لم يكن الحرف "ص" مجرد نقش على معدن. كان نافذة صغيرة تطل على غرفة مظلمة لم يدخلها أحد من قبل. كان وعداً لم يطلبه سفيان، ولعنة لم تفارق نذير منذ وُلِد. حياة لم يختاروها، وابتلاءات أضعفت قوتهم من الجنون المطلق إلى الانهيار التدريجي. هكذا بدأ العد التنازلي لبداية الفوضى المطلقة والجنون السادي، تحت رعاية وتقديم نذير ملك الجنون، وسفيان الملقب بـ"الدمية المريضة".
كانت السيارة لا تزال تسرع، والمرأة الغامضة صامتة، والسائق لم يقل كلمة واحدة منذ انطلاقهم. أطفأ سفيان سيجارته، وأدار القرص المعدني بين أصابعه، وكأنه يحاول استنطاق حجر صامت. أما نذير، فكان قد هدأ قليلاً، لكنه كان لا يزال يهمس بكلمات غير مفهومة، أحياناً يضحك، وأحياناً يشيح بوجهه نحو النافذة كمن يرى شيئاً لا يراه الآخرون.
فجأة... غيرت السيارة اتجاهها.
لم تعد تسير في شوارع نيويورك المزدحمة، بل انعطفت نحو طريق ترابي ضيق تحيط به الأشجار المتساقطة الأوراق. اختفت أضواء المدينة خلفهم، وحل محلها ظلام كثيف، ثقيل كجدران زنزانة، ليُفتح الباب أمام تساؤلات حول هذه المرأة الغامضة وعلاقتها بأبي سفيان.
المرأة: (للسائق)
"هنا. توقف."
توقفت السيارة أمام بناء مهجور يبدو كمستودع قديم، جدرانه متآكلة ونوافذه مغطاة بالصدأ. لكن باباً حديدياً صغيراً كان مضاءً بمصباح واحد، كأنه ينتظرهم، أو يستعد ليهيئ لهم كابوساً واقعياً لا ينتهي إلا بسقوط آخر قطرة دم، أو لوحة سادية مريضة ترسم بدم وأعضاء بشرية، لإرضاء قلب تعفن وخرج من رحمة الرب، وما هذا إلا من أجل نفس بشرية متمردة تحب العصيان المباشر.
نذير: (نظر إلى الخارج، ثم إلى المرأة)
"هذه ليست غرفة نومي. أين الحلوى؟ لقد وعدتني بحلوى!"
ثم بدأ يقفز كالمجنون ويصرخ:
"أريد حلوى... أين هي الحلوى؟... سوف أشرب دمك إذا لم أجد الحلوى بالداخل!"
المرأة: (نزلت من السيارة وقالت دون أن تلتفت)
"الحلوى في الداخل. لكنها مرّة."
سفيان: (فتح الباب، نزل، وأشعل سيجارة جديدة)
"كم مرة سأقول لك... لا تثق بوعد أحد."
نذير: (نزل خلفهما، ينظر إلى الباب الحديدي كطفل ينظر إلى فم وحش)
"إذا كانت مرّة، فلن آكلها. أنا أحب الحلو. ما رأيك لو أعادوني إلى القصر؟ هناك نافذة لم أقفز منها بعد."
سفيان: (سار نحو الباب دون رد)
"تعال. قبل أن أرسلك في رحلة مبكرة إلى جهنم."
قفز نذير من الفرح:
"حقاً؟ لم أكن أتوقع ذلك! هل هي رحلة من الدرجة الأولى خاصة برجال الأعمال مثلي؟"
فتحت المرأة الباب الحديدي بصعوبة، فملأ صرير المفاصل الهواء كأنين روح محبوسة. من خلف الباب، كان هناك ممر طويل مضاء بمصابيح خافتة، ينتهي بغرفة واسعة مليئة بأجهزة كمبيوتر قديمة، وخرائط معلقة على الجدران، وصور لرجال لا يعرفهم سفيان.
المرأة: (دخلت أولاً)
"هذا هو مخبر والدي. هنا كان يخطط، وهنا كان يختبئ، وهنا... ستعرفان الحقيقة."
نذير: (مسح الغبار على أحد الأجهزة بيده، ثم نظر إلى إصبعه المتسخ)
"الحقيقة متسخة... مثل أخلاق المجتمع."
سفيان: (تقدم نحو إحدى الصور، أخذها بين يديه. كان وجه رجل يشبه نذيراً بشكل غريب)
"من هذا؟"
المرأة: (اقتربت منه، نظرت إلى الصورة)
"هذا... هو أخوكما الثالث."
ساد صمت ثقيل. سقطت السيجارة من يد سفيان، وتوقف نذير عن الحركة للحظة الأولى في حياته.
نذير: (همس بصوت لا يشبه صوته)
"ثالث؟ كم مرة سنفاجأ بأن لنا عائلة لم نعرف عنها شيئاً؟"
ثم وضع يده على ذقنه كأنه يفكر مثل الحكماء، وقال:
"الحياة تحتوي على مفاجآت لا تتوقعها."
المرأة: (نظرت إليهما بعينين حزينتين)
"هذه هي الحقيقة... أنتما لستما اثنين. أنتما جزء من لغز أكبر."
سفيان: (أشعل سيجارة جديدة، رغم أن يده كانت ترتجف)
"إذاً... لنبدأ بحل هذا اللغز."
الآن... تبدأ الحفريات في الماضي. وهناك جثث كثيرة لم تخرج إلى النور بعد، مما يخلق توتراً وكارثة على وشك الحدوث، لأن اللعب مع سفيان ونذير هو تذكرة للموت البطيء.
لم يعطهم الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة. فجأة، انطفأت المصابيح الخافتة الواحدة تلو الأخرى، وكأن أحداً كان يغلق عيون ميت. صرخت المرأة: 'ليس الآن...' ونذير بدأ يضحك في الظلام كمن سمع أطرف نكتة في العالم. أما سفيان، فأشعل سيجارته، وأضاء لهب الولاعة وجهاً كان يقف خلفهما، لم يروه من قبل... وجه رجل يحمل نفس ندبة سفيان فوق حاجبه الأيسر."
دون مقدمات، ودون أن يشعر أحد من أين أتى، انطلق رجل من خلف باب غرفة مفتوحة كليا بحيث ترى رجل مشنوق في الغرفة. لم يكن وجهه مرئياً بالكامل، لكن جسده الضخم كان كافياً لملء المدخل. انقض على سفيان أولاً، قبضته اليمنى استقرت في كتفه كالمطرقة.
سفيان ترنح خطوة إلى الوراء، سقطت سيجارته من بين شفتيه وتطايرت الشرر على الأرض الخشبية. المرأة الغامضة وقفت صامتة، لم تتحرك، لم تصرخ، فقط كانت تشاهد كمن تشاهد فيلماً وثائقياً عن وحوش لا تنتمي إلى عالمها.
أما نذير، فقفز إلى الخلف كقرد مذعور، عيناه اتسعتا، لكنه لم يهاجم بعد. كان يراقب، ينتظر إشارة غير مرئية.
الرجل الضخم أدار قبضته نحو وجه سفيان، لكن سفيان انحنى بسرعة لا تتوقعها من جسد مرهق بالتدخين والغضب. أفلت اللكمة، ثم انطلق لسانه كالأفعى، يخرج ويدخل بين شفتيه. رأسه بدأ يهتز بطريقة مريضة، كمن يعاني من تشنج عصبي، لكن عينيه كانتا باردة كالثلج.
ثم صرخ سفيان.
لم تكن صرخة ألم، بل صرخة جنون مطلق، صرخة من أعماق سجون عقله المظلمة. ارتطم صوت الصراخ بجدران المخبر، وكسرت زجاجة صغيرة على أحد الأرفف ثم بدا برمي عليه قارورات شراب فارغة لكنه لم يصبه.
لكمته الأولى كانت أسرع من الطلقة. استقرت في كبد الرجل، فتهشّم جسده للأمام. الثانية في الفك، الثالثة في الصدر. اللكمات تتوالى كالمطر في إعصار، خمس، ست، سبع، دون توقف.
الرجل الضخم سقط أرضاً، لكن سفيان لم يكتفِ. حمله من قميصه، رفعه إلى أعلى كأنه دمية خرقة، ثم رماه نحو السقف. ارتطم ظهر الرجل بالخرسانة، وسقط يتألم، يتلوى كدودة محترقة.
ثم كررها حتى خارت قوة الرجل الغريب.
رفعه مجدداً، رماه إلى السماء، سقف المخبر كان واطئاً، لكن الصوت كان مرعباً. سقط الرجل مجدداً، وسفيان لم يتركه يرتاح. ركلة قوية في بطنه طردت الهواء من رئتيه، وخرجت شهقة مبحوحة.
وبينما كان الرجل يحاول الزحف بعيداً، قفز نذير.
قفز نذير على جسد الرجل كالطفل الذي وجد بركة مطر، لكنه لم يلعب. بدأ يقفز بقوة على بطنه، مرة، مرتين، ثلاث، كل قفزة تصدر صوتاً كالخبز يُعجن على حجر.
عشر قفزات، خمس عشرة، لم يعد يسمع صراخ الرجل، فقط صوت ارتطام الأحذية باللحم، وصوت خروج الدم من فم المهاجم.
لم تتكلم المرأة، فقط عبست قليلاً، وقدمت منديلاً إلى سفيان، الذي كان يلهث، عيناه لا تزالان تلمعان بجنون لم يهدأ بعد.
نذير: (وهو لا يزال يقفز)
"هل تريده سندويتشاً؟ أم سنحتفظ به كقطعة فنية؟"
سفيان: (أخرج سيجارة جديدة، أشعلها بنفس الولاعة التي بالكاد حملتها أصابعه المرتعشة)
"اسأله... من أرسله."
نظر نذير إلى الجثة نصف الميتة، ثم رفع إصبعه كالمعلم:
نذير:
"أنا سأسأل بطريقتي... سأغني له أغنية الموت حتى ينطق!"
ابتسمت المرأة لأول مرة، لكن ابتسامتها كانت كابتسامة طبيب شرعي يستعد لتشريح جديد.
الآن... بدأت المرحلة الثانية من الاستجواب. والرجل ما زال يتنفس.
Imad chelloufi