3

3

19 0

هناك صداقات تترك بصمتها كالنقش على الحجر، حتى لو غابت الأرواح، يبقى الحنين شاهدًا على أن بعض الحكايات لا تنتهي

بالموت."

---

"(بعد مرور اسبوعين)"

استيقظتُ ببطء، بينما أشعة الشمس تسللت عبر ستارة الغرفة التي فُتحت بهدوء. كانت الخالة ماهور واقفة عند النافذة، تشدّ الستارة برفق

ثم التفتت إليّ وقالت بصوت دافئ:

"صباح الخير يا ابنتي."

تمطيتُ بخفة، وقلت بنعاس:

"صباح الخير، خالة ماهور."

اقتربت من سريري، وجلست على طرفه بهدوء. نظراتها المعتادة المليئة بالحنان جعلتني أشعر بالراحة رغم ثقل قلبي.

مدت يدها نحو وجهي بلطف، ثم قالت:

"سأحضّر لكِ الفطور ريثما تنهضين وتستحمّين."

أمسكتُ بيدها بلطف، نظرت إلى عينيها وقلت بابتسامة باهتة:

"لستُ جائعة، عزيزتي."

مررت يدها على شعري بحنان، ثم همست بصوت يشبه النسيم:

"ابنتي الجميلة... متى ستتوقّفين عن مناداتي بالخالة ماهور؟ متى سأسمع منكِ كلمة 'أمي'؟"

شعرتُ بكلماتها تخترق قلبي، فنظرت إلى يدها بين يدي، تلك اليد التي لطالما مسحت دموعي وشعري، ثم قلت بخفوت:

"أنتِ أمي... سواء ناديتكِ خالة ماهور أو أمي، هذا لا يغيّر شيئًا."

لحظة صمت مرت بيننا، كنتُ أغوص خلالها في ذكرياتي... ذلك اليوم الذي جاء فيه عمي وأخذني من المدرسة إلى المقبرة، حيث تركني هناك، طفلة صغيرة لا تفهم معنى الموت، أجلس بجانب قبرين باردين يحتويان أبي وأمي... وقلبي لم يكن يعرف حينها كيف يتكسّر.

أحاطتني الخالة ماهور بنظراتها المليئة بالحزن، وقالت بنبرة دافئة:

"كنتِ صغيرة، لا تفهمين شيئًا مما يحدث، وتائهة في عالمكِ الصغير... لكنني كنتُ أراكِ، أراكِ جيدًا. وحين منحَتني الحياة فرصة، اخترت أن أكون جزءًا منكِ."

نظرتُ إليها وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيّ، ثم ضغطت على يدها وقلت بامتنان:

"لم أشعر يومًا أنكِ فقط أم إليف. كنتِ دائمًا أكثر من ذلك. كنتِ الحضن الذي أعاد إليّ الأمان بعد الخراب."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، ومسحت دمعة كانت تلوح على خدها، ثم قالت:

"منذ أن فقدتِ كل شيء... شعرت أن من واجبي أن أكون لكِ الكل، أماً، وأباً، وحتى الأمان الذي رحل."

حركت نظرها باتجاه سرير إليف الفارغ، ووجهها انطفأ قليلًا، ثم قالت بصوت حزين:

"اشتقتُ إليها."

قلت بصوت يكاد ينكسر، وأنا أحدّق في السرير ذاته:

"وأنا... أكثر ."

نظرت إليّ للحظة، ثم أمسكت بذقني بلطف ورفعت وجهي نحوها، فقلت بابتسامة صغيرة وأنا أحاول رفع المعنويات:

"ما رأيكِ أن نتناول الفطور معًا؟ أشعر بالقليل من الجوع."

ضحكت بلطف، وقبّلتني من جبيني، ثم قالت وهي تنهض:

"هيا، استحمي بسرعة، وسأجهّز الفطور... ولا تتأخري، لا أريد أن يبرد الخبز."

ضحكت، وأرسلت إليها قبلة بيدي وقلت ممازحة:

" كالبرق، لن أتأخّر!"

خرجت الخالة ماهور من الغرفة. اتكأتُ على سريري، ونظرت إلى سرير إليف المجاور لي، ثم قلت بشوق:

"كم أشتاق إليكِ... غيابكِ جرح لا يلتئم، كل شيء حولي يعيدني إليكِ."

توجهت للاستحمام، وبعد مدّة خرجت وأنا أجفّف شعري.

وقفت أمام المرآة، وتذكّرتُ أول أيامي بعد ذلك الحادث المأساوي اللعين.

تذكّرتُ حين أمسكت المقص وقصصت شعري الطويل، تذكّرتُ كيف كنتُ أواسي نفسي وأجبرها على التحمّل، حتى لا تنهار الخالة ماهور.

خلال الأسبوعين الماضيين، لم أكن نفسي، كنتُ فتاة أخرى، أُجبرت على ارتداء قناع القوة من أجل أمها.

"حاولتُ أن أكون قوية، ليس لأنني كذلك، بل لأنني لم أرد أن أزيد على أوجاع أمي أوجاعًا أخرى.

أخفيتُ ضعفي، دفنتُ دموعي في داخلي، ووضعت قناع القوة كل يوم، حتى حين كانت روحي تتهاوى بصمت."

أخرجت فستانًا أبيض بكمّ واحد وحزام ذهبي يصل إلى ركبتي، وحذاءً ذا كعب عالٍ، وحقيبة سوداء.

ارتديتُ ملابسي، ثم وقفت أحدث نفسي:

"أعدكِ، وأعد نفسي، أن أبحث في الأمر حتى النهاية. لن أتوقف، مهما كانت الحقائق قاسية أو الطرق موحشة. لن أسمح للغموض أن يصبح سيد المشهد."

نزلتُ إلى الطابق السفلي، فرأيت الخالة ماهور تضع المائدة. تقدّمت نحوها ثم قلت:

"ما أجمل رائحة طعامكِ."

ابتسمت لي ثم قالت:

"هيا، تناولي القليل قبل أن تذهبي إلى العمل."

قبّلتُ جبينها وجلست لتناول بعض الطعام، وشربت كوبًا من الشاي.

تحدثت معها قليلًا، لكن حديثي لم يُجدِ. نظرة الانكسار لم تغادر عينيها.

أردتُ أن أنسيها ألمها، فقلت:

"سلِمت يداكِ يا أمي، سأذهب إلى العمل."

نظرت إليّ بفرح يخالطه التعجب، ثم قالت:

"أمي؟ هل قلتِ أمي؟"

قلتُ:

"نعم، ألستِ أمي؟"

نبست والفرحة تملأ وجهها الجميل:

"بلى، بلى يا ابنتي... أنا أمكِ، وسأظل أمكِ حتى نهاية عمري."

قبّلتُ يدها، ثم خرجتُ من المنزل.

توجهتُ إلى سيارتي، ركبتُها وأخرجت الهاتف، ثم وضعته في مكانه وبدأتُ بالقيادة.

وصلت إلى بناية كبيرة، دخلتُ إليها ثم ركبت المصعد وتوجهت إلى الطابق الثاني.

كان المكان يلفّه صمت مريب، كأن كل شيء قد تواطأ على حبس أنفاسه، وكأن الجدران نفسها تراقب المشهد بخوفٍ صامت.

وصلت إلى إحدى الغرف، طرقت الباب ودخلت. فور دخولي شهقت بقوة، ورميت الزهور التي اشتريتها في طريقي، وقلت بفرحة:

"إليف... عزيزتي إليف، هل نهضتِ؟"

سرتُ نحوها بخطى سريعة، وجلست أمامها وأمسكت يدها، وقلت:

" إليف، كيف نهضتِ؟ من وضعكِ على الكرسي المتحرّك؟"

قلبي يكاد يقفز من مكانه حين رأيتها تجلس بعد أسبوعين من السكون كان الأمر وكأن الحياة بدأت تعود إليها تدريجيًا.

نظرتُ إليها بلهفة، وقلت:

"قولي حرفًا، أي شيء، أرجوكِ، كلمة واحدة... لا تتركيني مع هذا الصمت القاتل."

رفعت يدها بصعوبة، ووضعتها على وجهي، وابتسمت ابتسامة خفيفة.

"كانت تلك أول ابتسامة لصديقتي بعد أسبوعين من السكون المطبق."

قبّلت يدها التي وضعتها على وجهي، ثم نبست:

"سيزول كل شيء قريبًا، كل هذا الألم سيصبح ذكرى بعيدة، وسنعود كما كنا دائمًا... نضحك على أتفه الأمور، نتقاسم الأحلام الكبيرة، ونتحدّى العالم بأسره كتوأمين لا يفترقان."

نظرت إليّ بحزن، ثم أشارت لي بيدها نحو السرير، فهمت مقصدها، فأخذتها إليه، وساعدتها على الاستلقاء، ثم غطيتها وخرجت بهدوء.

أغلقتُ باب الغرفة، وأسندتُ ظهري عليه، وقلبي يختلط فيه الفرح بالحزن، على حالها.

بعد أن كانت تبعث الحياة في كل من تراه،

أصبحتُ أحاول أن أجعلها تتمسّك بالحياة.

مضيتُ في الممر ذاته الذي اعتدت المرور به يوميًا منذ ذلك اليوم.

سرتُ بخطواتٍ مترددة نحو مكتب الطبيب، طرقت الباب بهدوء، فجاءني صوته من الداخل يسمح لي بالدخول.

دخلت، فألقى عليّ التحية قائلًا:

"أهلًا وسهلًا، سيفدا."

أجبته بنبرة قلقة:

"أهلًا بك، هل من جديد؟"

رفع عينيه من الأوراق التي بين يديه وقال بهدوء:

"أخبرتكِ في ذلك اليوم ما سيحدث، أليس كذلك؟"

وحين سمعتُ هذه الجملة، عادت بي ذاكرتي إلى تلك الليلة السوداء... إلى اللحظة التي وقف فيها الطبيب أمامنا، وقال بصوته المتعب:

"فعلنا ما بوسعنا لإنقاذ المريضة، ولكن مع الأسـ..."

قاطعته بصوتٍ مفجوع، أصرخ من أعماق قلبي:

"إيّاك... إيّاك أن تقولها! إليف حيّة، أنا أشعر بذلك! إنها بخير!"

شعرتُ وقتها بذراعي مارت يحيطان بي، يحتضنني محاولًا تهدئتي، بينما كانت دموعه تنهمر مع دموعي.

أما أمي... فلا أحد يعلم ما يدور بداخلها سوى الله. كانت تبكي بحرقة، قلبها يحترق من شدة الخوف من أن يتحقق ما نخشاه جميعًا.

قاطع الطبيب شرودي وقال بهدوء:

"اهدئي يا آنسة، المريضة بخير، حالتها مستقرة."

أبعدتُ ذراعي مارت عن كتفي، وتقدّمت خطوة نحو الطبيب، نظرت إليه مباشرة وسألته بانفعال:

"هل أنتَ جاد؟ أنتَ لا تكذب، صحيح؟"

هزّ رأسه وأجابني بصوتٍ ثابت:

"نعم، إنها مستقرة، ولكن... مع الأسف، الرصاصة اخترقت العمود الفقري، وتسببت بشلل نصفي مؤقت للمريضة."

تجمّدت في مكاني، وكأن الزمن توقف للحظة. ترددت كلماته في أذني مرارًا:

"لقد أُصيبت بالشلل المؤقت."

شعرتُ أن هذه الكلمات ليست مجرد حروف، بل رصاص يخترق قلبي... هل هذا يعني... أنها لن تستطيع الوقوف مجددًا؟

قاطع الطبيب حبل ذكرياتي قائلًا بنبرة فيها شيء من الأمل:

"هناك فرصة أنسة سيفدا، يجب أن نبدأ على الفور بجلسات علاج فيزيائي... سيساعدها ذلك على استعادة قدرتها على المشي تدريجيًا."

تنفستُ بعمق، ثم تساءلتُ والرجاء يتسلل إلى صوتي:

"وهل يعني هذا أنها... ستتمكن من الوقوف مجددًا؟"

أومأ الطبيب برأسه مؤكدًا:

"هذا هو الهدف. لكن الأمر سيتطلب وقتًا، وصبرًا، وجهدًا كبيرًا. سنسير بخطى بطيئة ولكن ثابتة."

ثم رمقني بنظرة جادة وأردف:

"لكن هذا ليس كل شيء... علينا أيضًا أن نبدأ بمتابعة حالتها النفسية. إليف ما زالت حبيسة صدمة الحادث، وإن لم نُعالج ذلك، فقد تتعثر رحلة شفائها."

ابتلعت ريقي، وشعرت بشيء من الطمأنينة يلامس قلقي، رغم أن داخلي كان يضج بالأسئلة. همست بصوت منخفض:

"وما الذي ينبغي علينا فعله؟"

رد الطبيب بنبرة هادئة ولكن حازمة:

"كونوا إلى جانبها، الجلسات ستُعينها على النهوض من جديد، لكن دفء العائلة ودعمكم النفسي هو ما سيمنحها الرغبة في القتال."

نظرت إليه بعينين دامعتين وقلت بحزم:

"لن نخذلها أبدًا... سنرافقها في كل خطوة تخطوها نحو الشفاء."

ترددتُ قليلًا ثم سألتُ:

"هل يمكنني أخذها إلى المنزل؟"

تأملني الطبيب لوهلة، ثم أجاب:

"نعم، ولكن بشروط... عليها أن تلتزم بجلسات العلاج الفيزيائي يوميًا، فهذا جزء لا يتجزأ من العلاج."

أومأت موافقة، رغم الزحام الذي امتلأ به قلبي:

"بالطبع، سنفعل."

نهضتُ من مكاني، وشيء من الإصرار بدأ يضيء بداخلي من جديد.

خرجت من العيادة بخطى ثابتة وسريعة، وكأنني أهرب من خوفي لألحق ببصيص أمل ينتظرني.

ركبت السيارة، أغلقت الباب خلفي، وسرعان ما أخرجت هاتفي من الحقيبة وضغطت على اسم "مارت".

رن الهاتف لثوانٍ قبل أن يرد بصوته الهادئ، الذي يخفي خلفه دومًا قلق الأخ الأكبر:

"نعم، عزيزتي.

قلت دون مقدمات:

"مارت، الطبيب سمح لها بالخروج"

صمت قليلاً، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم قال:

"هل أنتِ متأكدة؟ إليف ما زالت تعاني من صدمتها، وتعرفين كم هو الأمر معقد بالنسبة لها."

أجبته بإصرار يملأني:

"أعلم، لكن أمي بحاجة إليها. لا تعلم شيئًا عن عودتها، وأريد أن تكون عودتها مفاجأة لها."

قال بعد لحظة من التفكير:

"بالطبع، سأقف معكِ. لكن علينا التأكد من أن كل شيء سيكون مهيأ لاستقبالها."

أجبته وأنا أشعر بثقل المسؤولية فوق كتفيّ:

"لن نتركها وحدها، مارت. أمي... لا تعرف أن إليف ستعود، لا يمكنني تخيل وقع تلك اللحظة عليها."

قال بصوت ملؤه الثقة:

"أنتِ لستِ وحدكِ... أعدك بذلك، سأقوم بترتيب كل التفاصيل، المفاجأة ستكون لها، لكن البداية الحقيقية هي عودة إليف، هذه ليست نهاية... بل ولادة جديدة."

_

_

_

ها شرايكم بالمفاجأة 😂

طلعت اليف عايشة!

رايكم بالفصل؟

I love you all

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الولاء الصامت

المؤلف عاشقة المستحيل
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة