ليلة مظلمة كظلام القبور، حتى القمر والنجوم اختبأت خلف الغيوم، كأنها تعلم أن شراً مقيماً في الأرض المباركة التي دنّسها البشر باسم الدين والسلطة، حتى أصبح شعارهم المقدس: "أقتل لأنني أستطيع".
بسرعة ثابتة غير مستعجلة، وكأن الزمن كله تحت سيطرته، كان جورج يتطلع تارة إلى الأمام، وتارة ينظر إلى سفيان المتكئ على نافذة السيارة والحاجز إلى الطريق، بينما نذير نائم في المقعد الخلفي بأمان. حتى كسر جورج الصمت قائلاً:
جورج:
"فيما تفكر يا سفيان؟"
رد عليه ببرودة:
"صدقني، لا تريد أن تعرف ما أفكر فيه."
جورج:
"بلى أريد، هل ظننتني مجرد رجل عادي؟"
سفيان:
"أبي رجل عادي، أما أنت فأنت لا شيء."
رد عليه جورج مبتسماً ثم ضربه بسكين دون أن يؤذيه، بينما سفيان مصدوم من سرعة ردة فعله وكيف أعاد السكين إلى غمده بسرعة قياسية.
سفيان:
"ما هذا بحق الجحيم؟ كيف فعلت ذلك؟!"
جورج ضاحكاً:
"أخبرتك أنني لست شخصاً عادياً."
سفيان:
"تباً! هل يمكنك تعليمي حركات قاتلة جديدة؟"
جورج:
"بالطبع، فقط انتبه لألفاظك، فزوجتي سوف تشنقك لو سمعتك تشتم!"
سفيان:
"حاضر سيدي."
جورج مبتسماً:
"هذه بداية مشرقة، لا تخبر أباك بالأمر."
سفيان:
"يمكنك الاعتماد علي، لن يعرف أحد."
فجأة بدأ نذير يبكي وهو نائم ويتمتم:
"أرجوك أبي،لا تتركني مرة أخرى..."
فحينها هدأه سفيان قائلاً:
"أنا هنا معك،لم يتركك أحد."
ورد عليه نذير وهو لا يزال غارقاً في النوم:
"حسناً،هل ستبقى معي دائماً؟"
أجاب سفيان:
"نعم،حتى أدفنك أو تدفني."
فابتسم نذير وعاد إلى نومه العميق. نظر جورج إلى سفيان مستفسراً:
"هل يحدث هذا دائماً؟"
أجاب سفيان:
"نعم،نفس الكابوس يتكرر يومياً."
قال جورج:
"يبدو أنه يعاني من عقدة نفسية،ربما يحتاج إلى طبيب نفسي."
رد سفيان بسخرية:
"هل أنت جاد؟ستنقلب الموازين ليصبح الطبيب مريضاً ونذير هو المعالج! ثم يقتله ويقول: 'انظر، لقد شفيت من مرضك!' بعدها يبكي عليه. وأنت تعرف حال المجانين!"
جورج:
"لكن يجب أن نحاول مساعدته."
سفيان:
"مساعدته؟أنا أساعده منذ عشر سنوات. الجنون ليس مرضاًَ، إنه جزء منه."
جورج:
"وكيف تتعامل مع نوباته؟"
سفيان:
"أتركه يعبر عنها،ثم أضمه كما ترى. الحب هو أفضل علاج لمجنون."
جورج:
"أنت مذهل في رعايته."
سفيان:
"هو أخي،ليس لدي خيار آخر."
الوصول إلى المنزل:
أخيراً وصلوا إلى منزل جورج في شارع الدرداء، المنزل رقم 15. كان شارعاً هادئاً تتلاصق فيه المنازل الجميلة كأسنان المشط، كل منزل ملتصق بجاره، مع شرفات صغيرة تزينها الأزهار.
أوقف جورج السيارة أمام منزل من الطوب الأحمر، بساحة أمامية صغيرة وسلالم تؤدي إلى الباب الرئيسي.
جورج:
"هنا منزلنا.أنا وزوجتي نعيش هنا منذ عشر سنوات."
سفيان:
"جميل...أشبه بمنزل العائلة الحقيقية."
جورج:
"وهو كذلك الآن.أنتم جزء من هذه العائلة."
نظر سفيان إلى المنزل ثم إلى نذير النائم، وهمس:
"أخيراً،قد نجد السلام هنا."
جورج:
"دعنا نحمل نذير إلى الداخل.زوجتي تنتظرنا وقد أعدت العشاء."
تقدّم جورج نحو مدخل الباب، لكن زوجته ماريا - ذات القامة القصيرة، والشعر الأحمر الطويل، والعيون الخضراء التي تعلوها ندبة فوق الحاجب - سبقته بفتح الباب، ويدها خلف ظهرها. قبلّها جورج على جبهتها ودخل قائلاً:
"ضعي المسدس جانباً،إنهما أبناؤنا الآن."
أخرجت ماريا المسدس بتلقائية، ثم تقدمت نحو سفيان وأخذت نذير من بين ذراعيه بحركة أمومة رقيقة، وكأنها تحمل رضيعاً. قالت بصوت دافئ:
"تفضل يا بني،خذ راحتك."
ثم أضافت موجهة كلامها لجورج:
"جورج،خذه إلى غرفته."
كان جورج يجلس على الأريكة يأكل تفاحة، فقال متذمراً:
"خذه أنتِ."
ردت ماريا بإطلاق رصاصة تحذيرية اخترقت التفاحة من يده، وسقطت على الأرض. قالت بنبرة هادئة لكنها حازمة:
"هل قلت شيئاًيا عزيزي؟ لم أسمعك جيداً."
نهض جورج متذمراً:
"لم أقل شيئاً...تعال معي يا سفيان."
تابعت ماريا نظرها لهم بينما حمل جورج نذير إلى الغرفة المجاورة لغرفة سفيان. وضعته برفق على السرير، غطّته بلحاف ناعم، ثم أطفأت الضوء وخرجت بهدوء. في الممر، التقت بنظرة سفيان الذي كان يراقب المشهد بصمت، فابتسمت له ابتسامة أمومة مطمئنة قبل أن تغلق الباب بلطف.
سفيان مبتسماً:
"شكراً جزيلاً لكِ، إنه يحتاج إلى الحب والحنان، وحنان المرأة ليس كحنان الرجل."
ماريا:
"أنت أيضاً تحتاج إلى الحنان."
ثم تحاول لمسه، لكنه يبتعد عنها بأدب قائلاً:
"أرجوكِ سيدتي، لا أحب أن يلمسني أحد."
ماريا:
"لماذا؟ هل بسبب ذكرى سيئة؟"
سفيان:
"لا أريد التحدث عن هذا الموضوع، هناك أسرار تُدفن مع أصحابها."
جورج:
"يا بني، تعال معي، حان وقت التدريب."
ماريا:
"انتظر، أي تدريب...؟"
جورج يتلعثم:
"تدريب كرة القدم."
ماريا:
"حقاً؟ إذاً بعد العشاء، كلوا أولاً."
سفيان:
"حسناً يا أمي."
بعدها ينزل إلى الطابق الأول مسرعاً، فيلحق به جورج متحمساً، قبل أن توقفه زوجته وهي تضع السكين على رقبته وتلعق خده وعنقه بطريقة مريبة وسادية قائلة:
"إذا اكتشفت أنك تخطط لجعله قاتلاً كما كنت أنت، سأقطع خصيتيك وأقدمها له عشاء."
جورج يبلع ريقاً من الخوف ويحاول الابتعاد منها:
"بالتأكيد يا عزيزتي، أنت رومانسية حتى في جنونك."
ماريا تزيل السكين ثم تقبله على خده بحنان ورومانسية:
"أعلم، أحبك يا حبيبي، والآن لنتعشى أولاً."
بعد رحيل جورج وسفيان، بقيت ماريا تحدق نحو نذير الذي يتقلب في الفراش بطريقة فوضوية وهو يتحدث أثناء نومه مجدداً:
"أمي...أين أنت؟ لقد تغيرت، أصبحت مؤدباً، سأرعاك..."
نظرت ماريا إليه بشفقة وهي تحدث نفسها:
"ما قصتك يا بني؟من تكون أمك الحقيقية؟"
وكأنه سمعها، أجاب نذير وهو لا يزال غارقاً في النوم:
"أمي...لم أطلب أن أولد مجنوناً، لم أطلب أن أعيش بهذه العيوب..."
همست ماريا:
"يجب أن أبحث عن الحقيقة وراء هذا الصبي المسكين."
فجأة... انقطع حبل أفكارها بسماع طلقة نار مدوية بعدما زرعت اجهزة التنصت في ملابس زوجها لكي تراقب كل صغيرة و كبيرة يفعلها زوجها. نهضت مسرعة وهمت تقول:
"جورج!سأقتلك أيها العجوز الحقير!"
خرجت ماريا مسرعة إلى الشارع حيث وجدت جورج وسفيان واقفين أمام رجل عجوز مجهول. كان سفيان يمسك بمسدس يدخن بينما كان العجوز يرتعد خوفاً.
قالت ماريا بنبرة حازمة:
"ما الذي يحدث هنا؟"
أجاب جورج متهدجاً:
"لقد حاول هذا الرجل الاعتداء على سفيان!"
نظرت ماريا إلى سفيان الذي كان يتنفس بسرعة، عيناه تلمعان بشرور مكبوت. ثم التفتت إلى الرجل العجوز المرتعد وقالت:
"اذهب ولا تعود...وإلا سأجعل موتك تحفة فنية."
بعد أن هرب الرجل، أمسكت ماريا بيد سفيان وقالت بلطف:
"العنف ليس حلاً يا بني."
أجاب سفيان بصوت مكسور:
"لكنه الطريقة الوحيدة التي أعرفها."
من خلال نافذة الطابق العلوي، كان نذير يتابع المشهد بعينين واسعتين. ابتسم ابتسامة غامضة وهمس:
"أخيراً...وجدت عائلة تستحق الجنون."
Imad chelloufi