أجنحة في قفص الجنون

أجنحة في قفص الجنون

34 0

انتشرت رائحة طعام لذيذة في أرجاء المطبخ الفاخر، الذي زُينت جدرانه بأسحلة نارية ثقيلة وكأنه متحف للحرب. وقفت ماريا تطبخ على نار هادئة، بينما كان نذير جالساً ينتظر بفارغ الصبر، يطرق على الطاولة بإيقاعات عشوائية تشيف شيفرة سرية.

"أمي، هل الطعام جاهز؟ أنا أموت جوعاً!" قال بتلهف الطفل الجائع.

ردت ماريا بنبرة حنونة:

"قريباً يا بني، أتعلم أن الصبر فضيلة؟ يجب أن تنتظر كما انتظرت أنت وأخوك طويلاً حتى وجدتما عائلة مثلنا."

فتح نذير فمه مفاجئاً، كأنه سمع خبراً مذهلاً للمرة الأولى:

"واو! هذه معلومة جديدة! أنت مثقفة يا أمي، يجب أن تدريسي في الجامعة!"

ثم التفت نحو جورج الذي كان يدخن بقلق، يتقدم ويتأخر في الغرفة كأسير في زنزانة، بعينين لا تريان سوى هواجسه.

"أليس كذلك يا أبي؟" سأل نذير منتظراً إجابة.

رد جورج من دون أن يلتفت:

"نعم... نعم... لا يهم."

جرح الصمت كالسكين، اختبأ الألم خلف ابتسامة زائفة، ثم نهض نذير من الكرسي متجهاً نحو الطابق الثاني:

"أمي، أنا شبعان. سأذهب للنوم. تصبحين على خير."

وصعد الدرجات وهو يتمتم بصوت مسموع:

"تصبح على خير يا أبي... أقصد، أيها الحقير!"

لم يمرّ ذلك التجاهل القاسي مرور الكرام على ماريا، التي فتحت باب الخزانة السفلية في المطبخ وأخرجت سيف ساموراي وشاقورة، قائلةً بنبرة حادة:

"كيف أمكنك أن تتعامل معه بهذه البرودة؟إنه ابنك، وأنت تعلم كم هو حساس!"

ردّ عليها جورج بغضب، وهو يُصوّب نحوها مسدس ماغنوم أبيض:

"ماذا فعلتِ؟!على أي حال، لستُ في مزاج لأتلقى هرموناتكِ!"

كانت ماريا مستغربةً من ردّة فعله، وتحاول أن تتأكد من حالته النفسية:

"إذاً أنت تتحداني!"

أجابها جورج بثقة قاتلة:

"أنا لا أتحدى...بل أقتل. استفزّيني مجدداً وسأضع رصاصة في مخّك، وأجد زوجةً أخرى تعتني بالأطفال!"

أمسكت ماريا بالسيف بإحكام، وعيناها تلمعان بالغضب:

"انتظر...هناك شيء لا يقبله المنطق. منذ متى وأنت بهذه القسوة؟"

أدرك جورج أنه أفرط في ردّ فعله، فخفض المسدس قليلاً:

"اسمعي...الأمر معقد."

لكن ماريا قاطعته بنبرة أكثر حدة:

"لا،لن أصمت هذه المرة! لقد عاشرتك خمسة عشر عاماً، أعرف عندما تخفي شيئاً!"

تنهد جورج بعمق، ثم ألقى المسدس على الطاولة:

"سفيان...لقد وجد ورقة في معطفي."

"أي ورقة؟" سألت ماريا وهي تتقدّم نحوه.

"ورقة تثبت أن والده الحقيقي على قيد الحياة..." أجاب جورج بصوت مكتوم. "وأنه يعيش على بعد عشرة شوارع من هنا!"

صُعقت ماريا، ثم همست:

"وهل ذهب لمواجهته؟"

أومأ جورج برأسه محبطاً:

"نعم...لقد رأيته يغادر منذ نصف ساعة. قال إنه ذاهب ليدخن، لكنني أعرف أنه ذاهب ليقابله."

أمسكت ماريا برأسها بين يديها:

"يا للهول!هذا يعني أنه يعرف الحقيقة كلها!"

"أخبرته كل شيء الليلة الماضية..." اعترف جورج بصوت خافت. "لم أستطع التحمل أكثر."

انفجرت ماريا غضباً:

"مجنون!كيف تخبر فتىً غير مستقر بمثل هذه الأخبار؟!"

"كان سيُقْتَل على أي حال!" ردّ جورج يائساً. "أبوه يعمل مع أخطر عصابات المدينة!"

سحبت ماريا هاتفها بسرعة:

"يجب أن ننقذه الآن!"

لكن جورج أوقفها:

"انتظري...دعيه يواجه مصيره. هذه معركة يجب أن يخوضها بنفسه."

نظرت إليه ماريا بعينين دامعتين:

"لكنه ابنا...ابنا!"

أجابها جورج وهو يمسك يديها:

"وأنا أبوه...وأعرف أن هذه هي الطريقة الوحيدة ليشفى."

بينما هما يتجادلان، سمعا صوتاً من الخارج:

"لا داعي للقلق...لقد عاد البطل."

وقف سفيان على عتبة الباب، ملابسه ممزقة وعيناه تحملان نظرة مختلفة. في يده حقيبة دبلوماسية صغيرة.

"لقد انتهى كل شيء..." قال بصوت هادئ. "والآن، أعتقد أننا بحاجة لكي نجد الاب الثاني حتى أصل الى الاب الاصلي."

ألقى الحقيبة على الطاولة، وفتحها لترى ماريا محتوياتها... أوراقاً ووثائق تثبت هوية والديه الحقيقية، وصورة لرجل ميت على الأرض.

"الحقيقة تحررنا..." همس سفيان وهو ينظر إلى والديه بالتبني. "

ولكنها أيضاً تقتلنا."

يَجلس الثلاثة حول الطاولة، الحقيبة الدبلوماسية مفتوحة بينهم، أوراق متناثرة وصور غامضة)

ماريا: (تلمس الصورة برفق)

هذا الرجل الميت...من يكون؟

سفيان: (بنظرة باردة)

كان مجرد دمية.أول دمية في مسرحية الأب الحقيقي.

جورج: (يمسك بورقة مكتوبة بالعربية)

انتظر...تقول هذه الوثيقة أن والدك الحقيقي كان عميلاً مزدوجاً؟

سفيان: (يضحك ضحكة مريرة)

لا يا أبي...كان عميلاً ثلاثياً. يعمل مع الاستخبارات، وعصابات المافيا، ومجموعة ثالثة لا أعرفها حتى الآن.

ماريا: (تتفحص صورة أخرى)

ولماذا قتلته؟

سفيان: (يشرح بطريقة منهجية)

لأنه كان الحارس الشخصي للأب الحقيقي.كان يجب أن أمر من خلاله للوصول إلى الهدف التالي.

جورج: (يقف مذعوراً)

هل تدرك ما تقوله؟أنت تتحدث عن شبكة متشعبة!

سفيان: (يُخرج جهاز كمبيوتر محمول من الحقيبة)

الأمر أعقد مما تتصورون.لدي هنا تسجيلات وتسجيلات...

يفتح ملفات فيديو تظهر رجالاً متشابهين.

ماريا: (مندهشة)

يستخدم بدائل!كل هؤلاء الرجال يشبهون بعضهم!

سفيان: (يؤشر إلى الشاشة)

نعم.خمسة بدائل على الأقل. كل منهم يعيش في عاصمة مختلفة، بجواز سفر مختلف.

جورج: (يجلس منهكاً)

لماذا كل هذا التعقيد؟من هو والدك الحقيقي حتى يستحق كل هذه الحماية؟

سفيان: (يغلق الكمبيوتر)

سؤال ممتاز...وهذا ما سأعرفه قريباً. القاتل الذي قتلته اليوم كان يحمل مفتاحاً.

بخرج قلادة معدنية صغيرة.

ماريا: (تتفحص القلادة)

إنها تحمل شفرة!

سفيان: (بتحدي)

نعم.وهذه الشفرة ستقودني إلى البديل التالي. ومنه إلى الذي يليه... حتى أصل إلى الأصل.

جورج: (بقلق)

هذه لعبة خطيرة جداً.أنت تواجه منظومة كاملة!

سفيان: (ينظر إلى كليهما)

أتعرفون لماذا أنا الوحيد الذي يمكنه فعل هذا؟

يوقف صوته ثم يتحدث مجددا

لأنني الوحيد الذي لا يخاف الموت...والوحيد الذي ورث جنون هذه العائلة.

ماريا: (تحتضنه)

لكننا نخاف عليك...أنت ابننا.

سفيان: (بلطف)

وأنا أحبكما لذلك.لكن هذه رحلتي وحدي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملك الجنون

المؤلف Imad chelloufi
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة