دعوة

دعوة

18 0

بسم الله

.

.

.

الماضي:

15/10/2021

العاشرة صباحا.

كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.

كان يوم الإثنين، من المفترض أنني وسينيثيا سنخرج لنقرر ما ينقص حفل عيد ميلادها بعد أربع أيام، وشراء الفساتين، لقد قررت لون الفستان في عقلي بالفعل، إما بني، أزرق، أو أخضر، على عكسي، سينيثيا كانت تريد لونا زهريا فقط، ولم تُتِح فرصة لأي لون آخر لتفكر فيه كإختيار.

«في ماذا تفكرين؟»

همس آرسين بجانبي، كانت حصة تاريخ، وقد أصبح من الإعتيادي أن يجلس بجواري في معظم الحصص، عدا حصة الفرنسية، والكيمياء، كان يجلس خلفي، أو على مقعد قريب كي نتبادل أنا وهو ملاحظات ورقية.

كانت معظم أحاديثنا عن سينيثيا، كنا نادرا ما نتحدث عن أنفسنا، إلا إذا ما قد وعدتُ سينيثيا بأنني سأسأل آرسين عن شيء تريد هي معرفته.

لذا يمكن القول أنني كنت كالجسر في هذه العلاقة، أو المرسول، لا أدري بالضبط كيف يمكن وصفي.

«لا شيء، مجرد أفكار لن تثير حماستك.»

«حقا؟ ماعلينا، ألازالت سينيثيا تمكث في منزلك؟»

«أجل، لم تعد عائلتها بعد، وأظن أن غيابهم سيطول بعد.»

همهم كإجابة، ثم أعاد تركيزه لمعلمة التاريخ التي كانت تثرثر عن شيء متعلق بالحرب الباردة. كان الفتى الذي يجلس أمامي نائما، وضوء شاشة الهاتف يهتز تحت طاولة أحدهم في الأمام دون إهتمام. لقد كانت الآنسة مورلاند متساهلة جدا، غير أن إمتحاناتها كانت صعبة، وأظن أن هذه هي طريقتها في الإنتقام منا.

«أتمنى لو أن بإمكاني المرور على منزلك تحججا بالزيارة، حتى أستطيع رؤيتها خارج المدرسة.»

«تستطيع هذا، لا أظن أن والدتي قد ترفض ما إذا أخبرتها أنني سأدعو أحد زملائي ليمضي يوما رفقتي.»

«سيبدو هذا غريبا، بل إنه غريب بالفعل، ثم، ربما سأجعل سينيثيا غير مرتاحة بوجودي.»

«لا تكن سخيفا، سأتحجج بشيء منطقي، سأخبر والدتي أنني أريد مساعدتك لتذاكر لإختبار الرياضيات، ستكون نصف كذبه، لأننا فعلا علينا أن نذاكر، قال السيد ويليام البارحة أنه تبقى أسبوعان على أول إختبار.»

«أحقا قال هذا؟! لم أكن منتبها.»

وضعت خدي الأيمن على الطاولة، بعد أن راقبت كل من حولي لنصف ساعة وهم نائمون، شعرت بالرغبة بتقليدهم.

«أجل قال هذا، ولا لم تسمعه لأنك غادرت لتملأ قنينتك بالماء.»

«آاه.. إذا علي حقا المجيء لنذاكر أنا وأنتِ، إنني بحاجة لمساعدتك، لا أعرف حتى ما إسم الدروس السابقة، لكن لا زال الوضع غريبا، سيكون محرجا بالنسبة لي الوجود رفقة فتاتين في مكان واحد، ماذا لو تحرشتما بي؟»

إتسعت عيناي بخفة، ولم أكد أستوعب أنه يمزح إلا حين بدأ يضحك، هذا السخيف! قلبت عيناي بينما أقول:

«أحضر أمك برفقتك حتى تحميك إذا.»

كنت أسخر أنا الأخرى، لكنه بدا كشخص وجد الحل فجأة. إذ نطق سريعا:

«معك حق! سأحضر أدريان، وهكذا لن يكون الوضع غريبا.»

رفعت رأسي عن الطاولة معجبة تماما بهذه الفكرة، لكن عوضا عن قول: صحيح، كيف لم أفكر في هذا! وجدت نفسي أردف:

«لماذا أدريان بالذات؟ لم أكن أعلم أنه صديقك المقرب.»

«ليس صديقي المقرب، لكنه صديق مشترك بيني وبينك، ثم إنه لا ينفك عن الإشارة إليك في كل مرة نلتقي فيها.»

أوه.. اوه يا للهول!!

شعرت بالحرارة تتسلل لخداي، كنت متأكدة أنني أصبحت متوردة خجلا، إلا أنني لم أهتم لمظهري في هذه اللحظة، ما سمعته كان كفيلا بجعل السعادة تنتشر في جسدي بالكامل.

«أحقا هذا؟ وبماذا تتحدثان؟»

«لا أستطيع إخبارك، إنه سر، لقد وعدته.»

«هيا لا تكن متكتما، أخبرني.»

بدأ يتظاهر بتجاهلي، بينما يرسم شيئا في دفتره، حين لمحت طرف الورقة، إتضح أنه كان يستمر بكتابة إسم سينيثيا مرارا وتكرارا.

«أرجوك آرسين، أخبرني، ولن أظهر لأدريان البتة أنك قد ذكرت الأمر.»

«لقد أقسمت بروح أمي آشريا، يستحيل أن أفصح عن سره.»

«سحقا لك، سأخبر سينيثيا إذا أنك معجب بها.»

إندق عنقه نحوي سريعا، وشعرت بتأنيب الضمير لوهلة، لقد هددته بشيء أفعله من الأساس.

والمفارقة المثيرة للسخرية كانت كالآتي:

-كنت قد وعدت آرسين أنني لن أخبر سينيثيا البتة بالأحاديث التي تدور بيننا، لكنني كنت قد أعلمتها بكل شيء بالفعل. لا أرى نفسي مذنبة من الأساس، لأنني بالأحاديث التي أوصلها لسينيثيا كانت هي تزداد إعجابا به يوما بعد آخر.

أساسا سينيثيا لم تعلم بوجوده سوى اليوم الذي أخبرتها فيه عنه.

عليه أن يكون ممتنا.

-آرسين يرفض تماما إخباري بما قاله أدريان عني، لأنه قد وعده.

شتان بيني وبينه، كان هو شخصا وفيا، بينما أنا كنت خائنة للوعود.

«حسنا لا تغضب مني لن أخبرها. لكنني لن أسامحك على إخفاء هذا عني.»

مثلت دور الضحية بنجاح، وأدرت وجهي عنه كأنني حزينة، أحاول قدر الإمكان كتم إبتسامتي.

«آسف لكن الوعد هو الوعد.»

«تبا لك إذا، والآن دعنا نعود لما كنا نتحدث عنه في السابق، متى ستأتي أنت وأدريان؟ علينا تحديد يوم.»

« ما رأيك بيوم الأربعاء القادم؟ إنه يوم ممتاز، أحب أيام الأربعاء.»

«حسنا إذا، الأربعاء، الساعة الخامسة.»

«هل علي إحظار شيء؟»

«شيء مثل ماذا؟»

«مثل الزهور، أو الشوكولاتة.»

«لا تقل أنك جاد، إنه لقاء للمذاكرة، وليس موعد غرامي.»

إبتسم آرسين بحرج، ثم نغزني بمرفقه برفق مصرا على ألا أحرجه زيادة.

୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧

الحاضر:

10/10/2022

الثانية والنصف بعد الظهر.

كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة.

«لنتواعد، آشريا أرمستون.»

تسللت الحمرة لخداي، وإرتخت ملامحي، ظننتُ للحظة أنني أعاني مشاكل في السمع، لكن بتكراره لما قاله مرة أخرى، فقد أدرك أن المشكلة كانت به هو، وليس أنا. 

«أغرب عن وجهي.»

نطقت أول ما فكر به عقلي، لأنني كنت أشد إرتباكا من الإتيان بجملة أفضل أو جواب أنسب، وفكرتُ في المغادرة، قبل ذلك رمقته من الأعلى للأسفل، نظرة مليئة بالإنزعاج، أيظنني لعبة؟ إلتقاني ذاك اليوم والآن يخبرني أن أواعده؟ أليس هذا هراءً؟

إلتفتّ للخلف متضايقة، فكرتُ بحماقة حين لبيتُ دعوته وأتيتُ إليه، أخذتُ أول خطوة بإتجاه الباب، لكنه كان أسرع مني حين مشى بمحاذاتي ووقف أمامي يسد الطريق، لذا توقفتُ، وأغمضتُ عيناي بنفاذ صبر .

«أنتِ حتى لم تسمعي فكرتي بأكملها فلما تغادرين؟» أشد ما أزعجني الآن كان نبرته الهادئة القاسية والمليئة بالتآمر، أيجوز صفعه والهرب؟ لكن اعلم أنني حين افعل ما أفكر فيه سيصبح لدي عدوان، ثريش وهذا الذي لا أعلم إسمه.

«أنا جاد، إذا فعلتِ، وقبلتِ بإقتراحي، حينها لا أحد سيجرؤ ليقترب منكِ.»

عقدتُ حاجباي ورفعتُ رأسي نحوه بإستهجان، أبحث في ملامحه عما يخبرني أنه يمزح، إلا أن عيناه أكدت لي كم هو جاد ويعني ما يقول.

1

«أنا لن أفعل هذا، لن أدخل في علاقة معك كي أحمي نفسي من ويليام، أفضل أن يحصل أي شيء لي عدا أن أواعد شخصا في هذه الفترة، لذا إنسى الأمر، وأبحث عن شخص آخر يقنع شقيقتك بما تريده، أفهمت؟»

لمَ أزعج نفسي بالتفسير له من الأساس؟ نظرتُ للمرة الأخيرة قبل أن أغادر، وبينما أركض فوق الدرجات كنتُ افكر بغرابة ما جرى.

.

.

.

.

_«لنتواعد، آشريا أرمستون.»_

بماذا كان يفكر حين قال هذا؟ أيظن أن العلاقات شيئا سهلا؟ أواعده.. ثم ماذا بعد ذلك؟ لا بد أنه فقد عقله في مكان ما قبل أن ينبس بذلك الهراء.

إرتشفتُ قليلا من فنجان الشاي الذي إحتضنته بين يداي منذ فترة، وكدتُ أبزقه، ماهذا الذي صنعته؟ شاي؟ بل اقرب لماء المجاري! بلعتُ غصبا عني ثم وضعتُ الكأس فوق الطاولة.

1

هناك سؤال واحد لا يفارق ذهني منذ أن أتيتُ من المدرسة، كان بإمكانه أن يطلب مساعدة أهله بالبداية ليصالح أخته، أو أصدقائه، لمَ يتجه لي؟

ثم.. إقناع شقيقته كي تصالحه يبدو شيئا بسيطا للغاية، فلمَ يواعدني من أجل هذا الأمر؟ لمَ يقرر تضييع وقته وعرض المساعدة مقابل هذا الشيء الصغير والذي لن يحتاج جهدا كما الجهد الذي سيحتاجه لأتخلص أنا من ثريش؟

الكثير من الغموض يدور حوله، ولا أظن أنه يمكنني إستيعاب الأمر بعد الآن.

قُطع خيط أفكاري على صوت دقات باب المنزل، فنهضتُ من على الأريكة وخرجتُ من غرفة المعيشة، حين فتحتُ الباب كانت بيوني تقف خارجا بإبتسامة لطيفة مُعدية، وبادلتها الإبتسامة ثم رحبتُ بها، إلا أنها رفضت الدخول ونبست:

«أنتِ مدعوة للغذاء في منزلنا، هيا معي.»

عقدتُ حاجباي بإستغراب ولم أمحو الإبتسامة عن وجهي، حسنا.. هذا شيء لم أتوقعه منها.

لكن هل سأرفض؟ بكل تأكيد لن أفعل، ليس وهي تعطيني نظرات الجراء خاصتها، والتي تجعل أيا كان يقبل جميع طلباتها، كما أنني لم أتناول شيئا منذ غذاء البارحة، لذا هذه الدعوة أتت في وقتها.

«حسنا عزيزتي، أدخلي لأجلب معطفي من الأعلى وأرافقك.»

في لحظة كنتُ بالفعل أفتش وسط خزانتي حول معطف مناسب، كنتُ أفكر بتغيير ملابسي أيضا لكنني كسولة للغاية لفعلها، ولا أرى أن هذه البيجامة الوردية سيئة، تبدو لطيفة بالفعل.

لكنني لم أفوت رش القليل من العطر الشتوي حولي، ثم نزلتُ سريعا للأسفل حيث كانت بيوني تنتظرني بالفعل، وكما أول مرة دخلتْ للمنزل، كانت الآن تمرر بصرها بالأرجاء في فضول.

1

مشيتُ خلفها بينما نعبر الطريق الذي يفصل منزلي ومنزلها، ولم تحتج لتطرق الباب بل دلفت مباشرة لأدخل من خلفها بخطوات متباطئة، وعيناي جالت بالأرجاء بحثا عن أي فرد من افراد عائلتها، لكن كل ما رأيته فعلا هو المساحة الواسعة والمدخل لغرفة المعيشة التي تظم أرائك مخملية بلون أحمر.

فجأة، رأيتُ إمرأة تغادر المطبخ، ترسم على شفتها إبتسامة بشوشة بينما تسمح يديها بمئزرها الأبيض الذي أحاط خصرها.

كانت جميلة للغاية، جميلة بطريقة جعلتني أتوقف عن السير وأراقبها، لا بد أنها قد تخطت الأربعين من عمرها، إلا أنها لا تزال تحافظ على جمالها، وأتساءل حقا عن مظهرها حين كانت أصغر، لا بد أنها كانت الأجمل.

«مرحبا سيدتي.» أردفتُ بنبرة أقرب للهمس حين وعيتُ على أنني أطلتُ التحديق بها، وهي بدل أن ترد التحية كانت قد إقتربت مني وعانقتني بدماثة، وقد كان هذا غريبا!

«مرحبا بكِ أيضا حبيبتي، أنتِ آشريا؟ تحدثت عنكِ بيوني كثيرا في الفترة الأخيرة.» ردّت علي بعدما فصلت عناقها القصير، وتساءلتُ عن الأشياء التي أخبرتها بيوني عني لدرجة أن تظهر لي كل هذه اللطافة.

«آشريا، هذه والدتي، مادلين.»

قالت بيوني فجأة لتعرفني على والدتها، لكن الغريب أن هذه المرأة الرائعة لا تشبهها بيوني في أي شيء، أعني، بيوني فتاة جميلة، لكن من المؤكد أنها ورثت ملامح أباها لأنها لا تشبه والدتها بتاتا.

إبتسمتْ لي السيدة مادلين مجددا، ثم أمرتني انا وبيوني بالذهاب لغرفة الطعام.

جلستُ على المقعد الفارغ بجانب بيوني، بينما جلست والدتها أمامنا، وتبادلنا الكثير من الأحاديث ونحن نتناول طعامنا، أحاديث تجلت حول الدراسة، والزملاء، والمعلمين، ومن بين كل هذا أدركتُ أن بيوني لم تخبر والدتها عن موضوع ثريش.

بعد ساعة قد إنتهى ثلاثتنا من ترتيب المطبخ، إتضح أن السيدة مادلين لا تملك وجها جميلا فقط، بل روحا خفيفة الظل وقلبا مليئا باللطف.

جلس ثلاثتنا في غرفة المعيشة، وقررت السيدة مادلين أنه وقت مناسب لنشاهد فيه فيلما، وفي الوقت الذي شُغلت فيه هي بالبحث عن شيء ممتع كان قد إنتشر صوت رنين الجرس.

«إفتحي الباب من فضلكِ يا بيوني، لا بد أنه رايليس ووالدكِ.»

رايليس؟ هذا الإسم المألوف.. أين سمعته؟

فجأة، تذكرتُ أوريا حين كانت تشتكي لي عن معلم الرياضة، الذي نقلها لفريق رايليس.

كان تشابه الأسماء مثيرا للإهتمام، وفي الواقع، لو سمعتُ بوجود فتاة أخرى تدعى أشريا لأصبت بالإستياء، اخبرتني والدتي أنها أمضت طيلة فترة حملها بحثا عن إسم غير مكرر.

راقبتُ باب المنزل الذي فتحته بيوني ثم تراجعت للخلف لتسمح للإثنان بالدخول، وقد تدفقت ضحكاتهم وحواراتهم في المكان.

«أخبرتك أنك لا تجيد منافستي يا فتى، لن تكون ندا لي البتة.»

«هيا ايها العجوز كفاك تفاخرا!»

أوه...

عقلي يكاد يتوقف من الصدمة.

لأن من أمامي الآن هما آخر شخصان توقعتُ رؤيتهما.

مدير الثانوية الذي يكره خالي دون سبب.

وفتى شيكسبير الذي تركته خلفي قبل ساعات في سطح الثانوية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إحتراقُ الفراشة.

المؤلف arancia__s
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة