كالعادة استيقظت فى معادى، تجهزت ككل يوم و قررت أن أخذ حاسوبى معى هذه المرة، ربنا لاننى خائفه أن يحدث مثل الامس، لذا تحسباً لأى خطأ اخذته
و توجهت للعمل
وصلت للمكتب و كانت الساعه 9:05 تأخرت فقط بضع دقائق، و كالعادة لم يكن هناك أحد سوى لويس
لا اعلم متى بدأ الحضور مبكراً هكذا، أم أن هذه طبيعته و اليومين الذى تأخر بيهم كان بسبب لظرف حدث
جلست على مكتبى، قومت بتشغيل الحاسوب، و بدأت اتفحصه بعنايه بالغه، و نبضات قلبى تتسارع
-- اوه حمدالله كل شىء على ما يرام، لم يحذف شئ
ارحت ظهرى على الكرسى و رفعت رأسى عاليا، و عادتت إلى انفاسى، بعد كل هذا التوتر
كان الجو بارداً اليوم، و الشمس لازالت تختبأ خلف الغيوم بعد اليوم العاصف أمس، و بما أننى بمفردى فى المكتب و لم يأتى أحد بعد توجهت للكافتيريا لاجهزه كوب لاتيه ساخن يعيد نشاطى و يساعد على تدفأتى فى هذا البرد
اثناء تحضير اللاتيه أتى لويس، و القى تحيه على و قال
- صباح الخير، ارى انك تأتين مبكراً، هذه الأيام رغم أنه بالأمس بقيتى لوقت متأخر
-- كنت أحاول أن أنهى اكبر قدر من العمل لكى اسلمه لك سريعاً كما طلبت
- انتى حقاً مجتهده فى عملك، كان يجب على الوثوق بيكى منذ البدايه، ولاكن تعرفين هذه طبيعه العمل، لا يأخذ الشخص الثقه قبل أن يثبتها بنفسه
-- اعلم ذلك
نظرت له فجأة و قولت
-- هل تريد قهوة، كيف تفضل قهوتك
نظر لى و ابتسم و قال
- لا بأس سوف أحضرها انا
-- لا لا انا أصر سوف أحضرها لك، اعتقد انك تحبها سادة بدون حليب أليس كذلك
ابتسم مرة أخرى، و نظرت له و كأنى اول مرة أرى فيها ابستمته و كان هذا حقيقيا، لويس لا يبستم سوى للسخريه
- نعم هى هكذا، حسناً بينما تعدين القهوة سأحضر شطيرة للفطور
-- ولاكنك لا تحب تناول الطعام صباح
- مااذا، لا أصبحت احبه
تركنى احضر القهوة و ذهب للخارج و عندما انتهيت، حملت كوبى و كوب قهوته و توجهت للمكتب وضعت خاصتى على مكتبى و ذهبت لمكتبه لكى اعطيه كوبه، لاكنه لم يكن موجود، لا اعلم اين ذهب
خرجت من المكتب الخاص بيه و توجهت لمكانى و جلست و بينما كنت اخذ اول رشفه من اللاتيه، وضعت امامى حقيبه ورقيه صغيره
ثم اتى الصوت العميق من فوق رأسى
- يجب أن تتناولى فطور اولا، انتى مرهقه و يبدوا عليكى التعب، لذلك تناولى طعامك اولا ولا تستمرى فى العمل لوقت طويل
رفعت رأسى و رأيت لويس يقف خلفى بجسده الضخم، و كانت رائحته تملئ المكان حولى، رغم أنه يدخن ولاكن العطر الخاص بيه يغطى على هذا
-- حسناً سوف اكل اولاً، و انت أيضاً، لا تنسى قهوتك وضعتها لك على المكتب يجب أن نشربها قبل أن تبرد
- حسناً، شكراً لكى
ذهب لمكتبه و انا بدأت فى تناول الطعام، فتحت الحقيبه كان بيها كرواسون بالشوكولاته ساخن ذو رائحة شهيه جدآ، و أيضاً شطيره دجاج طازجة
اكلت الكرواسون أثناء احتسائى لللاتيه و انتهيت من الفطور و عدت للعمل، و قد كان الباقين حضروا بالفعل
-مرحباً بكِ صغيرتى
عرفت من هو دون أن التفت له،أنه اندرو و كلمته المعتادة، لذلك لم ارد عليه
- ما هذه المعامله، الن انظرى إلى حتى
نظرت بغض، و كان يحنى ظهره قليلا الى ليقترب منى
-- كم مرة يجب على اخبارك أن لا تناديني هكذا
- و لاكن هذه يعجبنى
-- ولاكن لا يعجبنى انا، لذا توقف ارجوك
- حسناً حسناً، كيف حالك لليوم على كل شىء على ما يرام كنتى منزعجه الامس
-- كل شىء جيد، لا اعلم ما الذى حدث الامس ولاكن وجد كل ما فعلته قد حذف
- هذا غريب حقا، و اليوم هل الأمور كما هى أن حذفت مره اخرى
-- لا كل شىء على ما يرام و قد أوشكت على الانتهاء
- اوه حقاً، انتى بالفعل جيده، اريد ان ارى ما قمتى بيه
-- اممممم يعنى افكر، هل لو جعلتك اول من يشاهده تتوقف عن مناداتى "صغيره"
- اممم ربما
-- حسناً سوف اجعلك تشاهده عندما انتهى
- سوف انتظرك، و الان تكملى عملك لا اريد ازعاجك
استمريت لساعات طويلة اعمل حتى اقتربت على الانتهاء من كل التعديلات و انتاج الإعلام بالكامل
لقد كان العمل مرهق و خصوصا انى بمفردى و لاكن استمتعت بيه، شعرت ان تعبى و إرهاق لن يذهب سودا لان هناك من سيقدره
- كارلا! هل انتى بخير اليوم؟ كيف حالك؟
كانت ريتا، جلست على كرسى جانبى و تحدثت معى
-- نعم بخير كيف حالك انتى؟
- بخير، ما رايك أن نذهب سويا غدا لنتمشى قليلا، أنها عطله نهايه الاسبوع، وانتى لم ترى المكان كله هنا، لذلك فكرت أن نذهب سويا و نصبح اصدقاء، ما رأيك؟
-- حسناً لا بأس سوف احب هذا جدا، و بالطبع أحب أن تكونى صديقتى
- اووه هذا جميل، حسناً لنتقابل غذا عند الثانيه ظهراً امام محطه القطار، سوف اخذك فى نزه جميلة
-- حسناً اتفقنا
* لم أشعر بفرحه هكذه من قبل، أن يتحدث معى أحد و يقرر أن يقتحم وحدتى و يصبح صديقى، اعتقد أن هذا هو اجمل شعور يمكن يمر على الانسان، أن يشعر أنه مرغوب و يوجد احد يفضل وجوده
كانت ساعات العمل أوشكت على الانتهاء، و تبقى لى بعض الأعمال لم انهيها بعد لذلك عزمت على البقاء الليله أيضا حتى أنهى هذا، و ذهب الجميع عائدون بمنازلهم و بقيت انا مرة أخرى بمفردى
و انهكنى العمل مرة أخرى و بما أن المكتب هادء و الجو بارد و لم انم جيدا أمس، غصت فى النوم مجدا
لم أن كثيراً لانه راودتى كابوس مرعب افزعنى و جعلنى استيقظ من النوم
كانت انفاسى تتسارع و كأننى كنت اركد لاميال، ربما كنت أعرب من وحش، لا اعلم
هدأت قليلاً، ثم نظرت لحاسوبى لم يتبقى سوى بعض التعديلات الصغيرة انهيتها سريعاً فى نص ساعه تقريباً و حفظت كل شويه و اخذت نسخه نهاية للاعلان، و التى سوف تعرض نهائياً، و رتبت اشيائى و أغلقت حاسوبى و ذهبت
توجَّهتُ إلى الشارع ولم أرد العودة إلى المنزل الموحش الذي أسكن فيه الآن. كان جسدي مرهقًا ولكنه يرفض العودة، وعقلي… أعتقد أنه لم يعد يعمل من كثرة ما مرّ به من أحداث.
لذلك قررتُ الذهاب لتناول الغداء في مطعم هادئ وذو إطلالة راقية. بحثت عن أقرب مطعم ووجدته، وكان في منتصف طريق عودتي إلى البيت، وبما أنني أسكن في مكان قريب من البحر فقد كانت إطلالة المطعم على البحر.
وصلتُ إلى المطعم واخترت طاولة في الخارج لكي أتمكن من الاستمتاع بروعة المنظر الخلاب من حولي. وقد حان وقت غروب الشمس، وقتي المفضل من اليوم. السماء صافية جزئيًا إلا من بضع السحب الكثيفة التي يزينها ضوء الشمس الأحمر الذي رسم لوحة بديعة على سطح الماء ولون السماء أيضًا. السماء ذات الألوان البنفسجية المختلطة بالبرتقالي والسحب الرمادية، وقرص الشمس الأحمر الهادئ الذي يتحرك ببطء ليتوارى خلف البحر مُعلِنًا انتهاء يومٍ شاق، وآخذًا معه همومي.
أصوات أمواج البحر المتلألئة ملأت المكان، وصوت طيور النورس التي تغزو الشاطئ وكأنها تحذّر من الاقتراب منه. ظلّ عقلي شارداً بهذا الإبداع الإلهي الذي لم أرَ مثله يومًا.
ثم قطع صوت تفكيري النادل وهو يقدّم لي طبق الطعام الذي طلبته مسبقًا. تناولت غدائي بهدوء وأنا ما زلت أتأمل العالم حولي، متناسية كل ما حدث لي منذ وطأت قدمي هذه البلد.
أنهيت طعامي، لملمت شتات نفسي وعزمت على النهوض، وبما أن الجو لم يكن باردًا قررت أن أتمشى قليلًا في طريق عودتي إلى المنزل.
استمريت في السير حتى وصلت أمام المبنى الذي أسكن فيه بعد عشرين دقيقة. رفضت قدماي الحراك، نبضات قلبي تتسارع. نظرت إلى المبنى ثم نظرت حولي، كان العالم يسير على ما يرام، الكل يأتي ويذهب في هدوء كالمعتاد. إضاءة الشارع الخافتة، وبعض القطط والكلاب التي تتحرك وتعطي روحًا للمكان.
دخلت المبنى، ومع كل خطوة أخطوها كان قلبي يزيد نبضاته. دخلت المصعد وضغطت على الطابق الذي فيه شقتي. تحرك المصعد، وشعرت أن روحي هي التي تصعد وتخرج من جسدي. توقفت أنفاسي لثوانٍ حتى وصلت إلى الطابق المطلوب.
فتح باب المصعد، وضعت يدي على قلبي، وأخرجت رأسي من المصعد أنظر يمينًا ويسارًا، خائفة أن أجد أحدًا يقف لي بسكين مثلًا، لكني لم أجد شيئًا. كان الطابق هادئًا كعادته وكل شيء على ما يرام.
تشجعت وخرجت من المصعد. وصلت أمام باب شقتي، نظرت مرة أخرى يميني ويساري ولم أجد أحدًا. فتحت الباب سريعًا ودخلت بسرعة وأغلقته خلفي وأقفلت الأقفال بسرعة. ثم نظرت عبر العين السحرية لأرى إن كان هناك أحد، ولكن الوضع كان على ما يرام.
تنفست الصعداء أخيرًا وملأت رئتي بالهواء، وتوجهت إلى غرفة نومي، بدّلت ملابسي وارتميت على سريري.
لم أنم بسبب ما حدث في الليالي السابقة.
عدّلت جلستي على السرير، وظل عقلي يفكر في كل شيء، لا أعلم لماذا لا أتوقف عن التفكير.
حملت هاتفي وقررت الاتصال بأمي وأبي.
-- مرحبًا أمي العزيزة، اشتقت لكِ كثيرًا.
مرحبًا جميلتي، اشتقت لكِ أكثر. كيف تسير أمورك؟ وهل كل شيء على ما يرام؟ هل تأكلين جيدًا؟ أرى أنك نحفتِ قليلًا.
-- أمي أنا بخير، لم أنحف، وأتناول طعامي جيدًا. اليوم انتهيت من أول إعلان من صنعي، متحمسة لكي أريكم إياه.
هذه هي طفلتي البارعة، بالطبع سيكون ممتازًا.
-- عندما يوافق عليه المدير سوف أرسله لكم. آه لقد نسيت إرساله للمدير، يجب أن أرسله الآن.
إذًا اذهبي وانتهي من عملك ونتحدث لاحقًا.
-- حسنًا، أرسلي سلامي لأبي وإخوتي، إلى اللقاء.
أنهيت الحديث مع أمي وأحضرت حاسوبي وأرسلت النسخة النهائية التي حفظتها سابقًا على الإيميل للويس.
رد عليّ بعد عدة دقائق وقال إنه جيد ولكن هناك شيء يريد تعديله، لذلك بدأت في تعديله سريعًا.
كنت أركز في العمل حتى أصبح الوقت متأخرًا جدًا، ولم أدرك ذلك إلا عندما رن هاتفي فجأة، وصوته اخترق الصمت المخيم حولي...
-- م.. من هذا؟ إنه رقم مجهول. كم الساعة الآن؟ ماذااا؟ كيف مر الوقت هكذا؟ ومن هذا المتصل المزعج؟ أعتقد أنه رقم خاطئ.
حفظت ما قمت بالعمل عليه وتأكدت أنه محفوظ بالفعل وموجود على جهازي، ثم أطفأت الحاسوب وتركته بجانبي وأطفأت الأنوار.
استلقيت على السرير ونمت أخيرًا.
Lona 🪐