مشاعر متناقضة

مشاعر متناقضة

29 0

୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧

الماضي: 14/10/2021

السابعة مساءً

كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.

كان والدي إنعكاسا للسخط المتأجج داخلي، لو كان بإمكاني وصفه لأحد في عبارات قصيرة فسأقول أنه الحي الميت، أنه الحاضر الغائب، وأنه الأب الذي لم يكن أبا لي يوما، كان يجمع كل الصفات المتناقضة في العالم، وكانت مشاعري نحوه مشابهة لتناقضه، أنا أكره بعده، لكنني لا أحب قربه أيضا، أحب وجوده، لكنني أكرهه في نفس الوقت، أكره أبي، إلا أنني أحبه.

مشاعري نحوه لم أستطع يوما تفسيرها، كانت تسبب لي التشوش دوما، كنتُ أستطيع فهم ذاتي بشكل كامل، العائق الوحيد الذي يمنعني من فهمها هو طريقة نظري لوالدي، أحيانا أمقته، أحيانا أخرى أتقبله، وفي بعض الأحيان أهابه، لكن بعض حين أشعر بالأمان في وجوده، معظم الوقت أكرهه وألومه، غير أنني أظل أحبه في قرارة ذاتي طوال الوقت، لأنني أعرف، أن النسخة الصغيرة مني كانت متعلقة بوجوده جوارها أكثر من أي شيئ آخر في أحد الأيام، وأن هذه المشاعر المتذبذبة مني نحوه لم تتواجد بي منذ ولادتي، بل تنامت وتنامت دون أن أستوعب ذلك.

راقبتُه بينما يقطع شرائح اللحم بصحن والدتي، ويسكب لها بعض الأرز الإضافي، كان لطيفا مع الجميع، سواي.

«عزيزتي آشريا، كيف مر يومك في المدرسة؟»

صوتُ والدتي الذي كان هادئا جعلني أبتلع ريقي وأرفع رأسي إليها، أسئلتها التي تبدو عادية دوما، كانت أحيانا مفخخة، سؤالها الحقيقي لم يكن كيف مر يومي، بل: هل تسببتِ بأية متاعب؟

ونعم، أملك والدة لطيفة لدرجة أنها لا تقوم بترويعي ولا تسأل هذا السؤال مباشرة، ولأنها تملك إبنة مطيعة فسأخبرها بالصدق والحقيقة.

«كان يوما جيدا، وتعلمين؟ أشادت معلمة الفيزياء بأنني متفوقة.»

توقفت والدتي عن تناول طعامها، وقد ظهرت بسمتها الجميلة أخيرا، وهذا جعلني أزفر براحة، حسنا أظن أنني كذبتُ قليلا، معلمة الفيزياء لمحت لي بذلك فقط ولم تصرح بذلك حقا، كما أنني كدتُ أتشاجر مع إحدى الفتيات بدورة المياه، لكن لا بأس بكذبة صغيرة في سبيل أن تسعد أمي هكذا صحيح؟

نظرت لي ماما بفخر ثم وجهت بصرها نحو والدي، هذا الأخير لم يبدي أي ردة فعل بل إستمر بتناول طعامه فقط.

إلتفتت والدتي نحو الأخرس بجانبي، ورَمقته بنظرة مطولة، مما جعلني أركل قدمه أسفل الطاولة حتى يعطيها بعضا من تركيزه بدل أن يحشو الطعام في فمه كالفقمة التي لم تأكل منذ سنة، رفع رأسه أخيرا ناحية أمي التي بدت وكأنها تحيك خطة في رأسها ستجعله يعترف بجميع المصائب التي إرتكبها منذ مجيئه للدنيا، وما هي إلا دقائق حتى نبست:

«ماذا عنك كيراس؟»

بدا أخي جاهلا لما يحدث، ولن أستغرب هذا، لطالما كان ذهنه مسافرا في أوقات الطعام وبالأخص وجبة العشاء، كنتُ أريد أن أهمس له، وأخبره بماهية الموضوع الذي غفل عنه، لكنني لم أرغب أن أفوت على نفسي ملامحه الجاهلة الآن، ولا حتى حشره في الزاوية رفقة والدتي، لذا بصوت مرتفع هازئ نبست:

«مابك أخي ألم تكن تستمع؟ إن أمي تسألك عن يومك بالمدرسة.»

رمقني كيراس بطرف عينه، وكأنه يتوعد لي بشيئ لا أدركه، بعد لحظة نظر لماما، ونطق بأكثر ما يجيده:

«كان مملا للغاية، لا تعلمين يا سيدتي الوقورة كم يبدو النهار باهتا دون وجودك، أنا أكره المدرسة لأنها تحرمني حق رؤيتكِ وتأمل جمالك.»

هززتُ رأسي بقلة حيلة، لكن المشكلة لا تكمن في غزله، ولا كلامه المعسول، بل في أن والدتي تخفي إبتسامتها بإستماتة، وفي أن والدي يرمقه بحدة، إن بابا رجل غيور وهذا ما لا يمكن تغييره به، حين أدرك كيراس فداحة قوله، همس بندم:

«آسف أبي.»

ربما والدتي تدرك جيدا أن كلمات كيراس ماهي إلا تهرب من الإجابة عن سؤالها الحقيقي وحتى يضللها، لكن ما يجعلها تحب إجابته في كل مرة هو المشاعر التي تظهر بمقلتا أبي، أراها تتحول فجأة من إمرأة في الأربعين لفتاة بالعشرين، وكأنها تلتقيه للمرة الأولى، وتخرج معه في موعدهما الأول.

علاقتهما البسيطة كانت دافئة، صحية، مليئة بالحب، وخالية من المشاكل، ليس لأنها خالية من المشاكل فعلا، بل لأن والدي يملك شخصية باردة تجعله نادر الغضب، ولأنه يكن لوالدتي من المشاعر ما يكفي ليجعله يمتنع عن مشاجرتها أو معاتبتها، لذا حتى لو حدث شيئ بينهما، يتم حله سريعا قبل أن يأتي الصباح.

حين إنتهينا جميعا من الأكل، بدأنا نتوجه لغرفنا بعدما ساعدنا في جمع الصحون وترتيب الطاولة، كنتُ أفترش سريري وبين يداي يقبع هاتفي، حيث أدردش مع سينيثيا حول بعض الأحاديث السخيفة كالعادة، وفجأة تم إقتحام غرفتي، من طرف الأخ الأهوج كيراس.

«ما بك؟»

نطقتُ بنبرة متأمرة، أرفع حاجبا وأطلّ عليه، لكنه فقط نظر لي وزفر، ثم إقترب من سريري وكأنني لستُ على وشك طرده.

«آشريا.»

بان على ملامحه التوتر، وكأنه قلق من الحقيقة التي هو على وشك الإفصاح عنها، وهذا جعلني أرفع جذعي عن السرير وأجلس، بينما أراقبه وهو يقف قربي وكأنه قابض أرواح.

«في الواقع، دعاني بعض أصدقائي لحضور حفلة تيفار، تعرفينه صحيح؟ أريد الذهاب لكن أمي لن تسمح، فلتغطي على غيابي ساعة أرجوك.»

كل ما ظهر مني هو ملامح متعجبة وحاجب مرفوع، لما علي أن أغطي أنا على غيابه؟

«ماسبب الحفلة في منزل تيفار هذا؟»

«والده إبتاع له سيارة»

رفعتُ طرف شفتي بتقزز، كنتُ اعلم أنه وغد مدلل، لكن لدرجة أن يشتري والده سيارة له؟؟

«أنت تمزح؟ عمره خمسة عشر سنة فقط!»

رفع كيراس كتفه بلامبالاة، ثم نبس:

«لا اهتم، مايهمني هو حضور الحفلة الآن.»

إستنشقتُ بعض الهواء، ومررتُ عيناي عليه من الأعلى إلى الأسفل، كان يرتدي قميصا أبيضا رفقة سروال جينز أسود، وسترة جلدية تخص سباقات السيارات، مظهره المعتاد في الواقع، لكن هناك ما يجعلني أرفض.

«جوابي هو لا، لو فكرت في التسلل سأخبر ماما.»

إتسعت عيناه بخفة وكأنه لم يتوقع هذه الإجابة، وعدتُ أنا للإتكاء على الوسادة خلفي ثم حملتُ هاتفي، غير أنني تفاجأتُ حين ركع على قدميه أما السرير وإحتضن مرفقي، ثم تمتم مترجيا وملامه تبدو كمن على وشكِ البكاء:

«أرجوك آشريا أرجوك، سأفعل أي شيئ لك، أكون عبدا عندك فقط لا تفعلي.»

عندما نطق العبارتين الأخيرتين، إنبثقت إبتسامة شيطانية على وجهي، ولأنني أختٌ كبيرة حنونة، يستوجب علي تقديم يد العون لأخي الصغير حتما.

رفعتُ يدي الحرة ومررتها فوق خصلاته، ولم تختفي إبتسامتي المخيفة أبدا، ثم همستُ له:

«حسنا، لنتفق، تذهب للحفلة وتعود بعد ساعة، وتفعل كل ما أريده طوال هذا الأسبوع.»

إبتعد عن يدي فور إنهائي كلامي، وظننته سيعترض، لكنه فاجأني بتلك الضحكة التي نادرا ما يقدمها لي، وتقبيله لمقدمة رأسي بسعادة، ثم غادر غرفتي سريعا.

بقيتُ وسط سريري مستغربة من تقلباته تلك، ورفعتُ هاتفي قبالتي أتحقق من التوقيت، كانت الثامنة بالفعل، لذا أظن أنه لا بأس بخرجوه الآن.. ربما.

عدتُ لتصفح تطبيقاتي بملل، قبل أن تراودني فكرة جهنمية، ألا وهي التسلل لغرفة كيراس وسرقة إحدى قمصانه القطنية، هذه هوايتي المفضلة على الإطلاق، وعدم تواجده بالمنزل سيجعل العملية سهلة!

ركضتُ ناحية النافذة، أتفقد ما إذا كان قد خرج من المنزل، وبالفعل، ماهي إلا دقائق قليلة حتى ظهر، ولم يضيع وقتا طويلا لأنه حالما تخطى حدود المنزل بدأ بالركض.

أخي الغبي..

غادرتُ بإتجاه غرفته، وصراحة كانت أبشع غرفة رأيتها في حياتي، لدي أخ لا يعرف معنى ترتيب سريره حتى، الشيئ الوحيد الذي يحافظ على ترتيبه، هو مكتبه الذي يحتوي حاسوب ألعابه الإلكترونية، فقط.

فتحتُ خزانته وأنا أغض البصر عن ما تبقى من الغرفة حتى لا أصاب بالحكة التي ستدفعني لترتيب المكان، لكنها كانت فكرة خاطئة بكل تأكيد، لأنني فورما فعلتُ ذلك حتى سقطت أكوام الملابس غير المطوية التي جعلتني أتراجع للخلف بتفاجئ، يا.. للهول..

حسنا، اظنها ستكون ليلة تنظيف طويلة.

لكن لا! لما أهتم؟ إنها ليست غرفتي، ولستُ مسؤولة عنها، هو المسؤول عن فوضاه، وهو من عليه ترتيبها!

فورا غيرتُ رأيي وباشرتُ البحث عن قميصي المفضل، أقصد قميصه المفضل لدي، لكنه قميصي أيضا، بما أنه إشتراه بماله الخاص فهو لي، لأن ماله هو مالي، ومالي هو مالي، رغم أنني لا أملك مالا من الأساس.

فورما رأيتُ القميص المطوي جانبا، بعيدا عن كل الثياب الأخرى غير المرتبة، لمعت عيناي سعادةً، لم يكن هذا مجرد قميص قطني عادي، بل كنز لقلبي، لدرجة أنني على إستعداد لإرتدائه كل يوم!

رغم أن كيراس لن يسمح لي بذلك.

إذا، الخطوة الأولى: إيجاد القميص، تم.

الخطوة الثانية: إخفائه بعيدا عن أعين كيراس.

الخطوة الثالثة: إرتدائه غذا والخروج قبل أن يلاحظني.

حسنا سؤأجل الخطوة الثانية قليلا، لأنني أنوي تجربة القميص. وهذا ما فعلته، إرتديته دون التفكير مرتين، رفعتُ قلنسوته كحركة محببة لي، يا إلهي شعور الدفء هذا كالنعيم!

عانقتُ نفسي لأضاعف الشعور، وربما غالبني الجنون لدرجة أنني بدأتُ أدندن إحدى الأغاني التي علقت بعقلي الفترة الأخرة، وتمايلتُ مع الألحان التي كنتُ أستطيع تخيلها وإستحضارها.

لكنني توقفتُ عندما سمعتُ ضجيجا خارج المنزل، نباح كلب الجيران قد أخافني بالشكل الكافي ليعيدني لصوابي، لذا توجهتُ مباشرة نحو النافذة وأغلقتها، ثم غادرتُ غرفة كيراس وكأنني لم أتواجد بها قط.

حالما دخلتُ غرفتي، بدأتُ بمحاولة تنفيذ الخطوة الثانية التي تقتضي إخفاء القميص، لذا كان علي نزعه وتوديعه، وربما كانت حركة تجلب المشاعر السيئة دفعة واحدة، نزع هذا القميص كان بمثابة توديع السرير صباحا.

ولأودعه قمتُ بدسّ وجهي به، رغبتُ في إشتمام رائحة الأمان العالقة به، كنتُ مستمتعة في لحظة، لكن في اللحظة التي تليها، شعرتُ بإنقلاب معدتي، لذا إبتعدتُ سريعا. كانت رائحة كيراسمختلطة برائحة أخرى، تشبه رائحة الغليون والسجائر الرخيصة النتنة.. وهذا كان كفيلا بتجميدي في مكاني للحظات من الصدمة وإتساع مقلتاي رغبة في نكران ما يحاول عقلي تخيله.

كيراس والسجائر؟ هذا محال، إنه محض جنون!

شعرتُ بالتشوش يلتحف روحي، والتخيلات قد خنقت ذاتي، أن أرى أخي الأصغر الذي لم يتخطى عمر السادسة عشر يقع في دوامة الإدمان كان بمثابة رؤية جنازته تقترب وتسلب أنفاسي.

حاولتُ أن أتريث، أن اعود للواقع، لربما ليس هو من دخّن، لربما هذه الرائحة الكريهة إلتصقت به بسبب جلوسه مع صديق مدخّن، هناك إحتمالات متعددة غير أن يكون قد وقع في هذا الخطأ.

‎☃❆

الحاضر:

30/09/2022

العاشرة صباحا

كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة.

إنني أتساءل، كيف يمكن للإنسان أن يحيى وهو فارغ الروح والشغف، قليل الحيلة والشعور، كيف يمكننا نحن كبشر أن نستمر في العيش دون أي رغبة؟ دون أي حاجة للحياة؟

أحيانا أتساءل أيضا، لما الحياة تسرق نفسها من بين صدور تقتات على العيش، والذوات التي تحب أن تبقى وسط أحبتها، لكنها في النهاية تتوفاها المنية. غير أن نفس الحياة تظل متعششة في قلوب أهلكها العيش، وكل ما تتمناه هو الزوال.

لما الحياة غير عادلة؟ تقدم نفسها لمن لا يشاء، وتسلب نفسها ممن يشاء.

أريد حقا التبرع بحياتي لأحد الأشخاص النائمين وسط القبور، لربما ستنفعه أكثر مني، لربما هو سيحب أن يتنفس، على عكسي، لأنني مع كل نفس أستنشقه، أشعر بالثقل أكثر، أشعر بالرغبة في عدم العيش أكثر.

توقف معلم التاريخ عن الثرثرة أخيرا حول أولائك الذين ماتوا في الحروب، أولائك الذين كان أكثر ما يسعون له هو حرية البلاد، لربما لم تكن تهمهم البلاد بقدر أن تتنفس أرواحهم بعيدا عن رائحة البارود، ربما كانوا يسعون لحرية أحبائهم أكثر من أراضيهم.

ليتني وُلدتُ في زمن الحروب، حينها كنتُ لأجاهد بإستماتة لأموت، سأخرج بثقة لساحة المعركة في سبيل أن يغتالني احد ما، عندئذ ستهدأ روحي وتتوقف عن التمني.

أغلقتُ أجفاني بعدما عم الهدوء أخيرا تزامنا مع بدء الجميع بتدوين الملاحظات المكتوبة على السبورة، كان جانب بي يأمرني أن أقوم بنفس ما يقومون به، لذا إستسلمتُ له وفتحتُ مقلتاي، ثم أمسكتُ قلم الحبر الجاف وبدأتُ بنقل السطور على أوراقي.

أكره دروس التاريخ، وبالأخص التي تتحدث عن أمريكا، لما يتكلم التاريخ حول السارقين؟

لما لا يتكلم التاريخ حول كل من سقطوا بسبب ظلم هذه الدولة؟ أم أن المؤرخين يحبون تعظيم وتكبير شأن من لا يستحق؟

تركتُ قلمي بعد آخر كلمة دونتها، في الآن ذاته رنت أجراس نهاية الحصة، وهذا جعلني أزفر نفسا مرتاحا، ودون أي تأخيرة، أمسكتُ كتاب التاريخ رفقة أقلامي وغادرتُ القاعة، إنه أول أسبوع لي في هذه المدرسة وأشعر أنني حبيسة في كل حصة بالفعل.

توجهتْ قدماي نحو خزانتي، وحشرتُ كتابي هناك، الآن أشعر أنني حرة، بعيدا عن الكتب المدرسية التي تعذب النفس والعقل والقلب.

أغلقتُ باب الخزانة وفي ذات اللحظة لمحتُ فتاة قادمة نحوي، أجل، كانت قادمة نحوي! هيا آشريا كفى تخيلا، لما ستأتي إليكِ أنتِ بالذّات؟ هل أنتِ محور الكون؟.. توقف الصوت الدخيل في رأسي عن السخرية عندما توقفت الفتاة جميلة الملمح أمامي، ونبست بتساؤل:

«مرحبا، أ أنتِ آشريا أرمستون؟»

طرفتُ مرتين بأهدابي في وجهها، أبتلع الصدمة التي صفعتني دون إكتراث، أولا: هي فعلا كانت قادمة نحوي، ثانيا: هي تعرف إسمي، ثالثا: لديها تلك الطاقة التي تشبه سينيثيا، رابعا: هناك ما يجعل معدتتي تتقلب عند الفكرة الثالثة.

«نعم، ومن أنتِ؟»

حرصتُ قدر الإمكان أن لا يبدو سؤالي جافا، لذا ختمتُ كلماتي بإبتسامة منمقة، وبدت الفتاة أمامي متفهمة للوضع، بالطبع عليها أن تكون كذلك، لأنني لم اتوقع أن يعرفني شخص هنا رغم أنني جديدة بالمكان!

«أوريا، إسمي أوريا، كما أننا ندرس نفس الصف.»

رفعتُ كلا حاجباي بتدارك، وتمعنتُ بملامحها أكثر، كانت سمراء البشرة، بعينان تشبهان العسل في لونهما، أو لأكون أكثر دقة، وكأن خيوط الشمس إنسكبت وسط حدقتاها، كما أن لديها نمش لطيف توزع على جسر أنفسها، هي جميلة للغاية، لكنني متأكدة من أنني لم أرها من قبل، لستُ من النوع الذي يحفظ الوجوه بسهولة، ومن السيئ أن أخبرها بأنني لا أتذكرها، ذلك يجرح المشاعر.

«سررتُ بلقائكِ، أوريا.»

للمرة الثانية أجبرتُ إبتسامتي الزائفة على الظهور، لكن الفتاة أوريا بدت سعيدة للغاية بتعابيري المرحبة، ورأيتها ترجع خصلاتها الغجرية الطويلة خلف أذنها، هذه الفتاة، وإن كانت لا تشبه سينيثيا في ملامحها بتاتا، لكنها تذكرني بها بطريقة مزعجة.

«في الواقع، سيسعدني أن نصبح صديقتين، غير أنني الآن علي مرافقتك لمكتب المدير.»

تلك الإبتسامة التي تظاهرتُ بها لمدة قد إندثرت فورما سمعتُ مكتب المدير، أقمتُ بشيئ سيئ؟ لا أذكر أنني خالفتُ القوانين، أنا بالكاد أجد الطاقة للبقاء مستيقظة أساسا!

«لا يوجد ما تقلقي بشأنه عزيزتي آشريا، السيد رينارد لطيف للغاية، لا بد أنه إستدعاك للترحيب بك كونك طالبة جديدة بالثانوية.»

شعرتُ براحة خفيفة بعد كلماتها الودودة، وملامحي كانت تعبر عن سؤالي الداخلي 'حقا؟' ولم تتردد هي بأن تومئ لي بإبتسامة أظهرت تجاعيد لطيفة حول شفتيها.

رغم أنه يصعب تصديق أن هذا المدير يرحب بكل الطلاب الجدد.

تبعتها في النهاية نحو المكتب، وأثناء الطريق كانت قد بدأت تظهر جانبها الفضولي، حيث لم تتوقف عن طرح الأسئلة المتتالية لدرجة شعوري بأنني وسط تحقيق مفاجئ:

«ما المدرسة التي كنتِ تدرسين بها؟»

«ثانوية ليليان»

بدا عليها التعجب والحيرة، كان لا بد أنها لا تعرف هذه المدرسة ولا حتى موقعها، لأنها بكل تأكيد لن تُحاط علما بجميع المؤسسات التعليمية الموجودة بكندا، لذا سارعتُ بروي فضولها:

«تتواجد بمقاطعة ألبرتا، كنتُ أعيش بولاية إدمنتون.»

ربما إشباع فضولها لم ينجح، لأن حبها للمعرفة تضخم فجأة وهي تنظر لي بأعين تبرق حماسة، حيثُ نطقت بما كنتُ أستطيع تخمينه:

«كنتِ تعيشين بولاية مختلفة؟»

وجدتُ نفسي أومئ لها، وبدت هذه الفتاة بجانبي وكأنها تقابل شخصا قادما من ولاية أخرى للمرة الأولى، لأنني إستغربتُ هذا الشغف المفاجئ.

«لا بد أن الإنتقال لكيبيك كان تجربة لا تنسى صحيح؟»

إنفلت من ثغري نفس ساخر، لا تنسى؟ أجل، بشكل مفرح؟ لا، بكل تأكيد لا.

«يمكنكِ قول ذلك.»

«لا بد أن هذا يفسر إستدعاء المدير لك! قدوم شخص من ثانوية تقبع بنهاية كندا والمجيئ لهذه الثانوية بالذات لهو شرف!»

كل ما نتج عني هو ملامح يصعب تفسيرها، أي غباء هذا الذي تنطقينه يا فتاة؟ ليس وكأن ملكة قد أتت لتقيم ببلادكم.

إستمرت أوريا بالحديث بعد ذلك، تحدثت عن الثانوية، المعلمين، الطلاب، المباريات، مواعيد الإختبارات، والآباء كذلك، إكتشفتُ أن هذه الثانوية مرموقة بالفعل، ويدرس بها ذوي الطبقة المخملية، في الواقع أنا لم أبحث عن أي معلومات عنها، إكتفى خالي بجميع مسائل النقل، رغم صعوبة الموضوع لكنه نجح بجعلي أدرس بهذه المدرسة.

«أكثر رياضة تنظمها المدرسة وتشارك بها بعد كرة القدم، هي الكرة الطائرة، لقد إنظم فريق المدرسة بالكثير من المسابقات وفاز بمعضمها، عليكِ المشاركة في الفريق لو لديكِ إهتمام بهذه الرياضة لأنها تسمح بإنظمام الإناث، كما أن مشاركتكِ ستجعل نقاطكِ ترتفع.»

ظل كلامها عالقا بذهني، حتى وهي قد إنتقلت لموضوع آخر لتتحدث عنه، لكن الشيئ الوحيد الذي ظل يتكرر داخلي هو الكرة الطائرة، غير أنني سريعا ما نفيتُ ببساطة، يستحيل أن أحاول المشاركة بالفريق.

«عليكِ إضافة اللغة الفرنسية والإنجليزية أيضا لملفك الدراسي، تحدثي عن الموضوع مع المدير، كلما أضفتِ موادا أكثر، كلما تضاعفت نقاطك وزادت فرصة قبولك بالجامعات، ، ما علينا، هذا مكتب المدير، سأترككِ الآن.»

رمقتُ أوريا بإبتسامة شبه صادقة هذه المرة، وما كدتُ أشكرها حتى باغتتني بعناق سريع ثم غادرت تتركني متجمدة قرب باب المدير.

إحتجتُ بضع ثوانٍ فقط حتى أستعيد نفسي، وأدخل للمكتب قبالتي بتهور قبل أن اتذكر الآداب والأخلاق التي يتحدث عنها إيمانويل كانط دوما.

شعرتُ بالإحراج يتسلل إلي عِندما رفع السيد –نسيتُ لقبه– رأسه نحوي، ودون أي تفكير رفعتُ أناملي وطرقتُ بها الباب.

في النهاية طرقته، لا يهم إن كان قبل أن يأذن لي بالدخول أو بعد إذنه.

حالما أشار لي للجلوس أمامه أغلقتُ الباب خلفي وأسرعتُ نحو الكرسي قبل أن أتصرف بغباوة مرة أخرى.

«مرحبا أرمستون.»

كان بشوشا وهو ينطق جملته القصيرة، لكنه لم يكن يبتسم.

«مرحبا سيدي.»

لازمني التوتر حين بدأ يرتب مكتبه، لم يرفع رأسه نحوي وهو ينطق جملته التالية، وكأنه غير مهتم بوجودي أساسا:

«أخبرني خالكِ الكثير عنك، لكنني لم أتوقع نسخة شبيهة به.»

«خالي؟» تساءلتُ، لأنه من الغريب أن يلتقي به خالي حتى يتحدث عني أصلا، وأنا متأكدة أنه لم يأتي لكندا منذ أربع سنوات.

«أجل، في الواقع، روبرت صديق قديم جدا، رغم أنه جاحد ولم يسأل عني منذ زمن، لكنني إستغربتُ إتصاله قبل أشهر، من أجل إبنة أخته»

نبرته الجافة أثناء تكلمه عن خالي جعلت بطني ينكمش بتوجس، رغم أنه قال عنه صديق،لكن إنطفاء حدقتاه يظهره كأنه يتكلم عن عدو! في اللحظة التي رفع رأسه نحوي وحدق بي، تراجعتُ للخلف خوفا من حدة خضراوتيه وغصتُ بالكرسي أكثر، ونبس بنبرة أشد حدة:

«لو حدث وإلتقيته، أخبريه أن نهايته ستكون على يدي.»

يا للهول! فورما صفع سطح المكتب بكف يده تواثبت دقات قلبي بفزع وأومأتُ له بالإيجاب عدة مرات، أشعر وكأنني أعيش داخل فلم رعب، أنا الآن اتمنى العودة لإدمنتون!! يا إلهي إحفظ روحي من شر هذا الرجل.

إبتلعتُ ريقي حينما تغيرت ملامحه لأخرى أكثر هدوءً وإشراقًا، وأصابتني الدهشة من إبتسامته التي كانت لطيفة بشكل متقن، هل كنتُ أتخيل ما حدث قبل قليل فقط؟ أم انه مصاب بالإنفصام؟

«طبعا لا دخل لكِ بالخصام الذي بيني وبينه، لذا لا تقلقي آرمستون.»

خصام؟ أظن لفظ العداوة أحسن كتعبير.

رسمتُ إبتسامة متعرجة فوق شفتاي، وحاولتُ طرد الخوف الذي أصاب بدني، وقبل أن أنطق بأي حرف سبقني وقال:

«بكل تأكيد نسبا للعشرة الطويلة التي جمعت بيننا أنا وروبرت، فسأكون حريصا على أن تكوني مرتاحة في مؤسستي، لذا لو واجهتِ أي مشكلة، عليكِ التوجه إلي فورا وإخباري حتى أساعدك.»

«بالطبع سأفعل.» قطعا لن أفعل!

«أنتِ بمثابة إبنتي، آشريا، لا تدعي كلامي السابق يجعلكِ متخوفة مني، أي قريب لروبرت هو قريبي أيضا.»

هذه المرة بدا أكثر صدقا، خصوصا وأنه نطق إسمي بدل كنيتي، لكنني مع ذلك قدمتُ له إبتسامة كاذبة أخرى.

«تستطيعين اللحاق بصفوفك الآن.»

وأخيرا! لقد إكتشفتُ أن طعم الحرية لذيذ للغاية، كان هذا الإكتشاف وأنا خارج مكتب ذلك المعتل الذي لا أعلم كيف صار مديرا، ظننتني سأخرج على هيئة جثة من ذلك المكان!

يالي من منافقة، قبل نصف ساعة كنتُ أتمنى الموت، والآن حين شعرت بمواجهته خفتُ منه، ألستُ أنا المعتلة؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إحتراقُ الفراشة.

المؤلف arancia__s
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة