عقارب الساعة التي تلتف ببطء حول رقاب المنتظرين ، ليحدث عندها ما يسمى بالملل الخانق ، هذا ما علمته و هي تراقب عشيق كل الطلاب ، تلك الساعة المعلقة على الحائط ، ينظر إليها الجميع كأنها المحبوب المتيم به .
عقرب الثواني يأخذ عطلة متى شاء ، حتى وقت الإستراحة كان يزحف بالكاد ، دوى رنين الجرس ليصل لمسامع الجميع ، أعادت أغراضها بفوضوية عارمة للحقيبة حتى أنهى المعلم حديثه مغادراً ، فخرجت كما لو كانت سجينة المكان ، لم تلتفت رغم نداء صديقتها لها .
خطواتها على الرصيف تتسارع، وحقيبتها تتأرجح برفق على كتفها، صوت حذائها يختلط بصخب الشارع و صياح الباعة. اصطدم كتفها بآخر، شعرت باللمسة دون أن توقف مسيرها، قلبها ينبض في صدرها، ليس من التعب وحده، بل من شعور غريب بالترقب ،كلما اقتربت ، تزايدت في رأسها صورٌ متشابكة لطفولتها هناك ، صوتها الداخلي يناجيها قائلاً "سأعود أخيراً".
توقفت عند بلوغ آخر المنعطف، عيناها تلمعان بشيء من التشويق .
عند وصولها توقفت قليلاً تتنفس متكأة بيديها على ركبها تأخذ بعض الراحة ، عاودت السير نحو المدخل ، لترى الحارث العجوز أمام تلك البوابة الفولاذية الضخمة ، حولها جدران سميكة عالية ، قمتها مليئة بالأسلاك الشائكة ، إقتربت منه ملقية التحية ، التعجب إعتلى وجهه لرأيتها بعد كل تلك السنوات ، إبتسم بوجهه المجعد المسن ، لكن وقفته كانت مستقيمة صارمة كأنه لا زال شاباً .
يتذكر بوضوح أول مرة جائت لهنا ، رأى شبح تلك الطفلة ذات الست سنوات ينبعث منها و يمشي للداخل برفقة والدها و والدتها ، و الآن هي طالبة مراهقة ، فالزمن ينقضي كطرفهطة عين لمن هيمن عليه الكبر .
الحارس : أهلاً صغيرتي ، مضى و قت طويل ما الذي جاء بك ، بعد كل تلك السنوات .
وضعت يدها على شعرها تمسحه بإرتباك ، لم تأتي وحدها من قبل ، لكنها تماسكت و ردت .
ريا : تعرف منذ توفي والدي أمي أصبحت تركز على دراستي ، و ترى أن المجيء لهنا إضاعة للوقت ، لكن اليوم قال خالي أن هناك شيء مهم يجب أن أراه و أقنعها .
أومأ الحارس ، فقد كان يتذكر أنه عندما سأل منها أخبره خالها أن والدها توفي ، كان يحسب أنها هي من لم تعد تريد القدوم ، غير عالم أن السبب أمها .
الحارس : أجل ، سمعت بوجود شيء مهم هذه الأيام لدرجة أنه حدثت بعض الأمور مع الحكومة .
ريا : ماذا حدث ؟ .
إعتراها الإستغراب ، لم تسمع أبداً بهذا ، و كذلك لم يخبرها خالها بأي من هذا ، لما يا ترى .
الحارس : لا أعلم الكثير ، كل ما أعرفه أن موظفين من كبار الحكومة أتوا للحديث مع أحد العلماء ، أما ما داخل المبنى لا علم لي به .
تنحى مفسحاً لها الطريق للدخول و أردف مكملاً.
الحارس : لكن أنت يمكنك الدخول لسأله شخصياً.
تهلل وجهها عند الحصول على الإذن بالدخول ، ظنت أنه ستكون هناك مشاكل بسبب عدم وجود شخص بالغ معها ، تقدمت للداخل شاكرة إياه .
رأت المبنى الصغير الذي كانت تدخله مع خاله ، خلفه كان مبنى عملاق رغم طول الجدران كان واضحاً ، حتى المارة من أمام المكان سيظنون أنه المبنى الوحيد هنا لكبره و صغر المبنى الأمامي ، لم يسمح لها بدخول المبنى الكبير .
سرح خيالها بعيد عن الحاضر في طيف الذاكرة خلف جدران الماضي ، كانت تقف مع والديها ، و بينها و بين خالها طاولها عليها قماش مشدود به كرة كبيرة في المنتصف تجعل القماش ينحني في مركزه ، رما خالها كرات صغيرة لتدور حول الكرة الكبيرة متأثر بإنحناء القماش ، خالها يشرح نسيج الزمكان و الجاذبية و كيف تدور الكواكب حول الشمس ، كما تدور الكور الصغير حول الكبيرة بفعل الجاذبية التي تسبب الإنحناء .
مالت عينها للزجاج الذي يظهر خلفه النصف السفلي للمبنى ، فهو لم يظهر كاملاً من هذه الزاوية .
الخال : ريا هل تركزين .
ريا : ما ذلك المبنى ؟، ماذا يوجد هناك ؟ .
إلتفت لحيث أشارت بإصبعها ، تنهد ثم نهض من الطاولة ليقف أمام الزجاج ملامساً إياه بيده ينظر من الأسفل لإرتفعاعه .
الخال : هذا مبنى التجارب و الإختراعات ، و أكبر غرفة به هي الغرفة المحصنة للأجهزة تحت التجربة ، بها جهاز نعمل عليه حالياً .
ريا : هل يمكنني رأيته يبدو كبير .
الخال : لا يسمح للأطفال بالزيارة ، و حتى العلماء يحتاجون لترخيص للدخول ، إنسي أمره .
ريا : ألن أدخله أبداً .
الخال : ربما إذا أصبحت عالمة .
ريا : إذن سأصبح عالمة .
ضحك بخفة على تلك الروح الطفولية الفضولية و التي كانت تشبهه كتجسيد لماضيه أمامه .
الخال : إذن سأنتظرك .
غادر طيف الذكريات حامل معه غبار الماضي ، تلك الأحلام التي دفنت في القبر مع والدها ، منذ أن توفي كل إهتمام أمها صار في أن تتخرج إبنتها بمعدل إمتياز ، لتقبل في أي وظيفة مرتبها جيد يكفيها .
أشاحت بصرها منه لتوجه للمبنى الصغير . فتحت الباب متجه لمكتبه ، مشيها لا يسمع بين ضوضاء حديث الموجودين ، كان الجميع يعرفها هنا فقد كانت تأتي كثيراً في صغرها ، الكل لاحظها بسبب كونها لا ترتدي زيهم الرسمي ، لوحوا لها بأيدهم كتحية لتردها بدورها السرور كان يشق وجهها ، يا له من مكان تشعر نحوه بالنستلوجيا و الإنتماء ، دقت على المكتب مرتين قبل الدخول .
ريا : خالي .
إلتفت لها رجل جالس في الطاولة كان أصغر عمر من أمها ، و على غير ما إعتادت كان الورق عليها مرتب .
ريا : لقد جئت ، أخبرني بسرعة ما الأمر المهم .
كان الإندفاع طاغياً عليها اليوم بشكل مختلف ، نهض خالها ليحادثها مبتسم بخفة .
الخال : أردت أن أريك مفاجأة لكن ليس هنا .
تحول شكلها تتدرجياً للإستغراب .
ريا : أين إذن ؟،و ما هي ؟.
الخال : لن تصبح مفاجأة إن أخبرتك ما هي ، لقد قلت لأمك أنك ستعودين بعد أن تنتهي ، و نحن لن ندخل قبل ساعة من الآن .
ريا : ساعة ؟ ، هل أغير ملابس المدرسة و أعود ، كنت أركض بها طوال اليوم .
الخال : ملابسك لا بأس بها ، لكن إن كانت تضايقك ولن تستطيعي أن تبقي بها طويلاً ، يمكنك أن تعودي للمنزل وتحضري ما يناسبك ، كما أن منزلك ليس ببعيد لكن إستعجلي لأننا سندخل قريباً .
خروجها دون تردد كان إجابة واضحة ، غادرت لتصادف البواب الذي نطق متعجباً .
الحارس : ستذهبين بهذه السرعة ؟ ، هل إنتهى الحدث المهم ؟ .
ريا : لا ، سأذهب و أعود لن أخذ وقتاً .
قالتها و هي لا زالت في مسارها ، مرت بطرقات شبه فارغة في هذا الوقت ، فالجميع إما فالمنازل و إما في العمل .
عادت لتخلع الحذاء عند المدخل متجه لغرفتها لإحضار الملابس ، عندها لمحت فتى أصغر منها سناً يخرج من غرفة في الطابق السفلي ،
بدا نعساً يحك عينه المغمضة ، لم تعره أدنى إهتمام و تابعت الصعود ليلاحظها هو .
ريا : يبدو أنك أخذت قيولة بعد المدرسة ثم إستيقظت ، و مع ذلك تنعتني بالكسولة ، بوكو .
تحدثت بلا مبالاة ، صاعدة لغرفتها دون الإستماع لرده .
أنهت الإستحمام و التغيير ، سعت لطريقها خارجاً ،لكن لمحت الدولاب الصغير منضبة الزينة حيث يضعون الزهورية وداخله في الرفوف يضعون أحذيتهم نظرت لذلك الدرج ، و فتحت الدرج لتخرج تلك القلادة من الصباح ، لا تفارقها إلا في المدرسة. لولا القوانين الصارمة، لما نزعتها هناك أيضًا .
إرتدتها وإتجهت للمنشأة لمعرفة حول ماذا تدور تجربة خالها مشارك فيها .
majesty