أطرافهما بردت، الهواء صار ثقيلاً صعب الاستنشاق، كأنه تحول لكتلة ثلج باردة تضغط على رئتيهما، النبض ارتفع حتى أذنيهما كأن ملاك الموت يهمس فيها بأصوات القبور. لم تسمعا كلماته بعد، لكن أجسادهما كانت قد أصدرت الحكم بالفعل. ماي شاحبت بثانية، شعرت بالعرق بارد على جبينها لم تعرف حتى متى تكون، لم تكن النظيرة بحال أقل منها سوء، فقد أحست أن نبضها توقف لثانية قبل أن يعود بقوة، كما لو أن الروح انسلت ثم عادت للجسد.
لاحظ الطبيب تصنمهما، تنهد بهدوء، إذ تأكدت شكوكه، خرجت منه نبرة منخفضة مطمئنة.
الطبيب: هدئا من روعكما، لست هنا للقبض على أحد، أنا أحد معارف السيد لو.
الاسم رن على مسامع النظيرة كفتات من الخلاص، حبات رمل من الأمل، فهذا صاحب التجربة تذكره جيداً، اسمٌ تتمسكت به في أحلك احتمالاتها، كحبلٍ رفيع فوق هاوية. لكنه لم يكن كافياً ليجعلها تهجر حذرها، اتجه هو لريا الممددة على السرير متعبة بقدر نظيرتها، لاحظها الطبيب، لم يشأ أن يعلق، إسترسلت في الحديث بنبرة مرتجفة حاولت عبثًا إخفاءها.
النظيرة : كيف نتأكد من صحة كلامك؟، ألديك دليل؟.
كانت نبرتها مرتعشة، يقيدها الخوف فزادها سوء، لأن لحظة الصدمة الأولى بقي أثرها، شعور أنه قد تم القبض عليك، انقباض في القلب، غثيان بالمعدة، دموع بحافة الجفن لو رمشت لسقطت لا إرادياً.
حصلت ماي على بعض الشجاعة عندما رأت صديقتها تتحرك، لذا أمسكت بيدها المهتزة بخفة لكي تهدأها، بدأ عندها عقلها في العودة للعمل، أول ما فكرت به هو الإنكار، لكنها رمت تلك الفكرة على الفور، لأن النظيرة بتلك الجملة اعترفت ورمتهم في موقف لا رجعة منه محرقة قوارب الانسحاب، إدعاء الجهل لن يفيدهم ، أثناء تفكيرها كان كل شيء يمشي ببطء جنوني، شدة خوفهم الذي أبطأ الزمن من حولهم، كل الرهبة لم تكن إلا ثوانٍ قصيرة، لكنها اتسعت بما يكفي لتسع عمرًا كاملًا من الندم.
زفر الطبيب بتبلد، أخرج هاتفه من جيبه، واتصل على رقم ما، بدا كما لو أجبر على التعامل مع أطفال روضة، همس يكلم ذاته.
الطبيب: ماذا كنت أتوقع عندما أرسلني للتعامل مع طفلتين؟
بقيتا تترقبان وهما بالكاد تمسكان أعصابهما كي لا تفقدا الوعي في موقف كهذا ، رد الرقم ليأتي صوت مألوف لأذن النظيرة.
السيد لو: إذن حقاً استطعتما التسلل هنا؟ هذا مذهل بالنسبة لفتاتين بعمركما.
شعرت النظيرة ببعض الإرتياح لسماع صوته، لكنها لم ترخِ حيطتها بالكامل.
النظيرة: كيف نتأكد أن هذا أنت حقاً؟، وكيف عرفت أننا هنا؟
السيد لو: سأكتفي بالقول أننا نعمل على الجهاز بالمحرك والطبيب سيشرح الباقي. أنا مشغول الآن.
انقطع الخط، فاستغربت النظيرة بعدم فهم. أيُّ شرح هذا؟ أما ماي فتنفست باستيعاب، وبدأت تستعيد أنفاسها باطمئنان ، إستدارت لها النظيرة بملامح متسائلة لتجيبها الأخرى.
ماي : الحكومة لا تعرف بشأن أنهم بدؤوا في محاولة إعادتها، هذا أمر لا يعرفه إلا صاحب التجربة الحقيقي وفريق عمله، لذا هذه المكالمة ليست مزيفة، يبقى سؤال كيف عرفوا أننا هنا.
وجهت بصرها نحو الطبيب باستفسار، نظر لهم بازدراء، بأي حق يجرؤ الأطفال على استجوابه؟ .
تمنت ماي أن يمضي الموقف بهدوء، فصديقتها مريضة، ورغم ذلك بالتأكيد ستكون مستعدة للشجار مع أي أحد حتى لو كان أكبر منها لو نظر لها بهذه الطريقة، طالما كانت تنعت الكبار الذين يسمون جيلنا بالأطفال على أنهم مجرد أشخاص عجائز يتمنون الرجوع لعمرهم، لكنه رد.
الطبيب: عين صاحب التجربة أحد معارفه الموثقين بالنسبة له، والذي يعمل في حراسة سجون مماثلة لينتقل لهنا ويفحص حالتها، كما ينقل أخبارها من حين لآخر، عندما مرضت، هو من دخل لزنزانتها، فور اكتشافه إصابتها بالحمى أخبره، فعرف أنها ليست صدفة تافهة، كما سمع مكالمة خالك معك، لذا رجح إحتمال أنكما تنويان تهريبها، لم يكن متأكداً بل حاول نفي الفكرة، لكنه أرسلني للاحتياط، قال "إذا رأيت مراهقتين أبلغني" وها نحن ذا، لا أعرف لماذا كل هذه الفوضى لأجل هذه الفتاة لكنه وعدني بالتوضيح بعد عدة أيام.
أخرج الطبيب ورقة بها ملاحظات ليتحدث بحدة جادة بعد نظرات الاستحقار تلك.
الطبيب: الآن أولاً، ماذا أعطيتماها؟ حالتها ليست جيدة، هذا استهتار طفولي بكل معنى الكلمة، الأدوية ليست لعبة بيد أطفال.
نبرته كانت لاذعة، بالكاد تمكنت من ابتلاعها مع توتري، نظر إليَّ بحاجب مرفوع يبدو أنه اكتشف أنها فكرتي، ابتسمت بتوتر معترفة بذنبي، أعرف أني لست بريئة إطلاقاً من هذه الفكرة الطائشة، خرجت كلماتي متعثرة.
ماي: ري......ريفامبيسين.
إعتلته الدهشة لثوانٍ قبل أن يغمض عينيه، بدا أنه يهدئ نفسه داخل رأسه، يعد... ربما، يحاور نفسه لا أدري، لكن الواضح أنه غاضب، هذا طبيعي بحالة كهذه، خصوصاً أنه من الواضح كونه كان مشغولاً وترك كل شيء وراءه ليأتي إلى هنا، لا أدري ما علاقته بالمدعو صاحب التجربة ذاك، رغم ذلك حقيقة حضوره هنا مستنفراً من الوضع بأكمله، تشرح عدم ترحيبه بما حدث، يفتحهما مكملاً بنفس الصوت .
الطبيب: ما الكمية؟
ماي: حبة... واحدة.
دلك صدغه بإمتعاض، ثم إتجه لطاولة الأدوية، يبحث فيها.
الطبيب: طفلة تعطي أخرى أدوية خطيرة ويحاولون تهريبها، جيل يظن نفسه في أفلام من تصنيف المغامرة، بدلاً من أن يبنوا مستقبلهم يلعبون بحياتهم ظناً أنها لعبة يمكن إعادتها، مستهترون غير مسؤولين.
لم تعلق ماي رغم استغرابها من شكواه كالعجوز، وربما... كان محقاً ، لكنها لم تكن تملك رفاهية أن تكون عاقلة .
يبدو في نصف عقدة الثالث، هل كل مواليد الثمانينات والتسعينات هكذا يروننا أطفالاً رغم أنهم من كبروا؟ إلا أنه لا يهم طالما لا يعاقبونك، فالتبرير ليس ضرورياً بل سيزيد فقط من طول المحاضرة.
بعد دقائق عثر على ما يحتاج: محاليل وريدية، مضاد غثيان، أخيراً خافض حرارة.
التفت لصديقتي التي جلست على السرير المجاور تحاول إخفاء ألمها، لكن كل شيء كان واضحاً: العرق في وجهها، الشحوب في الجلد، الغثيان، ونفس الحمى.
الطبيب: هل أعطيتها هي أيضاً أم ماذا؟
ماي: لا، لكن ستكون بخير.
الطبيب: ستكون بخير....ها، تماماً كما ستكون هذه بخير بفكرتك. قولي فقط ماذا بها؟
لم يخفَ عليَّ القلق في صوته، لكن لم يكن هناك داعٍ.
ماي: ألم يخبرك السيد لو؟، على كل حال بمجرد أن تتحسن حالتها ستتحسن هي أيضاً.
الطبيب: لم أفهم، لكن لن أعتمد على هذا الكلام .
ماي لن تعترض، الشرح سيبدو غريباً، هي بنفسها لن تصدق حرفاً من هذا لو لم ترَ الأمر بعينها.
كلاهما على السرير حقنهما بالمحاليل وأعطاهما الأدوية ليأخذاها. تسلل البرود عبر عروقها ببطء، كأن جسدها يُعاد ضبطه من الداخل. كان يدون في دفتره، تحدث إليَّ دون أن يبعد نظره عن كتابته.
الطبيب: من أين خطرت لك هذه الفكرة على أي حال؟ .
ماي: أمي... أمي طبيبة. كانت تتابع حالة جارنا المصاب بالسل. سمعتها تقول أن الجرعة الأولى قد تسبب 'رد فعل شبيه بالإنفلونزا'.
الطبيب: أمك محقة. لكنني متأكد أنها لم تقل 'هذه فكرة جيدة لتجربوها'. أليس كذلك؟، ثم أنها لم تكن حتى فكرة قابلة للإخفاء. أي طبيب أو ممرض يرى البول برتقالياً سيعرف فوراً أنها أخذت ريفامبيسين. فكرتِ بهذا؟ .
هززت رأسي نفياً، أعرف أنها فكرة متهورة، كان لدي يوم واحد فقط لأفكر، ماذا من المفترض أن تتوقع؟
الطبيب: مع العلاج، الحمى ستبدأ تنزل بعد ساعتين من الآن. أي حوالي ست لسبع ساعات من الآن ستتحسن بشكل ملحوظ. غداً صباحاً، حوالي الساعة الثامنة أو التاسعة، الحمى ستكون اختفت نهائياً ، لو ستظلان متعبتين، لكن ستقدران على المشي ، ولو تحاملتما على نفسهما فالجري أيضاً ممكن ، سأكتب في التقرير يومين راحة في المستشفى تحت الرعاية بسبب التهاب معوي، حتى تتمكنوا غداً من الرحيل بعد التعافي ، سيد لو يدين لي بشرح طويل .
ماي: شكراً.
شعرت بالامتنان الشديد لذا لم أستطع عدم تقديره، لم يرد مما أشعرني ببعض الغطرسة فيه، لكن ما هي إلا ثوانٍ حتى وضع القلم داخل الدفتر ونظر نحوي.
الطبيب: فعلت هذا فقط من أجل السيد لو، وإن أردتِ حقاً شكري... فقط ثم فقط لا تكرريها.
أومأت، ليتركنا متجهاً للخارج.
---
حل الليل وبدأ النعاس يتسلل لأعينهم، والتعب يحوم في أجسامهم كإحساس مقيت، تثاءبت ماي بصوت مسموع ترفع يديها للأعلى ثم تستلقي على سرير قرب صديقتها، بمجرد أن أغلقت عينيها جاءها صوت خافت جعلها تفتحهما ببطء.
ريا: شكراً.
إلتفتت لها بكامل جسدها، تتأمل شبيهة صديقتها، كما لو بقي بعض الشك في عقلها.
ماي: هل تتحدثين إليَّ أم لنظيرتك؟
ريا: لكلاكما، لكن أنتِ لكِ شكر خاص.
ماي: لماذا؟
النظيرة: لأنك خاطرتِ وتورطتِ معنا في أمور كنتِ في غنى عنها.
ماي: لا تمزحا معي، لو كل هذا الكلام صحيح عن أن الأكوان ستتدمر، ويفترض أن أقف متفرجة بفشار مثلاً؟
ضحكة خفيفة خرجت من ريا بينما تنهدت النظيرة وسألت.
النظيرة: بالمناسبة، ألا يجب أن تفسري شيئاً؟
ماي: ألم تكوني تشكرنني قبل ثوانٍ؟ على كل حال، حبة ريفامبيسين واحدة لمرة لا تسبب أضراراً دائمة، كلها أعراض مؤقتة تحدث لفترة ثم تختفي.
النظيرة: إذن هي ليست مادة خطيرة؟
ماي: الخطورة تكون في الاستمرار عليه أو إذا كان عندها مشاكل في الكبد لا نعرفها. لكن حبة واحدة... الجسم يتخلص منها خلال يوم.
النظيرة: حقاً؟
ماي: بالطبع. أمي طبيبة، وأنا قرأت النشرة قبل أن أعطيها إياها. ماذا تظنينه؟ كوكايين من سوق سوداء؟
النظيرة: ربما.
ماي: أوه حقاً؟ هل أبدو لكِ إل تشابو الآن؟
النظيرة: وما أدراني؟
ريا عادت للضحك بعد حديثهما، حينها التفت كلتاهما لها، أتى صوتهما متزامناً.
ماي والنظيرة: ما المضحك؟
ريا: آسفة.
عصرت وجهها داخل الوسادة محاولة كتم صوت ضحكاتها.
ماي: أترين؟ جعلتِ منا أضحوكة ستنتشر في عالم آخر.
النظيرة: تتكلمين كما لو أن أحداً سيصدق. كذلك أنت من ترد بتلك الردود الغريبة.
ماي: هذا يكفي. نامي ولا تحرجينا أكثر من هذا.
توقفت ريا عن الضحك ونظرت لهما بابتسامة صادقة محبة. كان ضحكاً خفيفاً، لكنه أول صوت طبيعي في ليلة لم تكن عادية .
ريا: أتعلمان؟ اشتقتُ لماي.
ماي: صحيح، كيف هي نظيرتي؟
ريا: لا تختلف عنك كثيراً. رغم أن نظيرتي تختلف عني، لكن ماي تشبهك كثيراً. لم أكن أملك ما أحادثه بشأنها، لكن حقاً كنت أحب الاستماع لها.
عم الصمت لوقت، وبدأت تتذكر عندما تركت ماي بدون أي توضيح أو رد رغم أنها نادت عليها. تركت صديقتها الوفية الأعز والأقرب لها لكي تلحق بالتجربة. لا تملك الشجاعة لمواجهتها مجدداً ، تساءلت: هل ستكون غاضبة؟ هل ستكرهها؟ فلا أحد يحب من يتجاهله ولا يرد عليه. لكنها ليست كذلك، هي تحب الاستماع أكثر من التحدث. ربما سيكون هذا سبباً في حدوث مشاكل بينهما مستقبلاً ، لكنها لا تريد أن تخسرها إطلاقاً ،خصوصاً بعدما رأت وفاء نظيرتها.
ماي: ستعودين لها.
رفعت نظرها المحدق بالأرض لتجد أن نظيرتها من تقابلها، فماي كانت في الجزء الآخر من السرير. التفتت للأعلى تنظر للسقف.
ريا: أتمنى.
النظيرة: أنتِ تثقين بخالي، صحيح؟ لذا سيكون كل شيء بخير.
ابتسمت بتفاؤل، لكن يبقى ذلك القلق مهما تجاهلته مستأصلاً بجذور عقلك . ففي النهاية القدر يظل مجهولاً، وحتى لو كانت تثق به فمسألة الأكوان ليست مزحة أبداً ، وتظل فكرة مخيفة. رغم كثرة القلق الجاثم على صدورهم، كانوا جميعاً متعبين، فاستوطن النوم جفونهم بلا إستئذان .
---
الطبيب: حان الوقت لتستيقظوا.
أفاق الجميع إثر صوته، ليهموا بالنهوض. كانوا مرهقين، لكن في قرارات أنفسهم يعلمون أنه لا وقت لهذا. وقفوا من أسرتهم متجهين لعربة التنظيف ليخرجوا ملابس العمال بهدوء. لن يبحث أحد عنهم حتى نهاية اليوم بسبب تقرير الطبيب. كل ما عليهم فعله هو الهروب من هنا بسلام والتحرك نحو المختبر حيث من المفترض أن يكونوا قد كادوا ينتهون من صناعة الجهاز الذي سيعيدها .
تحركوا بالعربة نحو غرفة ملابس العمال، وبنفس الطريقة التي دخلوا بها خرجوا عندما استدارت الكاميرا لأحد الأروقة، وقفزوا من نافذة الحمام. للحظةٍ ظنت إحداهن أن العدسة ستعود، أن الزمن سيخونهن.
النظيرة: وأخيراً!
ماي: لا وقت للاحتفال، هيا بنا إلى المختبر.
بدأوا يركضون مبتعدين عن السجن بأقصى ما يستطيعون، خطوات متباعدة متتالية أنفاس متقطعة تحت ثقل أشعة الشمس ، نحو المدينة.
ريا: خال نظيرتي... نحن قادمون .
majesty