دماء وأسرار: ظهور الأب الحقيقي

دماء وأسرار: ظهور الأب الحقيقي

35 0

ليلة مجنونة انتهت دموية بحيث اختفى فيها العقل الواعي والمنطق الحضاري، وغابت عنهما الإنسانية. قام نذير وسفيان برسم لوحة فنية دموية جعلت من حانة النجمة حلبة ليست للقتال، بل للإعدام. لقد ذُبِحَت عصابةٌ بوحشية على يد "ملك الجنون" و"الدمية المريضة" الذي لا يزال يثبت أن القتل يجري في عروقه، بينما يؤكد نذير أن الجنون جزءٌ لا يتجزأ منه.

لكن السؤال الحقيقي: هل نجحا في مهمتهما؟

الجواب يكمن في صمت إدوارد برينكس الذي حمل أسراره معه إلى القبر. فبرغم كل القوارير المحطمة على رأسه، وبرغم كل الدماء التي سالت، مات الرجل دون أن ينبس بكلمة واحدة عن مكان ماريا وجورج. لقد كان مجرد حارس للباب، بينما تبقى الأبواب الحقيقية موصدة

فقد كانت هذه مجرد معركة، وليست الحرب فإدوارد كان دمية في مسرح أكبر و كذلك الدماء التي سالت لم تشترِ المعلومات المنشودة

فقد نجحا في الإعدام،لكنهما فشلا في الإنقاذ. انتصرا في المعركة الدموية، وخسروا الهدف الأساسي. الحانة تحولت إلى جحيم، لكن الجحيم الحقيقي ما زال يدور في مكان آخر، حيث ماريا وجورج ربما يسمعان أصداء الرصاص دون أن يعرفا أن صوتين يحاولان الوصول إليهما.

خرج سفيان ونذير من الحانة مع أول خيوط الفجر،جسداهما متعبان وروحاهما أثقل مما كانا عليه عند الدخول. الدماء جفت على أيديهما، لكن العطش إلى الحقيقة أصبح أشد إلحاحاً. النجمة الحمراء لم تعد تتألق ولا تنزف، بل أصبحت شاهدة صامتة على فشلٍ مكلل بالانتصار.

الحرب الأسرية لم تبدأ بعد... لكن جبهاتها قد انفتحت. واللعبة التي كانا يظنان أنهما يسيطران عليها، قد تكشفت عن قواعد جديدة، وخصوم لا يعرفانهم بعد.

تقدم سفيان نحو السيارة وهو يدخن بشراهة، عيناه تتلألآن بمزيج من الغضب المُكبَت والجنون المُتأجج. وفي الخلفية، كان نذير يرقص كالممسوس تحت سماء الليل، يطلق الرصاص عشوائياً نحو النجوم ويصيح بصوت عالٍ أشبه بأذان مَشْوَهِ:

"أنا نذير،ملك الجنون! هل مِن مُتحدٍّ؟! هل يوجد مَن يجرؤ على انتزاع سلطاني؟!"

في حركة واحدة سريعة، حمل سفيان أخاه بيد واحدة وألقاه داخل السيارة بقوة، ثم ركب مقعد السائق قائلاً بنبرة جافة:

"اخرس قبل أن أطيح بك عن عرشك الوهمي."

جلس نذير متذمراً وهو يفرك ذراعه:

"دائماًتفسد متعتي... أنت كئيب كالمقبرة."

أجاب سفيان وهو يشعل سيجارة جديدة:

"آسف...لست مرحاً مثلك. لم أبتسم قط في حياتي، ولم أعرف معنى السعادة أو أي من الأشياء الطبيعية التي يعرفها باقي البشر."

بدأ نذير يقفز في مقعده عدة مرات بحماس مجنون، حتى اصطدم رأسه بسقف السيارة وسقط جالساً يتنهد بصعوبة ويسعل مبالغاً في الأمر:

"أصبت!لقد تعرضت لإصابة خطيرة! أخبر أبي وأمي أنني أحبهم... وقُل لهم أنني أريد شوكولاتة في جنازتي!"

انطلق سفيان بالسيارة بسرعة وهو يقول دون أن يلتفت:

"اخرس."

واصل نذير تمثيليته وهو يمسك صدره:

"أخبر زوجتي...أنني نسيت طفلنا في المقبرة... كان يريد أن ينام بجانب جده!"

سفيان: (بنبرة متعبة)

"ليس لديك زوجة،وليس لديك أطفال في الحقيقة لا توجد فتاة عاقلة تقبل بك"

نذير: (مستمر في التمثيل)

"أوه،هذا صحيح! ربما خلطت بيني وبين شخص آخر. لكن الجرح حقيقي! أعتقد أنني سأموت... هل تعتقد أن الجنة بها ألعاب نارية؟"

سفيان: (يشيح بنظره عن الطريق للحظة)

"الجحيم هو الأرجح،وسيكون فيه مكان مخصص لمزاحك السخيف."

نذير: (يفتح عينيه على مصراعيها فجأة)

"رائع!سأكون ملك المجانين حتى في الجحيم! هل تريد أن تكون نائبي؟"

سفيان: (يضغط على دواسة البنزين)

"أفضل أن أكون في سلة المهملات."

نذير: (يبدأ بالغناء بنبرة مكسورة)

"في طريقنا إلى الجحيم،يا أخي هل لديك ساندويتش؟ أنا جائع."

سفيان: (يمد يده إلى الخلف ويرمي له قطعة شوكولاتة)

"خذ هذا وأغلق فمك.نحن على بعد دقائق من المكان التالي."

نذير: (يمضغ الشوكولاتة بسعادة)

"أنت الأخ المثالي!تقريباً نسيت أنك مجرم نفسي مثلي!"

سفيان: (يبتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة)

"أخيراً...قال شيء صحيح."

فجأة توقفت سيارة مرسيدس-مايباخ S600 سوداء لامعة فجأة أمامهم، معتمدةً الفرامل بحدة حتى انزلقت إطاراتها على الأسفلت الرطب. خرج منها ثلاثة رجال ضخام، كل منهم يرتدي بدلة سوداء وقناعاً أسود، يحملون مسدسات جلوك 17 بماسورات طويلة.

أحدهم تقدم، صوته عميق ومعدني عبر القناع:

"أخرج من السيارة...ببطء. واطلب من مهرجك أن يرفع يديه."

نذير نظر إلى سفيان وعيناه تتسعان، لكن ليس بالخوف بل بالإثارة:

"أوه!ضيوف غير مدعوين! هل أحضرنا لهم كعكة؟"

رد سفيان وهو يفتح الباب ببطء:

"أغلق فمك.هذه المرة... الأمر مختلف."

الرجل الثاني صوّب مسدسه مباشرة على جبهة سفيان:

"المعلومات.أين ملفات إدوارد؟"

سفيان أخرج علبة سجائر بهدوء، أشعل واحدة:

"الملفات؟ماتت معه في الحانة."

الرجل الثالث اقترب، مسدسه الآن موجه إلى نذير:

"ثم ماذا عن العقدة؟"

توقف سفيان عن التدخين للحظة، عيناه تلتمعان في الظلام:

"أوه...أنتم من الشركاء القدامى."

الرجل الأول ضغط على الزناد جزئياً:

"آخر فرصة.أين النسخة الرقمية؟"

نذير بدأ يضحك، ضحكة مكتومة تتحول إلى هستيرية:

"هل تسمعهم يا أخي؟يبحثون عن أوراق! كأننا مكتبة!"

فجأة... سمعوا صوت محرك دراجة نارية يقترب من الخلف. جميع الرجال الملثمين التفتوا للحظة، وهذه كانت كل الفرصة التي احتاجها سفيان.

الحركة كانت أسرع من الطلقة: فقام  ركلة في رسغ الرجل الأول أطاحت مسدسه ثم بضربة مرفق في حنجرة الثاني قبل سحب الثالث ورميه على  السيارة

لكن نذير لم يكن متفرجاً. قفز من السيارة بسكينتين خفيفتين ظهرتا فجأة بين يديه.

"الوقت المرح!" صاح وهو يشق قناع الرجل الأول بسكينته.

المفاجأة الحقيقية كانت عندما فتحت باب المرسيدس الخلفي، وظهرت منها امرأة أنيقة بشعر أشقر قصير، ترتدي نظارة شمسية رغم الظلام.

"كفى هذه المهزلة،"

قالت بصوت هادئ لكنه يقطع الهواء كالسيف.

"سفيان... نذير... أبي يريد رؤيتكم."

سفيان تجمد في مكانه، سيجارته تتساقط على الأرض:

"أبي؟"

المرأة أزالت نظارتها. تحتها، كانت عينان تحملان نفس لون عيني نذير تماماً:

"نعم.أبوكم الحقيقي. وقد ضاق صبره."

نذير توقف فجأة عن القتال، نظرة غريبة في عينيه:

"هل...هل لديك حلوى؟ أمي كانت تعد لي حلوى."

ابتسمت المرأة ابتسامة حزينة:

"سأعد لك كل الحلوى التي تريد...بعد أن تنهوا ما بدأتموه."

أشارت المرأة نحو المرسيدس:

"اركبوا.رحلتكم معنا فقط تبدأ."

سفيان نظر إلى أخيه، ثم إلى الرجال الملثمين الذين كانوا قد وقفوا باحترام، ثم إلى المرأة. كان يعرف أن هذه النقلة كانت أكبر بكثير من حانة أو عصابة.

"حسناً،"

قال وهو يضع يده على كتف نذير.

"لكن هذه المرة... نلعب بقواعدنا"

صعدا إلى المرسيدس الفاخرة، بينما كانت أبوابها تغلق بصمت. السيارة اختفت في ظلام نيويورك، تاركة وراءها أسئلة أكثر من الإجابات. و سيارة سفيان تتبع فيهم من الخلف يقودها رجال الملثمين

لكن على المقعد الخلفي، كان نذير يهمس لأخيه:

"أخيراً...سأعرف ما طعم حلوى الأم الحقيقية."

وسفيان كان يعرف أن اللعبة قد ارتفعت مستواها... وأن القواعد الجديدة كانت أكثر خطورة مما تخيلا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة