الماضي:
19/10/2021
الثالثة مساءً.
كندا، إدمنتون، مقاطعة ألبرتا.
تكرر شريط اليوم بعقلي مرارا، بينما أستشعر قطرات الماء الساخن تنزل فوق رأسي وتنهمر كعدد الأفكار التي زارتني طوال الساعات الماضية.
كبلني الإرهاق وقيد يداي، لم أعد أعلم ما علي فعله ولا القرار الصائب لأتخذه، لكن ما عرفته أن على أخي ترك التدخين وبأي طريقة كانت.
إلا أنني عاجزة، لا أعرف.. كيف سأفعلها؟ هل علي إخبار ماما؟ ما أعلمه أن هذا الخيار غير مستحسن، لو علِمتْ فهي لن تتعامل مع الموضوع بالمنطق، بل ستجرفها مشاعرها وستجعلها تعاقبه بشراسة، ولربما ستتخذ الضغط كأسلوب حتى تجعله يعدل عن فعلته.
وماذا سيحدث بعدها؟ سيصبح ساخطا غير راضٍ عما يحدث، ويدخن خلف ظهرها، أسلوب الإجبار لم يكن يوما حلا للتوقف عن التدخين، ولربما أنا لا أتخطى السادسة عشر بعد من عمري لكنني واعية بالفعل بما قد يحدث لو تم إجباره وأمره، إنه أخي في النهاية وأعرف طبعه العنيد.
كما أنه لا يمكنني غض البصر عن أعراض الإنسحاب، وهذا يجعلني أختنق من فرط العجز، حتى لو أردتُ حل الأمر دون إخبار أحد فهذا سيأخذ وقتا طويلا..
أنا.. أنا مرهقة! كل شيء يحدث الآن أضخم من أن أستحمله وحدي، كل شيء يفوقني ويضغط علي.
بعثرتُ خصلات شعري المبتلة بسخط واضح، ثم خرجتُ من أسفل المرش، وأمسكتُ المنشفة المعلّقة بغضب مكبوت وأنا أفكر: لما يحدث لي هذا؟ لما أنا بالذات؟ هل آذيتُ أحدا حتى يعود علي الضرر؟ لم أفعل أقسم.
لففتُ المنشفة حول جسدي وخطوتُ بإتجاه المرآة بشرود وعقلي يعصف بين إخبار والدتي أو عدم إخبارها، أنا أحتاج شخصا يفوقني خبرة ومعرفة حتى يساعدني على تحمل العبء، لكن لا أريد أن أخون ثقة كيراس أيضا، لو أخبرتها فسيصبح حريصا على عدم الإفصاح عن أي سر لي، وسيظل متخوفا من فكرة إخباري بأي شيء يحدث له ولو كان بسيطا.
وأنا لا أريد هذا لا أريده!
رفعتُ يدي ومسحتُ طبقة الندى من على سطح زجاج المرآة التي خلفها بخار الماء الساخن، وكم شعرتُ حينها بالدونية لمّا رأيتُ إنعكاسي، حتى أن كتفاي المشدودان قد إنخفضا بإدراك، أنني بدوتُ بشعة للغاية هذا اليوم، ورآني إدريان بهذه الملامح الباهتة، حتى أنه رآني أبكي..
يا إلهي! كيف يمكن لهذا اليوم أن يزداد سوءً؟
لكن.
لكنه يعرفني، يعرف إسمي.. ما الذي يعنيه هذا؟ أكان يلاحظني؟ إبتسامة صغيرة إنتشرت على وجهي قبل أن تُقمع حينما بزغت فكرة في ذهني، الجميع يعرفني في تلك الثانوية بالفعل، وليس من الغريب أن يحفظ الآخرين إسمي حتى وإن لم أعرفهم.
أي أنه ليس إستثنائيا..
لكن.
لقد خرج من منزله في ذاك الجو الماطر بثيابه تلك فقط ليقيني برد الشتاء، لا يمكن أن يفعل الجميع هذا لي! ولا يمكنه أن يفعله للجميع أيضا.
لكنني لستُ إستثناءً، لم أكن يوما إستثنائية لأحدهم.
لكن.. كفى لكن يا آشريا ولا تتوهمي!
حبستُ أنفاسي أراقبُ إنعكاسي بذعر، هي قاسية للغاية نحوي، قاسية جدا! أم أنا القاسية تجاه نفسي؟
خرجتُ سريعا من الحمام قبل أن أُجن، وقادتني قدماي ناحية الخزانة بزاوية الغرفة، لأقتني إحدى أثواب نومي المفضلة بلونٍ بني محبب لقلبي، لعل هذا يكون الحسنة الوحيدة لليوم.
جلستُ على سريري بعد أن إرتديتُ ملابسي وشرد بصري في الفراغ بينما أجفف شعري بالمنشفة، للآن لم أتوصّل لأي حل، لكنني أدرك أن أول خطوة هي التكلم مع كيراس، معرفة السبب الذي دفعه لهذا الفعل، وإقناعه بالعُدول والتوقف.
إن لم يفعل، سأخبر والدتي حينها.
زفرتُ ببعض العصبية حالما تشعّبت أفكاري، أنا أفرط في التفكير، وهذا مؤذٍ بشدة.
جفلتُ حالما فُتح باب الغرفة ليوقظني من لحظتي، وأطل كيراس من خلفه يجعل من ملامحي ترتخي بشجون، وماهي إلا ثواني حتى أزحتُ بصري عنه، لا زلتُ مستاءة، غاضبة، ومخذولة..
لم يسبق لي أن تخيلته يفعل شيئا مماثلا، لربما هي مجرد سيجارة، لكنه أعقد بكثير من ذلك، أعلم أن من بعمره يقع في هذا الخطأ وأنه كان علي عدم تهويل الموضوع بشدة، لكنه يظل أخي، أخي الذي أحب.
«آشريا..» همس، بصوت تشوبه الحرقة كان قد نطق إسمي، يجعلني أُفلتُ المنشفة من بين أصابعي وأحشرها بحضني مخافة البكاء والإنفجار.
رأيتُه بطرف عيني يتقدم بخطوات محمولة بالتردد، حتى وصل إلي وركع على ركبتيه أمامي، وظل كلانا غارقان في صمتنا، لا أحد شجاع كفاية للنظر في وجه الآخر، وبعد دقائق قصيرة أرخى رأسه في حضني، ملقيا كل همومه وأثقاله.
«أنا آسف»
توقفتُ عن سحب الهواء لرئتاي لعدة لحظات، أستوعب نبرته المرتجفة، كتفيه المهزوزين، ودموعه التي أحسستُ بها تبلل ثيابي.
كم كان قاسيا علي هذا، ولم أستطع أن أحافظ على كبريائي أكثر وأستمر بمخاصمته، إذ إنحنيتُ نحوه وأسقطتُ رأسي فوق شعره دون إهتمام بكون الوضعية متعبة.
كم كنتُ أحتاجه.
«لما؟ فقط قل ما الذي دفعك لهذا؟» باشرتُ الحديث دون أن أستقيم، رغبة في أن لا ينظر لعيناي، ولا لملامحي المنهزمة الآن، وأخذ منه الأمر دقائق طويلة قبل أن يجيب:
«لا أدري، لستُ أدري كيف خضعتُ لهم، أردتُ فقط أن أثبت أنني لستُ ضعيفا كما قالوا..»
كلماته المليئة بالندم جعلتني أكثر إستياءً، ولكن هذا لم يمنعني من إبراز سخطي والتصريح:
«إن إنصياعك لأقوالهم وحده كافٍ ليبرزك ضعيفا، ومنذ متى كان التدخين رمزا للشجاعة؟»
تزامنا مع كلماتي الأخيرة شعرتُ به يلف ذراعيه حول جذعي، يعانقني ويحتوي مشاعري، ولأن طريقة جلوسي هذه قد آذتني بدأتُ أزحف من فوق السرير نحو الأسفل حتى أصبحتُ أجلس بجانبه، إلا أن لم يرفع رأسي نحوي وإستلقى على الأرض دون أن أن يبعد رأسه عن حضني.
«عليك التوقف، عدني أنك ستتوب عن فعلتك.» نطقتُ بجدية بالغة، أحاول قدر الإمكان أن لا تبدو نبرتي تهديدية وألا أتحكم به، وأن ألتمس عاطفته.
«سأفعل أعدك.» غمغم بخفوت، وجملته القصير كانت كفيلة بجعلي أزفر نفسا مرتاحة وأشعر بالحياة تتسلل لقلبي.
«حقا؟» «حقا.»
«كم سيجارة تدخن في اليوم، كيراس؟» بعد لحظات قصيرة من الهدوء كنتُ قد سألته، ولعل هذا شيء لم يكن يتوقعه لأنه قد رفع رأسه نحوي وإستقام جالسا أمامي، مما أتاح لي رؤية أعينه المليئة بالدمع.
«لما تسألين؟» أردف بإستنكار، لأرفع حاجبا وأرمقه دون إجابة، بربك أنت المذنب هنا فلما تعترض؟
«سيجارتين.» أجاب أخيرا، وربما لم يكن الأمر بالسوء الذي توقعته، أو فقط أنا الغبية بشكل مبالغ لأتخيل أن العدد سيكون علبة كاملة.
«فلتقلص العدد هذا الأسبوع لسيجارة واحدة.»
حين إنتشر الإدراك بمقلتاه البنية علمتُ أنه فهم ما أرمي إليه، لأنني كما فكرتُ سابقا أعراض الإنسحاب هي شيء لا يمكنني الغفل عنه، وإن كانت مجرد سجائر.
«تصالحنا؟»
كلمته القصيرة نشرت بعقلي الحيرة، قبل أن أدرك أنني بدوتُ هذا الصباح كمن خاصمه، ولربما فكرة أنه خائف من خصامي له كافية لجعل الإبتسامة تنتشر على وجهي، ولم أتردد بالإقتراب منه وتطويق عنقه، حتى أثبت له أنني لم أعد غاضبة.
الآن، في هذه اللحظة بالذات، كنتُ قد حللتُ المشكلة التي جعلتني يائسة لساعات، وهذا كفيل بجعلي أستوعب حجم العالم، وكم أننا نفكر في أشياء تفوق حجمنا ثم في لمح البصر تُصبح صغيرة، أصغر مما تخيلناها، وكأننا كنا نبالغ فقط.
ربما كل ما يستوجب علي فعله لحل مشاكلي هو عدم التفكير بها لوقت طويل، حفاظا على عقلي، وأن أذكر نفسي أن كل شيئ سيُحل.
୭ ˚❆ ○◦˚☃˚◦○ ❆˚ ୧
ا
لحاضر:
02/10/2022
الثانية بعد الظهر.
كندا، مقاطعة كيبيك، العاصمة.
أغلقتُ باب المكتبة بخفة بينما تتناقل عيناي بين الرفوف والطلاب المنتشرون في كل طاولة، كان المكان ليكون هادئا لولا بعض الوشوشات بين إحدى المجموعات في الزاوية، وصوتُ تقليب الصفحات المنتشر.
رمقتني أمينة المكتبة من أسفل نظاراتها، والتي بدت في العشرينات من عمرها، مما جعلني أطيل النظر بها وأتسائل كيف يمكن لشابة أن تعمل بالثانوية، بينما من المفترض أن تذهب للجامعة، وحين إستوعبتُ أنني بالغتُ في التحديق قمتُ برسم إبتسامة نحوها وقد بادلتني على الفور بأخرى دمثة.
توغلتُ للداخل بينما أنبش ببصري عن إحدى الكتب التي قد تنفعني، وفي طريقي قد لاحظتُ عديدا من الوجوه المألوفة، التي لربما تدرس معي بنفس الصف، أو فقط رأيتهم بأوقات الإستراحة، لا أذكر بالظبط.
إقتنيتُ كتابين من قسم الرياضيات وحشرتُ نفسي في طاولة بإحدى الزوايا، ثم بدأتُ بمحاولة فهم الدرس الذي كان قد فاتني، أكثر ما أكرهه في الرياضيات هو ترابط دروسها، أي أنني لو لم أفهم أول درس فلن أفهم البقية، كم أمقتُ هذا الأمر.
مرت الدقائق، وأنا لا أزال عالقة بأول معادلة بالفعل، أشعر بالغباء أمام صفحة مذكرتي الفارغة، وقلمي يترنح بين أصابعي دون أن أستعمله، وكم شعرتُ بالجهل في هذه اللحظة، لكنني لم أرغب بتخطي المعادلة وإلقاء نظرة على الحل، بل أردتُ أن أنجز هذا بنفسي.
أذكر أنني السنة الماضية قد حللتُ عددا وفيرا من هذه المعادلات، لما أنا الآن لا أستطيع؟
زفرتُ نفسا حانقا وقلبتُ الصفحة إستسلاما، أقرأ سطور الحل في أسى وأتذكر الصِّيَغ التي تناساها دماغي، عليكِ التركيز آشريا!
بدأتُ بتدوين الحل على مذكرتي، في محاولة بائسة لحفظها، لكن كل ما تردد في ذهني هو أنني لم أعد متفوقة كما كنت، ولربما هذا قد يؤثر على معدلي في نهارة السنة، أو أسوء.. أن لا أُقبل في جامعة مرموقة كما ترجو والدتي.
فككتُ عقدة حاجباي وحاولتُ إبعاد الأفكار السلبية _التي تعيش أساسا في عقلي_ ثم باشرتُ بحل المعادلة نفسها دون أن أغُش، وكدتُ أنتقل لمعادلة أخرى لولا جلوس إحداهن على الكرسي أمامي، حينها رفعتُ رأسي لأرى الدخيلة.
كانت بيوني، بإبتسامة نقية وعدة دفاتر في حضنها، لذا إبتسمتُ دون شعور، أراقبُ خجلها وهي تهمس:
«ألا بأس ببعض الرفقة؟»
إتسعت إبتسامتي أكثر، بطريقة ما، كلما رأيتُها حولي أشعر بكيراس يطبطب على كتفي، وكأن الرب أرسل لي نسخته حتى تواسيني في وحدتي بكيبيك. رَغم أن بيوني لا تشبه كيراس في أي شيء سوى العمر، لكن الشعور الذي ينتشر بقلبي حين أرى بيوني هو نفسه حين أكون مع كيراس.
«مرحبٌ بكِ دوما، بيوني.»
إنقشع حرجها وتركت كتُبها على الطاولة، لتباشر هي الأخرى بحل وظائفها، وعدتُ أنا أيضا للتركيز في المعادلة التالية.
مر الوقت هكذا، تتناقل كلتانا بين الكتب والأقلام، في صمت مريح، وإبتسامات عابرة.
خللتُ أناملي وسط خصلات شعري بينما أراقب الخربشات التي خلفتها على المذكرة، أكاد أجزم بأن كوابيسي في الأيام القادمة ستكون عن الرياضيات.
رفعتُ عيناي سريعا ناحية بيوني التي بدت منهمكة في إحدى الصفحات، ثم نظرتُ للبقية في المكتبة، والآن فقط أدركتُ أنها أصبحت أشد خواءً من السابق.
«أظن الوقت أصبح متأخرا، كادت ساعات الدوام تنتهي، ما رأيُكِ أن نذهب؟»
نطقت بيوني فجأة بالأفكار التي كانت تدور بذهني، لهذا أومأتُ لها بموافقة وأنا أجمع أقلامي المبعثرة.
وبينما كنتُ أفعل، لمحتُ شابا يرتاد الطاولة خلفنا، وأذكرُ أنني رأيته سابقا بالصف.
كان يرمقني بنظرة عدائية بعض الشيء، ويحمل إحدى مؤلفات شيكسبير بين يديه، لِما ينظر لي وكأنني سرقتُ إحدى ألعابه؟ عقدتُ حاجباي أراقبه بإستغراب، وزاد إستهجاني لمّا قلب عيناه وعاد لقراءة روايته.
أيمزح؟
ما الذي فعلته لينظر لي أحدهم بهذه الطريقة؟
ليس وكأنه رآني أفعل شيئا محرجا. أزحتُ عيناي عنه حينما نادتني بيوني، ودُهشتُ عندما سألتني:
«أتعرفين ذلك الفتى؟»
لم يكن سؤالها فضولا، بل أقرب للخوف، وكأن أمانيها تتمحور الآن حول أن أجيب بـ'لا'، وببساطة نفيتُ برأسي تزامنا مع إمساكي لحقيبة ظهري بيد، وكتب الرياضيات بأخرى وأنا أستقيم من مقعدي.
«حمدا لله، حاولي تجنبه قدر الإمكان عزيزتي.»
لم أستغرب هذه النصيحة، هو بدى كشخص لا يُمزح معه، لكن مع ذلك، لم أمنع نفسي من سؤالها بينما أحشر الكتب بإحدى الأرفف:
«لمَ؟»
«لأنه سيء بالشكل الكافي الذي سيدمر سمعتك لو رآك أحد ما معه، لذا فقط لا تفعلي. الجميع يكرهه.»
كانت تتحدث بنبرة مليئة بالحقد، ولا أدري لما شعرتُ ببعض الغضب فجأة، لا أحب من يستبق الأحكام حول شخص ما فقط لأنه مكروه من الجميع! رغم أن نظرته نحوي لم تنل إستحساني، لكنه يظل بشرا، ولا إنسان في الدنيا يستحق هذا الكره.
ولعل بيوني قرأت هذا بسبب تعابير وجهي، لأنها فورا وضحت:
«صدقيني آشريا، هو يستحق هذا الكره، إنه سيء بدرجة لا تتصورينها، فقط تجنبيه كنصيحة مني.»
خرج كلتانا من المكتبة، وبينما أخطو بجانبها كنتُ أفكر في التناقض بين ما قالته وبين ما رأيته، أعني، إن كان بهذا السوء فلما يقرأ لشيكسبير؟ أدركُ أن لا علاقة لهذا بذاك، لكنني متيقنة من أن السيئين لا يقرأون الروايات، ولا يضيعوت أوقاتهم في مكتبة الثانوية.
هو يبدو كدود كتب في النهاية أكثر من شخص مكروه بين الجميع. خصوصا نظارات القراءة التي تخفي عيناه الخضراوتين، أستطيع تخمين أنه متفوق في الدراسة دون شك.
لكن في النهاية أنا لا أهتم. لأنني ببساطة سأتجنبه كما نصحتني بيوني حتى أعيش هذه السنة بهناء.
لأن لا قدرة لي للحصول على سنة سيئة كما السنة الماضية.
أفقتُ من شرودي على نسمات الهواء القارصة، لذا عقدتُ ذراعاي بشدة حول معطفي القصير، وتجاوزتُ حدود الثانوية أشعر بالحرية أخيرا، يبدو أنني أصبحتُ أكره المدرسة، كإحداهن تماما.
فورما تذكرتُ سينيثيا، إنتشرت إبتسامة دافئة على شفتاي، وبعدها حاولتُ تدارك حديث بيوني بجانبي.
.
.
.
اليوم التالي.
الضجيج من حولي جعل رأسي يطرق ألما، أكثر ما أكرهه هو ساعات الغذاء في الكافيتريا، لأن الجميع من حولي يبدون وكأنهم قد هربوا من الأدغال، مراهقون هُمّج.
كانت أوريا بجانبي _الفتاة التي رافقتني يومها لمكتب المدير_ تُثرثر كعادتها حول مواضيع تفيدني، عن الدراسة والإختبارات وما فاتني في أول أسبوع حين لم أستطع الحضور بسبب إنشغالي بالإنتقال لكيبيك وما إلى ذلك.
«أتعلمين.. أنا أنوي الإجرام في حق معلم التربية البدنية» قالت فجأة، تنتقل من حديثها حول مادة الإنجليزية لهذا الموضوع.. الغريب نوعا ما.
رمقتها بإستغراب، كانت تقضم طعامها ببعض العنف وفي مقلتاها الكثير من الغضب.
«ذاك الخسيس، لقد ضمني لمجموعة رايليس كعقاب لأنني غبتُ الحصة الفائتة، هو يعلم أنني أخاف ذاك الفريق.»
«لم أفهم شيئا أوريا.» همستُ، رغبة في عدم التقليل من غضبها وحثها على الشرح أكثر.
«أنا قد أضفتُ الكرة الطائرة لدوامي الدراسي هذه السنة، كونني بحاجة لمعدل مرتفع لدخول إكسفورد.»
أومأتُ لها، أتجاهل الأصوات برأسي والتي تحثني على فعل نفس ما فعلته أيضا. أن أضيف الكرة الطائرة للمواد التي أدرسها سيُحدث فارقا في ملفي ومجموع نقاطي. لكن لستُ متأكدة إذا ما كنتُ أستطيع..
«والحصة الماضية غبتُ، ليس وكأن الموضوع كان بيدي لكن والدتي لم تكن بالمنزل يومها وأضطررتُ لأجالس أختي الصغرى.»
حسنا إنها مجرد حصة، لما غضب هذا المعلم منها؟ يبدو صعب المراس.
«حين أخبرتُ المعلم بعذري قال أن هذا لا يشفع لي وسيعاقبني، فنقلني من فريقي، هذا ليس سيئا بقدر ما أن الفريق الآخر تحت رئاسة رايليس رينارد.»
عقدتُ حاجباي بإستغراب، أحاول أن أفكك حديثها، هل رايليس هذا سيئ؟ لما تبدو كمن يعيش كابوسا ما؟
«ومن هذا؟»
«إنه يدرس معنا، لقد تغيب اليوم من حسن حظ الجميع، حين يكون حاضرا سأريه لكِ.»
كم شخصا في هذه المدرسة يعتبرونه بؤسا؟ البارحة فتى شيكسبير واليوم هذا الفتى. هززتُ رأسي بسخرية وعدتُ لتناول طعامي، كل ما علي فعله هو تجنبهم، عدم الإختلاط بهم، حتى أعيش بهدوء دون الكثير من الدراما.
إنتشر الصمت في المكان فجأة، يجعلني أرفعُ رأسي بتعجب، ولاحظتُ أن الجميع بمن فيهم أوريا يوجهون أبصارهم نحو بقعة واحدة، أو بالأحرى شخصين في الوسط.
شاب بشعر أصهب، وفتاة تحمل صينية طعامها، ما الذي يدفعهم للمشاهدة والتوقف عن إصدار الضوضـ.. مهلا! أتِلك بيوني؟
إرتفع حاجباي بذهول أراقب، كانت ملامح الفتى عابثة، ساخرة، ومليئة بالحقد، يطلق ألفاظا هامسة لا تصلني، وأستطيع أن ألاحظ إرتجاف بيوني هناك.
ما الذي يريده منها؟
كدتُ أقف لولا إمساك أوريا لمرفقي، ونظرت لي بتحذير ثم همست:
«ماذا تظنين نفسكِ فاعلة؟ أتريدين أن تصبحي ضحيته التالية؟»
جلستُ مكاني، ومعالم وجهي تلطخت بالحيرة، ثم عدتُ لمراقبة المشهد، لا بأس آشريا هما يتحدثان فقط..
لكن ما الذي تقصده بضحية؟
«أين أخاكِ بيوني لا تجعليني أكرر كلامي!»
إرتعدت أواصلي على صوته الذي إنبثق فجأة في المكان، وتراجعت بيوني للخلف خطوة، إلا أنه كان أسرع وقد أمسك فكها بيده اليمنى مقتربا منه.
لا يمكنني أن أجلس وأشاهد وكأن الأمر لا يعنيني!
هي تعتبرني صديقتها!
إستقمتُ من مكاني، وقبل أن أخطو كان قد أمسك صحن الأرز خاصتها وألقاه فوق شعرها، ليشهق الجميع، أسرعتُ نحوهما دون تحكم في قدماي وأمسكتُ بيوني أخفيها خلفي.
أعلم أنني متهورة خرقاء. لكنها بيوني، الفتاة الوحيدة التي رحبت بي هنا.
«أبعد يدك القذرة عنها يا هذا!»
صرخت، ثم رمقتُ الجميع بإستصغار، كيف تسول لهم خاطرهم أن يراقبوا فتاة بعمر السادسة عشر تتعرض للتنمر دون أن يدافعوا عنها؟
أعدتُ بصري ناحية الفتى الأصهب، الذي كان يرفع حاجبه بإعجاب، وفجأة، إنبثقت إبتسامة جانبية على شفتيه، جعلتني أتوجس، وأتراجع للخلف رفقة بيوني.
وحتى لا أصبح ضحيته التالية كما حذرتني أوريا، غادرتُ المكان وأنا أحيط ذراعي بكتف الأخرى.
arancia__s