لم تكن خطواتها مستقرة ، كل حركة كانت أثقل من سابقتها، وكأن ساقيها تسيران بها رغماً عنها ، حاولت تبرير ما قالته قبل قليل لخالها، فتشبثت بذكرى قديمة ، والدها وهو يضع القلادة حول عنقها بابتسامة دافئة.
لكن أي قيمة لهذا أمام الحقيقة؟
بعد وفاة والدها، كان خالها هو من وقف بجانب العائلة، ساعد في دفع رسوم دراستهم ، وسند أمها في أصعب الأوقات ، كان الأب الثاني لهم ، كيف تفوّهت بكلمات جارحة له؟ .
الندم أذاب الغضب، وحوّله إلى إحساس خانق بالذنب. قررت أن تعتذر ، ستبحث عن الكلمات، حتى لو بدت ضعيفة، علّها تخفف من الثقل على صدرها.
الطقس الحار لا يطاق ، وفوقها في أسوء الأوقات ، لمحت الحديقة العامة القريبة من منزلهم ، لتعلم أنه لم يبقى لها الكثير لكن هل ستحملها أرجلها كل تلك المسافة و هي بهذه الحالة ؟ ، غيرت إتجاه سيرها نحو الحديقة متجه للكرسي الفارغ تحت الشجرة لتستظل بها .
صارت تحدق بالمارة ، من يتمشى مع كلبه ، كبار السن الذين يجلسون لتأمل ، الأسر السعيدة ، ظلت تفكر هل عليها العودة ، لكن والدتها ستعود اليوم مع مغيب الشمس فدوامها طويل ، بالإضافة إلى أن عينيها بدأتا تغلقان و رأيتها تتشوش ، التعب كان أقوى من أن تتغلب عليه بعد كل تلك الأحداث ، بالتالي غيرت وضعيتها للإستلقاء و غفت دون إدراك منها .
فتحت عيناها على مصراعيها و إستيقظت بشهقه كأنما عادت للحياة ، أو نامت لألف سنة أو ضربتها صاعقة أو شيء كهذا ، غير مهم ، ربما هي أحاسيس غريبة تحدث من حين لآخر لبعض الناس من يدري .
تجاهلت الأمر كلياً و نظرت للسماء لتجد أن الشمس لم تغفو بعد ليستيقظ الليل ، هذا يعني أن والدتها لم تعد و أن الوقت لم يفتها ، أنزلت ساقاي من المقعد حتى لامست أحذيتها العشب ، الذي تحركه الرياح يميناً و شمالاً ، داست عليه متجه لخارج الحديقة حتى بلغت الشارع الإسمنتي .
شعور غريب يطوف حولها ، تلك الوجوه المألوفة للعابرين و الجيران تبدو مختلفة ، و القطة التي كانت تزعجنها كذلك ، كل شيء يبدو طبيعيا لكن مختلف بطريقة ما ، لا أستطيع تحديد السبب او الشيء ، واصلت طريقي بإرتياب ، ها هو باب منزلي وسط عدة منازل متشابه ، أصل إليه لأدق الجرس مراراً لعلي إذا عدت للداخل يزول هذا الشعور بالغربه الغير مريح إطلاقاً ، لكن جائني ما هو أسوء .
رعشه خفيفه في اطراف اصابعي الباردة ، هو مستحيل ، أكثر شخص أحفظه ، بطريقة ما الآن هو غريب كالبقية ، أخي كيف هذا ، أول ما وقعت عيني عليه هو قصت شعره ، لقد كان شعره أقصر كان حتى نهاية الرأس و الآن صار حتى نهاية الرقبة ، من الخلف لا يزال قصيراً لكن في النهاية مختلف ، و الشعر لا ينمو في يوم و ليلة لذا بعد صعوبة نطقت بوجه حازم لكن متوتر لأقطع الشك باليقين .
ريا : أخي متى صار شعرك طويلاً .
نظر إلي بملامح إستغراب ، يا إلهي هل هذا مقلب لأني أغضبت خالي ، حسناً أستحق هذا لأني قلت كلام قاسي و لكن هذا يكفي ، إنتظرت جوابه الذي لم يتأخر و قد كان آخر ما توقعته .
بوكو : كان شعري دائماً هكذا ، بل أنت متى صار شعرك طويلاً كنت تقصينه دائماً ، هل تضعين باروكة ...... .
لم أستمع لبقية كلامه ، كنت في حالة إستغراب سحبتني بعيداً ، لم أدري كم مرة من الوقت و أنا اقف ، و هو يثرثر أحاول أن أستوعب ما يجري ، حتى رأيته ينظر خلفي بتعجب ، لألتفت لأجد فتاة مؤلفة ، لا أذكر أين رأيتها شعر أسود قصير فم و أنف صغيران و ملامح آسيوية ، لم أستطع أن أكمل تفكيري لأنها نطقت بصوت مألوف .
الفتاة : من أنت و ماذا تفعلين هنا ؟
إستغربت من كلامها أليس هذا منزلي ، ليقول بوكو بدوره ما يزيد من همومي داخل رأسي .
بوكو : نعم ، من أنت ؟ .
حدقت به كما لو أنه فضائي ، يستمر في سؤالي أسئلة كل واحدة أغرب من الأخرى ، وجدته يحدق بي بنفس الطريقة ، كما لو أنه يشك بوجودي و أشار بإصبع يده للفتاة .
بوكو : هذه هي أختي ، ظننتك هي لأنك تشبيهنها في كل شيء .
نظرت للفتاة بعدم تصديق ، نعم تذكرت من تشبه إنها تشبه إنعكاسي في المرآة ، لكن شعرها قصير حتى رقبتها ، و لديها فتحتان في كل أذن بينما أملك واحدة .
هي حدقت في إتجاهي لوهله ، لكن سرعان ما غيرته نحو أخي ، أو من كنت أظنه كذلك .
الفتاة : هل حقاً لا تستطيع التفريق بيننا ، يا لك من أعمى ، نحن لا نتشابه أساساً .
لا ألومها ، أنا أيصاً أنكرت الشبه في البداية ، في الواقع أظنني إستوعبت الآن ، لقد ضللت الطريق بسبب تشوشي اليوم .
ريا : حسناً ، إنها مصادفة غريبة لأنك تشبه أخي أيضاً ، يبدو من الواضح أنني أضعت الطريق ، لذا سأعود للحديقة و منها للمنزل .
غيرت إتجاهي للمغادرة قبل سماعي لها ، كان صوتها ايضاً مطابق لي ، ما الأمر يا ترى .
الفتاة : تبدين شاحبة ، لما لا ترتاحين عندنا لدقائق ثم تعودين .
قد نكون متشابهتين ، لكن هنا نحن نختلف مستحيل أن أدخل غريب يشبهني إلى منزلي ، أليس هذا مثير للشك ، لكن لا أنكر أشعر بالتعب و تنفسي غير منتظم .
ريا : حسناً ، هل أستطيع الحصول على كوب ماء فأنت على حق أنا حقاً متعبة .
أشارت لي بيدها للقدوم ، بينما أفسح أخوها الطريق للداخل بنظرات إستكشاف لشيء غريب ، هل ألومه بالطبع لا ، هذا ما كنت لأفعله لو جاء شخص يشبه معارفي بشكل مبالغ فيه ، همس لا زال بي يسأل لما كل هذا التشابه بينه و بين أخي .
الفتاة : بوكو ، أمي لم تأتي بعد صحيح؟.
رأسي إلتفت لها بسرعة لا إرادياً ، هل يملك نفس إسم أخي ؟ ، أليست هذه مصادفة شبه مستحيلة الحدوث ، لا مشكلة ، سأشرب كوب ماء و أهرب من هنا ، لست كمعظم الناس يبحثون عن الصدف الغرائب و العجائب ، و بالتأكيد لن أحتفظ برقمها ، صحيح أني أكره الروتين المتكرر ، لكن كذلك الأشياء الغير مألوفة لا تشعرني بالراحة ، سأعود للمنزل بأسرع ما يمكن .
الفتاة : تفضلي بالجلوس .
أيقظني صوتها من سهوي ، لأكتشف أني ظللت واقفة لمدة ، جسلت في حين ذهبت للمطبخ لتحضر كوب الماء ، ما زاد رهبتي هو أن منزلها مماثل لخاصتنا ، لا أعرف أليس لهذه الحالة إسم ، نعم أظنها الإلفة الغريبة أو الإزدواج ربما المألوف الموحش ، سمعتها تقترب ثم وضعت الصينية .
الفتاة : تفضلي إعتبري البيت بيتك.
ربما كنت خائفة ، لا أريد الرد ، لكن من الوقاحة أن يستقبلك أحد و تكون جافاً معه ، إبتسمت بتعب و مددت يدي التي وجدتها ترتجف بخفة ، أخذت رجفة من الماء الذي كان بارداً و مناسباً جداً مع الجو الحار الذي لا يحتمل ، أحسست بالقليل من الراحة الآن بقيت أشرب حتى إرتويت ، و أخرجت تنهيدة إسترخاء ليتبدد معظم قلقي .
ريا : شكراً لك .
الفتاة : ما الذي جعلك متعبة هكذا؟.
صدحت الكلمات التي خرجت من لساني لخالي برأسي ، مذكرة إياي بإثمي ، شعرت بمعدتي تعتصر ،
ريا : بعض المشاكل العائلية .
الفتاة : لقد ذكرتني ، كان يجب إن أذهب لرأيت خالي ، لكن قررت عدم الذهاب ، أظنه سيكون مستاء ، لكن تلك الأمور لا تثير إهتمامي ، ماذا يجب أن أفعل ، لكن كان علي مجاملته صحيح .
سحقاً ليتني لم أتكلم ، صدفة إثنتان أو ثلاثة ، لكن كل هذا شبه مستحيل ، هل أيضاً خالها عالم ، بلعت ريقي لأرتب أصوات أفكاري ، و أخرجها في شكل أحرف ، صوتي إرتبك .
ريا : هل خالك عالم؟ .
ظهر عليها الإستغراب رافعة حاجبها .
الفتاة : نعم .
ريا : هل إسمك ريا؟ هل أبوك متوفي و أمك تعمل لتوفر لك و لأخوك المال و خالك يساعدها؟ .
تحولت ملامح الإستغراب عندها لحذر و إرتباك .
الفتاة : كيف تعرفين كل........ .
لم تكمل كلامها إلا و أجدها تركض نحوي وتمسك بشيء خلفي ، رمشت لسرعتها و لبطئ ردة فعلي ، لأنظر خلفي ، فأجد أخاها كان يحاول ضرب رأسي بمقلاة المطبخ ، نهضت من الأريكة متراجعة للخلف بفزع ، بسرعة لأتعثر في نفس اللحظة على الأرض .
الفتاة : هل أنت مجنون ، فيما كنت تفكر .
أخوها : هذه الفتاة جاسوسة ،كما في الأفلام ألم تري ذلك الفلم حين......... .
ضربته بالمقلاة التي كان ممسك بها ، لتقول من بين أسنانها ، و يدها تهتز غضباً ، مبتسمة تحاول تهدئة نفسها ، من رغبة تأديب خيال هذا الفتى الذي عقله مثل الأطفال يصدق حتى الأفلام .
الفتاة : أصعد للأعلى و فكر فيما فعلت كي لا أخبر والدتي حتى تفصل التلفاز شهر أو سنة.
ظهر الخوف على الفتى ليصعد على الدرج فوراً.
الفتاة : أنا آسفة هو يشاهد أفلام الأكشن كثيراً .
ريا : أجل ، هذا واضح علي الذهاب الآن .
ضحكة بإرتبك ، ثم نفضت الغبار من علي مغادرة ، و قبلها تحدثت هي .
الفتاة : آسفة بشأن هذا ، أرجو أن لا تعتبيريه قد حصل ، و أتنمى أن تصلي بالسلامة لمنزلك .
مدت يدها لي كي أصافحها ، ففعلت المثل ، هذا لم يكن خطاءها هي من دعتني للراحة و شرب الماء يجب أن أكون ممتنة لها .
ريا : أجل ، لا بأس ، لم يحصل شيء ، شكراً لكوب الماء ، و أعتذر عن الإزعاج ، أرجو أن تقبلي إعتذاري .
عندما صافحتها ، حصل شيء لا يمكن لأحد توقعه ، و لا يمكنني تفسيره ، كهرباء تشكلت من العدم بين يدينا ، لتقصف كل واحد في الجهة المعاكسة ، ضربت رأسي بشدة في الحائط ، بدأت أسمع أصوات ضبابية لخالي يشرح لي شيء لأبدأ بإستيعاب المصيبة التي أنا فيها.
الفتاة : هذا يكفي ، من أنت ؟ ، و كيف فعلتي هذا ؟ ، لما تعرفين الكثير عني ؟ ، و هل أنت حقاً جاسوسة ، أو بطلة خارقة ، لأني لا أملك تفسير آخر لما حدث للتو .
تجاهلت كلامها ، و إتجهت للباب لي أعود لرأيت خالي أو ربما خالها ، أتنمى أن أكون مخطئة فيما أفكر به .
الفتاة : هي أنت ، إنتظري لم تجيبيني .
لم أعرها إهتمام ، واصلت في طريقي و أملي أن أكون غير محقة ، لأن خوفي وصل حدود السماء و قلبي ضاق من الرعب .
majesty