لبثت مطولاً أمام منزلها ، كنت قد اتصلت بها مسبقاً تفادياً لإزعاج النيام في هذا الوقت المتأخر . كان الليل صامتًا حدّ الموت ، وكأن الظلمة مقبرة للأصوات . صدر صرير خافت عند فتح الباب ، أطلت برأسها من خلفه و أشارت لي بصمت للدخول . سرت على أطراف أصابعي نحو غرفتها ، محاولة عدم إيقاظ أحد ، دخلنا لتسد الباب ببطء .
إستدارت لي ، ثم عقدة ذراعيها بإنتظار الشرح ، تشتت لثواني ، عند إستدراك أني لم أجهز طوال الطريق ما يجب أن أقوله .
ماي : من الأفضل أن يكون شيء في غاية الأهمية ، إستغرق إقناع والدي بطلب مبيتك المتأخر وقتاً .
استجمعت أنفاسي، كمن يتهيأ للكشف عن ثِقَلٍ دفين، قبل أن أشرع بسرد ما جرى خلال النهار .
النظيرة : أتيت متأخرة لمختبر خالي ، و إكتشفت كارثة .
رفعت حاجبها الأيمن بإستنكار ، و رفعت إصبعها السبابة نحوي .
ماي : أنت ، تذهبين للمختبر ؟ ، منذ متى تهتمين بهذه الأمور ؟ .
النظيرة : لم أذهب للمختبر بسبب إهتمامي ، بل لشيء آخر و لذا أنا هنا .
أخذت نفس عميق قبل أن أفشي بكل ما مررت به اليوم .
النظيرة : نسختي من عالم آخر مهتمة بالعلوم ، ذهبت لمختبر خالها و وقع حادث في جهاز ما ، ثم إنتقلت لعالمنا ، عرفت هي هذا لا أعلم كيف ، عندها جاءت لخالي و الذي هو نظير خالها فكلاهما علماء ، لتسأله عن طريقة العودة ، لكن أتت الحكومة و ظنوا أنها متأثرة بالتجربة فقط غير دارين أنها نظيرتي ، و يجب أن نعيدها في ثلاثة أيام أو قد يلتقي بعدانا بسبب أننا إلتقينا ، و نموت جميعاً .
معالمها كانت مغتاظة بقرف ، زفرة في حنق ، نقلت عينيها للسقف و لي .
ماي : أضربتي رأسك أو ما شابه ؟ ، أم من أين أتيتي بهذه القصة ، منذ متى آمنت بوجود أبعاد موازية ؟ ، لو روايتك صحيحة فبالتأكيد هي محتالة لديها غاية ما .
شعرت بتشوش لفترة وجيزة ، رغم ما قالته جمعت ذاكرتي .
النظيرة : عندما لمستها حدثت لنا صدمة كهربائية قذفت كل واحدة منا بجهة ، كما أنها تملك نفس بصمتي ، كذلك الجهاز كان بوابة إنتقال بين أماكن لكنه إحترق ، هي كانت هناك و أنا لا لذا إنتقلت لهنا ، كما أن الحكومة أخذتها كعذر للحصول على الجهاز .
ماي : في حالة كانت كلامك عن الجهاز و رغبة الحكومة في إمتلاكه شديدة ، فلعل هذه مجرد مسرحية للحكومة و قد أعطوها بصماتك لأنهم عرفوا أنك ، مدعوة الصاعق الكهربي يكون مخفي تحت جلد مزيف يوجد مقالب كهذه في الإنترنت .
ساورتني الريبة لبرهة ، أكل ما مر بنا باطل ، إن كان كذلك ، ألم يكتشف خالي أنها تكذب ، إسترجعت عندها ما دار في المختبر ، خطرت لي فكرة ، أخرجت الجوال لأرن على خالي راجية أن يجيب .
الخال : ريا ، لما لا زلت مستيقظة .
دمت في وضع تخبط قبل أن ألم شتات عقلي ، فتحت مكبر الصوت .
النظيرة : خالي ، ما هي آخر التطورات أريد أن أطمئن قبل أن أنام .
الخال : لقد عين السيد لو الأشخاص الذين سيعملون معنا على الجهاز الذي سيعيد نظيرتك ، سنصنعه من الجهاز الأصلي ، لقد أخذنا المعدات الأساسية اللازمة قبل أن يأتي موظفوا الحكومة بأخذه ، و بدأنا بهندسته في غرفة تجارب أخرى .
النظيرة : أخذتم المعدات من الجهاز الأصلي ، ألن يكتشفوا هذا ؟ .
الخال : سيكتشفون بالطبع ، لكن ذلك سيأخذ وقتاً ، هل هناك سؤال أخير قبل ان تنامي .
صوبت عيني نحو ماي ، كانت عيناها متسعتين بدهشة يداخلها طيف استنكار ، لكنها وعت بسرعة ، سارت الطاولة ، و أحضرت قلماً لتكتب شيء على الورق بعجلة ، وضعتها صوب وجهي ، كان مضمونها " أسأليه عن مكانها " .
النظيرة : خالي ، هل يمكنك فقط إخباري لأي سجن أخذوها ؟ ،هل هو ذو حراسة مشددة أو أي شيء ؟، رجاءً أخبرني حتى أستطيع النوم .
سمعت أنفاسه المتثاقلة بضيق قبل أن يجيب
الخال : لقد أخذوها لمركز قاصرين يدعى *مركز كيوتو لإصلاح الأحداث* ، هذا دليل على عدم إكتراثهم الشديد بالأمر ، ربما نستطيع إقناعهم بتسليمها لنا قبل الموعد و نحن نعمل على كل شيء ، ها قد أجبتك على آخر سؤال ، عودي للنوم و لا تتصلي فأنا مشغول جداً الآن .
نظرت لماي لعلها تريد طرح سؤال آخر ، لكنها هزت رأسها كموافقة على إغلاق الخط لذا أومأت لها كذلك .
النظيرة : حسناً خالي ، تصبح على خير و شكراً على كل شيء .
التبعثر كان الشعور المتجلي على ماي ، إلا أنها إستفاقت للواقع مع بعض من الشك المتبقي .
ماي : لنبحث عن جميع المعلومات التي تخص ، *مركز كيوتو لإصلاح الأحداث* ذاك .
................................................................................................................................................
في ذات الوقت داخل نطاق تسوده العجلة ، يحوم العلماء هنا و هناك ، دق منبه ليطفأه صاحبه .
السيد لو : جميعاً ، سيصلون بعد نصف ساعة ، هل أخذتم نسخة من كل المخططات ؟ .
العلماء : نعم .
يقترب خال النظيرة من صاحب التجربة ليهمس له متوتراً .
الخال : سيدي هل إستطعت إستبدال جميع مخططات المحرك بالبديل الذي وضعنها ؟ ، كذلك إسمح لي بالسؤال ، ما الأساس الذي إخترت عليه من يعملون معنا فكيف تضمن أنهم لن يخوننا كما حدث سابقاً ؟ .
السيد لو : أجل ، حرصت على إستبدالها كلها ، و بالنسبة لإختياري لمن سيعمل معنا ، فليس من فراغ ، لقد تابعت الجميع أثناء عملنا على الجهاز ، أعرف الخائن من الأناني ، المضحي من الصادق ، و من يساعد من باب الضمير ، لذا لا ترهق بالك بالتفكير ، حتى لا تأثر على عملنا على آلة إعادة النظيرة بالسلب .
هدأ قليلاً ، لكن علامة عدم الإرتياح لم تفارقه ، ليلاحظ السيد لو .
السيد لو : ما الأمر ؟ .
توقف عندها الخال عن المشي ليتوقف السيد لو بدوره بينما يعمل العلماء من حولهم بإستعجال .
الخال : هل لو إنتهينا و أعدناها ، سيلغي ذلك الخطاء و سيكون البعدين بأمان ؟ .
نطق ما حاول كلاهما تجنب التفكير به ، كل هذا في الأول و الأخير مجرد فرضيات ، و لا يوجد أمان من أن كل هذا سيحدث ، الخوف يتسلل لهما من الداخل بينما يحافظان على ثباتهما ، تنهد السيد لو و ظل ينظر للأرض لفترة عندما قرر التحدث أخيراً لم يقل سوا .
السيد لو : كل شيء في وقته .
أراد الخال المزيد من الحديث ليشعر أن هناك أمل مؤكد على حقائق لا نظريات ، لكن تلك الجملة وضحت فكرة أنه يجب عليهم العمل لا غير في الوقت الحالي ، و ترك الباقي للقدر .
إنقضى الميقات ، ليصل رجال الحكومة و يقودهم ضابط ، من الواضح أنه القائد و ذو رتبت كبيرة .
الضابط : نحن هنا لأخذ الجهاز و المخططات و كل ما يلزم ، حتى لا تشكل التجربة خطر على البلاد .
حافظ الجميع على صلابة وجوههم ، فيما يعتمل الإشمئزاز في دواخلهم ، من تلك الحكومة التي تدعي حماية البلاد و المواطنين لكنها فاسدة حتى النخاع ، كل ما يهمها مصلحتها و علاقتها العامة أمام الناس ، لكن أي عاقل يشم رائحة الخبث النتنة التي تفوح منهم على بعد أميال و يتقزز منها ، سمحوا لضابط بدخول ليدخل خلفه رجال نقل و مهندسون لتفكيك الجهاز و نقله لمخبأ حكومي ، يرون تعبهم تأخذوه الحكومة القذرة بسبب سلطتها الكامنة على كل كبيرة و صغيرة ، بينما يقفون عاجزين هناك يا له من قهر يصعب إبتلاع مرارته .
حالما غادرت الحكومة لم يملكوا الوقت لإفراغ غضبهم المكبوت و عادوا للعمل .
................................................................................................................................................
وقفت الفتاتان بحقائب مثقلة أمام مبنى مهجور الملامح في ضواحي المدينة، بينما كانت أشعة الفجر الأولى تزيح بقايا الظلام . سورٌ طوبي يحيط بالمكان، تتدلّى عليه لافتة قديمة يغطيها الغبار، لكنها لا تزال تقرأ بوضوح *مركز كيوتو لإصلاح الأحداث* تنبث أحد الفتاتين .
الفتاة : هل أنت جاهزة ، ريا ؟ .
الفتاة الأخرى : بالتأكيد .
majesty