غيرة وجارة.

غيرة وجارة.

29 0

الماضي :

13/10/2021

الخامسة مساء.

كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.

_ قال أنه يحبني ، يحبني أنا ؟ هل أنتِ متأكدة ؟ ألم تسمعي خطأً ؟

كررت سينيثيا سؤالها الإستنكاري للمرة التي لا أدري كم ، منذ أن أخبرتها بما حصل والفراشات تحوم حولها ، كما لو أنها فازت باليانصيب ، إنه مجرد فتى!

_ أجل سينيــ ..

طرفتُ بإستغراب نحوها كونها قاطعتني بصراخها المكتوم بسبب الوسادة التي تدفن فيها وجهها، يا للهول إنها طبيعتها الدرامية كالعادة، وكأنما وقوع آرسين في حبها أمر خارق للطبيعة بينما هو خبر إعتيادي للغاية، أنا بالفعل لن أستغرب لو وقع يوجين في حبها متناسيا خلفه رابونزل لأنها و ببساطة جذابة، وهذه حقيقة غير قابلة للدحض.

سينيثيا كانت ولا تزال و ستبقى الفتاة التي لا توجد حولها آراء مختلفة، هي موحدة الرأي و الجميع يقر بجمالها ، حتى من يكرهها لن ينكر جاذبيتها ، أعينها البريئة بلون الأرض تستطيع إيقاع كل من لا يفقه في الحب ، تتناسق وبشدة مع شعرها الطويل بنفس اللون والذي يبقى منسدلا في أغلب الأحيان ، وبشرتها الحساسة التي تتصبغ بلون الحمرة في البرد و الحر و الخجل و الغضب والحرج والحب والحشمة والتعب والمرض ، هي ببساطة تضل مزهرة ومليئة بألوان الحياة في كل الظروف.

سينيثيا في نظري هي فصل الربيع، بديعة ومزهرة، والكل يفضلها، بحضورها تحضر الفراشات معها، وكأنما تجلب السعادة بإطلالتها فقط، سينيثيا ليست فتاة عادية في نظري، لإنه ومهما هجرني العالم تبقى هي منزلي الدافئ الذي لا يتزعز، وتنتظرني في نهاية اليوم بكل حب لتقدم لي عناقا حانيا ينزع عني ثقلي الذي لا أحب مشاركته مع أي أحد بسبب طبعي الكتوم، وكأنما تنزع عني الأشواك دون علمها، لذلك أفضلها وأستطيع إختيارها من بين الجميع دون تفكير.

_ آه لقد نسيتُ شيئا!

رفعت رأسها من على الوسادة بعدما أنهت فقرة صراخها الدرامي ذاك وإستغربت الملامح الجادة الغاضبة التي تصنعها ، من أين لها بهذه التقلبات المزاجية؟ أكملت الحديث حينما لاحظت ملامحي المهتمة و هي تقطب جبينها بإنزعاج :

_ هناك فتاة حقودة في صفي تدعى كارولين ، تستمر برمي نظرات سامة نحوي ولا تبعد عيناها عني أبدا! إنها حقا تزعجني ، أخبرتني زميلة لي في الصف أنها كانت تعتقد نفسها الأجمل في الثانوية حتى ظهرتُ أنا وسرقتُ منها الأضواء ، وحقا هذا مبتذل لما سأكره أحدا بسبب صفة يملكها على عكسي و أتناسى مميزاتي أنا؟ هي أذكى مني وتملك جمالها الخاص الذي يميزها ، فلما ستوجه نحوي عدائيتها وحقدها؟ إنها غبية .

أوتش .. أحسست لوهلة أنها تنتقدني أنا ، كدتُ أجيبها لولا أن سمعت باب المنزل يفتح ، وصراخ سينيثيا بفرح ، علمت فورا أنه والدها ، ركضتْ نحوه تغرقه بالقبلات و ظلت أنظاري معلقة على اللوحة أمامي.

شعرت بملامحي تسقط في إرتخاء ، أو ربما بضيق، جمود؟ أو ربما دون مشاعر، أجل حاليا أنا فارغة من المشاعر .. لا لا أنا أدري تماما هذا الشعور المقيت الذي يتسلل من قلبي لبقية أعضائي، الغيرة، الحسد، الحقد! لما هي و أنا لا؟ أجل هذا، ملامحي كانت تسقط في حزن، رغم أنني متأكدة تماما أن وجهي يبدو كجثة، لا يظهر أي شعور على ملامحي ، لكن داخلي كان يعج بالوساوس، هي تحصل على عناق من والدها ، قبلة فوق الرأس، ضحكات على مائدة العشاء ، قصص لطيفة يرويها لها عن يومه، و قبلة فوق جبينها قبل النوم، وأنا؟ أنا بالكاد ينظر لي والدي، و كأنني جماد، كأنني مزهرية في بيته العزيز، و مجددا لما هي و أنا لا؟

توقفي أشريا كفى! سمعت صوتا يصرخ من جانبي الأيمن يطالب أصواتي الأخرى بالصمت، لا أشريا أنت محقة لما هي و أنت لا؟ صوت آخر من جانبي الأيسر دحض الصوت الأول، عليك الإبتعاد عن سينيثيا لأن علاقتها بوالدها مزعجة! هي تذكرك بالنقص الذي لديك! إبتعدي عنها و إبحثي عن صديقة بمثل معاناتك ولا تشعرك بالدونية! إنضم صوتٌ ثالث للساحة و جعل من دقات قلبي تثور .. لا يمكنني التخلي عن سينيثيا! لوحتي مليئة بألوانها و لا يمكنني طمسها بسهولة ، هي صديقة طفولتي بحق كيف أفكر بهذه الطريقة!!

شعور الذنب جعل من غيرتي تتبدد، و هذا ما يحصل دوما ، بعد كل دوامة الكره تلك التي تتولد داخلي يداهمني الذنب و الندم لأنني أفكر هكذا تجاه صديقة قدمت لي الحب فقط وذكريات مزهرة.

أفقت من إفكاري على الإبتسامة المشرقة التي قدمتها لي ، و كأنني أعظم جوائزها ، هل لو عرفت ما أفكر فيه الآن ستقدم لي نفس الإبتسامة؟ أم ستهرب من وحش الحقد بداخلي؟ هي مختلفة كليا عني، هي حنونة و لطيفة و أرقى من أن تخالجها مشاعري، هي شفافة للغاية و تظهر مشاعرها للجميع، بينما أنا .. أنا منافقة، أظهر الحب بينما أحسدهم في الخفاء، أهذا يجعل مني شخصا سيئا؟ لا أشريا أنت لست سيئة هم السيئون، ذاك الصوت من جانبي الأيسر عاد للحديث، أريد إخراس كل الأصوات داخلي! هي كاذبة و تصيبني بالتشوش، كلها متناقضة.

أريد أن أفعل ما يمثلني الآن، أريد أن أتخلى عن تلك الأصوات، لذا ببساطة رسمتُ إبتسامة واسعة لسينيثيا و عانقتها، قد يكون عناقا عاديا بالنسبة لها لكنه كان إعتذاري نحوها، إعتذاري لأنني أفكر بطريقة سيئة تجاهها، إعتذاري لأنني أحسدها على أبسط أشيائها، وشعرت أنها قبلت إعتذاري المبهم حينما أحاطتني بذراعيها و بدأت تربت على شعري بلطف شديد، هي تجعلني أحس بالأمان، لمساتها تخرس كل الأصوات داخلي.

الحاضر:

26/9/2019 السابعة مساءً

كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة.

« كيف حالك؟ لم تتصلي البارحة» قرأتُ إشعارات الرسائل النصية وأنا أرى رسالة أمي المعلقة منذ يومين، وبعدها إشعارات إتصالات معدودة لم أجب عن أي واحدة منها، تماديت قليلا بأفعالي المستهترة هذه، وأظن أنها ستكون غاضبة علي الآن، أغلقتُ الهاتف ملقية إياه على جانبي من السرير.

لست بمزاج يجعلني أحادثها، أريد فقط أن أنام، لكن لا أستطيع فعل هذا أيضا، إنها السابعة مساءً وأنا مستلقية على السرير منذ ساعتين، لكن للآن لم يغمض لي جفن، لم يكن النوم صعبا علي هكذا، لكن في الفترة الأخيرة أصبحت أعاني قبل أن أنام.

لا أظن أن ما أصابني أرق، لأنني لا أنام حتى ساعة كاملة وأستيقظ دون رغبة إضافية في الرجوع للنوم.

وهذا مخيف.

فتحتُ جفناي بإنزعاج على رنين الهاتف مشيرا لوصول رسائل إضافية، ولم أجد بدا من تجاهلها هذه المرة، فتحتُ الهاتف وأنا أرى الرسائل الخمسة التي أرسلتها والدتي قبل ثوانٍ.

' أين أنتِ '

' لما لا تجيبين على رسائلي؟ '

' كيف أحوال دراستك؟ '

' هل أحببتِ المكان؟ '

' أتناولتي وجبة الغذاء ؟ '

تنهدتُ وأنا أفكر بإجابة لأسئلتها اللامتناهية، إنها مزعجة حقا، باشرت أصابعي بكتابة إجابة على سؤالها الأخير وأنا أثبت لها أنني تناولتُ الغذاء بإرسال صورة بيتزا قد إلتقطتها البارحة، لأنني لو أخبرتها أنني لم أتناول حتى إفطاري قد تأتي من نابولي إلى هنا لتحشر الطعام في فمي غصبا.

أرسلت لي عدة قلوب حمراء كإجابة ثم جملة ' أخاكِ يبلغكِ سلامه يا حبيبتي، ولا تنسي تناول عشائكِ أيضا،وداعا، أحبك ' وختمت رسالتها ببعض القبلات، هي برسالتها تظن أنها ستدخل البهجة لقلبي، غير عالمة بحجم الغصة التي خلفتها.

هي وأخي يبلغانني سلامهما كل مرة، لكنه لا يفعل، هو حتى لا يسأل عني، ولا يقوم بالإتصال بي، أنساني؟ لقد مر قرابة الشهر فقط، كيف له أن ينسى طفلته الكبرى؟ سقط الهاتف مني وأخفيتُ وجهي بين يداي بينما أبكي بطريقة مثيرة للشفقة.

هو لا يتغير، إنه لا يفعل، هو حتى لا يبالي بي.

حشرتُ وجهي داخل الوسادة وشهقاتي قد باتت مسموعة لما فقط يحدث هذا بي؟ ألا أستحق أبا يطبطب علي حين أبكي لا أن يتسبب في إبكائي؟

جفلتُ حينما سمعتُ رنين الجرس وإستقمتُ سريعا، لكن دقات قلبي تواثبت فورما تذكرت آرسين، أعاد مجددا! أسرعتُ ناحية الحمام الملتصق بالغرفة وغسلتُ وجهي سريعا، ثم مررتُ بالشرفة الواسعة لأطل برأسي حتى أتفقد هوية الطارق، ثم تنهدتُ بخفة بعدما رأيتُ خصلات بنية تعود لفتاة بكل تأكيد.

حينما صدح رنين الجرس للمرة الثانية أسرعتُ ركضا للأسفل، وماهي إلا مجرد دقائق حتى فتحتُ الباب لتقابلني هيئة الزائرة الغريبة كليا، لم يسبق لي رؤيتها منذ مجيئي لهذا المنزل، وهذا جعلني أعقد حاجباي بإستفهام بينما أتمعن بعيناها الزيتونية، وهي في المقابل إبتسمت لي بإرتباك وتمد لي بصحن لم ألمحه إلا الآن وهي توضح:

«أهلا! أنتِ الجارة الجديدة صحيح؟ أرادت والدتي الترحيب بك لهذا صنعت الفطائر المحلاة خصيصا من أجلك.»

رفعتُ حاجباي ثم عدتُ ببصري للصحن المغطى، وإبتسمتُ للفتاة بلطف، تبدو وكأنها بعمر أخي، لأنها يافعة للغاية، بكل تأكيد هي أصغر مني، نبستُ لها بشكر:

«أشكري والدتك نيابة عني، هذا لطف منها.»

أمسكتُ الطبق دون مقدرة على الرفض، ليس من اللائق عدم قبول هدية كهذه، رفعتُ عيناي مجددا ناحية الفتاة التي إبتسمت لي بخجل حتى تلونت خدودها، أظنني أصبحتُ أستلطفها!

«تفضلي بالدخول رجاء.»

طرحتُ بأدب، ولم تظهر أي علامات رفض، مما جعلني أدرك أنها كانت تريد الدخول حقا، أغلقتُ باب المنزل ثم أخذتها لغرفة المعيشة، ووضعتُ صحن الفطائر فوق الطاولة الزجاجية وهرولتُ للمطبخ محضرة صحونا وأشواك، وكأسين ممتلأين بعصير البرتقال.

جلستُ على الأريكة المقابلة لها ولاحظتُ أنها تمرر بصرها على الغرفة بفضول لم تستطع إخفائه، توقعتُ كل شيئ غير أن أتواصل مع الجيران، وأظنها تجربة لطيفة في الواقع.

قدمتُ لها صحنا مليئا بالفطائر المحلاة، وقدمتُ لنفسي واحدا أيضا، قبل أن أعود للمطبخ حتى أجلب شراب القيقب من أجل سكبه على الفطائر، لا أعلم كيف عرفت والدة هذه الفتاة أنني أحب الفطائر المحلاة لكن هذه أفضل صدفة حصلت، لأنني كنتُ جائعة في الواقع.

«لم تخبريني بإسمك عزيزتي.»

رفعتْ الفتاة نظرها نحوي، ثم وضعت صحنها على الطاولة بحياء بينما تبتلع اللقمة العالقة بين فكيها، وأجابت:

«بيوني، إسمي بيوني، ماذا عنك؟»

«إسم لطيف، أنا آشريا.»

إبتسمت مجددا وعادت لتناول طعامها، وقد لاحظتُ أيضا أنها تراقبني بين الفنية والأخرى، تبدو كفتاة خجولة، وهذا جعل الدغدغة تسري بقلبي، أحب هذا النوع من الناس، لأن الجلوس معهم لطيف.

«كم عمرك بيوني.»

«ستة عشر، وأنتِ؟»

«سبعة عشر، يبدو أنك بالسنة الثانية صحيح؟»

«نعم، أنا كذلك بالفعل.»

كنتُ أعلم أنها بنفس عمر أخي، أخذتُ قضمة أخرى من الفطيرة، وإرتشفتُ القليل من عصير البرتقال، ثم حط بصري على ثيابها اللطيفة، وهذا جعلني أبتسم حقا، كانت ترتدي كل شيئ باللون الوردي، وبدا هذا اللون ملائم لشخصيتها.

«هل ستعيشين هنا بشكل دائم؟»

رفعتُ عيناي ناحية خضرويتاها، وتمعنتُ بالسؤال الذي لم أجد إجابته، أو بشكل أدق لم يسبق لي التساؤل، هل أنا حقا مستعدة لمفارقة عائلتي تماما؟

«في الواقع، لا أعلم، لكن أظن أنني سأبقى لمدة سنة فقط، حتى أنهي المرحلة الثانوية وأعود لمسقط رأسي، حيث تعيش عائلتي.»

كان جوابا كاذبا بكل تأكيد، لأنني لم أخطط لأي من هذا، كل ما أردته هو الإبتعاد عن تلك المدينة المشؤومة، والنسيان، أردتُ الهرب من بعض الذكريات، لكن تلك الذكريات ظلت ملتصقة بي ولا تفارقني.

«كيف إستطعتِ إقناع عائلتك بالإنفصال عنهم؟ »

بدت لي وكأنها قد أخذت راحتها أخيرا بعدما كانت خجولة للغاية، ورغم أن سؤالها كان عفويا بشكل أكيد لكنني فقط إبتسمتُ دون أن أجيب، لأن عقلي سافر بعيدا، ليوم سابق قبل أربعة أشهر، حين حطمتُ كل أثاث منزلنا بعد نوبة غضب لم أستطع الخروج منها سوى حين صفعتني والدتي بقوة، ووافقتْ بعد ذلك بأن أغادر العش.

«منذ متى وأنتِ تعيشين بهذه المدينة يا بيوني؟»

«منذ ولدت.»

«إذن عليك تقديم معرفتك لي وتعريفي بأركان المدينة، لأنني لا أعرف عنها شيئا»

إتسعت عيناها بخفة ولمعت بحماس، ثم نبست:

«سيكون ذلك من دواعي سروي.»

قدمتُ لها إبتسامة أخرى، ثم وجدتُ نفسي أحاورها حول مواضيع عشوائية للغاية، كالطقس المعتاد هنا، وموقع الثانوية، وهل سأحتاج لوسائل النقل، لكنها أخبرتني أنني لن أحتاج أي وسيلة نقل للذهاب للثانوية، لإنها تبعد بربع ساعة مشيا على الأقدام فقط، وهذا كان مفرحا، أخبرتني عن بعض مواقفها الشخصية، ذكرياتها بالمدينة، ووالدتها، رغم أنها لم تذكر بقية عائلتها، وهذا جعلني أخمن أنها متعلقة بأمها كثيرا.

راقبتُها وهي تقطع الشارع عبورا لمنزلها في الجهة الأخرى، ثم إلتفتت نحوي تلوح لي للمرة الأخيرة قبل أن تفتح الباب وتدخل، وهذا جعلني أغلق الباب وأسقط إبتسامتي أخيرا، كانت أمسية متعبة بقدر ما كانت ممتعة، وأظنني أشعر بالنعاس الآن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إحتراقُ الفراشة.

المؤلف arancia__s
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة