حبر أسود

حبر أسود

22 0

୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧

الماضي:

15/10/2021

الثالثة مساءً.

كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.

إستفقتُ بمزاج جيد اليوم، ليس بسبب الحوار الذي خضته البارحة مع كيراس ونجاحي في إقناعه كي يتوقف عن التدخين، بل بسبب حلم عابر زارني قبل لحظات من إستيقاظي هذا الصباح.

كان حلما غريب، كان يبدو كالنعيم، أو كذكرى من زمن بعيد، فقد رأيتُ أبي في المنام، ليست مرتي الأولى التي يزورني فيها والدي في أحلامي، لكن في كل مرة كنتُ أتمنى لو أبقى عالقة في ذلك الحلم ولا أستيقظ، كان والدي يحبني، ويخبرني أنه سيقبل وجنتاي في كل مرة يدخل فيها للمنزل، وسيعوضني عن كل الأيام التي عاملني فيها بجفاف، شعرتُ أنه واقع، كان حقيقيا لدرجة لا تصور، وخصوصا حينما قبلت خدّ والدي بسعادة بعد حديثه، كنتُ أشعر بملمس عظام جمجمته!

ورَغم إستفاقتي على صوت المنبه لم أنزعج، بل إستقمتُ من مكاني وجسدي يغمره شعور الإرتياح والسكينة، وكأنه كان إستراحة بعد الكثير من المعاناة.

ولا أهتم بحقيقة أنه مجرد أضغاط أحلام، وأن والدي لن يقبل جبيني في الواقع كما حدث حين رأيته وأنا نائمة، لستُ أهتم، سأعتبره واقعا حدث.

«آشريا؟» إهتز بدني حين وردني صوتُ شارلوت فجأة، وإلتفتّ إليها بملامح مليئة بالسؤال، كانت شارلوت الفتاة التي أعلنها المدرب قبل أسبوعين كمدربة فريق الكرة الطائرة، وجعلني أنا ضمن فريقها المكون من خمس لاعبين.

«تبدين شاردة، أستطيع التحدث مع المدرب ليعفيك اليوم لو كنتِ متعبة.»

إبتسمتُ لها بتكلف ونفيتُ ببساطة، ثم عدتُ لتمرير الكرة التي كنتُ أعانقها منذ دقائق نحو ألبير، الشاب الأطول في الفريق، والذي يجيد الكرة الطائرة بشكل مبهر.

كانت اليوم حصة رياضة، وهذه الحصة يمكن لأي كان حضورها ومشاهدة المباريات والتدريبات وقتما شاء، لذا وجود سينيثيا في المدرجات لم يكن غريبا البتة، وعلى الرغم من إخباري لها أن بإمكانها الذهاب لمنزلها وأنها ليست ملزمة بالبقاء لساعتين في الملعب ومشاهدتني إلا أنها أجابت: «أحب رؤيتكِ تمارسين الشيء الوحيد الذي يملؤكِ شغفا وطاقة.»

وأجل، كانت سينيثيا حاضرة في كل مبارة أسبوعية وسط مقاعد الجماهير التي تكون فارغة.

كان التدريب يستمر في العادة لساعة بعد دوام يوم الإثنين مرة في الأسبوع، لكن مؤخرا بات التدريب يمتد لساعتين كل يومين في الأسبوع، لأن فريقنا مُقبل على مبارة مهمة في نهاية شهر دجنبر، ونحن لسنا بالمستوى المثالي في نظر المدرب–– الذي يجلس في الزاوية ويدردش في هاتفه دون إهتمام.

زفرتُ نفسا أنظر تجاه سينيثيا التي ظلت تلوح لي تارة وترسل قبلاتها لي في الهواء تارة أخرى، وإضطررتُ للتوقف عن الضحك معها حين رأيتُ الكرة قادمة بإتجاهي، ثم إستعددتُ لصدها، خطوة، وخطوتين، وضربة قصيرة المدى، كانت كافية لأجعل الكرة تدور في الهواء ثم تذهب للنصف الثاني من الملعب، وحين ظننتُ أن الكرة ستلمس الأرض وأسجل هدفا، كان سام قد ألقاها بسرعة.

راقبني بإبتسامة هوجاء، لكنني أشدتُ بروعة تصديه في مخيلتي دون أن أعترف حقا.

إستمر الباقيين باللعب، مرة أمرر الكرة ومرة أصدّها، حتى سمعتُ باب الملعب يفتح ويُغلق في الآن ذاته، لذا وبفضول لم أستطع إبتلاعه إلتفتّ للخلف حتى أعرف الشخص الجديد الذي ينوي مشاهدة التدريبات..

ولم يكُن شخصا واحدا..

بل شخصين..

ظننتُ في البداية أنني أهلوس أو أخوض أحلام اليقظة، حتى لمحتُ سينيثيا في الطرف تعتدل في جلستها وترتب خصلات شعرها المنسدلة، لأدرك أن آرسين وإدريان معا في الملعب، ولمّا رأيتُ هذا الأخير يبحث بعينيه في الإرجاء تسللتْ يدي لتعديل غُرتي الجانبية ثم شعري الذي كان على هيأة كعكة شعر مبعثرة.

يا إلهي! إن إدريان ينظر لي الآن، يبتسم، ويلوح بيده نحوي!

بينما أنا متصنمة في مكاني، وأشعر بقطرات العرق تزحف فوق ظهري وترسل إلي قشعريرة باردة، لكنني مع ذلك إبتسمتُ إليه حين جلس بجانب آرسين.

وجهتُ بصري لآرسين الذي بدا.. وللمرة الأولى، متوترا، والأحمر يغزو وجهه بأكمله، أهو خجول؟ فقط لأن سينيثيا تجلس في الطرف الآخر من المدرجات؟

حين نظر لي رمقتُه بنظرة ذات معنى: أنا أعلم سبب وجودك هنا.

لكن ما لا أعلمه حقا هو: لما أدريان هنا؟

لربما لأنه صديق آرسين؟ وقد أراد هذا الأخير شخصا يسانده حتى لا يفقد وعيه من الحب؟ لكن آرسين يملك الكثير من الأصدقاء بالفعل، فلِما وقع إختياره على إدريان بالذات؟

عُدتُ للعب، رغم أنني ظللتُ شبه شاردة طوال الوقت، أراقب إدريان مرة، وسينيثيا مرتين، التي كانت بدورها مرتبكة من وجود آرسين في المكان.

إنتهت المباراة بخسارة فريق شارلوت _فريقنا_ بفارق بسيط في النقاط، وحتى مع الخسارة البائسة كانت سينيثيا تقف بالفعل أمامي بإبتسامة مشجعة وجملتها الإعتيادية:

«كنتِ رائعة هناك!»

لكنها هذه المرة قد أضافت بهمس:

«أظن أننا بحاجة للهرب سريعا لأن أولائك ا..»

لم أسمح لها أن تتمم كلماتها حين همستُ أنا أيضا بشكل جعل من توترها يزداد:

«لا أظن أن الهرب فكرة صالحة بعد الآن، لأنهما قادمان نحونا! هما يتجهان إلينا، أنا وأنتِ.. يا للهول عدلي هندامك فورا، ياقة القميص.. أجل أجل.»

كانت يدُ سينيثيا المرتعشة تُمرر فوق قميصي الرياضي تارة وتنورتها تارة أخرى، حتى تجعل مظهر كلتانا يبدو لطيفا ومناسبا، رغم أنني لم اكن واثقة من مظهري بالشكل الكافي..

سينيثيا كانت مشعة ولا تحتاج للتعديل، أجزم أنها ستبدو رائعة حتى وإن إرتدت أسوء ما أصدرته شانيل في سنتها الأخيرة.

لكن أنا؟ كنتُ أشعر أنني غير كافية لأحظى بلقاء مع إدريان الآن بالذات.. كنتُ بحاجة لأستحم لأن خصلات شعري تلتصق بجبيني وتشعرني بلزوجة غير محببة، وملابسي الرياضية؟ ليست افضل ثيابي على الإطلاق!

إلا أنني إبتلعتُ التذمرات، وأجهزة الإنذار التي ترن في عقلي بجملة: عليكِ الإختفاء، ليس عليه رؤيتكِ في هذه الحالة. ثم وقفتُ بإستقامة وجذبتُ سينيثيا لتصبح بجانبي ونتقابل نحو الإثنان الذان أصبحا أمامنا بالفعل منذ ثانية.

قدمتُ إبتسامة غبية، وأظن أن سينيثيا تفعل نفس الشيء كذلك، ثم بدأتُ أنا الحوار:

«مرحبا رفاق! لمن اللطيف رؤيتكما في الجوار، لم أكن أعلم أنكما تهتمان بالكرة الطائرة.»

السبب الذي جعلني أستبق للكلام: هو عدم تأكدي من كون أن سينيثيا ستفعل، لطالما كانت هي لا تجيد التحاور إلا حين يبدأ الطرف الآخر، وأتوقع أن هذا عائد لكون الجميع يتنافسون على من سيتحدث معها أولا، لذا فقد أصبحت هي من تجيب وليست من تطرح السؤال.

ولأنني أنا، جيدة للغاية في بدء محادثة كيفما كان نوعها، كنتُ بارعة في هذا، لأنني أملك عددا وفيرا من الأصدقاء، وأصبحتُ ماهرة.

أجاب آرسين وهو يحك مؤخرة عنقه ببعض التوتر الذي يدل على كون ما سيقوله الآن لمحض كذب وإختراع:

«في الواقع، لقد كنا أنا وإدريان في طريقنا للمغادرة من الثانوية، وحين مررنا بمدخل الملعب سمعنا صوت الكرة التي تصطدم بالأرضية، وأردنا إلقاء نظرة.»

قصة طويلة وتفاصيل كثيرة متقنة: كذب كذب كذب.

وما جعلني متيقنة أكثر هو القرصة غير المؤلمة التي قدمتها سينيثيا لذراعي دون ان ينتبه كلا الشابين، كانت تلك الحركة الخاصة بنا والتي نقوم بها كي نظهر لبعضنا ان شيئا غريبا يحدث.

أي أنها لاحظت كون إجابته المنطقية ليست منطقية البتة، ومع ذلك أجبتُ وكأنني إقتنعتُ بما قاله:

«أوه هذا مدهش.»

إبتسم آرسين، إبتسامة توحي بكونه ممتن لأننا لم ندقق كثيرا في ما إختلقه، إلا أنني لاحظتُ إدريان، الذي إرتسمت على وجهه ملامح بلهاء، وكأن ما سمعه للتو قد سمعه لأول مرة، ثم نطق فجأة مستغربا:

«ليس هذا ما حدث..»

حاولتُ قمع ضحكتي، لأنني أكاد أوقن أن الكلمات التالية التي سيلقيها إدريان هي فضح لآرسين، وهذا الأخير قد نظر لصديقه بعينين متسعتين مليئتين بالتحذير، لكن إدريان إستمر بالحديث:

«عندما سألتك عن آشريا أخبرتني أنه لا بد من كونها تلعب الكرة الطائرة الآن، وأردتُ منك المجيئ معي حتى نقابلها، ولم تقتنع أنت بالفكرة إلا عندما أخبرتك بإحتمالية وجود..»

قبل أن يكمل جملته، أو ينطق إسم سينيثيا (ربما)،كان أرسين قد أغلق فم إدريان وكممه بكلتا يداه، وإثر ذلك، تذكرتُ حديثنا الأخير قبل يومين بحصة الرياضيات، حينما أوصاني آرسين بألا أخبر سينيثيا البتة حول ما قاله لي عنها وعن كونه يحبها في أول مرة.

وبالطبع، أخبرتُ سينيثيا بذلك أيضا، وبقينا نضحك لربع ساعة بهذا الشأن، لأن آرسين قد غفل عن شيء:

أنا وسينيثيا لا نخفي الأسرار عن بعضنا البتة، ولو يدري فقط أنها تشاورني كل ليلة قبل أن نخلد للنوم حول ما سترتديه في اليوم التالي لما أعلمني أبدا عن مشاعره تجاه سينيثيا.

والآن، آرسين يحاول حماية سره كي لا يفشيه إدريان، غير عالم أن سره قد تم إفشاءه منذ أسبوع..

راقبتُ آرسين الذي كان يقدم لنا إبتسامة معتذرة عما بدر من إدريان.

والآن.. إرتجف قلبي حين تكرر ما قاله على مسامعي.

هو سأل آرسين عني، وأراد المجيئ لمقابلتي.

سأل.. عني.. وأراد مقابلتي!!!

أظنني على وشكِ فقدان الوعي، لكنني تماسكتُ وتجاهلتُ الإعتصار الذي يحدث بمعدتي حاليا، ثم راقبتُ إدريان دون أن تفارقه عيناي، وفي اللحظة التي نظر إلي بها أشحتُ ببصري.

«المهم.. كنا أنا وآرسين، نريد، ربما، إذا وافقتُما طبعا..»

رفعتُ رأسي ناحيته، وتساءلتُ عن الموضوع الذي ينوي فتحه وشعر بالخجل حتى يماطل لطرحه.

«أن نوصلكما للمنزل، أعني نرافقكما، إن لم يكن في ذلك إزعاج لكما بالتأكيد.»

ومن ملامح آرسين، ادركتُ أن هذه الفكرة لم يتحدثا عنها مطلقا من الأساس، بل أتت بشكل إرتجالي من إدريان، ربما.

أو ربما خطط لها مسبقا ولم يخبر آرسين.

لكن، وقبل أن أجيب، سبقتني سينيثيا حين قالت:

«ليس في ذلك أي إزعاج، كما أنه سيكون من الآمن لي ولسينيثيا أن ترافقانا أنتما الإثنان، لأن الطريق تكون خالية دوما في هذا الوقت.»

لم أستطع أن أضيف أي كلمة، لأن وجه إدريان ظهرت عليه الراحة، وكأنه خاف من الرفض لأيام، ثم آرسين كذلك، كان كمن يحصل على جائزة لم يحلم بها يوما.

أما أنا؟ فكرة أن أقضي فترة ربع ساعة التي أمضيها أنا وسينيثيا في الطريق، مع إدريان، كانت كافية لتجعلني أنبس بحماسة:

«حسنا، إنتظراني كي أرتدي معطفي، ثم نذهب.»

لم أكن أظن أنني على مقدرة لتغيير ثيابي، لأن ذلك سيستغرق وقتا.

إندفعتُ مهرولة نحو غرفة التبديل، التي كانت على الطرف في الملعب، وبخطوات متوترة إتجهتُ نحو خزانتي وفتحتها بالرمز السري، أخرجتُ حقيبة ظهري البنية ثم زيي المدرسي الذي قد وضعتُه هنا حين غيرتُ ملابسي قبل ساعتين، ثم أخرجتُ معطفي الكشميري بلون أوراق الخريف، وأشكر والدتي لأنها أجبرتني على أخذ أكثر معطف دافئ أمتلكه، لأن فكرة الخروج بملابس الرياضة المتكونة من شورت قصير وقميص دون أكمام بدت إنتحارية للغاية في هذا الجو البارد.

حين خرجتُ، وجدتُ سينيثيا تنتظرني، وقد قالت بهمس:

«أجبرتهما على إنتظارنا في الخارج.»

ثم إحتضنت كفي بكفها الدافئ، وهرولت بي، ونبست بنبرة ظهرت عليها السعادة:

«أظن أنني في حلم ما، لا يمكن أن ماحدث قد حدث! بدا الأمر خياليا جدا!!»

قهقهتُ وأنا أحاول موازاة خطواتها، وحالما خرجنا من الملعب الذي كان تحت نظام التدفئة شعرتُ بصعقات البرد تلطم جسدي بإكمله، إلا أنني لم أتذمر، فحرارة جسدي من المشاعر كانت كافية لجعلي دافئة.

«أتعلمين؟ آخر ما قد أتخيله هو مرافقة آرسين وإدريان لنا كي يوصلانا للمنزل، هذه الحقيقة بالذات لا أستطيع تصديقها.»

حينها فقط كنا قد توقفنا عن الركض لأننا إقتربنا من باب الخروج.

«كيف أبدو؟»

إستوقفتني سينيثيا بسؤالها حين لم تتقدم أي خطوة مجددا، ومررتُ بصري عليها، والإجابة كالعادة: أجمل فتاة في العالم.

«رائعة! وأنا؟»

حين فعلت ذات الشيء ومررت بصرها علي، قد إرتسمت على شفتيها إبتسامة ثم إحتضنت ذراعي وسارت بي للخارج مجيبة:

«لطيفة للغاية!»

ولربما كانت كلمة 'لطيفة' كافية لي، لأن صدري تشعب بالثقة على حين غرة.

حالما خرجنا وإستقبلنا ضوء الشمس خارجا، بدأتُ أرتجف بردا، أجل، حتى بالمعطف الطويل الذي يعانق جسدي وينتهي عند ركبتي، كنتُ أشعر بالبرد كلما تقدمت، وسينيثيا قد لاحظت هذا، إذ نبست بعدم رضى:

«أنتِ مجنونة آشريا، كيف تخرجين بهذه الثياب؟»

«الفترة التي قضيتها في الملعب أنستني أن العالم باردا، نظام التدفئة هناك جيد للغاية.» كذبت، بكل تأكيد لن أخبرها أنني من الحماس لم أرغب بتضييع الوقت في تغيير ثيابي.

أبعدت سينيثيا يدها التي تعانق مرفقي ثم إنتزعت وشاحها ولفته حولي متحججة بأن هذا سيضاعف حرارتي على الأقل، ثم إستمررنا بالمشي، محاوِلة قدر الإمكان إخفاء إبتسامتي الدافئة لأنني تأثرتُ بكون سينيثيا مهتمة.

هي دوما مهتمة.

وقفنا للحظة أمام آرسين وإدريان الذان توقفا عن الحديث، ثم باشرنا المشي، كان الطريق هادئا، يخلو من الناس، ولم يجرأ أي أحد فينا على إفساد الصمت المتغلغل بيننا.

ظلت سينيثيا تضغط على ذراعي أحيانا، وحين أرمقها بطرف بنيتاي أجدها تحاول جاهدة قمع إبتسامتها، فأدرك أنها غارقة في السعادة مثلي.

يعني، لن نحظى دوما بفرصة العودة للمزل رفقة الفتيان الذان أُعجِبنا بهما.. صحيح؟ لذا بالتأكيد كنا سعيدتان للغاية.

بدا الطريق الممتد، ولأول مرة، قصيرا للغاية، وقد وصلنا لمنزل سينيثيا سريعا، حينها عانقتها قبل أن تودعنا بتلويحها لنا، وأجبرتها على أخذ وشاحها كذلك، ثم غادرتُ رفقة آرسين وإدريان حين دخلت منزلها.

كان منزلي يبعد عن سينيثيا بدقائق معدودة فقط، لكن مع ذلك، شعرتُ بأنه أصبح بعيدا فجأة، لأنني كنتُ خجولة للغاية بسبب فكرة البقاء وحيدة معهما، وحاولتُ تجنب التفكير في ذلك والتركيز على خطواتي فوق أوراق الشجر المتناثرة على الطريق، حتى توقف آرسين عن المشي للحظة مما جعلني أتوقف كذلك.

حين نظرتُ له كان يبتسم، إبتسامة مليئة بالسعادة، وإتسعت عيناي بخفة حين جلس القرفصاء وإحتضن رأسه بين ذراعيه، ولربما لستُ الوحيدة التي إستغربت ما يفعله، لأن إدريان قد إقترب منه وعلى وجهه تعبير قلق، وسأله بتعجب:

«هاي؟ مابك؟!»

رفع آرسين رأسه، ونهض، ثم عانق إدريان بإندفاع فاجئ الآخر، وإبتعد عنه ممسكا كتفيه.

«أنت الأروع يا صاح! أتعلم ما يعنيه أن أمشي بجوار سينيثيا لعشر دقائق كاملة؟ لم أكن أحلم بذلك البتة ولا حتى أثناء نومي!»

نظر لي إدريان لبرهة، وكأنه يذكر آرسين أنني موجودة بجانبهم، وأستمع لحديثهما.

«سأجعلكما الشاهدين في يوم زفافي أنا وسينيثيا، بكل تأكيد.»

قهقهتُ بدهشة، كان هذا آخر ما توقعتُ أن ينطق به آرسين الآن، وأنا متحمسة للغاية لأخبر سينيثيا عن ذلك.

"الشاب الذي تحبيه يريد جعلي شاهدة في حفل زفافكما.." ستُصاب بالجنون من فرط السعادة بكل تأكيد.

୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧

الحاضر:

03/10/2022

الثانية والنصف بعد الظهر.

كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة

كنتُ أمشي بسرعة، رفقة بيوني التي بدت هادئة للغاية، على الرغم مما تعرضت له قبل دقائق، وهذا دفعني لأسرع أكثر، ودخلتُ دورة المياه ثم أفسحتُ لها المجال لتدخل من بعدها.

وقفتُ بجانبها أمام المرآة، وبدل أن أنظر لإنعكاسي راقبتُ صورة وجهها، كيف أنها تخفض بصرها، ملامحها الذابلة، وعيناها المحتقنتان بالدموع.

بلعتُ ريقي وفتحتُ صنبور المياه، ودون أن آخذ إذنها باشرتُ بغسل شعرها كي أبعد الأرز عن خصلاتها، وقد أخذ مني الأمر وقتا طويلا، ولحسن الحظ أن المكان كان فارغا، يعزز الهدوء والصمت بيننا.

أغلقتُ الصنبور بعد أن شعرتُ بالإكتفاء، ثم نزعتُ وشاحي الأحمر من حول جيدي وباشرتُ بتجفيف شعرها به، وللآن.. هي لم تنظر لي.

كانت تتفادى رفع وجهها بأي طريقة، وقد لاحظتُ لتوي أنها سمحت لنفسها بالبكاء، لا بد أن ما حدث كان ثقيلا للغاية عليها.

أن تتعرض للتنمر، أمام معظم طلاب الثانوية، من طرف وغد –أكبر منها–، ما سيجعلها مركز الحديث للأسابيع القادمة ربما، كله كثير على فتاة في السادسة عشر فقط من عمرها.

وضعتُ وشاحي جانبا فوق الرخام، ثم جذبتها إلي وأحتضنتُها، أنا سيئة للغاية في المواساة، لكنني أؤمن أن الأحضان كافية لتُظهر للآخر أنني موجودة، وأن له كتفا ليتكئ عليه.

وأظن أن هذا كان نافعا، لأنها أحاطتني بذراعيها وشهقتْ باكية، إهتز كتفاها بشدة وحاربت صوتها حتى لا يخرج، لكنها كانت فكرة سيئة، لأن ما حصل أنها إختنقت في دموعها، ولم يسعني فعل شيئ سوى الطبطبة على ظهرها، أسمح لها بأن تتحرر من حزنها.

مرت فترة، حتى توقفت عن البكاء وإبتعدت عن حُضني، ثم كفكفت دموعها وهمست:

«أيمكننا الذهاب للمنزل؟»

أدركتُ رغبتها في الإنفراد بنفسها، لذا أومأتُ لها موافقة وحملتُ وشاحي أضمه إلي بدل إرتدائه لأنه لم يجف بعد، ثم راقبتها تسبقني بخطوة للخارج.

مشيتُ خلفها في أروقة الثانوية، التي كانت خالية بما أن الجميع بصفه الآن ويدرس حصته بالفعل.

وقبل أن ألتف حول آخر رواق إصطدمتُ بظهر بيوني التي كانت متصنمة مكانها، لذا رفعتُ رأسي، وأول ما رأيته كان هو..

الوغد الأصهب الذي ضايقها قبل نصف ساعة.

تصاعد غضبي لأوجه، وتقدمتُ لأقف بجوار بيوني وأراقبه بحقد، كان يتكئ بكتفه على الخزانات على الجدار، ينظر لنا بإستصغار وكأننا حشرات بطريقه، قبل أن يستقيم متقدما نحونا وقد إستشعرتُ بيوني تتراجع للخلف بغير راحة.

إلا أنني ثبتُّ مكاني، وبادلته نظراته العدائية حتى وقف أمامي بالضبط، لذا رفعتُ حاجبا نحوه، أيريد تهديدي؟

«من اللطيف أنكِ تطمحين لدور المنقذة بشدة.»

حشر يداه بجيوب بنطاله بعد أن همس، ثم إنحنى لمستوى وجهي وبدل بصره بين عيناي، مكملا:

«لذا سأحقق مطلبك وأتخذ دور الشرير.»

ما الهراء؟

رفعتُ طرف شفتي بتقزز، أيحسب أننا نمثل مسرحية غبية؟

إستقام بعد هنيهة، ثم غادر المكان، مخلفا صمتا طويلا، إلى أن أمسكتُ ذِراع بيوني وجررتها خلفي، علينا مغادرة هذه الثانوية سريعا، لأنني ما عدتُ أشعر بالأمان هنا.

.

.

.

.

بيوني قد تغيبت اليوم مجددا، كان علي توقع هذا، لكنني أشعر بالإستياء بسبب عدم وجودها.

لربما ما حصل قبل يومان جعلها ترفض المجيئ خوفا من أن يتكرر الأمر، ولستُ ألومها.

كانت أوريا بجانبي تثرثر كالعادة، حول مواضيع غير مترابطة البتة، لكن بصراحة؟ حديثها المستمر لا يزعجني أبدا.

توقفت كلتانا عن المشي حين لاحظنا التجمع على الخزائن في الزاوية، لم أكن سأهتم بما يفعلونه لو لم تكن خزانتي هناك.

«ما الذي يدفعهم للثرثرة والتجمع في تلك الزاوية؟» سألتني أوريا بتعجب، ورفعتُ كتفاي دليلا على عدم معرفتي.

تمعنتُ النظر فضولا وتقدمتُ ببطء حتى أحصل على رؤية أوضح، وأعرف ما يفعلونه، ومع كل خطوة كان يزداد إستهجاني، كان تركيزهم على خزانتي، يلطخونها بالحبر، وفجأة إنتشرت قهقهات البعض منهم.

«ما الذي تفعلونه؟!» صرختُ بذهول أحاول المرور بينهم بعصبية لمّا حاول أحدهم كسر باب الخزانة، وفورما إنتشر صوتي قد إبتعدوا يفسحون لي الطريق للعبور.

سحقا! ما الهراء الذي يجري هنا!!

وقفتُ بذهول أمام ما إقترفته أيديهم، وتلاحقت أنفاسي وأنا أقرأ الكلمات المكتوبة على باب خزانتي بلون أسود، و

كل جملة كانت كُتبت بخط مختلف:

"يكفي أن ينظر إليك أحد ليكتشف كم أنكِ عطبٌ يمشي على قدمين." 

"لا شيء فيكِ يترك أثرا، سوى الخيبة."

"أتعرفين أكثر ما يثير الشفقة؟ محاولتك المستميتة لتبدين طبيعية."  

"مكانك ليس بيننا، ولن يكون يوماً."

"نراكِ جيدة فقط كموضوع للنكات."

كل جملة كانت كسكين يقطع ما تبقى من كرامتي.

لم يكونوا يكتبون على الخزانة، بل كانوا ينقشون على جلدي،

ويحفرون في ذاكرتي أنني لا أستحق الوجود.

كانت الهمسات على كلا الجانبين، أصواتهم إختلطت علي، يرددون جملا كثيرة تضم إسمي، ويقهقهون في نهاية الحديث.

طرفتُ ببطء أستوعب أيا كان ما يجري، وذهني يقذف الأسئلة لتجعل من رؤيتي مشوشة، ما الأسباب التي تجعل إنسانا يؤذي آخر بشناعة وكأنها هواية؟

إلتفتّ نحو الحشد الذي وقف خلفي، وبين حنجرتي كلمات لم أعرف كيف ألقيها. إرتجفت أصابعي ومررتُ نظراتي بينهم جميعا، أحاول قدر الإمكان أن أجد سببا واحدا يجعلهم يقترفون هذا، لكن لا أجد.

«تعلمون أن هذا طفولي للغاية.» همستُ بنبرة منكسرة، وما تلقيتُه كان نظرات مليئة بالسخرية، ولا أحد منهم يبدو عليه الندم أو الشفقة.

أساسا ماذا فعلتُ لأصبح عُرضة للتنمر؟

في نهاية الحشد كانت تقف أوريا، تحمل ملامحها كل أنواع الصدمة بينما تمرر عيناها على الكلمات المكتوبة.

أريد أن أهرب من هذا المكان فورا..

طرفتُ بأجفاني حتى أطرد المشاعر التي تطفو فوق حدقتاي، قررتُ المغادرة حتى لا يزداد التجمهر، خطوة تليها أخرى، وفي مدخل الرواق رأيتُ شخصا لم أره منذ يومان.

لمحني فورما تجاوزتُ كل أولائك الأشخاص خلفي، وتوقفتْ خطواته المبتهجة، وكم توجستُ حين إنتشرت على شفتيه إبتسامة مختلة، ولمحات من آخر ما فعله ببيوني في الكافيتيريا مرت نصب عيناي.

هذا الأصهب الخسيس، لا أحتمل رؤيته البتة.

غيرتُ مساري حتى لا يتقاطع طريقي معه، إلا أنه قد إقترب مني بخطوات سريعة ووقف أمامي فاردا ذراعيه أمامي كحاجز، هذا ما كان ينقصني! والجميع يشاهد كذلك!

عقدتُ ذراعاي أمامي بدفاع، لستُ مستعدة لكلمات أخرى ستزيد من وطأة المرارة علي.. خفض ذراعيه وحشر كلتا يديه بجيوب بنطاله، وعيناه تفترسانني كأنه يبحث عن شيء ضائع بي، وفجأة سأل، بنبرة تبدو مهتمة:

«إلى أين؟»

«للجحيم.» همست.

أنا متأكدة من أن هذا الرجل مختل، لا يعقل أنه يضحك الآن وكأنه سمع أفضل نكتة في حياته!

تمالك نفسه بعد ثواني، ثم إقترب بشكل مبالغ به لذا تراجعتُ خطوة للخلف، أستشعر نظرات الجميع تحفر على ظهري، كان المكان مكتظا بشكل مرهق، ولا أعلم كم سأستمر بالصمود.

«أخبريني، كيف كانت مفاجأتي؟»

عقدتُ حاجباي بإستغراب حين أشار بعينيه للخزائن بالخلف، ودون أن أفكر كثيرا فهمتُ ما يرمي إليه.

«كنت أنت.. وراء كل ذلك؟!»

إتسعت إبتسامته الشيطانية، ثم أومأ بحماسة، وإنخفض لمستواي نابسا وكأنه سر بيننا:

«أنا من حرضتهم لفعل هذا.»

زفرتُ ضحكة قصيرة بغضب، كان علي توقع هذا.

«لماذا؟»

«لقد أخبرتكِ سابقا، سأكون الشرير في قصتك، وها أنا أنفذ ما قلته.»

ليس ما يثير بي الإنزعاج إجاباته المستفزة، بل نبرته، وكأن كل هذا طبيعي وبديهي ولا يحتاج أي تفكير.

«لمَ أنا؟!» إرتفعت نبرتي قليلا بتهكم، وأجاب فورا كمن كان ينتظر هذا التساؤل طوال الوقت.

«لأنكِ سرقتِ متعتي ذاك اليوم، لم يكن عليكِ مواجهتي في المقصف أمام الجميع وحماية بيوني، إضافة إلى أنني أشعر بالملل، وأنتِ أفضل من سيزيح عني هذا الشعور، تعابيرك الغاضبة لوحدها تجعلني أشعر بالنشوة.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إحتراقُ الفراشة.

المؤلف arancia__s
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة