୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧
الماضي:
19/10/2021
الحادية عشر صباحا.
كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.
«تبدين في حالة مزرية، آشريا.» نطقت سينيثيا بنبرة هادئة تخرجني من دائرة أفكاري التي لم تتوقف منذ البارحة، ولم أجد ما أجيبها به، لأنها كانت محقة، حتى أنني قبل خروجي لمقابلتها قمتُ بملئ وجهي بمساحيق التجميل لعلي أداري آثار التعب الذي حفر لنفسه مكانا أسفل عيناي، لكنها قد مُحيت بسبب قطرات المطر التي تساقطت فوقي منذ خروجي.
«أنا.. حظيتُ بكابوس مزعج فقط، وجعلني مستيقظة طوال الليل.»
أجل، كابوس مزعج يتجلى في وساويس عقلي بأن يكون كيراس يدخن منذ زمن وأنا لم اكتشف ذلك سوى البارحة، بحق ماذا سيحدث لو تحققت تلك الكوابيس التي لازمتني طوال الليل؟
«أكان كابوسا سيئا لتلك الدرجة؟»
إرتخت ملامحي الممتعضة إثر النبرة القلقة التي غلفت صوت سينيثيا، وإلتفتّ نحوها أقدم لها إبتسامة تطمئنها مع هزة رأس خفيفة نافية لسؤالها، على الرغم من أنه كان كالهلاوس التي يحظى بها المرء عندما يصاب بالحمى، لكن ليس علي أن أُذعر بشدة فأنا أعرف أخي، وهو بالغ كفاية ليفرق بين الخطأ والصحيح، لذا بالتأكيد مستحيل أن تكون رائحة السجائر التي علقت به ناتجة عنه.
سأحاول النبش في الموضوع بطرقي الخاصة دون أن اخبر أحدا عن الأمر وأفزعه، وأحاول حله بهدوء، أتمنى ذلك حقا.
«أتعلمين، حسنٌ ما فعلتِ حين إتصلتي بي لنلتقي في الحديقة.»
في نهاية حديثي نظرتُ لسينيثيا وهي تحرك جسدها بخفة على الأرجوحة التي تجلس عليها، خلافي التي كنتُ ساكنة فقط.
«لقد فعلتُ ذلك لأنني إشتقتُ لإمضاء وقتٍ معك.»
«لقد إلتقينا البارحة فقط.»
«كانت مدة لقائنا قصيرة، عشر دقائق ليست كافية لأشبع إشتياقي نحو صديقتي العزيزة.»
كلماتها كانت كفيلة بنشر الدغدغة في صدري، وإرتسمت تلك المشاعر على وجهي كذلك، هذه الفتاة لا تكف عن أن تكون لطيفة معي، ومحرجة في الآن ذاته.
دفعتُ جسدي للخلف لأتأرجح في الهواء، لطالما كانت سينيثيا ذات تأثير إيجابي علي، وعلى الرغم من أن لدي العديد من الأصدقاء لكن إن تم يوما تخييري بأي شخص سأختاره لأقضي معه معظم حياتي من بين جميعهم فسأختار سينيثيا دون شك، لأنها الوحيدة القادرة على إنتشالي من عمق كآبتي دون أن تدري هي ذلك.
كالآن تماما، لأنني بكلماتها تناسيتُ حتى الوجوم الذي أصابني بسبب كثرة التفكير حول كيراس بالأمس.
«أتعلمين؟ لقد وجدتُ حساب آرسين على تطبيق الأنستاجرام.»
نظرتُ نحوها بريبة، أكانت تبحث عن حسابه؟ أم وجدته صدفة فقط؟ بل الأهم..:
«أقمتِ بمتابعته؟»
«كلا، ليتابعني هو.»
تشفنتها برضى، فتلك حركة صائبة، هو من يحبها، إذا هو من سيبحث عن حسابها وهو من سيتابعها ويرسل لها، الرجل من يبادر، الأنثى تستقبل فقط.
«هذه هي صديقتي، لو تابعته فسأقضي عليك.»
قهقهتْ هي بخفة، وبدت معجبة بذلك التهديد الذي ألقيته عليها، هاته الغبية.
«لقد وجدتُ أدريان يتابعه.»
«أدريان من؟»
نبستُ بإستغراب، وقد رأيتها بطرف عيني تتوقف عن التحرك ومقلتاها تراقبانني بصدمة، ماذا؟ أكان سؤالي خاطئا؟ ولأن تعابيرها لم تكن تمزح وجدتُ نفسي أتوقف عن اللعب كذلك وأنظر نحوها بعدما ثبت جسدي عن الحركة.
«أدريان أدريان، ألم تعرفيه؟»
عقدتُ حاجباي وأومأتُ لها بالنفي، رغم تكرارها الجدي لكنني لم أكن قادرة على تذكر إن كنتُ أعرف احدا بهذا الإسم، أنا أساسا أواجه مشكلة بحفظ وتذكر الأسماء لذا ليس عليها لومي.
«يا فتاة، كنتُ أعلم أن ذاكرتكِ تشبه جدتي لكن ليس لدرجة نسيانكِ إسم الفتى الذي أعجبتِ به السنة الماضية.»
«أنا كنتُ معجبة بفتى السنة الماضية؟»
سألتُ بإستنكار وحاجباي إزدادت عقدتهما، لكن ماهي إلا دقيقة ودقيقتين حتى إنفرجت ملامحي وصورة هذا الفتى الذي ذكرته سينيثيا قفزت لذهني فجأة، وإتسعت حدقتاي ببطء.
«أتقصدين أدريان؟؟»
هزت سينيثيا رأسها بقلة حيلة من غبائي وعادت لدفع جسدها في السماء، ثم نبست بسخرية:
«يافتاة، عليكِ رؤية الصور التي نشرها على حسابه، كان يبدو وسيما بطريقة تناسب ذوقك، وقد فتشتُ قائمة الأشخاص الذين يتابعهم، لم أرى حساب أي فتاة، إنه مثالي لك.»
قهقهتُ بسخرية على تفكيرها، ليس وكأن كلماتها لم تنل إستحساني، فلو كان يتابع فتاة ما لسقط من قلبي قبل عيني.
«أخبرتكِ أنني أحسن الإختيار دوما.»
«أجل أجل إستمري بغرورك.»
قلبتُ عيناي عليها لأنها كانت تهزأ بي بشكل مباشر.
«ماذا عن آرسين؟ أكان يتابع أحدا مشكوكا به؟»
«لو أخبرتكِ أنه لا يتابع أحدا أستصدقين ذلك؟»
إرتسمت على شفتاي إبتسامة مستنكرة، حسنا، كان يصعب تصديق هذا، وبالأخص أن عدد أصدقائه يتعدى شعر رأسي.
«بالمناسبة، أنا لم يسبق أن سألتكِ، أما زلتِ معجبة بأدريان؟»
ظهرتْ إبتسامة على شفتاي رغم أنني حاولتُ جاهدة إخفائها، وبدل إجابتها تأرجحتُ لمستوى أكثر إرتفاعا منها.
«أيتها الخسيسة، ما الذي يعنيه صمتكِ هذا؟؟ كنتُ أعلم أنكِ لازلتِ معجبة به.»
«سينيثيا كفي عن إحراجي!»
لاحقتني ضحكاتها الصاخبة وكأنها مستمتعة بما تفعله، بل حتى قد بدأت تردد إسمه تتاليا، وحمدا لله أن الحديقة التي نحن بها كانت خالية بسبب تهاطل الأمطار التي لم تكن غزيرة، وإلا لكنتُ فضحت..
«هيا آشريا لما الخجل؟ حتى أنا معجبة بآرسين.»
«أنتِ محقة، لذا لو حاولتِ فضحي فسأفضحكِ أنا أيضا.»
إختتمنا هذا الحديث بضحكاتنا، وقد كنتُ آمل أن يطول إجتماعنا لولا أن هاتف كلتانا رن في ذات اللحظة، مما جعل كل واحدة تسحبه وتجيب.
«نعم أمي؟ ... لكنني لا أعرف أين هو! ... وكيف ترغبين مني إيجاده؟ أتظنينني أعمل مع الشرطة! ... حسنا حسنا سأبحث عنه لا تغضبي.»
إختتمتُ حواري مع والدتي وداخلي يحترق حقدا على أخي، هذا الغبي كيف لي أن أجده؟؟ يا إلهي ألا تجد أمي أحدا غيري لتكلفه مهمة إرجاعه للمنزل؟
«إنها أختي، وهي تطالبني بالعودة حتى أرافقها لتشتري بعض مستلزماتها.»
إلتفتّ ناحية سينيثيا التي إستقامت في وقفتها ومدت يدها نحوي لأنهض، هي على عكسي لم تبدو غاضبة بسبب إتصالها، وأستطيع كليا تخمين السبب.
«أختك؟ أعادت من بريطانيا؟»
ظهرت لمعة سعيدة داخل عيناها البنية بينما نخطو خارج الحديقة، ونعم، هذه الفتاة أمامي كانت أكثر محبة لأختها الكبرى.
«أجل، عادت قبل يومان، لا أعلم كيف تغافلتُ عن إخبارك بهذا!»
«ولماذا قد تعود؟ ألم تكن تعمل بإحدى المستشفيات هناك؟ أخبرتني ذات مرة أنها تعمل بمستشفى ذو سمعة جيدة ومحال أن تترك العمل به.»
«أجل، هذا في السابق، لكنها قد حصلت على موافقة مستشفى قريب من منزلنا، وراتبها أصبح مضاعفا عما كانت تتقاضاه في السابق.»
«لا بد أنكِ سعيدة بوجودها الآن معك بنفس المنزل، لطالما عبّرتِ عن إشتياقك لها.»
«بكل تأكيد أنا سعيدة.»
إبتسمتُ إثر جملتها الأخيرة التي أظهرت فرحتها الشديدة وتلهفها. سينيثيا لطالما أظهرت تعلقا شديدا بأختها التي تكبرها بسبع سنوات، والتي لم يسبق لي رؤيتها بشكل مباشر سوى في الصور، لأنها لم تكن تعيش في كندا، وحتى فترة دراستها أمضتها في هارفرد. جامعة الأحلام.
وأستطيع أن أخمن جيدا أن كل عائلتها فخورة بتربية هذه الفتاة.
بعد دقائق توادعتُ مع سينيثيا، وأخذتُ طريقي نحو المكان الذي سيتواجد به كيراس في الغالب، ملعب كرة السلة، لطالما أحب التواجد هناك رفقة أصدقائه، ولا أفهم سبب هذا، هو فقط يحب تضييع ساعات في اللعب هناك.
لكن لحسن حظي أن الملعب كان قريبا من الحي الذي نقطن به، لذا الوصول لم يكن يأخذ مني وقتا أطول من دقائق معدودة.
وقفتُ أمام حدود الملعب بحاجبين معقودة إستنكارا، لأن كيراس لم يكن متواجدا هنا، ولا أي أحد آخر، المكان فارغ بالكامل.
إرتعشت أنفاسي حين إشتد رذاذ المطر فجأة مصاحبا بثلوج بالكاد تصل للأرض وتذوب بعد إمتزاجها بالماء.
لكن رغم سوء الجو لم أستطع العودة للمنزل دون التأكد من إصطحاب كيراس، وكل مافعلته هو الإتصال بوالدتي اولا وتأكدتُ أنه لم يعد بعد، هذا الوقح أين سيكون؟؟
وضعتُ سماعة الهاتف على أذني محتضنة نفسي بينما أنتظره أن يجيب على إتصالي، لكنه لم يجب، ورغم انني أعدتُ الإتصال به مرات تفوق العشر، لكنه لم يجب، رغم أن هاتفه لم يكن خارج التغطية.
بدأت دقات قلبي تزداد صخبا عندما غزت الهواجس عقلي، وصوتُ إنبثق في دماغي بخبرني أنه قد حدث مكروه له ربما.
لكنني حاولتُ البقاء هادئة بينما أفكر بمكان آخر قد يتواجد به.
إلتفتّ خلفي ومسحتُ بصري بكل الجهات، حتى أجد مكانا أستطيع الإختباء به لأن الأمطار إشتدت أكثر من السابق وأصبحتُ أرتجف بردا.
وقبل أن أخطو أي خطوة صدح رنين هاتفي لأرفعه بسرعة حتى قابلني إسم كيراس على الشاشة.
«أيها الوغد أين أنت؟ أقسم أنني سأقضي عليك إذا لم تظهر بملعب الحي في غضون خمس ثواني.»
وقبل أن ينطق أي حرف أغلقتُ الخط في وجهه، لأنني كنتُ غاضبة جدا منه، ملابسي أصبحت مبتلة كلها، وقد أصاب بنزلة برد، وبسبب من؟ بسبب طيشه.
لذا نعم، سأعيد تربية هذا المراهق المزعج.
ألم يكفيه أنه قد تسبب في سلبِ راحتي ليلا؟ ويريد إزعاج يومي نهارا أيضا.
وقفتُ أسفل قرميد أحد المحلات أنتظر أن ألمح طيفه، كان بإمكاني أن أخبره بالذهاب للمنزل، لكن والدتي لن تسمح لي بإلقاء سخطي عليه أمامها، فهو في النهاية صغيرها المدلل المحرم علي لمسه.
تشه، غباء، لا أفهم لما تدافع عنه في كل مرة رغم أن كل ما يفعله هو المصائب منذ ولادته.
خرج من بين شفتاي مسبة حين رأيته مقبلا نحوي، ولم يكن وحده، بل بصحبته رفيق نسيت إسمه، لكن أذكر أن هذا الشاب لطالما كان ملتصقا بأخي هذه السنة.
هل تعمد إحضار صديقه لأنه يعلم أنني لن أرغب بإحراجه أمامه؟ هذا الخبيث.
«أختي! ستمرضين، لما تخرجين بهذا الجو؟»
من هذا الفتى أمامي؟ عقدتُ حاجباي حين أحسستُ بالغرابة بسبب كلام كيراس وقلقه المبالغ، لأن أخي الذي أعرفه كان سيسخر من هيأتي بكل تأكيد، وهذا إن دل على شيئ فهو يدل على فعله لمصيبة بالتأكيد.
صررتُ على أسناني احاول عدم الإنطلاق في توبيخه أمام صديقه الذي أومأ لي بذقنه كتحية، وفي المقابل إبتسمتُ نحوه إبتسامة كاذبة.
«أين كنت كيراس؟»
سألته بهدوء زائف، رغم أن يدي كانت ترتجف داخل جيب معطف الكاشمير خاصتي رغبة بنتف شعره بسبب القلق الذي بثه بي قبل لحظات.
حكّ مؤخرة عنقه وعلى وجهه تعبير متوتر، وهذا أكّد لي أنه كان يقترف مصيبة حقا.
يا إلهي ألهمني الصبر مع هذا الأخ.
فتح ثغره عدة مرات وأغلقه بغية الإجابة، لكنني كنتُ أعلم أن أيا ما سيقوله سيكون محض هراء وكذبة غبية، وهذا ما تأكدتُ منه حين أجاب صديقه عوضا عنه:
«في الواقع، لقد كنا بمنزل تيفار، ندرس لإختبار الغذ.»
همهمتُ له وكأنني صدقته، لأنه لو كان صادقا فلما سيتأخر أخي بالإجابة وكأنه إقترف فِعلا محرما؟ وهذا دفعني لأقترب خطوة نحوهما، لعلي أخيفهما بنظراتي ويعترفا بأين كانا، لكنني تصنمتُ مكاني حين تراجع كيراس خطوة للخلف وكأنه يخشى إقترابي، والآن فقط لاحظت أنه تعمد الوقوف بعيدا عني بمسافة غير معقولة.
وفورا، دون أي تفكير أمسكتُ ياقة قميصه بيدي اليمنى وجررتُه نحوي بشكل سريع، وعلى إثر هذه الحركة ضربتني رائحته، نفس الرائحة التي شممتها البارحة على القميص القطني الذي سرقته.
وهذا جعلني أفلته بدهشة وأرفع كفّ يدي لأخفي به ثغري، كانت رائحته حقا! لقد دخن سيجارة بالفعل..
هذه الفكرة وحدها كانت كفيلة لتجعلني أتراجع للخلف بعيدا عنه، ولعله من ردة فعلي أدرك أنني إكتشفت ما يخفيه، وإستطعتُ أن ألمح النظرة الخائفة التي تربعت وسط جفناه قبل أن أركض في إتجاه آخر بعيدا عنه.
لأن حقيقة الإصابة بنزلة برد بدت هَيّنة أكثر من أن أخي يدخن السجائر خِفية، أو أن كوابيسي الليلة الماضية أصبحت واقعا مريرا هذا الصباح.
إستمررتُ بالركض رَغم سماعي لندائه المستمر بإسمي، ولم أعلم لما هربت، لكنني مدركة أنني لم أرغب في أن يراني في هذه اللحظة أذرف الدموع.
لقد إنكسر شيئ في داخلي في اللحظة التي إستنشقتُ فيها رائحة عطره المختلطة بهواء السيجارة الكريه، ولا أفهم، لا أفهم حقا ما الذي دفعه ليدخن؟؟
إثر هذه الفكرة وقفتُ مكاني وأخفيتُ وجهي وسط يداي أبكي، بكيتُ بطريقة مؤذية، وشهقتُ لفترة من الزمن، وكأنني أريد أن تخرج همومي رفقة الدموع التي غادرتني.
إنتفضتُ وأبعدتُ يداي عن وجهي حينما شعرتُ بالمطر يتوقف فجأة عن الوصول لي وسماعي له يضرب جسما فوق رأسي، وحالما رفعتُ رأسي لمحته، بهيأته المبعثرة وأنفاسه غير المنتظمة، الشاب الذي لطالما إبتسمتُ له السنة السابقة كلما قابلته في ممرات الثانوية لكن لم أقدر يوما على الحديث معه.
إدريان.
يقف وبيده مظلة يحمي بها كلينا من رذاذ المطر المنهمر.
ويرتدي بيجامة تحتوي على رسومات غبية.
إحتجتُ لحظات قصيرة فقط حتى أستوعب هذه الحقيقة التي لم أقدر على تقبلها، أن الفتى الذي كنتُ معجبة به رآني أبكي..
حينها فقط تراجعتُ للخلف بخجل شديد وعينين متورمتين، وفي المقابل فرَدَ يده هو يحرص على أن مظلته تخفيني جيدا، ولم يتبعني كذلك، غير مهتما بحقيقة تسرب المطر لملابسه، وكأنه يحترم أنني لا أرغب بقربه.
«مرحبا..»
نطق أخيرا بعد تبادلنا للنظرات المتوترة، وأظن أن هذا أغبى ما يمكن قوله في هذه اللحظة، حقا؟ مرحبا؟ أيقال مرحبا لفتاة كانت تبكي قبل دقائق؟
«أهلا.»
أجبته أنا الأخرى بأغبى شيئ، ولمحتُ إبتسامته الجانبية التي جاهد في إخفائها، لذا علمتُ أنه ربما فكر بنفس ما فكرتُ به لتوي.
«في الواقع، كنتُ مستغربا رؤية فتاة تبكي وسط الحي في هذا الجو، حتى أدركتُ أنها أنتِ، آشريا أرمستون، الفتاة التي لا يمكن التنبؤ بها..»
حديثه الهادئ إخترق الجو المحرج الذي حام حولنا وبدده، حينها فرقتُ ثغري ببعض الدهشة وإرتفع كلا حاجباي دون أن أعي، وعبارة واحدة رنت داخلي:
إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني، إنه يعرفني..
بعد هنيهنة أطبقتُ شفتاي وسمحتُ لنفسي بأن أزفر الهواء الذي ظل حبيسا لرئتاي، إدريان، الفتى الذي يمكن لأي فتاة بأن تصبح معجبة به، الشاب الذي لم أره يوما يختلط بالكثير من الأصدقاء مثلي، كان يعرف إسمي، ويراني فتاة لا يمكن التنبؤ بها..
«كيف تعرف إسمي؟»
أمال رأسه ببراءة، ولم يجب لفترة، حتى ظننتُ أنه قررت تجاهل سؤالي وتخطيه كأنه لم يُطرح، لكنه نبس بنفس النبرة المستقرة بعدما إنحنى لمستواي رفقة مظلته لأخفض رأسي أخيرا له:
«الجميع يعرفك، كل من يدرس بتلك الثانوية.»
طرفتُ بجفناي أتجاهل أن إنحنائه نحوي قد نال إعجابي لأنه ذكرني بإحدى الأفلام التي شاهدتها رفقة سينيثيا، ووضحتُ:
«هذا ما يحدث للمرء حين يصبح صديقا للجميع.»
إتسعت إبتسامته، وإستقام في وقفته دون أن تفارق عيناه الخضراء عيناي، وشعرتُ بالدغدغة لأنني أتحدث معه، متناسية أن هناك مشكلة حلّت علي بسبب كيراس.
«أريد أن أسألك عن سبب بكائك، لكن أخشى أن لا يعجبك السؤال.»
زفرتُ نفسا خافتا بينما أعيد خصلات شعري التي إبتلت مسبقا خلف أذني، ثم خفضتُ رأسي، أرتب الحديث داخل عقلي وأستحضر هيئة كيراس التي تركتها خلفي، كان خائفا وكأنه جاهد كثيرا ليخفي ما فعل، وأنا لا أريد أن أبوح بسره لأي أحد.
«مع الأسف لن أستطيع أن أقدم أية إجابة..»
«آشريا!»
إندق عنقي نحو أدريان بعينين متسعتين، وفورا إلتفتّ للخلف حيث كان كيراس في نهاية الطريق، يتشدق أنفاسه بعدما ركض مسافة ليست بالقصيرة.
عاد للركض ليقطع هذه المسافة التي تبقت بيننا وحين وقف بجانبي إنخفض يستند على ركبتيه بينما يتمتم:
«يا إلهي آشريا لقد قلقتُ عليكِ»
سقطت ملامحي وعاد الغضب يتصاعد داخلي، حتى شعرتُ بالحرارة تلطخ وجنتاي، ودون أن أنبس بأي حرف إبتعدت عن أدريان وبدأتُ بالمشي متجهة للمنزل، في كل مرة أنوي فيها معاتبته يتواجد أحد في الجوار، وهذا يجعل غضبي يتضخم أكثر فحسب، لكن في الآن ذاته لا أشعر برغبة في الحديث معه في هذه اللحظة، لأنني قد أنفجر عليه وأسمعه كلاما لن يرغب بسماعه.
«آشريا أرجوك توقفي..»
رغم نبرة الرجاء في صوته لكنني لم أهتم له، بل إستمررت بالتقدم، حتى إستمعتُ لصوت خطواته القريبة مني، وقبل أن ينبس أردفتُ بنبرة فاترة:
«لا تحاول التحدث حتى.»
☃❆
الحاضر:
30/09/2022
الخامسة عصرا
كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة.
«هل أنتِ متأكدة من أن مدير الثانوية يعرف خالك؟ بل وتوعد بقتله؟ لم يقم ذلك الرجل بإيذائك صحيح؟؟» زفرتُ بحنق وأنا مرغمة على تحمل أسئلة أمي وقلقها المعتاد وعوضا عن إجابتها راقبتُ إنعكاسي على المرآة أستدير بشكل جانبي ليتسنى لي رؤية الكتابة على قميصي البرتقالي
«آشريا أتسمعينني؟» نظرتُ للهاتف على المنضدة قبل أن أجيب بنبرة معتدلة «أجل أمي أفعل»
أعدتُ بصري لملامحي الباهتة، هذا اللون لا يناسبني، يظهرني كجثة ميتة، أحسستُ بالضيق لأنني فكرتُ مليا ليلة البارحة في ما أرتديه ولم أجد سوى هذا الخيار أمامي، لكنه غير متاح، وأنا لم أحضر معي ثيابا كافية حتى!
سمعتُ بعض الضوضاء الصادرة من الجهة الأخرى، ليتضح لاحقا أنه أخي الأهوج يحاول إخافة أمي، وكالعادة أمي تجفل بسببه رغم أنها كانت تدري بدخوله للمنزل، هاهي ذي تصفعُ مؤخرة رأسه وتنهره على أفعاله الطفولية التي قد تتسبب في قتلها يوما، مشهد إعتيادي للغاية، ماهو غير إعتيادي، هو عدم وجودي حتى أحضر لأمي فردة حذائها وأتذمر معها على تصرفات إبنها العاصي.
إبتسمتُ بخفة على تلك الأجواء.
يبدو أنني أشتاق لهم بالفعل لكنني لن أعترف، لستُ مستعدة للعودة والمواجهة.
«آه! أخاكِ هذا يغضبني، ليتكِ هنا وتضربينه مكاني، قد يتأدب على يدك.» قلبتُ عيناي بسخرية وأجبتها «ليس وكأنكِ لن تدافعي عنه لو فعلت، إنه إبنك المدلل في النهاية» وصلتني ضحكاتُ أمي الشقية، هي حتى لا تنكر أنها تفعل.
«إذا سأغلق الآن لدي بعض الأمور التي سأقوم بها» أردفتُ وأنا ألتقطُ هاتفي من على المنضدة «وما هـ ..» قبل أن تنهي حديثها كنتُ قد قطعتُ الإتصال بالفعل، أنا إبنة سيئة حقا.
عدتُ للنظر لإنعكاسي على المرآة الطويلة ومظهري لم يكن يرضيني، في النهاية، المشكل ليس في القميص البرتقالي، بل فيّ أنا!
أغلقتُ عيناي بنفاذ صبر أفتحُ خزانة ملابسي، وتظهر لي كنزة بنية اللون، ربما ستكون مناسبا؟
واو.
إستدرتُ بضعة مرات، مناسب للغاية مع سروال الجينز الأسود.
مظهري الحالي قد أسقط في قلبي بعض السعادة، حسنا لم يكن المشكل بي، إنما بالقميص، سأحرص على شراء ألوان هادئة كهذه في المرات القادمة.
خرجتُ من أفكاري على صوتِ إشعار الهاتف، لأحمله سريعا من فوق سريري، كانت صورة قد أرسلتها أمي. صورة؟
فتحتُ الرسالة ليتضح أنها ورقة بيضاء اللون، وشعار أعلاها، قمتُ بتكبير الصورة حتى أقرأ فحواها، ولم أحتج وقتا طويلا لأعلم أنها ورقة من البنك.
المرسل : ارسينيو آرمستون.
المرسل إليه : آشريا آرمستون.
المبلغ المحول : 2500 دولار كندي.
لا يعقل! هذا نصف المبلغ الذي يتقاضاه والدي كل شهر! وقد أرسله لي هكذا فقط، ببساطة!
« لقد أرسله لكِ والدكِ قبل قليل، وأخبرني أن أبعث لكِ الرمز حتى تستطيعي أخذه من البنك، لا تصرفي أموالكِ بدون تدبير، خططي للمصروفات الأساسية قبل الثانوية، وإجتهدي»
والدي؟ أرسل لي هذا؟ أحسستُ بقلبي يطفو في بحر من السعادة لمجرد هذه الرسالة البسيطة، ولا أستطيع تحديد السبب الذي جعل من عيناي تُغشى بطبقة كثيفة من الدموع، هل من سعادتي بالمال، أم لأن المرسل والدي؟
بدأت يداي تدون رسالة نصية لأمي وبالكاد تظهر لي لوحة المفاتيح «لكن هذا المال كثير!» لا يمكن أن يقسم المال بيني وبينه بهذه الطريقة، هو يصرف على عائلة كاملة، بينما أنا سأحتاجه فقط لنفسي، لو أرسل لي فقط 1000 دولار كندي كان سيكون أفضل.
أرتعشت يدي وأنا أقرأ الرسالة التي بعثتها والدتي عدة مرات «والدك يقول أن أهمية هذا المال ليست بمثل أهميتك، وهو يبلغكِ سلامه» أهذا حلم؟ لو كان كذلك فأنا لا أريد الإستيقاظ منه، ولو كان واقعا فأنا لا أريد أن أنام البتة.
إنخفض الهاتف إلى جانبي وجلستُ ببطء فوق السرير، حتى هذه الغرفة الواسعة لا تستطيع إتساع مشاعري الحالية.
إنه يهتم بي، يفكر بكوني بعيدة عن المنزل وأحتاج مصروفا، يتذكر أن لديه إبنة تحتاج رعاية.. أبي لا يكرهني! على هذه الفكرة بالذات إرتعش طرف شفتي السفلية وحاولتُ عدم البكاء، لذا سريعا دخلتُ للحمام أغسل وجهي بشكل مستعجل أحاول تمالك نفسي، ومشاعري التي فاضت دون مجهود.
كم هو لطيف شعور أن تكون محبوبا، شعور أن تدرك بأن من ظننته يكرهك هو بالفعل يحبك، شعور أن تنتمي لعائلة.
جففتُ وجهي ويداي، ثم طالعتُ إنعكاسي على المرآة، على الرغم من أنني لا أضع أي مساحيق تجميل، لكنني أبدو جيدة، أظنه تأثير السعادة وهذا رائع حقا.
غادرتُ الحمام متجهة نحو السرير حيث ألقيتُ هاتفي رفقة حقيبة يدي الجلدية، وفتحتُها لغاية تفقدها، كانت تحتوي على بعض المال بالفعل والذي سيكون كافيا لأخذ سيارة أجرى في حال إبتعدتُ كثيرا عن المنزل ولم أتذكر طريق العودة، ببساطة كنتُ أرغب بالتجول في الأرجاء ومعرفة كيف يبدو القاطنين.
لا أدري من أين أتت هذه الفكرة الغبية حقا.
حرصتُ على إطفاء جميع الأضواء، وإغلاق كل مسارات الغاز في المطبخ، حتى لا أجد المكان محترقا عند العودة، ثم غادرتُ بعزيمة وإرادة، رغم أنني لا أدري أي طريق علي أن أسلك.
أخذتُ ثانيتين للوقوف ومراقبة الحي الهادئ كالعادة، ثم إستنشقتُ بعض الهواء المنعش، كانت المدينة مختلفة بشكل كلي من ناحية الطقس عن مدينة إدمنتون، في مثل هذه الوقت من السنة كان من المعتاد أن تثلج مبكرا، لكن هنا، لا زال الخريف مكتسح الساحة.
بدأت أقدامي بالمشي دون إهتمام بالمسارات، وكل ما فعلته هو مراقبة الطرق، الشوارع، الأشجار المزروعة على كلا الجانبين، والمارة، كان الشارع المجاور للحي مزدحما ويعج بالمحلات، هذه مخبزة وهناك بائع حلويات في الطرف، أستطيع لمح متجر كتب في نهاية الطريق وقد مررتُ مسبقا بصيدلية، كان شارعا يلبي كل ما يحتاجه المرء.
وهذا شيئ جيد في الواقع.
توقفتُ فجأة عند باب متجر للأزهار وفكرت، لم يسبق لأحد أن أهداني باقة ورد في عيد الحب، ولا حتى في عيد مولدي، كنتُ أرى والدي يبتاع الزهور لوالدتي في كل فرصة مما جعلني أتمنى أن أحظى بحبيب يهديني الورود حتى يحتفل بأي مناسبة ولو كانت بسيطة، كأن يهديني الورود في أول يوم تثلج، أو فقط لأن مزاجه جيد، أو لأن والدته قد خبزت كعكته المفضلة.
كنت أريد شخصا يمجدني لهذه الدرجة، أن يراني مصدر السعادة بالنسبة له، وأن يعاملني كما تُعامل الأميرات والنساء النبيلات، لكن كل ما حضيتُ به هو علاقة مستنزفة بالكاد تخطيتها.
جفلتُ فجأة حينما إنفتح باب المتجر، مما تسبب في إصدار نغمة الجرس المعلق، ونظرتُ للمرأة الشقراء التي طالعتني بدورها بتعجب قبل أن تبتسم لي بإشراق، يا إلهي! كيف يمكن للنساء أن يبدون بهذا الجمال؟ وجدتُ نفسي أبادلها إبتسامة متعرجة خجولة، لأن مجرد نظرها نحوي يجعلني أشعر بكم كوني محظوظة!
أحسد هؤلاء الفتيات اللواتي يظهرن بهذا الجمال دون أي مجهود..
«مرحبا عزيزتي، لما تقفين عندك؟ هناك زهور أفضل في الداخل.»
كانت نبرتها مرحبة بصدق، وأظنها فقط تنشر تلك الطاقة التي تجعل أي أحد آخر ينوي شراء الزهور حتى لو لم يرغب بذلك، لأنني فجأة فكرت بشراء الورود لنفسي حتى أحتفل بكوني سعيدة اليوم، لا حاجة لحبيب أو زوج ليفعل هذا الشيئ لي.
أخذتُ خطوة مترددة ناحية باب المحل وأمسكتُ حزام حقيبتي بإحكام دون أن أدرك، للمرة الأولى أشعر بالخجل دون سبب وهذا لا يمكن تفسيره حقا.
طالعتني الفتاة التي تبدو أكبر مني بسنوات بإبتسامة لطيفة أخرى، قبل أن تفسح لي المجال لدخول المتجر، ويا إلهي للمرة الثانية! هل أنا داخل أحلامي أم يتهيئ لي؟ حتى أحلامي لا تحتوي مشاهد رائعة بهذه الدقة.
توقفتُ عن تأمل المكان بأعيني البراقة التي تكاد تسقط من محجريهما ونظرتُ للشاب الذي يقف خلف درج المحاسبة، ويا إلهي للمرة الثالثة، رأيتُ شابا أجمل من أدريان وآرسين وهذا شيئ لم يسبق لي التفكير به.
أنا حقا أصبحتُ عالقة وسط أحلامي، يستحيل للحياة أن تحتوي أشخاصا بمثل هذا الجمال!
طرفتُ بأهدابي عدة مرات حين إبتسم نحوي بلباقة، وأظنه مالك المتجر ربما، أو ربما لا. توقفتُ عن النظر نحوه وكأنني سأكله حين وقفت المرأة اللطيفة أمامي، ونبستْ بنبرة مبتهجة لم يسبق أن وجهها أحد نحوي عدا سينيثيا:
«أنا زارينا.»
خفضتُ رأسي ناحية يدها الممتدة ولم أماطل كثيرا لأنني سارعتُ بتطويق كفها بيدي اليمنى أبادلها التحية سريعا وأجيبها:
«أنا آشريا، وأريد أن أشيد بأن هذا المتجر رائع حقا.»
لو لم أعترف بهذا لأنبتُ نفسي طويلا على ذلك، ببساطة لا يمكن لأحد أن يتجاهل كل هذا الجمال المحيط بالمحل ويتجاوزه.
«يسعدني قولكِ لهذا حقا، إذا عزيزتي، ما الزهور التي تريدين شرائها؟»
نظرتُ للمكان حولي بتفكير، لم أكن أملك زهورا مفضلة، ولم يسبق لي أن تخيلتُ باقة أحلامي، لكنني مدركة أشد الإدراك أن الزهور هي نباتات تستحق كل الحب والعناية ورغم أنني لم أكن أنوي شراء الزهور في بداية اليوم لكنني الآن أريد فعلها حقا.
«لا أعلم حقا، أتستطيعين مساعدتي في الإختيار؟»
«بكل تأكيد سيكون من دواعي سروري أن أساعدك، تعالي معي»
إحتضنت مرفقي فجأة وأخذتني لزاوية المتجر تريني أكثر أزهارها مبيعا، ثم أرتني الزهور التي ترى أنها تشبهني، وبعد ذلك الورود التي تفضلها هي، والتي يفضلها خطيبها أيضا، أجل إتضح أن الشاب الجميل خلف درج المحاسبة هو خطيبها في الواقع، وأرى أن كلاهما محظوظان ببعضهما.
توقفت أمام درج آخر تريني زهور الأوركيد، ثم زهور الياسمين، وبعدها زهور الزنبق، وفي الختام أرتني التوليب، لكنني لم أقدر على الإختيار، كانت كلها رائعة ولا أستطيع أخذ صنفا واحد فقط!
«هنا أكياس البذور للزراعة، تستطيعين الإعتناء بنبتتكِ الخاصة لو أردتِ ومشاهدتها تنمو بدل أن تذبل.»
مررتُ بصري حول الأكياس البلاستيكية بحجم كف اليد، كانت عليها صور أزهار، وبعضها عليها صور خضروات وحتى فواكه، وهذا جعلني أسحب كيسا يبدو وكأنه يخص زهرة ما أجهل إسمها قبل أن أشعر بيد زارينا تسحب الكيس من بين يداي وتنبس بنبرة محذرة وكأنها تخاف على الأزهار كأنهم بناتها:
«ستكون فكرة الزراعة سيئة لو لم تمتلكي معرفة مسبقة عن الزرع والنبات وكيفية التعامل معه.»
مططتُ شفتي ببعض الإستياء مستذكرة أنني كسولة للغاية، وقد أنسى سقاية الأزهار، لذا سؤأجل الفكرة لوقت آخر ربما.
«معك حق، إذا أتستطيعين صنع باقة ورد متنوعة من أجلي؟»
«بالطبع أستطيع، أخبريني ما الزهور التي تريدين أن تتوفر عليها الباقة؟»
إبتسمتُ بسعادة بينما أمشي بخطوات سريعة ناحية الرفوف التي تحتوي على الزهور التي أريدها، وقد إخترتُ الكثير من الأصناف بالفعل، حتى بات من الصعب عدّها، لكن هل أنا نادمة على تضييع نقودي من أجل هذا؟ بالطبع أفعل، لكن هل يهم؟ لا، لا يهم البتة، ما يهم الآن هو كيف ستبدو المزهرية الفارغة مليئة بالحياة فوق طاولة المعيشة.
أنا متحمسة لوضع هذه الزهور بالمزهرية!
أخذت زارينا الأزهار التي أردتها ناحية خطيبها والذي قدم لها إبتسامة حنونة وجملة بلغة غريبة، في حين أنها قد إلتفتت نحوي ثم ردت عليه بسعادة ونفس اللغة.
لا أستطيع التحديد إن كانت تلك اللغة إيطالية أم إسبانية، لكن لم يكن من الغريب وجود أشخاص بجنسيات مختلفة في كندا.
«سيقوم ريكاردو بتجهيز باقتك في غضون دقائق.»
إبتسمت نحوي بعد جملتها اللطيفة ثم رأيتُها تتجه ناحية الجدار الزجاجي الوحيد بالمتجر، والذي أتاح لمن بالخارج رؤية الزهور التي بالداخل، كنتُ مستغربة من لصقها لورقة ما، وأدركتُ بعدها أنه إعلان ما لن يراه سوى المارة.
«إنتهيت.»
إلتفتّ ناحية ريكاردو الذي قدم لي باقة الزهور خاصتي، كانت مفعمة بالحياة والألوان، والأشكال الكثيرة للورود أضافت عليها لمسة مدغدغة للقلب، كانت باقة الأحلام التي لم يسبق لي تخيلها يوما!
إستلمتُ الباقة بسعادة وقدمتُ له ثمنها، ثم غادرتُ المتجر وأنا أكيد أطير فرحا، حصلتُ على أول باقة زهور لي في حياتي!
إلتفتّ ناحية زارينا التي وقفت عند عتبة الباب تلوح لي بتوديع وفعلتُ نفس الشيئ بيدي الفارغة، ثم أكملتُ طريقي بعدما قرأتُ فحوى الورقة التي علقتها قبل لحظات.
"المتجر يوفر عملا بدوام جزئي"
عمل بدوام جزئي؟ توقفتُ فورا أمام واجهة المتجر وضيقتُ عيناي ببعض التفكير، قبل أن أهز رأسي أنفض كل الأفكار التي غزت تفكيري فجأة وأكمل طريقي.
أظن أن هذا كافٍ لليوم، رغم أنني لم اتجاوز نصف ساعة بالخارج لكنني متعبة، وربما جائعة، رأيتُ مطعما بالقرب لذا ببساطة سأنفق مالي على وجبة سريعة.
arancia__s