هل أنا المجنون، أم أن العالم — العالم المزعوم للعقل — هو الذي فقد عقله حقًا؟كم روح خُدعت من قبل الحضارة والعقلانية، لتحرر شياطينها الداخلية عندما وصلت إلى حافة الانهيار النفسي؟كل منا يحمل وحشًا نائمًا بداخله، لا يستيقظ إلا عندما نكون في خطر حقيقي — أو على حافة الموت.وأحيانًا، لا يتطلب الأمر الموت ليظهر الإنسان حقيقته؛ يكفي أن يشعر الأنا بالتهديد — من قوى خارجية أو من صراع داخلي — لتسقط القناع، ويخرج الوجه الحقيقي... إما إلى النور، أو إلى الظلام.
في تلك الليلة، بدا نيويورك كوحش مريض يلهث بحثًا عن الهواء بين الأزقة المبللة والنتنة.في ممر ضيق في شارع ديلانسي، كان ضوء مكسور معلقًا من السقف، يومض بخفة بتوهج أصفر يحتضر. كانت الجدران متسخة، والأرضية مغطاة بنفايات سوداء وأوراق مبللة.
كان نذير هناك — فتى في السابعة عشرة من عمره، قصير القامة، يرتدي نظارات معوجة تنزلق على أنفه. شعره الأسود القصير يتمسك بجبهته المتعرقة. في يده كانت مكنسة مكسورة، يكنس الأرض ببطء وإرهاق، كمن اعتاد اليأس. لكن في عينيه كان يلمع بريق غريب — ليس براءة كاملة، ولا جنون مطلق، بل شيء يتأرجح بينهما.
عندما أنهى الكنس، حدق في كومة القمامة أمامه وابتسم — ابتسامة ملتوية ومرحة. ثم، بحركة سريعة، جمعها ورماها نحو شاب مستلقي على قطعة مقطعة من الورق المقوى في الزاوية.
كان ذلك سفيان، شقيقه الأكبر — في الثامنة عشرة من عمره، طويل وذو أكتاف عريضة، وجهه محفور بخطوط حادة كأنها ندوب البقاء. وفعلاً كان هناك ندوب على جسده، واحدة تقترب من عينه اليمنى، مما يكسبه مظهرًا مخيفًا ومأساويًا في الوقت ذاته.تهشمت الورقة المقواة تحت وزن الغبار المطرود. فتح سفيان عينيه نصف فتح، يراقب أخاه بنظرة باردة وبعيدة.ضحك نذير — ضحكة من فقد عقله منذ زمن بعيد — وقفز كطفل وجد لعبة جديدة. ثم فجأة بدأ يضرب رأسه بالحائط، بقوة متزايدة، حتى سقط على ركبتيه وبدأ يبكي بهدوء، كما لو أن شيئًا ما داخل نفسه انكسر.
نهض سفيان ببطء. كانت صوته خشنًا وعميقًا، كما لو أنه يرتد صداه من قاع بئر."ما خطبك، أيها المجنون؟ هل فقدت عقلك تمامًا؟"لم يقل نذير شيئًا. نظر إلى شقيقه من خلال دموعه — عينيه مرتجفتين، لكنها مليئة بتحدٍ غريب.اقترب سفيان منه، أمسك بقميصه، رفعه من الأرض كدمية، ورماه بقوة على الحائط. ارتطم رأس نذير بالخرسانة، وانهار وهو يئن.
"ضربتني لأنني يتيم،" تمتم باكياً. "لأنه لا أحد يحبني. لأنه لا أحد يدافع عني!
"حدق فيه سفيان للحظة بلا تعبير. ثم تنهد، أمسك به مرة أخرى من ياقة القميص، والتقى بعينيه.
"كفى دراما، نذير. لا أحد يحبك... ولا أحد يحبني.نحن منبوذون. لا أحد لنا — سوى بعضنا البعض.
"حلّ الصمت للحظة. ثم انفجر نذير في ضحك حاد ومكسور، صوت ككسر الزجاج.اندفع فجأة على أخيه، محبوكاً ذراعيه حول عنقه، ملفوفًا ساقيه حول جسده، وضاغطًا بكل قوته.
"خدعتك، أخي الكبير!" صرخ بين نوبات الضحك. "قل لي، كيف ستفر الآن؟""أيها الأحمق،" تكلم سفيان وهو يلهث. "سأقتلك... هذه المرة حقًا!""ما زلت تكذب!" صرخ نذير.
"قلها! قل أنك تحبني!""أحبك؟"
رد سفيان وهو يدفع بكل قوته. "لا، نذير... أكره أنك مثلي تمامًا!
"تدحرجا بعنف على الأرض — يصفعون ويركلون ويخنقون — ضحكاتهم وصراخهم تتردد في الممر كأنها موسيقى الجنون ذاته.ثقل الهواء بالغبار، كأن المكان نفسه يختنق من جنونهم.ثم فجأة، تردد صوت خطوات من نهاية الممر.ظهر رجل مسن بلا مأوى — شعره أبيض، ولحيته كثة، يحمل أكياسًا بلاستيكية متسخة. توقف، راقبهما للحظة، ثم أطلق ضحكة أجشّة."
هاه... حتى المجانين يتقاتلون على التاج في هذا الشارع الملعون.
"تجمد الأخوان للحظة، متجهين نحوه.التقت أعينهما — وبين الغضب والمتعة، بدأ شيء مظلم وجديد يتشكل.فكرة.تحدّ.التاج... ملك الجنون.
لكن المشاجرة لم تدم طويلاً، فحين ظهر الرجل العجوز عند مدخل الزقاق، تحولت العدائية إلى حنان مفاجئ. انقض الاثنان عليه كالأطفال، وأوقعاه على الأرض بينما تطايرت أكياسه في كل مكان، وبدأا يغطّيان وجهه ورأسه بالقبلات بتلقائية طفولية.
"أبي! نظفت المكان ورميت القمامة في سرير سفيان!"
قال نذير بحماس.
رد سفيان بصوت متعب:
"عملت في الحانة كحارس خاص وربحت بعض المال...
"نهض الرجل العجوز بصعوبة وقبل رأس نذير بحنان.
"عمل جيد يا بني... لكن سرير أخيك ليس صندوق قمامة.
"قال نذير ببراءة:
"أعلم يا أبي... لكني أحب أن أزعجه! يجعلني أشعر بأن لدي عائلة حقيقية."
أمسك الرجل العجوز بيد نذير بينما جمع سفيان الأكياس المتناثرة.
"لا، يا بني، أنت لديك عائلة."
ثم التفت إلى سفيان:
"عليك أن تترك ذلك العمل! سأهتم بالأمور.
"قال سفيان:
"لكن يا أبي... الأجور تساعدنا كثيرًا!"
رد الرجل العجوز بحزم:
"لا! وأنت لا تعرف كل شيء عن ذلك المكان،" وأضاف. "أنا أعرف كل شيء عنكما... منذ أن كنتما صغيرين.
"سأل نذير بفضول:
"هل تعرف من هما والدي الحقيقيين؟
"رد الرجل العجوز بحزن:
"نعم... للأسف. لكني لن أخبركما حتى يحين الوقت المناسب.
"ثم أضاف:
"والآن... وقت العشاء!
"تجمعوا حول طاولة خشبية صغيرة، متفرقة عليها أكياس طعام سريع. قسم سفيان البرغر إلى نصفين وأعطى الجزء الأكبر لنذير.
"خذه... أنت الأصغر.
"قال نذير مبتسمًا:
"تختلق العيوب لتطعمني أكثر!"
وضع الرجل العجوز قليلاً من الصلصة الخاصة على أطباقهم.
"هذه صلصة خاصة... كنت أصنعها لأطفالي من قبل..." توقف للحظة ثم تابع: "على أي حال، كلوا... الطعام سيبرد.
"سأل سفيان وهو يمضغ:
"هل عملت في مطبخ، يا أبي؟
"أومأ الرجل العجوز، وعيناه تلمعان بذكريات بعيدة.
"كنت طباخًا في مطعم كبير... قبل أن تلتهمني الحياة كما يلتهم النار الخشب.
"اتكأ نذير على كتف أخيه.
"لكننا لن نسمح لأي أحد بأن يلتهمك... صحيح، سفيان؟
"وضع سفيان يده على كتف نذير بلطف نادر.
"نعم... نحن عائلة. والعائلة لا تتخلى عن أبنائها للنيران.
"سال دمعة واحدة على وجه الرجل العجوز وهو ينظر إليهما.
"أعلم... وأجمل شيء في الحياة هو أن النار أحيانًا تنتج أجمل الأزهار... مثلكما.
"تحت ضوء القمر والنجوم، بدا أن السعادة لا تُشترى بالمال. على الرغم من فقرهم المدقع، استقر الرضا في قلوبهم ورفض الرحيل.
ظلت ضحكاتهم الرقيقة تتردد وهم يتناولون العشاء، ووجوههم تزينها ابتسامات بريئة وصادقة تعكس الفرح الحقيقي.
فجأة، ظهر غريب، مما جعل الجميع يلتفتون إليه بدهشة وحذر. أصبح كل منهم يقظًا ومتربصًا، منتظرًا ما قد يحدث، وقد قُطعت لحظتهم الهادئة بهذا التطفل غير المتوقع.
Imad chelloufi