ظل السؤال يطن في الزقاق المظلم: أين ذهب الأب الروحي لهما؟ وكيف له أن يختفي في هذه اللحظة بالذات، حينما كانت الحقيقة تتدفق كالسم في عروقهما؟ لكن هذه التساؤلات غرقت في بحر من الغضب العاتي.
بانقضاضة تعكس كل آلام الماضي، قفز نذير نحو أخيه كطائر جريح يحاول النهوض قبل الموت. عيناه تبرقان بدموع الغضب والخيانة:
"كنت تعلم!كنت تعلم كل شيء وتخفي الحقيقة عني!"
لكن سفيان كان أسرع، تلقى هجوم أخيه بضربة قوية على البطن، ثم صفعة مدوية على الوجه:
"اخرس!أقسم أنني لا أعلم أكثر مما تعلم! هل تظنني أخفي شيئاً؟"
وانطلقا في قتال ضارٍ، كأنما يحاول كل منهما تفريغ غضب الكون في جسد الآخر. استمرت المعركة نصف ساعة كاملة، كل ثانية فيها تحمل رغبة في القتل ورغبة مضادة في العناق. الدماء تلوّنت وجوههم، والزقاق العتيق يشهد على آخر ما تبقى من إنسانية في أعماقهم.
حين عاد الرجل العجوز، وجد المشهد الذي لم يتوقعه: الاثنان مرميان على الأرض، منهكان تماماً، لكن الضحكات تتصاعد من بين أنفاسهم المتقطعة. الدماء تجمدت على وجوههم وكأنها شهادات على معركة كانت ضرورية لتفريغ ما في الصدور.
قال سفيان بينما يلمس جرحاً نازفاً على خده:
"لم أعثر على منافس يجاريني هكذا منذ سنوات..."
ورد نذير بضحكة مكسورة بينما يضغط على أنفه الدامي:
"صحيح...وبالنسبة لمدخن مثلك، فإن مهاراتك القتالية ليست سيئة يا أخي!"
نظر الرجل العجوز إليهما بحكمة بالغة، عيناه تلمعان في الظلام:
"أحياناً تكون القتالات ضرورية لتنظيف الجروح القديمة... لكن تذكروا أن الدماء التي تسيل بين الإخوة لا تروي سوى أشجار الكراهية."
بتلك النظرات البريئة التي تعبر عن حب صادق، زحف نحو أخيه الأكبر مبتسماً حتى وصل إليه. ثم عانقه بقوة ووضع رأسه على صدره بينما يحدق في عينيه قائلاً:
"أنت تعلم أنني أحبك يا سفيان، أنت الأخ الذي لم أحظَ به طوال حياتي."
رد عليه سفيان وهو يعانقه بقوة:
"وأنت لست مجرد أخ لي، أنت كل شيء بالنسبة لي. من يتجرأ على إيذائك أو إيذاء أبي سأنظم له رحلة سريعة إلى ربه."
رفع نذير رأسه نحو أخيه وفي عينيه دموع:
"أخي، لماذا تركتنا عائلتنا؟ هل المشكلة فينا؟ أم لم نكن أبناءً كما يحلمون؟"
رفض سفيان أن يجيبه، واكتفى بمعانقته.
نذير:
"هل لأنني مجنون كما يقولون؟ أستطيع أن أكون عاقلاً، سوف أتغير، فقط أريد حنان الأب والأم، أريد منزلاً لي ولك ولأبينا."
كان سفيان يبكي من دون أن يظهر لأخيه:
"توقف أرجوك!"
نذير:
"أعلم، ربما لأنني لست وسيماً أو لدي نظر ضعيف، لهذا رموني في القمامة."
سفيان:
"لا أخي، أنت وسيم، وليس هذا خطأك. الأمر معقد."
بعدها نام نذير على حجره، ثم حمله برفق كالطفل الرضيع وتقدم به نحو أبيه.
خافضاً رأسه لكنه يتحدث بغضب من دون أن يتجاوز حدوده:
"أبي، أعطني اسماً، أي معلومة، وسأتكفل بالأمر. سأجعل الأمر حادثة."
الرجل العجوز:
"لا يا بني، لا أستطيع."
سفيان:
"أبي أرجوك، ليس من أجلي، فأنا حياتي انتهت عندما وجدتني مشنوقاً في هذا الشارع."
الرجل العجوز:
"لا يا بني، أرجوك."
فجأة، دخل رجل في أربعينياته يرتدي بذلة سوداء وساعة رولكس ذهبية. تقدم نحوهم بابتسامة باردة، وعيناه الخضران وشعره الأسود الطويل يضفيان عليه هيبة.
الرجل:
"لقد رأيت وسمعت ما يكفي. ما اسمك؟"
سفيان:
"اسمي سفيان، وهذا أخي نذير."
جورج:
"أنا اسمي جورج، والآن اذهب واركب في السيارة، ستجدها أمامك في جهة اليمين
تلك الأوامر لم تنطبق على سفيان الذي بقي واقفاً أمام جورج، يحرك رأسه بطريقة مريضة ويخرج لسانه ويدخله مثل الأفعى. قبل أن يتدخل الرجل العجوز، وكأنه يعلم ما الذي سيقوم به، وضع يده على كتفه قائلاً:
"اهدأ يا بني، هذا القرار أنا اتخذته. أنت وأخوك تحتاجان إلى منزل وطعام مناسب، وهذا الرجل يمكنه أن يوفر لكما كل ما تحتاجانه."
عاد سفيان إلى طبيعته ونظر نحو أبيه:
"وماذا عنك؟هل ستبقى تعيش هنا؟"
الرجل العجوز:
"نعم،هذا منزلي قبل أن أتعرف عليكم."
أراد سفيان أن يجيبه لكن الرجل العجوز أوقفه قائلاً:
"لا،سوف تذهب معه، وهذا آخر كلامي. وسأزوركم في نهاية الأسبوع."
جورج مبتسماً:
"نعم يا سفيان،وستراه يومياً لا تخف."
قبل سفيان أباه وهو يبكي:
"أبي،سأعوضك عن كل ما فعلته من أجلي."
بعدها رحل واختفى مباشرة. استدار الرجل العجوز نحو جورج وفي عينيه دموع:
"أنا آسف،الأمر صعب عليّ."
جورج:
"لا تخف،هما معي الآن، سيكونان مثل ابنيّ."
الرجل العجوز:
"لقد أعطيتك أوراقهما القانونية،وكل شيء عنهما. فقط أخفي ذلك عنهما."
جورج:
"لماذا؟"
الرجل العجوز:
"أبو سفيان يعيش هنا.إذا اكتشف الأمر سيقتله وكل من معه. صدقني ستكون مجزرة."
جورج:
"أوه،سأتكفل بالأمر. هل هناك أمر يجب أن أعلمه عنهما؟"
الرجل العجوز:
"كلاهما مجنونان لكنهما لا يؤذيان أحداً،إلا من يحاول إيذائهما. سفيان يدخن كثيراً ومدمِن على القهوة، ويعمل في حانة. أريده أن يتوقف عن العمل في ذلك المكان. أما نذير فهو طيب وحنون، لكنه أحياناً يفقد السيطرة على نفسه وترى الجنون المطلق. أما الباقي فسوف تكتشفه وحدك."
جورج:
"جيد،ماذا عنهما؟ هل يطيعان الأوامر؟"
الرجل العجوز:
"يجب أن تقنعهما أنك هنا من أجلهما،وتظهر لهما أنك أبوهما. وعندما تنجح في ذلك، سيشعلان حرباً من أجلك."
جورج:
"كيف أفعل ذلك؟"
الرجل العجوز:
"نذير لن تجد معه صعوبة،فهو يحتاج إلى الحب والحنان. أما سفيان فستتعب معه. كن مبدعاً، تعرف عليه، اقضِ معه الوقت كثيراً."
جورج:
"حسناً،سأدع زوجتي تتكفل بنذير، وأنا سأتولى أمر سفيان."
بعدها ودعه وانطلق راحلًا، قبل أن يوقفه الرجل العجوز:
"جورج،أنت نظيف، أليس كذلك؟"
جورج:
"ماذا تقصد؟"
الرجل العجوز:
"هل تركت تلك الحياة خلفك؟"
جورج:
"أوه،نعم. أنت تعرف ذلك."
الرجل العجوز:
"نعم،وهناك أمور سنتحدث عنها لاحقاً، وتبقى بيني وبينك."
جورج:
"وداعاً."
الرجل العجوز:
"سأعود إلى منزلي أخيراً."
جورج:
"ألست في منزلك؟"
الرجل العجوز وهو يبتسم:
"لا،ليس هذا منزلي. بل لدي عائلة. كما قلت لك، هناك أمور سنتحدث عنها لاحقاً."
بعدها خرج جورج واختفى مباشرة، ليبقى الرجل العجوز يحدق إلى السماء مبتسماً:
"احمد أن ولدك في أمان.إسحاق، لا تخف على ابنك."
Imad chelloufi