تحت أضواء القمر الفضية، كانت وجوههم تُزهِر ببراءة نادرة. الضحكات الخفيفة تتصاعد كأنها ترانيم صلاة في معبد الفقراء. لقد أدركوا أن السعادة حقيقة لا تُشترى، وأن القناعة كنز لا يفنى. حتى الفقر المدقع لم يستطع أن يسرق منهم تلك اللحظات المفعمة بالطمأنينة.
وفجأة... انقطع السحر.
بخطوات ثقيلة ومدروسة، تجسَّد ظلٌ طويل على حائط الزقاق. رجل بمعطف أسود طويل، يتحرك بثقة المُختَصِم المنتصر. تقدم نحو الجدار العتيق، واستدار قليلاً، ثم شرع في التبول ببطء متعمد، وكأنه ينقش إهانة على جدار مقدس. كانت عيناه ترمقانهم من فوق كتفه، وتعلو شفتيه ابتسامة خبيثة كالسّم.
"يا لها من لوحة جميلة..." قال بصوته الأجش، "عائلة القمامة تتربع على عرشها."
لم ينتظر سفيان حتى تكتمل الجملة. انطلقت سكينة من يده كالصاعقة، متجهة نحو رقبة الرجل. لكن ما حدث لاحقا كان فوق مستوى الخيال. ببرودة أعصاب تثير الرعب، أمسك الرجل بالسكينة من قبضتها وهو لا يزال يقضي حاجته، وكأنه يلتقط ورقة متطايرة.
"أسلوب طفل غاضب.
" قالها وهو يلقي السكينة على الأرض باحتقار.
انطلق نذير كالعاصفة الهائجة، شاقورتان في يديه، وعيناه تبرقان بشرٍّ قديم.
"سأمزقك إرباً! هذا منزلنا وليس مرحاضك!"
ضحك الرجل وهو يربط سرواله ببطء مسيء. "منزلكم؟" قال بنبرة سخرية، "إنه مجرد قبر آخر تنتظرون فيه الموت."
تقدم سفيان هذه المرة، قبضته المشدودة تنم عن سنوات من القمع والغضب.
"من أنت؟"
"مجرد ناقل أخبار..." رد الرجل وهو يعدل ربطة عنقه، "لكن يبدو أنني سأضطر لتنظيف المكان أولاً."
انقض سفيان بقبضته كالمطرقة، لكن الرجل انحنى بسلاسة مذهلة، وكأنه يتفادى فراشة. في اللحظة ذاتها، حاول نذير طعنه من الخلف، فما كان من الرجل إلا أن دفع سفيان نحو أخيه بدفعة خفيفة، لتصطدم الجثتان ببعضهما بعنف.
"يا للأسف..." قال الرجل وهو يهز رأسه، "إخوة يتحاربون بدل أن يتحدوا."
"اخرس أيها الكلب!" صاح نذير وهو ينهض غاضباً.
هجم الاثنان معاً هذه المرة - سفيان من اليمين بنيران لكمات متتالية، ونذير من اليسار بشاقورته التي تتلألأ تحت ضوء القمر. لكن الرجل كان كالشبح، يتحرك بدقة آلة قاتلة. انحنى تحت لكمة سفيان، وارتفع برجله ليعترض رسغ نذير فيضرب الشاقورة من يده.
في حركة واحدة متدفقة، أمسك الرجل بنذير من رقبته ورماه نحو سفيان.
"كافية هذه اللعبة. جئت لأخبركم أن اللعبة القديمة ستعود... وأن أباكم لم يمت كما تظنون."
تجمّد الأخوان في مكانهما. حتى نذير توقف عن الصراخ. الكلمات كانت كالصفعة على وجوههم.
"ماذا قلت؟" همس سفيان بصوت مرتجف.
أزال الرجل غبار المعطف عن كتفه بنعومة.
"أظن أنكم سمعتموني. سنلتقي قريباً... أيها الأمراء الضائعون."
وبنفس البرودة التي جاء بها، اختفى في ظلام الأزقة، تاركاً وراءه أسئلةً تتدلى كالشناق في أعناقهم، وجروحاً في النفوس أعمق بكثير من تلك التي في الأجساد
تلك الكلمات القاسية المستفزة أشعلت ناراً كامنة في أعماق سفيان. انفجرت فيه نوبة غضب عاتية، جعلته يتقدم ويتأخر في الرواق كالوحش الجريح، لا ينطق بكلمة ولا يلتفت إلى أحد. كان يفرغ هياجه في سيجارته المسمومة، تلك الحبيبة الخائنة التي خطفت عقله واستعبدت إرادته.
بينما كان أخوه نذير يقفز كالممسوس في دائرة مجنونة، يصرخ بصوت يملأ الأجواء:
"سأقتله!سأذبح ذلك الحقير!"
ثم توقف فجأة عن القفز، واتجه نحو الجدار العتيق كالماشي في طقس قديم. وقف يحادث الحجر بصمت، ثم صفعه بقسوة وهو يصرخ:
"قلت سأقتله!هذا لا يعنيك! فلا تتدخل فيما لا يعنيك!"
وفي لمحة جنون أخرى، ألقى نذير بنفسه على الأرض، مستلقياً على ظهره كالطفل الرضيع. بدأ يصرخ ويبكي ويتمرغ في التراب:
"أبي!لقد ضربني! أبي لقد صفعني! أين أنت يا أبي؟ أبي..."
كان المشهد يمزق القلب إرباً. وقف الرجل العجوز يتألم كما لو أن السكين يتمزق في أحشائه. هذا الرجل الذي بذل الغالي والنفيس من أجل طفلين قست عليهما الحياة منذ البداية.
بخطوات متثاقلة، تقدم نحو نذير وحمله بين ذراعيه برقة الأمهات. هزّه برفق حتى غرق في نوم الأطفال، ثم وضعه داخل صندوق كرتوني قديم، وغطاه بلحاف ممزق كان الدفء الوحيد في هذا العالم البارد. وقبل أن يبتعد، قبّل خده المتورد بحنان وقال:
"رغم كل جنونك..تبقى طيبتك وقلبك الكبير شمعة تنير إنسانيتك."
بجهد واضح، سحب الرجل العجوز قدميه نحو سفيان، الذي كان يلتهم السيجارة السادسة في عشر دقائق. وبغير إنذار، انتزع السيجارة من فمه وصفعه بقوة جعلت الشاب يخفض رأسه خجلاً. فالأخلاق والتربية تظلان تشعان من أعماقهما رغم كل شيء.
ألقى الرجل العجوز السيجارة بعيداً، وأمسك بقميص سفيان وهو يقول:
"وجودي هنا من أجلكما ليس صدفة.يجب أن تعتني بأخيك."
أجاب سفيان بصوت مكسور:
"إلى أين تذهب يا أبي؟أنت تعلم أنني سأضحي بحياتي من أجله!"
قال الرجل العجوز وهو يمسح دموع سفيان:
"إذاً أقلع عن التدخين، وركز على تربية أخيك."
ثم انطلق مبتعداً في ظلام الزقاق، وصدى كلماته الأخيرة يلاحقه:
"سأعود..اعتنِ بأخيك."
ساد صمت قاتل في الرواق. لم يتبق سوى صوت أنفاس نذير المنتظمة في نومه العميق. جلس سفيان مقابل أخيه الصغير، يتملى ملامحه البريئة وهو يهمس
"أنت حقاً مميز يا أخي الصغير.."
Imad chelloufi