أحياناً لا تحتاج إلى عدو ليحاربك. أحياناً يكفي أن ترى وجهك في مرآة لا تعرف أنها تعكس شخصاً آخر. فالعدو الحقيقي للإنسان هو نفسه، ذلك الجانب المظلم منه الذي يقوده نحو الموت البطيء تدريجياً. تلك الليلة الباردة، في منزل جورج وماريا الهادئ، كان العشاء بسيطاً: خبز جاف، جبن قديم، وزيتون أسود كحبات الظلام. سفيان كان يدخن بين لقمة وأخرى، وكتفه الجريح لا يزال يؤلمه من تلك الرصاصة الغادرة. أما نذير، فكان يغمس الخبز بالزيتون ويأكل بشراهة، بينما كان يحدث أخيه بحماسه المعتاد.
نذير: (وفمه ممتلئ)
"أخي، ألا ترى أن الأمر غريب؟ أخ ثالث يرسل لنا كعكة ويعرف أنني أحب الشوكولاتة! هل كان يراقبنا منذ سبع سنوات؟ هل كان يتسلل إلى المنزل بينما ننام ويشم رائحة أحلامنا؟"
سفيان: (يزفر دخاناً) "
هل انت منتشي مجددا. ربما لديه معلومات من الأب الغامض، أو من المرأة الخائنة، أو هنالك أشياء في الظل لا نعرف عنها شيئاً."
نذير: (يبلع لقمة)
"المرأة التي تشبه مستودع القمامة؟ تلك التي أطلقت عليك النار؟ لا أعتقد أنها تخبر أحداً بأي شيء بعد الذي حدث لها. كانت تبكي كطفل فقد لعبته المفضلة."
سفيان: (يهز كتفيه)
"المهم... غداً نذهب إلى المقهى. نرى من يكون هذا الأخ الثالث، ثم نقرر ماذا نفعل."
نذير: (قفز من كرسيه فجأة)
"أتعلم ماذا؟ أتمنى أن يكون أخاً لطيفاً مثلي! لا مثلك أنت البارد! وأن يكون معه شوكولاتة أكثر!"
سفيان: (نظر إليه بنظرة باردة)
"اجلس. وأغلق فمك."
جلس نذير، لكنه بدأ ينقر بأصابعه على الطاولة، ويغني بصوت منخفض أغنيته الجديدة:
"صاد.. صاد.. صاد من صدم صدام.."
وفجأة، توقف.
ليس لأنه سمع أمراً، بل لأن الباب الخلفي فتح بهدوء، دون أن يطرقه أحد.
دخلت فتاة في منتصف العشرينات، قصيرة القامة، ترتدي معطفاً رمادياً ممزقاً، وشعرها الأسود الطويل يغطي نصف وجهها. لكن حين رفعت رأسها، صُعق نذير. كانت ملامحها تشبه ملامحه بشكل غريب: نفس العيون الواسعة، نفس الأنف الصغير، نفس الفم المبتسم دائماً حتى في الحزن. حتى حجمها كان مشابهاً، كأنها نسخة أنثوية منه.
وقف سفيان فوراً، ويده على مسدسه، وعيناه لا تتركانها، وكأنه لاحظ شيئاً غريباً فيها - ربما خيانة جديدة، أو طعنة أخرى من أقرب الناس إليه. أما نذير، فقفز من الكرسي ووقف أمامها، يدور حولها كالكلب الذي شم رائحة غريبة، ويحدق بطريقة مريضة تظهر الحالة النفسية التي وصل إليها.
نذير: (مذهولاً)
"أخي... أخي... انظر! إنها تشبهني! هل هي صورة طبق الأصل؟ أم أنني أصبحت امرأة في المنام وأتيت لأزور نفسي؟"
الفتاة لم تبتسم. فقط نظرت إلى سفيان بعيون حزينة، ثم إلى نذير بنظرة حنونة.
الفتاة: (بصوت هادئ كالنسيم)
"أنا لست نسخة منك. أنا أختك... الرابعة."
أمسك سفيان المسدس بقوة، لم يخرجه لكنه كان مستعداً:
سفيان:
"من أرسلك؟ هل هو الأب؟ أم الأخ الثالث؟"
الفتاة:
"لا أحد أرسلني. جئت وحدي لأحذركما... إن ذهبتما إلى مقهى الأمل المنسي، لن تعودا أحياء."
قفز نذير فرحاً فجأة:
نذير:
"رائع! موت محقق! ومعه شوكولاتة؟ لأنني لن أموت بدون شوكولاتة! تحيا الشوكولاتة وليسقط نظام الحلوى!"
نظرت إليه الفتاة باستغراب، ثم همست:
الفتاة:
"لقد ورثت الجنون كله، أليس كذلك؟"
نذير: (ضحك كالمجانين)
"الجنون ليس ميراثاً... إنه هدية! وأنتِ تشبهينني كثيراً، إذاً أنتِ مجنونة أيضاً! تعالي نرقص!"
مد يده نحوها، لكن سفيان صفعه على يده.
سفيان: (للفتاة)
"كيف نعرف أنك صادقة؟"
نظرت إليه الفتاة، ثم فتحت معطفها الرمادي. تحت المعطف، كانت ترتدي قميصاً أبيض مكتوباً عليه بالدم الجاف: "سامحيني يا أبي... لقد كبرت لأكون مثلك."
نذير: (قرأ بصوت عالٍ، ثم بكى فجأة)
"هذا مؤثر جداً! كم أنتِ درامية! لقد جعلتني أبكي، وأنا لم أبك منذ أن شربت الشامبو!"
سفيان: (لم يرفع مسدسه)
"لماذا تهدديننا الآن؟ إذا كنت أختنا، فلماذا لم تأتي إلينا من قبل؟"
أغلقت الفتاة معطفها، وذهبت نحو النافذة، ونظرت إلى المطر:
الفتاة:
"كنت خائفة. الأب يقتل كل من يقترب مني. لكن عندما سمعت أنكما قتلتما المرأة الخائنة في مخبره... شعرت بالأمل. أنتما الوحيدان القادران على إنقاذ ما تبقى من العائلة."
نذير: (اقترب منها، وضع يده على كتفها)
"لا تخافي! نحن لا نقتل إلا الأشرار. وأنتِ لست شريرة... لأنك تشبهيني! بالإضافة إلى ذلك، نحن لم نقتلها."
الفتاة: (ابتسمت ابتسامة حزينة)
"هذا ما أخافه... أنني شريرة مثلك."
سفيان: (أخيراً أخرج يده من المسدس، وأشعل سيجارة)
"إذاً أنت أختنا الرابعة. ماذا تفعلين هنا؟ أين الأخ الثالث؟"
الفتاة:
"الأخ الثالث... هو من سيقودكما إلى الموت. لا تثقوا به. الكعكة التي أرسلها ليست هدية... بل طُعم."
نذير: (مسح فمه بكمه)
"طُعم؟ أنا أكلت منها! هل سأموت؟ هل سأتحول إلى زومبي؟ هل سأصبح ملكاً على الموتى الأحياء؟"
الفتاة: (تجاهلت جنونه، ونظرت إلى سفيان)
"الكعكة تحتوي على مادة مهدئة. لا تقتل، لكنها تبطئ الحركة. هو يريد أن تذهبا إليه ضعيفين، فيسهل عليه قتلكما."
سفيان: (زفر دخاناً)
"إذاً أنت تنصحيننا بعدم الذهاب."
الفتاة: (هزت رأسها)
"لا. بل أقول: اذهبا، لكن كونكما مستعدين. وخذوني معكما."
نذير: (قفز فرحاً)
"رحلة عائلية! أب وأم مزيفان مفقودان، وأب حقيقي غامض، وأخت جديدة تجيء من العدم، وأخ ثالث يريد قتلنا! كم أن العائلة رائعة!"
سفيان: (أشار إلى الفتاة)
"اجلسي. سنأكل أولاً، ثم نتحدث."
جلست الفتاة على الطاولة، وبدأ نذير يقدم لها الخبز والجبن بحماس، وكأنها ضيفة شرف في حفل جنونه.
نذير:
"تفضلي! هذا الجبن قديم جداً، لدرجة أن بعضه يعود إلى حقبة ما قبل اكتشاف النار! لكنه لذيذ!"
نظرت الفتاة إليه، ثم إلى سفيان الذي كان يدخن ويحلم بسيجارة جديدة.
الفتاة:
"أنا لم أتناول طعاماً منذ يومين."
نذير: (ذرفت عيناه بدموع التماسيح)
"مسكينة! سأطعمك حتى تنفجر! ثم نذهب لنقتل أخانا الثالث معاً!"
سفيان: (بتذمر خفيف)
"لا نقتل أحداً قبل أن نسمع قصته."
نذير: (مليئاً بالحماس)
"نعم! نسمع قصته أولاً، ثم نقتله! ترتيب منطقي!"
أكلت الفتاة بصمت، بينما كان نذير يقفز حولها كالفراشة المجنونة، وكان سفيان يراقبها كالصقر، لا يثق بأي شيء ولا بأي أحد.
الآن... العائلة تكبر، والأسرار تزداد دموية. والأسرار بدأت تكتشف. فيا ترى، هل هناك مفاجأة أخرى تنتظر نذيراً وسفيان؟
انتهى العشاء في صمت ثقيل، لم يقطعه إلا صوت نذير وهو يمضغ آخر قطعة جبن، وصوت سفيان وهو يزفر دخان سيجارته نحو السقف. الفتاة الجالسة على الطاولة أفرغت طبقها، لكن عينيها بقيتا حذرتين، تتأملان كل حركة من حركات الأخوين. فعلى الرغم من رابط الإخوة، لم تكن هناك ثقة بينهم؛ هذا ما شرحته عيونهم قبل أن تنطق شفاههم.
التفتت إلى نذير، الذي كان ينقر بأصابعه على الخشب، وتحدثت قائلة:
الفتاة:
"أنت لا تأكل فقط... بل تلتهم الطعام كأنك تخشى أن يُسلب منك."
نذير: (توقف عن النقر)
"لأنني أخشى ذلك! الأكل نعمة، والنعمة لا تضمن البقاء. أليس كذلك يا أخي؟ وكذلك الشوكولاتة!"
سفيان: (لم يرفع بصره عن الطبق)
"أنت لا تخشى شيئاً. أنت فقط جائع دائماً."
نذير: (ضحك بصوت عالٍ)
"الجوع ليس عيباً، إنه دافع للحياة! وكذلك الشوكولاتة."
نهضت الفتاة فجأة، واتجهت نحو النافذة، فتحتها قليلاً، تسمح بدخول نسمة باردة تحمل رائحة المطر. نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم، ثم همست:
الفتاة:
"سأبقى معكما الليلة. غداً سنذهب معاً إلى المقهى. لكني أحذركما: لا تثقوا بأحد، ولا تأكلوا ولا تشربوا شيئاً هناك. الأخ الثالث ليس مجنوناً مثلكما... إنه شرير بدم بارد."
نذير: (قفز من كرسيه)
"شرير بدم بارد؟ أحب هذا الوصف! يعني أنه يحسب خطواته، بينما نحن نركل الأبواب ونحن نضحك!"
سفيان: (أطفأ سيجارته، ونهض ببطء)
"ما اسمك؟ إذا كنت ستشاركيننا الرحلة، فيجب أن نعرف ماذا ننادي عليك."
أدارت الفتاة وجهها نحوه، وابتسمت ابتسامة خفيفة:
الفتاة:
"اسمي... نور. نور مثل ضوء القمر في ليلة مظلمة. لكن لا تخدعكم براءة الاسم؛ فأنا أعرف كيف أحمي نفسي."
نذير: (صفق بيديه)
"نور! جميل! اسمك مثل اسم جدة لم نعرفها! هل تحبين الشوكولاتة أيضاً؟"
نور: (هزت رأسها)
"لا. أنا أفضل المرارة. الحلو يفسد الخطط، والمرارة تبقيك يقظاً."
سفيان: (نظر إليها طويلاً، ثم قال)
"إذاً... انتظري هنا. سنحضر لك بطانية ووسادة. المكان ضيق، لكنه سيكون آمناً الليلة."
خرج سفيان من الغرفة، وذهب إلى خزانة الممر. بقي نذير واقفاً ينظر إلى نور بعيون طفل فضولي.
نذير: (همس)
"هل أنت حقيقية؟ أم أنني أتخيلك، مثلما أتخيل أحياناً أن الجدران تتحدث إليّ؟"
نور: (اقتربت منه، ولمست كتفه برفق)
"أنا حقيقية. ولست هلوسة. لكن ربما تكون أنت حلماً في يقظتي."
نذير: (تراجع خطوة إلى الوراء)
"أنا حلم يقظة؟ هذا رائع! يعني أنني لست مجنوناً، بل خيال جميل!"
عاد سفيان ومعه معطف قديم وبطانية، وقدمها لنور. جلست الفتاة في زاوية الغرفة، ولفت نفسها بالبطانية، وأغمضت عينيها كمن يستعد لنوم عميق.
سفيان: (لنذير، بصوت خفيض)
"سأنام عند الباب. أنت نم عند النافذة. لا تتركها وحدها هذه الليلة."
نذير: (همس بنبرة مؤامرة)
"ستكون معنا؟ لكنها أختنا! لماذا نراقبها؟"
سفيان: (نظر إليه بنظرة باردة)
"لأن الأخت لا تأتي من العدم... وتحمل في جيبها أسئلة أكثر من الإجابات."
انطفأ ضوء الغرفة. لم يغلق نذير عينيه، كان يراقب الظلال التي تتحرك على الجدران، ويفكر: هل هذه الأخت الجديدة هي مفتاح الخلاص، أم خنجر آخر في ظهرهما؟
في صباح اليوم التالي... ستشرق الشمس على ثلاثة أشخاص يحملون اسماً واحداً: الدم، والخطر، والعائلة المجنونة.
Imad chelloufi