☃❆
الماضي:
13/10/2021
07:55 صباحا.
كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.
غزت الثلوج الأحياء حتى عمرتها وأحيتها، وتطايرت برفق في السماء إلى أن وصلت لوجهتها فوق الأرض الملساء، غطت الأغصان وأوراق الأشجار، جمّلت أسقف المنازل وأسطح السيارات، وعبثت بخصلات المارة وملابسهم وحيواناتهم الأليفة، أحب شهر تشرين الأول، شهر الثلوج والشتاء البهية، شهر البرد القارص والزمهرير، لأنه يجعل من المدينة تبدو وكأنها بجعة بيضاء صافية الجلد والزغب تطفو فوق نهر جليدي متلألئ أسفل أشعة الشمس المختبئة خلف الغيوم.
أحكمتُ الوثاق على معطفي ووشاحي الذي سرقا حُمرة أوراق القيقب المدفونة أسفل رقائق الثلوج، وغاص حذائي في الطبقات المتراكمة على الأرض مما أعاق مشيي قليلا، لكن من يهتم؟ إنه شهر تشرين الأول!
حشرتُ يداي داخل جيبي وإستمعتُ للثرثرة الخاصة بسينيثيا التي تمشي بجانبي بينما أمرر بصري بين الناس، البنايات، وحتى الأشجار، وأعدتُ إنتباهي لسينيثيا التي شدت على عضدي بينما تتساؤل:
«ما المادة التي ستدرسينها هذا الصباح آشريا؟»
«رياضيات وأنتِ؟»
«كيمياء مع الأسف.»
إبتسمتُ بخفة بسبب الملامح التي تصنعها الآن، وأكملنا خطواتنا ناحية الثانوية التي تظهر من بعيد، رغم أننا في ساعات الصباح الأولى، وبيوم مثلج أيضا، لكن الشوارع مكتظة بالفعل.
«أشعر بالنعاس الشديد، أريد فقط أن يحصل شيئ ما ليوم واحد حتى لا نأتي لهذه المدرسة الكئيبة.»
طبطبتُ على كتفها بمواساة رغم أنني لا أوافقها الرأي، المدرسة هي مكان لا أحب توديعه رغم مقتي الشديد لها، أكره الإمتحانات والمعلمين نعم، لكنني لا أستطيع أن أفارق الأشخاص الذين لا ألتقي بهم سوى هنا.
سينيثيا لم تكن من بين هؤلاء في الواقع، كانت هي أبعد ما يكون عن مجرد زميلة دراسة، لأنها كفرد من العائلة إن صح القول، لذا نستطيع الإلتقاء وقتما نشاء.
دخلنا للثانوية تزامنا مع رنين الجرس وتوادع كلتانا حتى يذهب كل منا في حال سبيله، حسنا أظنني الآن أتفق مع سينيثيا، أريد أن يحدث شيئ يجعلني أتغيب لأنني أكره مادة الرياضيات وجدا.
دخلتُ للقاعة بإبتسامة زائفة للغاية، وجلستُ على مقعدي بالصف الأول، تبادلتُ التحية مع الفتيات اللواتي يجلسن خلفي، ثم أولائك بآخر مقعد، على الرغم من أنني أمتلك صحبة لا يمكن عدها، لكنني كنتُ أجلس معظم الوقت وحدي، لأنني أحب التركيز فيما يقوله المعلم أكثر مما ستقوله الفتاة التي ستجلس بجانبي عن حبيبها الخامس.
توقفت الأحاديث في القاعة حالما دخل الأستاذ وعلى ظهره حقيبة سوداء، كان أصغر معلم بالمدرسة، وقد سمعتُ أن عائلته ثرية مما خول له أن يمتهن التدريس في هذا العمر اليافع، لكنه كان أقسى معلم في الآن ذاته! والأوسم أيضا.
بصفاته هذه يبدو كشخص قد قفز من إحدى الروايات المدرسية لعالمنا، لكنني لم أكن أطيقه كثيرا، كان حرفيا يعاملنا كالعبيد عنده!
توقفتُ عن شتمه في دماغي حينما تفشت رائحة أوراق القيقب بطريقة خانقة في القاعة، تجعل من حواسي تتيقظ، عبق العطر قد غطى على جميع الروائح الرخيصة الأخرى، ولأنها مرتي الأولى في مصادفة عطر إستثنائي كهذا، فلا شك في أن يكون عطرا من ماركة مشهورة وثمن يفوق الأجر الشهري الذي يتقاضاه والدي.
سمعتُ طرقا على الباب، وجميع من بالقاعة إندقت أعناقهم نحو الطارق بالفعل، منهم المعلم ويليام الذي رفع حاجبا ناحية الطالب المتأخر بعشر دقائق على ما يبدو.
«لما تأخرت؟»
واو يا له من سؤال لطيف.
«لم أستيقظ مبكرا سيد ويليام»
أجابه آرسين بتحاذق، ربما كانت جملته مهذبة لكن نبرته كانت مليئة بالإستهزاء، رفع المعلم ويليام أكمام قميصه وباشر بكتابة تاريخ اليوم على السبورة السوداء نابسا:
« إجلس بجانب آشريا وفي نهاية اليوم ستذهب للحجز.»
تأفأف آرسين ببعض الغاضب متوجها نحوي، وحينها إتسعت عيناي ببطء أستوعب ما قاله، لكن لم أكن بتلك الشجاعة التي ستجعلني أعلن إعتراضي، كما أنه آرسين! الفتى الذي أُعجبت به سينيثيا منذ بداية هذه السنة الدراسية!
يا للهول، إما أنها ستقضي علي، أو ستقضي علي.
فورما جلس بجانبي، حرصتُ على ترك مسافة معتبرة بيننا حتى لا يتاح له لمسي، مهما كنتُ شخصا سيئا، لكن يستحيل أن أضع عيني على الشخص الذي تحبه صديقتي المقربة!
«مرحبا.»
همس نحوي بصوت خفيض، ورمقته بطرف عيني قبل أن أرد التحية وأتجاهله كليا بعدها، كان هذا الفتى ساطعا للغاية، ومن بين الطلاب المشهورين بالمدرسة، وأكثرهم شغبا، كانت كل هذه أسبابا تجعل من سينيثيا المعجبة الكبرى له.
«ذكريني ماذا كان إسمك؟»
نبس بصوت يكاد يسمع، وتظاهرتُ بالصمم، لا بد أنه يرغب بصنع صداقة معي وهذا شيئ لن أقبله، لذا لن أجيبه حتى يمل مني ويتوقف عن التكلم معي، لأنني لن أخون صديقتي، أنا وفية للغاية في مثل هذه الأمور.
«ألم تسمعي ما قلته؟»
أمال رأسه قليلا ليتاح له فرصة النظر لي، ما به هذا الإنسان؟ نظرتُ له بإنزعاج قبل أن أخفي وجهي بخصلات شعري من الجانب، وركزتُ بما يقوله المعلم ويليام، أخبرتني سينيثيا ذات مرة أنها لاحظت بأن آرسين إجتماعي للغاية، وأكثر مني حتى، لكنها لم تذكر أنه مزعج! سمعتُه يتأفأف بجانبي قبل أن ينبس بينما يتظاهر بكونه يركز بما يشرحه المعلم:
«حسنا آشريا، أردتُ سؤالك فقط.»
رفعتُ حاجبي الأيمن ولم أمتنع عن إظهار الإستغراب، لو كان يعرف إسمي لما يسأل عنه؟ هذا الأرعن، نظرتُ له بمعنى 'تابع' مما جعله يتمتم:
«أنتِ صديقة سينيثيا، صحيح؟»
لم يبدو كسؤال، بدى الأمر كإفتتاحية لموضوع قادم، مما جعلني أعقد حاجباي أنتظر منه أن ينهي الموضوع سريعا حتى لا يرانا المعلم، لأن أكثر ما يخيفني بعد والدتي هو غضب هذا الرجل.
«أيمكنك تقديم رقمها لي؟»
شهقت بقوة مما جعله يجفل، ووضعتُ كلتا يداي على فمي أخفي بهما صدمتي، كان هذا شيئا غير متوقع، رفعتُ رأسي لأرى المعلم ويليام يحدق بنا بأعين باردة، ثم هددني:
«آشريا، أتريدين تجربة الحجز؟»
نفيتُ برأسي سريعا، وبعد ثوانٍ فقط عاد للشرح، كنتُ للآن لم أستوعب ما قاله آرسين، رقم هاتف سينيثيا؟ يا للهول يا للهول! أظن أنها بدل أن تقضي علي ستقدم لي هدية تليق بمقامي، أتذكر أنني أخبرتها عن رغبتي في تجربة أكل المطعم الذي فتح حديثا، سأجعلها تأخذني لهناك ويكون الطعام على حسابها!
«هل أنت معجب بها؟»
إبتسامة مختلة نُقشت على وجهي، وأظنه متعجب من إنقلابي المفاجئ، قبل قليل فقط كنتُ ممتنعة عن الحديث معه والآن أصبحتُ سعيدة ومتحمسة، لكن من سيلومني؟ هذا أفضل ما سيحصل في العالم، أن يبادلك أحدهم الإعجاب، وأنا أرغب بإسعاد سينيثيا.
«حسنا، في الواقع.. أنا لستُ معجبا بها.»
طرفتُ بأهدابي ببطء وأحسستُ وكأنني سمعتُ صوت تكسر الزجاج، لم يكن الزجاج بل كرامتي في الواقع، سقطت إبتسامتي وتغيرت نظرتي لأخرى متهجمة، ثم عدلتُ من جلستي وعدت لتجاهله، ذلك قبل أن أسمع تتمة حديثه:
«أنا أحبها منذ عشر سنوات، منذ أن كنا صغارا.»
إتسعت عيناي بتفاجئ ورمقته، يحبها؟ عشر سنوات؟ منذ كانوا صغار؟ الجنون بعينه! أظنني أهلوس الآن، لم أكن أعلم ان الإمتناع عن تناول الإفطار له آثار جانبية كهذه.
«كيف ذلك؟ لا أذكر أننا نعرفك حين كنا صغارا كما تدعي.»
كل ما كنتُ واثقة منه، أنني وسينيثيا ملتصقتين ببعض منذ كنا في المهد، كانت أمي صديقة والدتها مما جعلنا نتعرف على بعضنا البعض، ولا أذكر أنني قابلت آرسين بعمر السادسة، أنا متأكدة من هذا.
«أتتذكرين معهد الرقص الذي إنخرطتما فيه؟»
تذكرتُ فورا بعض أحداث الطفولة المنسية، والتي تشاركناها أنا وسينيثيا في هذا المعهد بالخصوص، أومأت إيجابا ونحن نستمر في النظر للمعلم بحذر حتى لا يغضب من تحدثنا أثناء الحصة مجددا.
«لقد كنتُ هناك أيضا، وإلتقينا ثلاثتنا، منذ ذلك الوقت وأنا أكن إعجابا بصديقتك»
«وماذا بعدها»
تمتمتُ أنتظر منه أن يكمل حديثه، شعرتُ أن هذا الموضوع أصبح ممتعا فجأة، وشاعريٌّ أيضا.
«بعدها إختفى كلتاكما من المعهد بعد سنة، لقد كانت خيبة أمل بالنسبة لي، أن شريكة رقصي قد هجرتني.»
إبتسمتُ بحنين للطفولة، كان معهد الرقص ذاك بمثابة معهد السعادة لي ولسينيثيا، أتذكر جيدا أننا كنا نستعد بشكل مبالغ فيه، من أجل شركاء رقصنا، الذكور في المعهد كانوا أطول منا وهذا كان يجعلنا سعيدتين، لأننا كنا نستطيع إرتداء كعبنا دون التفكير في كوننا سنبدو عمالقة.
« لا أتذكر جيدا السبب الذي جعلنا لا نعود للمعهد، لكن أتذكر أن سينيثيا قد أضربت عن الطعام لفترة من الزمن بعد ذلك.»
رأيته يلتفتُ نحوي ويبتسم، ولمعة محبة تغوص في عيناه، يا إلهي، هناك عاشق بجواري، أظنني سأغير فكرة الذهاب للمطعم المجاور، وسنذهب لمتجر فساتين الزفاف، ثم أمر لإختيار فستان يناسبني أنا الأخرى حتى أحضر حفلة زواجهما.
☃❆
الحاضر:
22/9/2022
التاسعة مساء.
كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة.
قطرات قرمزية سالت بغزارة على المغسلة، ورفعتُ رأسي بوهن أراقبُ إنعكاسي على المرآة، هذه الفتاة أمامي يستحيل أن تكون أنا، لما هذا التناقض بيننا؟ وكأنني كيان منفصل عنها، أستغرب كثيرا سبب كرهها لي، أي جرم إرتكبته في حق نفسي لأكرهني؟
طرفتُ بأهدابي أحاول الإنفصال عن الحالة التي إعتنقتي منذ لحظات، وفتحتُ صنبور المياه بتشتت وضياع.
لما أحب تعذيب ذاتي هكذا؟ تكرر السؤال داخلي لمرات وأنا أغسل الجرح الذي خلفتهُ على باطن يدي.
«يا لبشاعتِك آشريا!» رفعتُ رأسي ببطء أحملق في نسختي الغاضبة على سطح المرآة، «تتغذين على جروح الآخرين كل ليلة، وحالما إختفى الجميع من حولك توجهتِ لنفسك، أي روح خبيثة تسكنك؟» تشدقتُ أنفاسي بذعر على كلماتي السامة التي ألقيها علي، أحقا هذا ما أفعله؟ «أجل! هذه حقيقتكِ! فلما تنكرين!» صرخت علي هي في المقابل تجيبني، وهي تثبتُ لي مصداقية قولها بأفعالها الحالية.. لأنها تجرحني بكلماتها كما ذكرت قبل لحظات..
إلتفتّ للخلف سريعا أقبض على أكرة الباب وأفتحه، ليس علي الإختلاء بنفسي لهذا الحد، لأن كل ما أفعله هو إلقاء سمومي علي.
وكأنه لم تكفيني قسوة الأحداث السابقة، لأبدأ بالقسو نحوي أيضا.
حالما أغلقتُ باب المرحاض قابلني الضوء الساطع المخالف للداخل، وتقدمتُ ببطء نحو الخزانة القابعة بجانب السرير، ليت الجرح كان بقلبي وليس يدي، هكذا كنتُ سأهنأ وتصعد روحي للسماء وتبتعد عني، ولن يصلني كلامها المهلك لمسامعي..
فتحتُ أول درج وبدأتُ في البحث عن ضمادات قد تسد جرحي النازف، لكن كل ما وجدته كان بعض الخردة التي يحب خالي الإحتفاض بها، أين سيضع حقيبة أدويته؟
تذكرتُ أنني لمحتُ سابقا حقيبة طوارئ بدرج المطبخ، بالطبع سيحتفظ بها في هذا المكان وهو يقضي جل وقته بالمطبخ.
أخذتني قدماي بإتجاه الباب أفتحه بشرود، يا للبؤس آشريا، أصبحتِ مختلفة كثيرا عن ذي قبل، قبضتُ على أطراف تنورتي أحاول تجفيف يدي من تعرقها وبللتُ شفتاي بخوف يسكنني دون تفسير، إنني قلقة من شيئ قد يحصل ولا أدري ماذا سيكون..
نزلتُ آخر درجة تفصلني عن الطابق الأول وتوجهتُ لباب المطبخ المفتوح، توجهت يدي السليمة تبحث عن زر الإضاءة الذي نسيتُ موقعه، حتى وجدتُه ليضاء المكان بشعاع أبيض يأتي من الثريا الساكنة بالسقف.
فتحتُ أول الأدراج السفلية للمطبخ أمرر بصري على الآنية النائمة بسلام هناك، والتي لم أستعملها البتة منذ وجودي في هذا المنزل، آاه أين كانت تلك الحقيبة! لا أستطيع التذكر وهذا مزعج كالحكة على الظهر.
فتحتُ الدرج الثاني أنبش بين الطناجر، كيف يقوم هذا الخال بوضع شيئ كحقيبة طوارئ في هذا المكان؟ لا أفهمه! لطالما كان مجنونا وليس ماهو بجديد..
أحسستُ بالغضب يرتفع ببطء داخلي، أنا غاضبة لما تؤول له الأمور كل ليلة، منذ إنتقالي ولم أمر بيوم مريح كما رجوت! نظرتُ لجرح يدي العميق لن أستطيع تركه يتعافى بمفرده وهو قد يتعرض للتعفن..
تبدد غضبي فجأة لسعادة تحوم حولي حالما أخرجتُ حقيبة الإسعافات بتفاجئ، وأخيرا قررت الحياة أن تشفق علي وتمددني ببعض السعادة الطفيفة.
توجهتُ بهرولة لغرفة المعيشة وجلستُ على الأريكة أفتح الحقيبة البيضاء بيدي غير الجريحة.
أخرجتُ بعض القطن، معقم، وشاش أبيض بطول ذراع، أظن أن هذا يكفي لعمليّتي الصغيرة، غمرني الحماس في هذه اللحظة، لطالما كنتُ أفرح بمجرد ذكر مهنة الطب، هذه المهنة الشريفة تستحق التبجيل.
لكن هل أريد أن أصبح طبيبة؟ قطعا لا.
لستُ شخصا متحملا يستطيع الصبر عند رؤية الناس تموت أمام عيناه، لذا مهنة الطب لا تلائمني، آمنتُ بهذا منذ أيام الصبا.
لويتُ الشاش الأبيض على يدي بطريقة شاهدتها على الأفلام مع أخي مرارا وتكرارا، ولأُحكِم عليه فوق يدي قمتُ بلفه على معصمي ثم شكلتُ عقدة صغيرة محكمة.
حالما بدأتُ أعيد الأشياء التي إستخدمتها للحقيبة جفلتُ على طرق الباب.. من سيزورني في هذا الوقت من الليل؟
رفعتُ رأسي ناحية الساعة المعلقة، كانت عقاربها تشير للتاسعة والنصف، الوقتُ ليس متأخرا، لكن حقيقة أن يزورني أحد؟ أنا لا أعرف أحدا في هذا الحي، فلا يمكن أن يكون أحد الجيران، ولا يمكن أن يكون حتى زائرا لأن لا أحد يعلم بوجودي بهذا المنزل، الكل يظن أن خالي الوحيد الذي يقطنه.
إستقمتُ عن مكاني آخذ الحقيبة وأضعها فوق درج المطبخ، وتسارعت خطواتي بسبب الطرق للمرة الثانية، من هذا الطارق المتشوق لرؤيتي لهذه الدرجة؟ فتحتُ الباب وإبتسامة زائفة إرتسمت على شفتاي، والدتي ربتني على إكرام الضيف ولو كنتُ لا أحبه.
غير أن الإبتسامة محيتْ لتعلو ملامحي الدهشة، ويدي المضمدة التي كانت تمسك بأكرة الباب إنزلقت ببطء حتى سقطت بجانبي، «وجدتك!» نبسَ بسعادة، ومن صوته المألوف علمت أن هذا ليس حلما سيئا كما ظننت، إنما واقع مرير.
طرقات قلبي تسارعت وأنا أتمعن ملامحه الحقيقية، لا يمكن.. لا يمكن لا يمكن! أنا قد تركت كل شيئ خلفي لما أجده أمامي الآن؟
لم أحس بنفسي وأنا أصفع الباب في وجهه وأغلقته سريعا بالمفتاح حتى لا يستطيع الدخول، لا، هذا غير معقول! ما الذي يفعله هو هنا؟ وكيف عرف أنني في هذه المدينة بالضبط؟ وحتى كيف عرف بموقعي؟
لا لا لا!
لقد هربت، وإبتعدت، فلما يعود كل شيئ إلي في النهاية؟
«أشريا إفتحي الباب ودعينا نتحدث!»
باشر بالطرق بشكل هستيري على الباب وحجبت أذناي بكلتا يداي، الأصوات بدأت تتداخل من حولي وأنا أستحضر حديثنا الأول عند حصة الرياضيات حينما أخبرني عن معرفته لنا منذ أحد عشر سنة، وإعجابه بسينيثيا.
تلاحقت أنفاسي وأنا أستمع له يصرخ من خلف الباب «حبا بالله أشريا إفتحي الباب أتوسل إليك، دعينا نتحدث»
«إذهب من هنا آرسين ولا تعد، لا حديث يجمعنا، لا تنتظر مني أن أستمع لك»
هو لم يستسلم وظل يطرق الباب ويصرخ كي يصلني صوته:
«أشريا رجاء إستمعي ، لم يكن ذنبك! لما تحملين نفسك ذنبا لم تقترفيه؟»
تراجعتُ خطواتٍ للخلف، بل هو ذنبي لما ينكر هذا؟ أنا من دمرني، أنا من دمر كلانا، بسبب خطئي.
إلتفتُّ للوراء نحو الدرج وركضت إلى الطابق الأعلى ثم إلى غرفتي وأغلقتها بالمفاتيح أيضا، خوفا من أن يصل لي صوت طرقه المستمر، إهدئي أشريا إهدئي، خللتُ أصابعي داخل خصلاتي أحاول إستجماع نفسي، لم يحدث شيئ لم يحدث شيئ..
هو لن يصل لك.
لا تقلقي.
هو لن يصل لن يصل.. صرختُ بغلّ أحمل زجاجة عطري وألقيها بعنف لتصطدم بالحائط وتتناثر لأشلاء، حتى لو عارضتي فالأمر قد حدث، هو وصل لك! وجدك! صرختُ مجددا أسقطُ أرضا.. أي حاضر بائس هذا الذي أعيشه؟ شددتُ على شعري أحس بنفسي أنهار وأنا أستمع لرنين جرس الباب غير المنقطع، لا بد أن يكون هو..
متى سيفقد أمله بي ويذهب؟
شعرتُ بيداي ترتجفان بطريقة مخيفة فوق خصلاتي، متى ينتهي هذا؟ نهظتُ عن الأرض بمهل وتوجهتُ لخزانة ثيابي أتفادى الزجاج المتناثر على الأرض، فتحتُ الباب الأول والذي إحتوى على قطع ملابس بسيطة لكن ما كنتُ أبحث عنه هو علبة دوائي التي أخرجتها من الدرج الثاني، أخذتُ حبتين أحشرهم بإرتجاف داخل فمي وإلتفتّ نحو المنضدة أخذ كأسا ممتلئا من الماء لأبتلع الدواء.
رغم صوت رنين الجرس الذي ظل مستمرا إلى الآن إتجهتُ للسرير ملقية جثتي فوقه..
୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧
يامرحبا!
الرواية التي طال إنتظارها من طرفي، إستطعتُ نشر فصلها الأول وأخيرا!
هذه تستحق إحتفالا! هاتِ العصير يا غلام!
😂😭
معلومة صغيرة: مدينة كيبيك هي عاصمة مقاطعة كيبيك.
ما علينا، كيف كان الفصل؟
آرائكم؟
نظرتكم الأولى؟ توقعاتكم؟
مثل ما شفتوا الفصل مقسم لجزئين، جزء الماضي اللي كان بسنة 2021، وجزء الحاضر اللي كان بسنة 2022. لذلك أتمنى منكم أن لا ترتبكوا ولو تساءلتم حول شيئ فقط أخبروني وسأجيب إن شاء الله.
المهم.. هناك الكثير من رائحة الغموض تفوح في الأرجاء صحيح؟ وهالغموض مابينقشع إلا لو إنكشفت أحداث الماضي، لذلك الرواية تتطلب الكثير من الصبر.
arancia__s