ثعبان بيننا

ثعبان بيننا

20 0

لا شيء يعيد ترتيب العالم كالعودة إلى مكان تحبه. حيث تشعر بالراحة، حيث يختفي ضغط العالم عن كتفيك، وتصير المنطقة منطقة أمان لك. حتى لو كان ذلك المكان مجرد أربعة جدران متسخة بدماء، وسقف يئن تحت صراخ ضحايا نذير وسفيان. بعد كل تلك الدماء التي أريقت، بعد كل تلك الجثث التي تركوها خلفهم، بعد الرصاصات التي حكت أذن سفيان، بعد الكعكة التي داس عليها الغرباء، بعد الكعكة المسمومة التي أكل منها نذير، وبعد النسخ الثلاث المتبقية من أب غامض لا يموت بسهولة - بعد كل هذا، عادوا إلى المنزل وكأن شيئاً لم يحدث أبداً.

لكن المنزل لم يعد كما كان.

لم يعد مجرد منزل جورج الذي ينتظر عودة هاربين. صار شيئاً آخر. صار جرحاً يلتئم ببطء، وصار صوت صرير الباب الخشبي حين يُفتح كأنين روح تعبت من السفر. صار رائحة السجائر المختلطة بدم نذير، وصار همسات نور التي كانت تخشى أن تلمس جدرانه المثقوبة بالرصاص.

دخل سفيان أولاً، كما يفعل دائماً. مد يده إلى مفتاح الكهرباء، لكنه لم يضغط عليه. قال:

سفيان:

"دعنا نبقَ في الظلام. نحن لسنا بحاجة إلى ضوء لنرى عيوبنا."

تبعه نذير حافياً، وجبينه لا يزال ينزف ببطء، وعيناه تبحثان عن شيء لم يعد موجوداً. همس:

نذير:

"أخي... أين كعكتي الحقيقية؟ ليست تلك المسمومة، ولا تلك المداسة. أريد كعكة تصنعها أمي... أمي الحقيقية... أين هي؟"

لم يُجب سفيان. فقط أشار إلى غرفة نوم جورج وماريا.

نذير:

"هل هما هناك؟"

سفيان:

"لا. لكن أسئلتنا هناك."

كانت نور لا تزال واقفة على العتبة، تنظر إلى الداخل كمن ترى منزلاً لم تطأه من قبل. سألت:

نور:

"أين تنامان؟"

سفيان:

"ننام حيث يُسقطنا التعب. أحياناً على الأرض، وأحياناً على الكراسي، وأحياناً لا ننام."

نور: (دخلت وجلست على أقرب كرسي)

"أنا لن أنام هذه الليلة."

نذير: (قفز على الأريكة الممزقة)

"أنا سأنام! وسأحلم بكعكة ضخمة مصنوعة من الشوكولاتة البلجيكية، وعليها كريمة بالفراولة، وفي داخلها مفاجأة... مسدس صغير لأقتل من يسرقها!"

سفيان: (أشعل سيجارة وجلس على الأرض)

"هذا حلم جميل. نم بسرعة."

نذير: (أغمض عينيه، ثم فتحهما فجأة)

"لكنني خائف. ماذا لو جاء الأب الحقيقي أثناء نومي؟ ماذا لو كان هو من يطبخ الكعكة القادمة؟"

سفيان: (ببرود)

"عندها نأكل، ثم نقرر."

ضحك نذير كالمجانين، ثم أغمض عينيه حقاً هذه المرة. في دقائق، كان قد غط في نوم عميق، كطفل أنهكه اللعب.

نظر سفيان إلى نور.

سفيان:

"لديكِ أسئلة. اسألي."

نور: (بعد صمت)

"لماذا لم تتصالح مع أبيك الحقيقي؟ لماذا لا تسأله عما تريد؟ بدلاً من كل هذا القتل؟"

سفيان: (زفر دخاناً)

"لأنه لا يريد أن يُسأل. يريد أن يُطاع. يريد أن نموت نحن أو يموت هو. لا حل ثالث."

نور:

"ربما هناك حل ثالث. ربما أن نختفي جميعاً. نذهب إلى مكان لا يجده."

سفيان: (ابتسم ابتسامة باردة)

"المكان الوحيد الذي لا يجده هو القبر. حتى هناك... أظنه سيأتي ليوقظنا."

صمتت نور. رفعت عينيها إلى السقف المتشقق، ثم همست:

نور:

"إذاً... ما خطتكم الآن؟"

سفيان: (أطفأ سيجارته)

"ننام. نستيقظ. نبحث عن النسخ الثلاث المتبقية من الأب المزيف. نقتلهم. ثم ننتظر الأب الحقيقي ليأتي إلينا."

نور:

"وإن لم يأتِ؟"

سفيان: (وقف واتجه نحو غرفته)

"إذاً نذهب إليه. لكن هذه المرة... لن نتركه يهرب."

أغمضت نور عينيها، لكنها لم تنم. كانت تفكر في كل شيء: لماذا هي هنا؟ لماذا تركت مخبأها الآمن؟ لماذا صدقت أن هذين المجنونين يمكنهما إنقاذ ما تبقى من العائلة؟

أجابها صوت نذير وهو نائم، وكأنه سمع أفكارها:

نذير: (في نومه)

"لأننا... العائلة الوحيدة... التي تستحق الجنون..."

ابتسمت نور في الظلام. كانت ابتسامتها أول مرة تلمس فيها وجهها منذ سنوات.

الآن... الصباح سيأتي حتماً. ومع أول خيوط الشمس، ستبدأ رحلة البحث عن ثلاث نسخ متبقية من الأب المزيف. أو ربما... ستبدأ العائلة في التفكك من الداخل.

نام نذير كالطفل الذي أنهكته لعبة طويلة. كان يتنفس بهدوء، وابتسامة خفيفة ترسم على وجهه المدمي، وكأنه كان يحلم بكعكة جديدة لم يدس عليها أحد. نور كانت جالسة على الكرسي، عيناها مفتوحتان على الظلام، تفكر في كل كلمة قالها سفيان. وسفيان نفسه كان واقفاً عند النافذة المكسورة، يدخن سيجارة بعد الأخرى، وعيناه تراقبان الشارع الخالي كمن ينتظر موتاً لم يأتِ بعد.

وفجأة... انفجر الباب.

ليس الباب الخشبي العادي، باب الثقة و الامان بين عائلة محطمة الذي لم يفتحه أحد بقوة منذ أن سكنوا هذا المكان. ارتطم بالجدار بعنف، وتطايرت منه شرارات الصدأ كدماء عجوز.

دخل رجل. لم يكن طويلاً، لكن عينيه كانتا كالنار في ليلة مظلمة. يرتدي معطفاً أسود ممزقاً، ووجهه شاحب كوجه من رأى الموت وعاد ليحذر منه. كان يلهث، والعرق يتصبب على جبينه كالمطر.

صرخ الرجل بأعلى صوته، وصوته كسر صمت المنزل كزجاج سقط من شاهق:

الرجل الغريب:

"سفيان! احذر! هنالك ثعبان بينكم! اختفاء جورج وماريا ليس كما تظن! احذر من قريب لك! لقد تم التلاعب بك! احذر..."

لم يكمل كلماته.

فجأة، استيقظ نذير كمن صعق بصاعقة. لم يفتح عينيه تدريجياً، بل قفز من الأريكة كالسهم، يده اليمنى تحركها غريزة أعمى. سكين صغيرة كانت قد نامت بجانبه، وربما كانت جزءاً من حلم الكعكة.

لم يرمق الرجل بنظرة، لم يسأل من هو، لم يتأكد إن كان تهديداً أم لا. فقط أطلق السكين من يده كالصاعقة، فارتطمت بحنجرة الرجل الغريب قبل أن يكمل جملته الأخيرة.

سقط الرجل على ركبتيه. عيناه اتسعتا، وحاول أن يقول شيئاً، لكن الدم كان يملأ فمه. سقط على وجهه، وارتطمت جبهته بالأرض الباردة.

موت صامت. سريع. وحشي.

وقف سفيان متجمداً، سيجارته لا تزال مشتعلة بين أصابعه. نظر إلى الجثة، ثم إلى نذير الذي كان قد عاد للاستلقاء على الأريكة كأنه لم يفعل شيئاً.

سفيان: (بصوت غاضب مكتوم)

"نذير! لماذا قتلته؟! لم تسمع ما كان يقوله؟! كان يحذرنا! كان يحاول إخبارنا بشيء مهم!"

نذير لم يفتح عينيه. فقط تمتم بصوت ناعس، كمن يتحدث في حلم آخر:

نذير: (بنبرة مشبوهة باردة)

"لقد أيقظني... وأنا آكل في الكعكة..."

ثم أدار ظهره، وتنفس بعمق، وعاد إلى نومه العميق في ثوانٍ.

صمت سفيان. لم يعد يغضب، لأنه يعرف أن الغضب من نذير لا يجدي. فقط نظر إلى الجثة التي لم يكن يعرفها، والتي جاءت لتحذره من ثعبان بينهم، ومن قريب له تلاعب به... وماتت قبل أن تقول من هو هذا القريب.

نظرت نور إلى سفيان، عيناها مملوءتان بالرعب والسؤال:

نور: (تهمس)

"من... من كان هذا الرجل؟"

سفيان: (نظر إلى الجثة، ثم أطفأ سيجارته على الحائط)

"لا أعرف."

نور:

"لكنه قال... احذر من قريب لك... قد يكون نذير... قد يكون..."

سفيان: (قاطعها، صوته حاد)

"لا. نذير ليس ثعباناً. نذير هو الثعبان الذي لا يلدغ إلا من يوقظه من حلم كعكته."

نظرت نور إلى نذير الذي كان يغط في نومه، ثم إلى الجثة التي كانت تدمي الأرض.

نور:

"إذاً... من هو الثعبان؟ ومن هو القريب الذي تلاعب بك؟"

سفيان لم يجب. أشعل سيجارة جديدة، وجلس على الأرض، متكئاً على الحائط، وعيناه لا تفارقان الباب المكسور الذي دخل منه الرجل الغريب.

سفيان: (بهدوء خطير)

"سؤال جيد. سنعرف الإجابة... عندما يصحو الثعبان الآخر."

نام سفيان؟ لا. فقط أطفأ عقله قليلاً، وترك جسده يرتاح. كان يعرف أن الصباح سيأتي حتماً، ومع أول خيوط الشمس، ستبدأ رحلة البحث عن ثلاث نسخ متبقية من الأب المزيف. لكن السؤال الجديد الذي زرعه الرجل الميت في رأسه كان أكبر من كل الجثث التي تركوها خلفهم: ثعبان بيننا... قريب متلاعب... من يكون؟

أما نور، فلم تنم تلك الليلة. كانت تراقب نذير النائم، تراقب سفيان شبه النائم، وتسأل نفسها: هل الثعبان هو من ننام بجانبه، أم من نثق به؟

الصباح لم يأتِ بعد. لكن الأسئلة كانت كالرصاص في صدورهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة