أية مهزلة؟

أية مهزلة؟

19 0

بسم الله

.

.

.

الماضي:

15/10/2021

السادسة مساءً.

كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.

دلفتُ المنزل بخطوات خفيفة، ولا زال وجهي تعلوه البسمة بعد أن ودعتُ إدريان وآرسين قبل لحظات، كان الهدوء يخنق الأرجاء حين ألقيتُ حقيبة ظهري فوق أريكة غرفة المعيشة وصحت بصوتٍ عال:

«أمي، لقد عدت!»

كنتُ قد إنتزعت حذائي الرياضي ولم يصلني ردها بعد، مما جعلني أخمن أنها قد غادرت لشراء بعض المستلزمات، أي أنني سأمضي بعض الوقت وحيدة في المنزل، لأن كيراس حاليا يحضر دروسا خصوصية، ووالدي بالعمل.

علقتُ معطفي على الشماعة ثم صعدتُ بإتجاه غرفتي، وتفاديتُ المرايا المعلقة على خزانتي أو المتواجدة بالحمام لأنني متأكدة من أن إنعكاسي سيجعلني أحزن طوال الساعات القادمة، ثم سارعتُ للوقوف أسفل المرش والإستحمام حتى أتخلص من شعور التعب الذي يحتضن جسدي.

غادرتُ الحمام بعد نصف ساعة، ونزلت للأسفل بعد أن إنتهيتُ من إرتداء ثياب نومي لأنها دافئة أكثر، وقبل أن أدلف المطبخ قد إنتشر رنين الجرس لذا ركضتُ ناحية الباب متلهفة بعد فكرة أن تكون والدتي هي من تقف خارجا.

وبالفعل! فورما رأيتُ هيأتها وهي تعقد ذراعيها حول جسدها كما تفعل دوما في أيام الشتاء لعل الدفء يزورها شعرتُ بالسرور، وإلتصقت بعنقها بينما تدخل حتى أعبر لها عن إشتياقي لها، حالما فعلت كانت قد بدأت تتكلم بجدية:

«إبتعدي آشريا أنتِ تخنقينني، ثم ما هذه الثياب يا فتاة؟ أنت تصرخين للمرض كي يأتي إليك ركضا، إذهبي وإرتدي شيئا أفضل هيا هيا.»

«أمي! عانقيني.»

أستطيع أن أراهن بكل ما أملك أنها قد قلبت عيناها الآن بعدما تأفأفت.

إنها تحبني، لكنها تخجل من إظهار ذلك.

«تنحي آشريا وأتركي ضيفتنا تمر.»

ضيفة؟

رفعتُ رأسي عن كتفِ والدتي ونظرتُ للخلف بفضول وتشوق، لكن كل ما لمحته في حديقة منزلنا هي سينيثيا تتقدم وبين يديها حقيبة يد ضخمة، يمكن لأي كان من يراها الآن أن يعلم أن سينيثيا حاليا تعاني في حملها.

تجاوزتني والدتي بالفعل وتسللت للمطبخ، بينما إنتظرت أنا حتى دخلت سينيثيا لمنزلنا ثم أغلقت الباب خلفها، ونبست هي بمزاح ونبرة تظهر التعب:

«إنها أنا مجددا.»

قهقهتُ، ووجدتُ نفسي أسأل دون عناية بالكلمات:

«لقد أوصلناك قبل ساعة لمنزلك، ماذا تفعلين هنا.»

«طريقة لطيفة للترحيب بصديقتك المفضلة عزيزتي آشريا.»

لم تكن تلك سينيثيا، بل والدتي التي أتت من خلفي ودخلت لغرفة المعيشة حتى تضع صينية فوق الطاولة تحتوي على عصير البرتقال والشمندر.

أسوء عصير قد يشربه المرء في حياته، لكن والدتي تستمر بإخبارنا أنه يحتوي على العديد من المنافع.

مرت سينيثيا بجانبي لتدخل إلى غرفة المعيشة، وتبعتها أنا كذلك حتى أستفهم وأعلم ما يحدث، لأن تلك الحقيبة بجانب باب المنزل ليست مزحة.

«هل طردتك والدتك يا سينيثيا.»

«آشريا تأدبي!»

«ماما أنا أمازحها فقط!»

«وإن يكن، عيب ما قلته.»

توقفت كلتانا عن المشاداة الكلامية حين بدأت سينيثيا تقهقه، ثم نبست بعد ذلك:

« لم تطردني، لكنها ستسافر رفقة والدي كي تزور جدتي، سمعتْ أنها تحتضر، ربما هذه أيامها الأخيرة، لذا تريد والدتي تمضية وقت لطيف رفقتها.»

«ألن تزوريها أنتِ؟ أعني للمرة الأخيرة بما أن حالتها ميؤوس منها لهذه الدرجة.»

«إقترحت علي والدتي نفس الأمر، لكن تعلمين، لا بد أن أمنية تلك العجوز هي ألا تراني في أيامها الأخيرة، لذا من الأفضل ألا أريها وجهي وأحقق رغبتها»

ضحكت في نهاية كلامها، لكن كنت أعلم أن تلك الإبتسامة التي ترسمها الآن هي أكثر إبتسامة زائفة في الدنيا.

لقد أخبرتني مسبقا أنها لا تروق لجدتها _والدة أمها_ دون سبب مقنع، أو ربما هناك سبب ولا تنوي سينيثيا إخباري به، لأنني كلما سألتها تظهر توترا ملحوظا وتظل صامتة لفترة قبل أن تجيب بلا أعرف.

لكن سواء بسبب أو دون سبب، ستظل تلك العجوز مكروهة من طرفي لأنها تسبب الأذى النفسي لصديقتي الغالية.

«ألم تخبرك والدتك بموعد عودتها؟»

«قالت أنها قد تعود بعد أسبوع كأقل تقدير، أو بعد عشر أيام كأبعد تقدير، وحتى ذلك الوقت، سأبقى في منزلك.»

إتسعت عيناي بصدمة، وشهقت دون أن أتحكم بنفسي، حسنا ليس لأن الخبر لم يعجبني، بل على العكس تماما، هذا أسعد ما سمعته هذه السنة في الواقع.

لطالما حاولتُ وسينيثيا إقناع أهالينا بالمبيت معا، ولم يسبق لهما الموافقة، لأنه ومع كامل الأسف، وعلى الرغم من أن آبائانا وأمهاتنا أصدقاء، إلا أن طباعهم متشابهة وبالكاد يقبلون طلباتنا، أي بإختصار، كلا عائلاتنا متشددة.

«يا إلهي كيف إقتنعت والدتك؟»

«في الواقع والدتك هي من أقنعتها.»

حين إلتفت لوالدتي، كانت تضم ساقيها وتشرب عصير الشمندر، ولم تكن تستمع لمحادثتنا حتى، لأنها كانت تشاهد شيئا ما على شاشة هاتفها، ورغم ذلك لم أمتنع عن الإقتراب وتقبيلها، كشكر صغير على بادرتها.

سألتُ فجأة بجدية حين تذكرت موضوعا ما:

«ماذا عن عيد مولدك؟ إنه بعد أسبوع، ألن تحتفلي رفقة عائلتك كالعادة؟»

«أجل، لقد حادثت والدي بشأنه قبل خروجي، وقد أعطاني الحرية لأفهل ما أريد، أخبرني أنه بإمكاني إستخدام المنزل وإقامة حفلة، وطلبت إذنه لدعوة ما أشاء من أصدقائي من المدرسة، وقد وافق!»

غمزتني في نهاية حديثها بحماسة، لكنني لم أفهم شيئا، أصدقاء سينيثيا من المدرسة بالكاد يعدون على الأصابع، وإبتسامتها الآن لا تدل على كونها متحمسة بشأنهم، بل قد وضعت خطة ما في ذهنها، وإحتاج معرفتها الآن وحالا.

«ألا تريدين تغيير ثيابك عزيزتي؟ لدي بيجاما مشابهة لخاصتي ما رأيك أن أعيرك إياها حتى نبدو كتوأم مطابق؟»

أعلم أن ما قلته لتوي كان غبيا للغاية، وبالأخص ملامح الإستغراب التي تظهرها سينيثيا الآن، لكن ما جعلني أرقص داخليا هو صوت والدتي الذي قاطعنا:

« أجل آشريا سيكون ذلك لطفا منك، خذي سينيثيا وأريها غرفة الضيوف كذلك وساعديها لترتب ملابسها في الخزانة.»

«ألن تسمحي لنا بمشاركة غرفتي؟»

رمقتني بحدة، وأجل أعلم أشد المعرفة ما ستقوله تاليا:

«بالتأكيد لا، لو تشاركتما الغرفة فمن المؤكد أنكما لن تناما إلا عند الفجر وتفوتان حصص الصباح، فمعروف أن هناك الكثير من القصص التي تريدان التحدث عنها، أوليس؟»

«حسنا حسنا»

جررتُ سينيثيا خلفي لتستقيم مرغمة، وركضتُ بها في الدرج بإتجاه غرفتي بعد أن حملتُ حقيبتها الثقيلة.

حالما دخلتْ كلتانا، أسقطتُ فوق الأريكة الجانبية، ورحتُ أفتش في خزانتي عن البيجاما التي أخبرتها عنها، ونبستُ أثناء ذلك:

«هيا أخبريني، ما الخطة التي تملكينها لعيد مولدك؟»

إقتربت سينيثيا مني لتقف على يميني ثم بدأت تشرح لي بينما تحرك ذراعها للفوق والأسفل:

«فكرتُ ربما، لو تقومين أنتِ بدعوة كل من تعرفينهم، بما أنا أصدقائي هم نفسهم أصدقائك، أعني جزءً صغيرا من أصدقائك، وهكذا ستقومين بدعوة آرسين كذلك، ولا تنسي آدريان أيضا، وسنقوم أنا وأنتِ بالخروج غذا ونشتري فساتين مناسبة للحفلة، لأن والدي قد ترك مصروفا يكفيني طوال هذه الأيام ورفضت أمك أن تأخذه منه، فأمرني عندئذٍ أن أشتري شيئا لي ولك من أجل الحفلة، والباقي أقتني به كل المستلزمات الأخرى.»

رائع!

قدمتُ لها البيجاما بعد أن وجدتها، وقد كانت مطابقة لخاصتي بالفعل، ثم أجبت:

« يعجبني حين تفكرين بذكاء، لكن ماذا عن شقيقتك؟ صوفيا، ألن تتواجد في المنزل.»

«في الواقع لا، لقد أخذت إجازة، وستغادر المنزل غذا لتزور جدتي أيضا، لهذا السبب لم أستطع البقاء في المنزل، ولهذا السبب أيضا إقتنعت أمي سريعا بعرض والدتك.»

رائع جدا.

«إذا أنا وأنتِ لأسبوع كامل في نفس المنزل؟»

إبتسمت سينيثيا بإتساع قبل أن تجيب:

«أجل.»

୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧

الحاضر:

10/10/2022

الثانية بعد الظهر.

كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة

يوم الإثنين، مر أربع أيام على آخر ما حصل لخزانتي، وقد تكلفت أوريا بعد غيابي بمسح كل العبارات التي لطخت روحي قبل الباب.

لكن هل نسيتُ؟ كلا.

لا زلتُ أذكر كل كلمة، كل حرف، وكل فاصلة، ولم يغادرني الحديث منذ ليلتها.

إحتضنتُ نفسي بينما أمشي وحيدة في الرواق، وأعين الآخرين تلتصق بي كالغراء. يمررون أبصارهم علي وكأنني موضوع شيق ليتحدثوا عنه في سهرات المساء رفقة أصدقائهم.

كان الوقتُ يشير للثانية، أي أن علي التوجه للمقصف كما الجميع وتناول طعامي هناك، وللإشارة، أنا لم أتناول شيئا منذ البارحة.

لكنني لستُ بالصلابة التي ستجعلني أقاوم أمام سخرية ثريش: الفتى الأصهب، والذي أعلمتني بيوني بإسمه قبل يومان حين سألتها.

سألتها ليس فضولا، بل حتى أعرف إسم الشخص الذي أدعو عليه بالهلاك في أوقات فراغي.

إلتفتُ لإتجاه آخر معاكس لطريق الكافيتريا، وأخذتني قدماي بإتجاه درج الطوارئ، حسنا، لا أظن أنها فكرة سديدة، اعني ان أختبئ هنا لنصف ساعة كالمهبولة.

لكن هل هناك حل آخر؟ لا. لذا سأقضي وقتي هنا أفضل من الدخول للمكان الذي يتجمع به كل الطلاب حاليا.

فتحتُ الباب ببطء، وأصدر صوتا مزعجا في النهاية، ثم حرصتُ على إغلاقه بالشكل الصحيح بعد أن تحققتُ من أن لا أحد في الجوار حتى لا يعلموا مكاني.

كنتُ وبشكل ما أشعر.. وكأنني أسترد روحي بين جدران المكان، جلستُ على إحدى الدرجات، وراقبتُ ما حولي بإستطلاع وفضول لم أتمكن من حصرهما داخل صدري، الجدران الكريمية كانت متسخة ببعض الغبار، والحشرات الصغيرة تركض من بين ثقوب مخفية في الأراضي، مما جعلني أنكمش وأحتضن نفسي خشية أن يصلني النمل، أو أسوأ.. صرصور ما!

هدأتُ نفسي، وتذكرتُ أن الجلوس هنا وحيدة بين حشرات قد تتسلل من بين ثيابي لأهون من الدخول للمقصف، وأن تلتصق بي نظرات الشفقة والسخرية، أو يأتي إلي ذاك الوغد ثريش.

إستندتُ بذقني على ركبتي المثنية، وجذبتُ هاتفي من جيب معطفي الشتوي القصير، لربما سأتصفح تطبيقاتي المملة قليلا ثم أغادر.

لكن بدل الدخول لتطبيق الأنستقرام كان تطبيق الرسائل قد لفت إنتباهي، هناك رسالة قد وصلتني، وما أنا متأكدة منه أن لا أحد، وأعنيها.. لا أحد يملك رقمي الجديد عدا والداي وأخي، ولا أحد منهم يستخدم هذا التطبيق بالذات.

لذا عقدة حاجباي وجدت فرصتها للظهور، ودخلتُ للتطبيق وذهني يعصف بالكثير من الإحتمالات، ماذا لو كان آرسين؟ لن يكون صعبا عليه إيجاد رقمي وهو قد وجد موقع منزلي بسهولة.

بل أسوء.. ماذا لو كان إدريان؟

على هذه الفكرة إرتعبت، وإرتجفت أناملي حين قرأتُ رقم المُرسِل مرارا وتكرارا، أحاول أن أتذكر دون جدوى إن كان شخصا أعرفه يملك رقما مشابها، لكنني بالفعل لا أتذكر أسماء الناس سوى نادرا فكيف لي بتذكر أرقامهم؟

دخلتُ لأرى الرسالة، وقد بدت لي غريبة في الواقع، وجعلت ملامحي تتلطخ بجميع ألوان الدهشة والتشوش والإستغراب.

رسالتان، لم أفهم منهما شيئا سوى أن صاحبهما يخاطبني، لأنه قد كتب أحرف إسمي جميعها في أول رسالة..

<آشريا آرمستون.>

<ألا تريدين إنهاء هذه المهزلة؟>

رمشتُ في وجه شاشة هاتفي، قبل أن تنطفئ بعد فترة لأنني لم ألمسها لوقت يزيد عن خمس دقائق، فقد كنتُ مشغولة بالتفكير بالمهزلة التي يقصدها صاحب الرسائل؟

إستنشقتُ الكثير من الهواء قبل أن أُشعِل هاتفي، وأكتب ردا موجزا وأرسله.

<من أنت؟>

<وعن أي مهزلة تتحدث؟>

كانت رسالة غبية، وإستفسارات قد تجعل أي شخص يقرأها يضحك، لكنني لم أكن مهتمة، بقدر ما كنتُ أهتم بمعرفة هوية المرسل.

إهتز هاتفي وسط كفّ يدي، معلنا عن وصول رسالة جديدة، من طرف ذات الرقم، ودون أي تردد فتحتُ الدردشة مرة أخرى، لكن ما بلغني منه كان مختلفا تماما عما تخيلته، بدل أن أجد إسمه، وجدتُ دعوة مختصرة، أو إستدراجا إن صح القول.

<لو أردتِ معرفة الإجابة، قابليني الآن بـسطح مبنى الثانوية، أنا أنتظركِ هناك.>

تسابقت دقات قلبي أيُّها التي ستصل لمسمعي أولا، وقد شعرتُ بالخوف، الفزع، وكثيرٍ من التوجس، مقابلةٌ بسطح الثانوية؟ أليس مكانا مناسبا لإستدراج ضحية وقتلها هناك، ثم سيبدو الأمر وكأنه إنتحار؟

إلا أنني، وببساطة، إستقمتُ من مجلسي، ورفعتُ رأسي حتى يتسنى لي رؤية آخر طابق، كنتُ أعلم أن في نهاية هذا الدرج الحلزوني سأجد سطح المبنى، وقد كنتُ أريد أن أغذي فضولي، أن أعرف الشخص الذي يراسلني، وما نوع المهزلة التي يقصدها، وحتى.. نوع الحلول التي يخفيها.

صعدتُ أول درجة، وصعدت الحرارة لجسدي، أشعر بالغموض يلفني من كل صوب، وأنا لم أحبب هذا الشعور البتة.

في منتصف الطريق شعرتُ بأنني أتهور، وما كان أكثر تهورا هو إستمراري بالصعود، غير آبهة لكل صافرات الإنذار التي ترن بعقلي، ولا حتى الافكار التي راودتني حول أن يكون صاحب الرقم المجهول هو نفسه ثريش الذي يتنمر علي بإستمرار طوال الأيام الأخيرة.

وبمجرد التفكير مجددا، أُدرك أنه ليس بتلك الشجاعة التي تدفعه لقتلي في سطح مبنى الثانوية، لأنه دوما ما يتعمد فعل ألاعيبه في الأوقات التي لا يكون فيها أي معلم بالجوار، والأيام التي يغيب فيها المدير، واليوم بالذات أذكر أنني رأيتُ مدير الثانوية يتجول في أحد الأروقة ويصفر بإستمتاع.

وصلتُ أخيرا لأمام الباب الذي يفصل بين درج الطوارئ والسطح. وبقيتُ واقفة متصنمة مكاني لفترة قصيرة، قبل أن أحاول تشجيع نفسي ثم أدلف للداخل وحرصتُ على أن يبقى الباب مفتوحا على مصرعيه خلفي.

وفورما تخطيتُ العتبة، كان الهواء قد صفع وجهي دون رحمة، يعبث بخصلات شعري الطويل ويجعله يتطاير ويتناثر بحرية، لدرجة أنني وجدتُ صعوبة في الرؤية أمامي، ولكن رَغم كل هذا، كنتُ قد رأيتُ فتًى. يجلس على حافة السور ويعطيني ظهره بينما أقدامه تتدلى بالجهة الأخرى حيثُ ساحة المدرسة، وكم بدت وضعيته مخيفة آنذاك، تبث بشعور ساحق لتتزعزع السكينة من حولي.

ولم أكن أحتاج الكثير من النباهة والذكاء لأعلم أنه من راسلني.

زفرتُ أنفاسا مرتجفة وإحتضنتُ نفسي بشدة بسبب برودة الطقس، ولم أتقدم للأمام حتى الآن، بل إستمررتُ بالوقوف ثابتة، أراقب ضهر هذا الفتى وشعره الأدهم، والذي أستطيع تخمين أنه في أواخر السابعة عشر بالتأكيد.

ثم.. وفي لحظة فاصلة، وكأنه إستشعر حظوري، قد إلتفت بشكل طفيف يتيح لي رؤية خده، وعظام وجهه، ورمقني بطرف عينه الخضراء، ليجعلني أرتعش مكاني، بصفعة من الإدراك، أنني أعرف هذا الفتى.

لكن لم ارد إستباق الأمر، لربما يشبهه فقط، لأنه لو كان هو، فأستطيع أن أقول أنني أكثر فتاة بائسة بحظ سيئ في العالم.

«أتيتِ.»

نطق فجأة، يجعلني أفيق من شرودي وتمنياتي، ثم إستدار وأعطاني ظهره مجددا، دون أن يتيح لي فرصة رؤيته بشكل كامل، ولا أن أتأكد من شكوكي.

قبضتُ على هاتفي وتقدمتُ خطوة قصيرة، لكنني توقفتُ، أشعر بأنني لو أعدمتُ المسافة التي تفصلنا قد أندم. وعوضا عن ذلك تمتمتُ بنبرة خفيضة، مليئة بالتحفظ والحماية:

«أخبرني الآن، من أنت، وماذا تريد.»

لم يُجب، لكنني رأيتُ ضهره يهتز، مما أعلمني أنه شخر بسخرية مني، ولا أفهم، ما السبب الذي يدفعه ليسخر في خضم كل هذا؟

وسأعترف، شعرتُ بالغضب يتفاقم داخلي، فهو يبدو هادئا مسترخيا، بينما أن أرتجف خوفا وأغوص في حيرتي دون أن أجِد أي إجابات لأسئلتي.

«أخبريني أرمستون، هل أنتِ راضية عما يحصل مؤخرا في حياتك؟»

شعرتُ بالغرابة، سؤاله لم يكن ما توقعتُ سماعه البتة، لكن الإجابة صفعتني فورا، أنني لم أكن يوما راضية عما يحدث في حياتي، ولا أي شيئ فيها، كل ما أفعله هو أنني أفسد الأمور الجيدة، ثم استمر بعدها بالهرب.

«ما الذي تقصده بالظبط؟» إستفسرتُ، بنبرة أكثر هدوءً مما تصورت، وكأن فكرة الحديث عما لا أرضى عنه لا تزعجني بتاتا، لكن في الواقع؟ أنا منزعجة، لا أحب الحوارات التي تكون حول ما لا أحبه، لأنني أشعر بالعُري، وبأني شفافة وواضحة فوق اللازم.

«مضايقة ثريش لكِ وسط الجميع؟..» نبرته المقاربة للتساؤل، وكأنه ظن أن الأمر بديهي للغاية، وفي الواقع نعم، كان علي توقع هذا لأنه أكثر شيء لستُ راضية عنه مؤخرا، إلا أنه لا يسعني سوى التجهم، فلما هذا الطالب الغريب، الذي يرتدي زي الثانوية البني، ويجلس على حافة الجدار وكأن قلبه لا يحمل ذرة خوف، يتساءل حول هذا الموضوع بالذات؟

لما يتدخل في ما يعنيني؟ ودون أي تردد، أطلقتُ السؤال بنبرة جافة مليئة بالبغض والحذر:

«لمَ تسأل؟»

كنتُ أظن أن هذا السؤال سيجعله يخشى، أو يراجع نفسه ويتوقف عن الدخول في شؤوني، إلا أنه جعله أكثر ثقة، حيث قفز بسلاسة من فوق الجدار نحو أرضية السطح، متيحا لي فرصة النظر له وأخيرا.

ولستُ بحاجة لكي أصف مدى بُؤسي في هذه اللحظة، لأن تخميني كان صحيحا، هذا الفتى المألوف، الذي تمنيتُه أن لا يكون ما ظننته، كان بالفعل فتى شيكسبير، الفتى الذي إلتقيته ذاك الأسبوع في المكتبة.

وعقلي صار يصرخ بفزع، بأن الفتى الذي حذرتني بيوني منه، وقالت لي أنه سيئ بطريقة لا توصف، هو نفسه الفتى أمامي، نفس الملامح الحادة، نفس العينان اللتان تشعان كرها غير مفسر، وكأنه خُلق ليكره البشر جميعا.

إلا أن تفصيلة واحدة كانت ناقصة هذه المرة، نظارات القراءة خاصته، مما جعل هيئته تتقد أكثر__ فمسبقا، بتلك النظارات ظننته شغوف بالقراءة ومن الفئة المتفوقة، لكن الآن دونها كان يبدو كالفتى الذي وصفته بيوني، مليئا بالعدائية التي تدفعني لأتصلب، وأشدّ كتفاي بإستقامة رغبة في تقمس وضعية الهجوم والدفاع في الآن ذاته.

وأشكر نفسي لأول مرة لأنني فكرتُ بدهاء ولم أغلق باب السطح، مما سيسهل علي الهرب إذا ما لحظتُ شيئا يدعو للتوجس.

حَشر فتى شيكسبير _ولا أفهم سبب تلقيبي له بذلك_ يداه في جيوب بنطاله، نظراته تتفحصني عن كثب، تحللني، تقرأني، وتزيل عني قشرتي التي أرتديها منذ زمن.

وفجأة، قرر أن يبتسم بجانبية بينما يخطو ناحيتي ببطء كمفترس وجد ضحيته المناسبة أخيرا، وعلى عكس ما يأمرني به عقلي كي أهرب، بقيتُ واقفة مكاني، أمثّل الشجاعة حتى وإن كانت أصابعي داخل جيوب معطفي ترتعش من القلق.

خطواته تقترب، وأشعر برائحته أكثر، لتخنقني، مزيج من غسول الثياب بنكهة الفانيلا و دخان السجائر الذي جعلني أتوقف عن إستنشاق الهواء لوهلة، كوني إسترجعتُ ذكرى سيئة بخصوصها حول كيراس.

ولكنه لم يعطني الكثير من المساحة، إذ إقترب حتى تلاقت أطراف أحذيتنا، وبات لا مهرب لي من رائحة سجائره، ثم نظر لي من علوه ذاك، يجعلني أرفع رأسي بإنزعاج تام وأتراجع خطوة حتى أحافظ على حدودي التي لا أحب لأحد أن يتخطاها، ولحسن الحظ لم يقترب مجددا ويقطع المسافة بيننا مرة أخرى.

«لمَ أسأل؟» كرر سؤالي، يجعل ذهني يتخبط رغبة لمعرفة الإجابة، كيْ أفهم الأسباب المجهولة وراء دعوته لي لهذا المكان، الذي أستطيع التخمين أن لا أحد يأتي هنا عداه، ثم يباشر الحديث حول مشاكلي وكأنها تهمه.

«لأنني أعرف جيدا كيفية حلّ الأمر، وإيقافه.» أكمل، مشيرا في نهاية حديثه لثريش.

جعدتُ جبيني، أدرك جيدا أن هذا الشاب أمامي يستحيل أن يقدم شيئا بالمجان، ولا داعي لأكون فطنة جدا لأفهم أن هناك رغبة تختبئ خلف يد المساعدة التي يمدها نحوي.

«وماهو الحل؟» أسأل، دون أن أستفسر عن المقابل، فأدعي الغباء، لأنه في النهاية مجرد تحليل مني، فماذا لو كان ينوي مساعدتي دون شروط وأنا أسأله عن الثمن؟ حينها سيطالب بمقابل ما دون شك أوليس؟

ضيق عيناه نحوي، وكأنه يزن كلماته قبل أن يشي بها، إلا أنه فاجئني وأثبت كل شكوكي السابقة قائلا:

«الحل الذي سأقدمه يحتاج عطاءً من طرفك، عليكِ أن تساعديني في المقابل.»

أجل، كما إعتقدتُ تماما، هو يعتمد مبدأ المصلحة، يعطي شيئا مقابل أن أقدم شيئا مماثلا، ولكن لإبعاد ثريش عن طريقي من المؤكد أنني سأحتاج كثيرا من المساعدة من طرفه، وما يعني أن الثمن الذي سأسدده سيكون مضاعفا.

لكن جانب بي، يقول لي أن لا أهتم للشيء الذي سأقدمه، بل حقيقة أنني سأتخلص من ثريش، وأن يتوقف الجميع عن السخرية مني بهمس كلما مررتُ وكأنني حشرة صغيرة يستمتعون برُؤيتها تُسحَق.

أجل، جانب مني كان متوقا لسماع الحل الذي يملكه، وبمعرفة نوع الترياق الذي بحوزته.

«أخبرني بما تريد، قد أستطيع فعلها.» تمتمتُ أحثه ليكمل، دون أن أحاول إظهار القوة التي لا فائدة منها في هذه اللحظة، أو إستخدام كبريائي وأقول أنني لستُ بحاجة له.

لأنني بحاجة للمساعدة بشدة.

«في مقابل ما سأفعله، عليكِ جعل شقيقتي الصغرى تصالحني، وتعود للتحدث معي.»

ماذا؟

رفعتُ كلا حاجباي في دهشة، كان هذا أغرب شيء سمعته في حياتي، أو بشكل خاص، فقد كان هذا آخر ما توقعتُ أنه سيقوله.

أن تصالحه شقيقته؟

لا يبدو كأمر صعب..

ولا يبدو أن بيوني كانت محقة حين أخبرتني أنه سيء، لا يوجد شخص سيء يهتم بمصالحة أخته الصغرى ويقرأ لشيكسبير، كل شيء متناقض بشدة..

لكن الرجاء الطفيف الذي مر فجأة عبر عُشبيتيه وإختفى بنفس السرعة، جعلني لا أقدر على الرفض ولا حتى القبول.

ولم أشأ التسرع، بل بدلتُ بصري بين عينيه، وحين تساقطت أول قطرات المطر، كنتُ أستفسر:

«إذا كان هذا ما علي فعله، فما الشيء الذي ستقوم به أنت لأتخلص من إزعاج ثريش؟»

«نتواعد.»

رمشة، رمشتين، وثلاث.

بحلقتُ به وكأن ما سمعته لتوي كان مجرد تخيلات من عقلي وهراء، لكن النظرة التي تعتليه الآن، الجدية التي تنتشر على كل ملامحه، تجعل عقلي يغوص في إدراك أنه لم يكن مجرد خلل في السمع كما ظننت، وهذا كان كافيا لأقهقه بصدمة، ضحكتي التي خرجت هامسة خافتة قصيرة، لم تنل إعجابه أبدا على ما يبدو..

«لا أمزح.» أردف بحدة، بكلمة قاطعة، يجعلني أبتلع أنفاسي، لأن فكرة المواعدة التي جاء بها لا تدخل العقل ويصعب إستيعابها.

«لنتواعد، آشريا أرمستون.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إحتراقُ الفراشة.

المؤلف arancia__s
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة