضعافًا لاحقًا."
أغلق الهاتف بعنف، قبض على السلاح في يده، وصرخ صرخة هزّت الزقاق:
"ستيف! اللعبة لم تنتهِ، لكنها أصبحت أخطر!"
صوته كان مشبعًا بالغليان، ثم أضاف وهو يضرب الحائط بيده:
"تلك الأوامر أنقذتك اليوم... لكن غدًا؟ أقسم أني سأمزق كل خلية في جسدك!"
كنت لا أزال في مكاني، عاجزًا عن الفهم... ماذا؟! هل تراجعوا؟ ومن الذي أوقفه؟
كنت بحاجة لمعرفة الحقيقة، ولكن أولويتي الآن كانت الخروج من هذا الجحيم قبل أن يغير أليكس رأيه.
ضحك أليكس بسخرية مريرة وهو يميل رأسه قليلاً، عيناه تلمعان بخبث:
"أنت وقح كما أنت دائمًا ستيف، هذه المرة. فررت من الجحيم أنت وصديقك البارد، ولكن كم مرة تظن أن الحظ سيقف بجانبك؟"
خرجت من بين أكوام الحطام بخطوات ثابتة، ونظرت إلى عينيه مباشرة، والبرود يعانق كلماتي:
"هل تأكدتم أنكم لن تخطئوا ذات الخطأ بالاشتباه بنا مرة أخرى؟ أم أنكم ما زلتم عالقين في لعبتكم اللعينة، تبحثون عن أعداء في كل زاوية؟"
تجمد وجهه للحظة، لكن سرعان ما عاد إلى سخريته المعتادة، وقام بخطوة بطيئة نحوي:
"نحن لا نرتكب الأخطاء، إن كنت ما زلت تتنفس الآن، فهذا لأننا قررنا أنك ستظل مفيدًا لبعض الوقت."
قلت ببرود، بينما وضعت يدي في جيبي وكأنني غير مكترث:
"إذن، لعبة القط والفأر مستمرة؟
تذكر، أليكس... الفأر أحيانًا يمكنه أن يعض."
ابتسم بخبث، وقبل أن يرد، سمعنا صوت محرك سيارة يقترب بسرعة.
أدرت رأسي، وعرفت فورًا أن كريس قد وصل.
دخل كريس بخطوات هادئة، ووجهه البارد الذي طالما اعتدت عليه بدا هذه المرة مختلفًا،
وكأن بروده يحمل سخرية خفية، وقف بجانبي دون أن ينظر إليّ، بينما أليكس كان يبتسم بسخرية، يضع يده في جيبه وكأن كل شيء تحت سيطرته.
تقدم كريس نحوه بخطوات واثقة، وقف أمامه مباشرة وقال بصوت هادئ لكنه حاد:
"إذن، مارأيك بالأوامر؟
أزعجتك، أوليس؟"
رفع أليكس حاجبه ببطء، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، وقال بلهجة مليئة بالسخرية:
"إذا كنت تقصد تلك الأوامر المزعجة التي أوقفت عملي، فأجل، لقد أزعجتني، لكن ما الذي يجعلك تظن أنك وراءها؟"
ابتسم كريس ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، وقال:
"نعم أنا وراءها، لأنني شعرت أنك تحتاج الى إعادة تأديب."
ظهرت شرارة غضب في عيني أليكس، لكنه أبقى على مظهره الهادئ وهو يقول:
"هل تجرؤ على الاعتقاد أن بإمكانك إملاء الأوامر علي؟"
كنت أراقب كل شيء بصمت، لكنني لم أستطع منع نفسي من التداخل، ضحكت بخفة وسخرت:
"أليكس، كريس لا يعطي أوامر، هو فقط يضغط الزر المناسب لتأتي الأوامر من الأعلى.
نظر أليكس إليّ بغضب مكبوت، لكن كريس قاطعه قبل أن يتمكن من الرد:
"ستيف محق، لا تتعب نفسك بالتفكير، الأوامر التي أزعجتك ليست سوى البداية."
صمت أليكس للحظة، ثم قال بابتسامة باهتة تخفي غضبه:
"سنرى إلى متى ستبقى أنت وصديقك الثرثار على قيد الحياة."
وبينما كان يبتعد وهو يتمتم بحقد:
"أعدك أنك ستندم لعيشك هذه الليلة
يا ستيف..."
تراجع بخطوات ثابتة وغادر المكان، بينما التفت كريس نحوي أخيرًا وقال ببروده المعتاد:
"هل كان من الضروري أن تستفزه أكثر؟"
أجبته بابتسامة:
"بالطبع، شخص مثله يحتاج إلى من يذكره بحجمه."
ابتسمت بمكر وأنا أفتح ذراعيّ باتجاه كريس، قائلاً بنبرة هزلية:
"آه، يا صديقي الوفي! أثبت ولاءك لسيدك اليوم لم أكن أظن أنك ستخاطر بحياتك من أجل إنقاذي!"
رفع كريس حاجبه ببرود كما لو أنني لم أقل شيئًا يستحق الرد، ثم قال:
"سيدك؟ لولا وجودي هنا، لكان مصيرك الآن تحت التراب، أغسلك وأدفنك دون أن يرف لي جفن."
قهقهت، وضعت يدي على صدري متظاهرًا بالصدمة، وكأنني قد تلقيت ضربة قاسية:
"يا إلهي! كيف يمكن لأحد أن يكون قاسيًا هكذا مع شخص نجا للتو من الجحيم؟"
رد علي بسخرية قاتلة، وكأن كل كلمة تحمل لهيبًا:
"الجحيم؟ الجحيم الحقيقي هو أن أتحملك بعد هذه الكارثة، يجب أن تشكرني لأنني لم أتركك هنا لتموت وحيدًا."
ضحكت بصوت منخفض، ثم قلت بنبرة متهكمة:
"على الأقل كنت ستترك إرثًا بطوليًا في التاريخ، يا بطل!"
نظر إلي بنظرة خالية من التعبير، وابتسامة تكاد تكون غير مرئية على شفتيه، وقال:
"إرثك الوحيد سيكون سلسلة من الأخطاء، والصرخات التي تصدر منك مثل طفل مدلل."
وضعت يدي على كتفه كما لو أنني أواسيه، ثم أضفت بابتسامة ساخرة:
"لهذا أنا أحب وجودك، دائمًا تُبقيني متواضعًا."
هز رأسه في استياء خفيف، وأبعد يدي عن كتفه قائلاً:
"لو كنت متواضعًا حقًا، لَكُنت التزمت الصمت الآن."
ضحكت بحرارة، وكأنني لا أستطيع مقاومة الفرصة:
"لا أستطيع التوقف، أعترف، أنك أفضل منقذ على الإطلاق، لكن أيضًا أفضل مصدر للسخرية!"
رد علي وهو يبتعد بخطوات ثابتة، نظر إلي دون أن يلتفت وقال:
"إذا كنت لا تريد فقدان هذه الميزة الفريدة، فكر مرتين قبل أن تثير المشاكل مجددًا."
تابع سيره مبتعدًا عني، تاركًا إياي أضحك وحدي على سخريتي التي لا تنتهي.
ركبنا السيارة، وساد صمت ثقيل، كنت أحدّق في الطريق أمامي، لكن عقلي كان مشغولًا بكلمة واحدة:
كيف!؟
لم أتمالك نفسي أكثر، فتمتمت بصوتٍ خافت يقطعه التردد:
"كريس... كيف فعلت ذلك؟"
أدار وجهه ناحيتي قليلاً، وعيناه تلمعان بذلك البرود المعتاد:
"فعلت ماذا؟"
ابتلعت ريقي، وكأن السؤال أثقل مما ينبغي، ثم همست:
"أمر القتل... كيف أوقفته؟
كيف أقنعتهم بالتراجع؟"
ساد الصمت لثانية، قبل أن يرسم على وجهه ابتسامة جانبية باردة، وقال بسخرية هادئة:
"هذه الأمور... لا تُناقش مع أطفال ما زالوا يتعثرون في خطواتهم الأولى."
كلماته نزلت على صدري كصفعة خفيفة، لم تكن جارحة بقدر ما كانت حقيقية.
شعرت بالإحباط من رده، لكنني حاولت إخفاء ذلك، لم أرد، فقط أغمضت عيني للحظة، أتنفس بعمق وكلانا غرق في أفكاره...
_
_
_
( 3758 words.)
سخرية ستيف رح تشلني 😂
ترا أنا معجبة بشخصية أليكس مدري ليش!
آرائكم!
عاشقة المستحيل