دخلتُ غرفة الاجتماعات فوجدته جالسًا، نظر إلى ساعته ثم صوب نظره نحوي بحدةٍ وغضب، وتحدث بصوتٍ قاسٍ:
ألا تعلمين كم الوقت الآن؟ أم أنكِ لا تعلمين كيفيه قراءة الساعه بعد؟
-- أعتذر حقًا، لقد...
- لا أريد سماع أعذاركِ التافهة تلك. هذه شركة للعمل وليست للإعذار.
-- ولكن هذه أول مرة أتأخر فيها.
- ما هذا الهراء الذي تتحدثين به؟ لا ينبغي عليكِ التأخر أساسًا، أنتِ لا تعملين حتى كما يعمل الآخرين.
-- وهذا بفضل من؟! إنه بسببك أنت بالطبع، لأنك لا تهتم بتخصص عملي وتكلفني مهامًا ليست من اختصاصي.
-اخفضي صوتكِ يا فتاة، وتحدّثي بأدب! لا أحد هنا يقول "هذا اختصاصي وهذا لا".
-- لكنك تضغط علي هكذا... ولم يمضِ على عملي سوى أسبوع.
-قلت لكِى ان تخفضى صوتكِ و تتحدث بأدب، وماذا أفعل لو مر أسبوع أو قرن؟ هذا هو العمل.
-- أنا لم آتِ إلى هنا لأكتب أفكارًا وتصورات لإعلانات أو لأنسق أوراقًا، جئت للتصوير.
-آه؟ وماذا ستصوّرين هنا؟ تعتقدين أنكِ ستمسكين بالكاميرا وتلتقطين الصور فقط؟
-- لا، ليس هكذا، لكن ربما أتدرّب، و اذهب لمواقع التصوير أو أي شيء بخلاف كتابة فكرة إعلان سخيفة.
-ماذا قلتِ؟
-- قلت لم آتِ لأكتب فكرة لإعلان طعام سخيف.
-"إعلان سخيف"؟ هذا الإعلان السخيف هو الذي سيدفع راتبك! وبدون فكرته السخيفة والترتيبات التي نقوم بها لن يكون هناك عمل تقومين بيه و لن تحصلِي على راتبك ولا أي أحد هنا، وتعلَمين ماذا هناك أيضًا، لن تستمرى في الشركة ولا في السكن و ربما و لا في البلد أيضًا. هذا الإعلان مصدر رزقك، لذا عليكِ أن تعملي بجدّ عليه.
-- ولكن...
-لا أريد سماع صوتكِ المزعج هذا بعد الآن. كفى من إضاعة الوقت. هل فهمتِ، أيتها الفتاة؟
-- لا تنادينى هكذا لدى اسم بالفعل، اسمي كارلا، وليست "فتاة".
حسنًا، كاا راا لا... لا أريد سماع صوتكِ أكثر من هذا، ولا أريد رؤية وجهكِ أيضًا
~~~~
جلستُ على كرسِيّ في حالة صدمة مما حدث، ومن طريقة حديثه العنيفة معي، كان عقلي مشتتًا، وداخلي بركان من الغضب، شعرتُ أن حرارته اجتاحت وجهي وأطرافي، نبضات قلبي تتسارع، وأسمع طنينًا في أذني.
لا أعلم كيف تمالكت أعصابي ولم أصرخ عليه بردًا قاسياً أو ألقمه فى وجهه.
تحدث لويس للباقين ليسألهم عمّا أنجزوه:
- جيمس، هل حجزت مكان التصوير؟
-نعم، وسيكون جاهزًا غدًا.
- هذا جيد. وأنتِ يا ريتا؟
-كل شيء على ما يرام، و سيكون الجميع جاهزون غدًا أيضًا.
- بيل، هل المصوّر جاهز؟
-لا.
- ماذا تقصد بـ"لا"؟!
-المدير قال إنه لا يجب إحضار مصوّر خارجي، ولدينا بالطبع كارلا.
- ما هذا الهراء؟! هي ما زالت مبتدئة، كيف ستكون مسؤولة عن التصوير بهذه السرعة؟
-- لكن يمكنني التصوير! أريد أن أكون المسؤولة عن هذا الإعلان، وإذا لم أنجح يمكنك طردي.
نظر إليّ بطرف عينيه بنظرة حادة، ثم اعتدل في جلسته وقال ساخرًا:
- هذا تحدٍّى... لا يجب أن تقولي هذا إلا إذا كنتِ واثقة مليون بالمئة.
-- أنا واثقة بعملي، وأعرف ما عليّ فعله. جئت إلى هنا من أجل هذا، لذا يجب أن تثق بي أنت أيضًا... سأريك ما يمكنني فعله.
رفع نظره إليّ مرة أخرى وقال:
ـ حسنًا يا كــااا-رلا... أريد أن أرى ما الذى تستطيعين فعله،
بيل، هل المعدات كلها جاهزة؟
-نعم، بالفعل رتبت جميع المعدات.
- حسنًا، لنرَ غدًا كيف ستكون "جلسة التصوير" الأولى لكِ يا كارلا.
....★....
انتهى الاجتماع، وخرجنا من الغرفة.
ذهبت إلى خارج المكتب ووقفت في الردهة، كان هناك شرفة تطل على الخارج، اقتربت منها أحاول تهدئة أعصابي الممزقة، وأُخفي غضبي الثائر، جسدي ما زال يرتعش، وأنفاسي متقطعة، كأن صدري لا يتسع للهواء.
ظللت أحدّق في السماء بضع دقائق حتى...
حتى بدأت الدموع تنهمر دون أن أشعر. كان عقلي شارداً تمامًا، ولم أدرك أنني أبكي إلا حين شعرت بيدٍ تُربّت برفق على كتفي، وصوت هادئ يقول:
-لا تبكي... سوف تنجحين، أنا أثق بك.
انتفضت من شرودي، ومسحت دموعي سريعًا، ثم التفتّ لأجد اندرو واقفًا خلفي، يحمل بيده بعض المناديل، مدّها لي بابتسامته الهادئة وقال:
-خذي وقتك... واهدئي تمامًا، ثم عودي، لا يجب أن يراكِ أحد بهذا الشكل.
كلماته هدّأت قلبي، ثم تركني ورحل بهدوء.
واقفت لبعض الوقت أستعيد أنفاسي، حتى شعرت أنني أستطيع العودة من جديد.
رجعت إلى مكتبي وجلست، أخرجت دفتري وبدأت أدوّن ملاحظات عن جلسة التصوير: الفكرة العامة، الترتيب الذي سأبدأ به في المشاهد، وأماكن و زاوية التصوير.
لكن التوتر لم يفارقني. كنت أُحدّث نفسي بصوتٍ داخلي مضطرب:
* كيف تضعين عملك ومستقبلك على المحك هكذا؟!
* لماذا تحدثتِ معه بتلك اللهجة الحادة؟ لقد فقدتِ عقلك حقًا...
* أنتِ التي لا تجادلين حتى نفسك، ولا تعترضين على أحد،
* كيف تتجرئين أن تواجهيه هكذا؟
* أعلم أنني مخطئة... لكن كل ذلك الضغط والتوتر جعلني أفقد أعصابي بالفعل....
~~~~
تفضّلي، صنعتُ لك كوب كاكاو ساخن لتهدأ أعصابك.
لقد كان أندرو مرة أخرى يقطع شرودي.
-- شكرًا لك، أندرو.
- لا تشكريني، لكن إذا أصبحتِ بخير فسأشعر بالراحة حقًا.
-- وكيف سأكون بخير وهذا الشخص يتعامل معي هكذا؟
- لا بأس، يجب أن تكوني سعيدة لأنك ستُثبتين قدراتك غدًا، ويجب أن تستعدي جيدًا لأول جلسة تصوير لكِ، أيتها الصغيرة.
كان يربّت على شعري وهو يقول كلماته الأخيرة بصوت هادئ.
*لا أعلم، هل يستفزّني هو الآخر أم ماذا يعني هذا التصرّف؟
نظرتُ إليه وابتسمت، ثم عدتُ إلى أفكاري مرة أخرى.
ذهبتُ للتحدث قليلًا مع بيل...
-- مرحبًا بيل، أريد سؤالك عن شيء، أتسمح لي؟
- بالطبع كارلا، تفضّلي.
-- ما هي ماركات الكاميرات التي سنستخدمها في التصوير غدًا؟ وهل معدات الصوت والإضاءة جاهزة؟ هل ستكون في موقع التصوير بالفعل أم يجب أن أحضر شيئًا؟
- كارلا، كل شيء سيكون جاهزًا غدًا في موقع التصوير، لا تقلقي. أما الكاميرات التي نستخدمها فهي دائمًا من أحدث الإصدارات، والتي ستستخدمينها غدًا من نوع SONY FX3، وهو آخر إصدار منها.
-- شكرًا لك يا بيل.
- على الرحب، أنا موجود دائمًا، لا تترددي في سؤالي عن أي شيء. ولا تقلقي، سأكون مساعدك الخاص غدًا.
-- حسنًا يا مساعدي، أتمنى أن نعمل جيدًا معًا.
تركتُ بيل وذهبتُ إلى مكتبي، أردتُ أن أبحث وأتعرّف أكثر على هذا الإصدار الجديد من SONY. لقد استخدمتُها كثيرًا، فهي من الماركات المفضلة لديّ، لكن هذا أحدث إصدار، ويجب أن أشاهد مراجعات عنه بما أنني سأمسك هذه الكاميرا لأول مرة.
بقيتُ على هذا الحال حتى انتهت ساعات العمل.
رتّبتُ أغراضي، ووضعتُ دفتر ملاحظاتي في الحقيبة، ثم خرجتُ من المكتب متجهةً إلى البيت.
....★....
لم أعد إلى البيت مُرهقةً فحسب مما حدث، بل عدتُ محطّمة.
قلبي ممزّق، ثقتي مهزوزة، عقلي شارد، أفكاري مُشتّتة، وأنفاسي... حتى أنفاسي أصبحت بطيئة متقطّعة. وبرغم برودة الجو من حولي، كنت أشعر بحرارة تشتعل بداخلي.
ليست حرارة غضب، بل حرارة خوف... خوف من المستقبل، خوف مما سيحدث غدًا، خوف من لحظة إثبات نفسي وذاتي، خوف من كل ما قد يترتّب على ذلك.
لقد زارني ضيف جديد بجوار الأرق... إنه الخوف.
كنتُ أتخيّل نفسي في موقع التصوير، أحمل الكاميرا وأحاول الالتقاط... فأخطئ.
أرى لويس يحدّق بي بعينيه القاسية ثم يطردني.
ما هذه الأفكار العجيبة؟!
أمسكت رأسي بكلتا يديّ وصرخت:
-- أرجوك، توقّف... توقّف عن تخيّل كل هذا، أرجوووك!
كنتُ أحدث عقلي وكأنه سيستمع لي.
هاها... لماذا لم يخترعوا حتى الآن أداة تهدّئ العقل وتوقف أصواتنا الداخلية السلبية؟
وفي النهاية استسلمت... ذهبت إلى سريري بجسد شبه ميت من شدّة الارتباك، وعقل مشتّت. أقسمت أن أنام هذه الليلة... لكن الكوابيس كان لها رأي آخر.
استمرّت الكوابيس والأفكار المظلمة في مطاردتي، حتى أيقظتني مبكرًا عن موعدي.
-- شكرًا لكَ يا عقلي... لقد قررتَ فعل الصواب هذه المرّة.
نهضت سريعًا، وتجهّزت، قررت ارتداء شيء مريح اليوم، فوقع اختياري على سويت بانتس باللون الأسود، وسويتر أوف وايت بخطوط سوداء، ومعه جاكيت جلد أسود بلا أكمام. ارتديت حذاء شتويًا مبطنًا من الداخل ليبقيني دافئة ومريحة.
وضعت الـ هيدفون على أذني لأستمع إلى بودكاست هادئ في الصباح يقلّل من توتري.
أخذت حقيبتي الكروس، وضعت بداخلها كوب القهوة الذي أعددته مسبقًا، وشطيرة دجاج، وبالطبع دفتر ملاحظاتي.
ثم أسرعت متوجهة إلى موقع التصوير، فوصلت أبكر بكثير من موعدي...
و....
Lona 🪐