وإن تباعدتَ... عن عينٍ
سكنتَ بهامن ذا يباعدُ عني ..
طيفَ ذكراكَ؟! "
~ قيل ~
●●●
•••••••••●●●
/19نوفمبر 2015 /
كان مساءً نوفمبريًا كئيبًا، رماديًا في سمائهِ، باردًا في أنفاسهِ، حَلَّ ببؤسِهِ على مدينةِ إسطنبول التركية، تلك المدينةِ الساحرةِ التي تحتضنُ شوارعُها المهيبةُ أسرارَ قصصِ الحبِّ والخيانةِ. وسطَ هذا المشهدِ الكئيبِ الذي يُغلّفُ المدينةَ ويَخنقُ المارّةَ، بدا وكأنه يستثني الجالسَ هناكَ على الكرسيِّ المُهترئِ في هذهِ الحديقةِ الهادئةِ ذاتِ الأشجارِ العاليةِ.
يبدو وأنه أُعجِبَ بالأجواءِ حولهُ فاسترخى أكثرَ على المقعدِ، فأصدرَ أصواتَ طرطقةٍ. كانت هذهِ الأجواءُ بالنسبةِ لهُ ذاتَ رواءٍ وبهاءٍ، على غِرارِ الآخرينَ الذينَ يَمقُتونَ هذهِ الكآبةَ، لكنْ بالنسبةِ لهُ كمرآةٍ تعكسُ ما يختلجُ صدرَهُ من مآسٍ وأحزانٍ. وخاصةً كآبةَ الأيامِ الخريفيةِ الأخيرةِ هذهِ، فجعلَ لها مكانةً خاصةً في قلبِهِ، ونالتْ حظَّها بأنْ أصبحتْ أيامَهُ قُدسيَّةً، التي كرّمها بأنْ وضعَ لها طقوسًا مجيدةً يراها الناسُ عجيبةً ويراها هو مهيبةً.
ومن هذهِ الطقوسِ التي يُحييها كلَّ سنةٍ: عدمُ مكوثِهِ في منزلِهِ مع عائلتِهِ في النهارِ. فيخرجُ في بدايةِ الصباحِ ولا يعودُ إليهِ إلا آخرَ النهارِ، ولا يُحادثُهم إلا نادرًا. وبهذا، فإنه يُطيلُ المكوثَ في الخارجِ كثيرًا، ويُمضي وقتَهُ بسماعِ الشعرِ الحزينِ ذا الإيقاعِ الرصينِ، العربيِّ أكثرَ منهُ التركيِّ. يسيرُ مسافاتٍ طويلةً وحدَهُ، ويترددُ فقط على الأماكنِ المفتوحةِ والهادئةِ. يرتدي ملابسَ خفيفةً ليفسحَ المجالَ للنسماتِ الباردةِ أن تلفحَ وجهَهُ وصدرَهُ، لعلها تخترقُ قلبَهُ وتُهدِّئُ النارَ التي تشتعلُ في صدرِهِ، لكنْ هيهاتَ هيهاتَ نيرانَ الشوقِ أن تهدأَ ولو قليلًا. أشفقتِ النسماتُ الباردةُ لحالِهِ لأنها لا تستطيعُ إطفاءَ لهيبِ شوقِهِ، فراحتْ تُؤنسُهُ بأن تُطمئنَهُ أنَّ شتاءَهُ الذي طالما انتظرهُ قادمٌ، لعلهُ في هذا يُزيحُ ولو بعضَ معاناتِهِ.
لم يكنْ وحيدًا في طقوسِهِ الكئيبةِ هذهِ؛ بل كانتْ روحُ حبيبتهِ تطوفُ حولَهُ، تُلازمُهُ طويلًا، تُشارِكُهُ لحظاتِهِ لحظةً بلحظةٍ، تُؤنسُهُ أحيانًا قليلةً وتُؤنِّبُهُ أحيانًا كثيرةً. أحسَّ وكأنَّ طقوسَهُ قد راقتْ لها، لطالما كانتْ تمدحُهُ وتراهُ استثناءً، كان هذا قبلَ أن يخذلَها. لكنهُ عرفَ مؤخرًا أن سرَّ إعجابِها بطقوسِهِ لم يكنْ ما توقّعَهُ، بل لأنها تراها طريقةً مُثلى لتعذيبِهِ. حبيبتهُ تستمتعُ بأن تراهُ حزينًا، لربما يَشفي غليلَ تلكَ المسكينةِ التي كان هو يومًا سببَ شقائِها.
ومنذُ عرفَ أن حزنَهُ وألمَهُ يجلبُ لها سعادتَها، رَدَّدَ:
"فليكنْ سعادتي وحياتي فداكِ..."
لا أحدَ يُدركُ ما يحدثُ بينهُ وبينَها، فهو وحدَهُ فقط كان يشعرُ بوجودِها، ووحدَهُ يُحِسُّ ويُدركُ بهذا. لم يجرؤْ على إخبارِ أحدٍ بوجودِها معهُ، ولم يكتبْها في مُذكراتِهِ، ليسَ لأنهُ يخجلُ بهذا، وأنَّ هذا ضَرْبٌ من الجنونِ فيُفصحَ بهِ لآخرينَ، ويتعرضَ لتهكُّمٍ وسُخريةٍ، وينتهيَ بهِ الأمرُ في عيادةٍ نفسيةٍ.
لا، لا، لا.
ليسَ كما تتوقعونَ، بل على العكسِ تمامًا. هو يخافُ أن تنزعجَ منهُ، أن تغضبَ وتتركَهُ وتذهبَ كما ذهبَ جسدُها من قبلُ. فَضَّلَ أن يقضيَ أيامًا سريَّةً جميلةً معها، لن يَشيَ بها لأحدٍ. هي أيامٌ قليلةٌ وتذهبُ، ستُغادرُ مع نهايةِ نوفمبرَ كما تفعلُ كلَّ سنةٍ، ووقتها سيزدادُ حزنُهُ وألمُهُ وبؤسُهُ وسُخطُهُ. لا يريدُها أن تذهبَ، لتبقى معهُ وقتًا أطولَ، لتُغادرَ روحُهُ جسدَهُ ويذهبَ معها. بقيَ قليلٌ فقط وتذهبُ بعيدًا لا يعلمُ أينَ.
وقتها سيشتاقُ لحواراتِها معهُ حتى ولو كانت غريبةً، مثلَ غرابةِ ما يحدثُ معهُ.
بقدرِ ما هي غريبةٌ أحاديثُها، بقدرِ ما هي رائعةٌ في نظرِهِ. كانت أحاديثُها معهُ مُتذبذبةً، لا يسأمُ منها إطلاقًا، بل يتمنَّى أن يُسجِّلَها ويحتفظَ بها، ستكونُ كالأكسجينِ الذي سيتنفسُهُ بقيةَ السنةِ حتى تعودَ مُجددًا، ويتجددَ الموعدُ.
هي كانت تارةً تُغازلُهُ فيبتسمُ، وتارةً أخرى تُعاتبُهُ على ما فعلَهُ بها وخِذلانِهِ لها، وهنا أسوأُ الجلساتِ التي يقضيها معها. تُذكِّرُهُ بخساستِهِ وحقارتهِ، إن كان يبدو للناظرِ إليهِ والسامعِ أنه وَفِيٌّ في عشقِهِ فقط لأنه يتذكرُ حبيبتهُ ويرثيها. هنا كان يبتئسُ ويتألمُ، وبعدَ أن تتوقفَ عندَ هذهِ الأخيرةِ، تصمتُ وتستكينُ، فيزدادُ كرهُهُ لنفسِهِ أكثرَ فأكثرَ.
الناسُ من حولِهِ جاهلةٌ بوجودِها بجانبِهِ، جاهلةٌ بما يدورُ في رأسهِ من ذِكرى، وما يحملُهُ صدرُهُ من ندمٍ الذي أنهكهُ ومزَّقَ روحَهُ، ولا بالمعركةِ التي تقومُ أحيانًا بينَ روحِهِ وبينَ روحِ حبيبتهِ أمامهم لكنهُم لا يرونَها. بعضُهم كان يُلاحظُ إيماءاتِ وجهِهِ التي تتغيرُ بينَ الفينةِ والأخرى، وهناكَ مَن سمعَ همساتِهِ وكأنهُ يُحادثُ شخصًا، واستغربوا لذلكَ. لم يسألْهُ أحدٌ عن حالِهِ وعن سببِ تقلبِ أحوالِهِ، عن حزنِهِ وألمِهِ، ولماذا يفعلُ هذا بنفسِهِ؟ لربما لأنهُ لن يُجيبَهم بحُجةٍ واهيةٍ. فقط اكتفوا بأن فرضوا أنَّهُ مجنونٌ، وقد جهروا بهذا بينهم وتداولتْ أحاديثُ وأقاويلُ عنهُ وعن حالاتِهِ بينهم، فسخروا منهُ وعلَّقوا. وكان وما زالَ الطبقَ الرئيسيَّ في أحاديثِهم. بعدَما أكثروا الحديثَ عنهُ، إن كان في نظرِهم واعتقادِهم أو تبريرًا لفعلِهم أنهُ تشخيصٌ لحالتِهِ، اتفقوا بينهم على هذا، صِحَّةَ فرضيتِهم، ثمَّ حكموا عليهِ بأنهُ مُصابٌ بالجنونِ. وهو لا يعلمُ أنهُ مصابٌ بالجنونِ، ولا الطبيبُ أكَّدَ على هذا.
غريبٌ حقًا ما يحدثُ في هذا العالمِ! يكفي أن يُدينَكَ الناسُ بشيءٍ ثمَّ لتصبحَ إشاعةً، بعدها يجمعونَ بينهم على صِحتِها، دونَ دليلٍ، فقط لأنهم أرادوا هذا، فيُصبحُ حقيقةً في نظرِ الكلِّ. سيُصدِّقُ الجميعُ هذا سواءً شِئتَ أم أبيتَ، إن كنتَ على درايةٍ بهِ أم لا، وإن كنتَ ضعيفًا فستُصدِّقُ هذا عن نفسِكَ، وإن ترى أنكَ عظيمٌ في نفسِكَ فلم تسمعْ عنكَ أمرًا كهذا.
في نفسِ المكانِ، كانت أيسون قد جاءتْ لتوِّها، تَدِبُّ بخطواتِها في أرجاءِ الحديقةِ، تبحثُ عن مكانٍ مناسبٍ هادئٍ مِثلِها للجلوسِ. الجوُّ باردٌ، كأنهُ يعكسُ برودةَ قلبِها. وضعتْ يديها في جيبِ سُترتِها تُدفِّئُها.
وأخيرًا وجدتْ مكانًا بدا كأنهُ مناسبٌ، جلستْ فيهِ. لم تتنبهْ أنهُ مُقابلٌ لأستاذِها في الأدبِ التركيِّ، الذي طالما حيَّرتْها نظراتُهُ إليها، وأزعجَها تحديقُهُ بها، وشعرتْ بالفضولِ الشديدِ لتعرفَ ماضيَهُ! أخرجتْ كتابَها وراحتْ تحدِّقُ فيهِ قَلِقَةً.
أما هو، فقد انتبهَ لها كأنَّ خيطًا مغناطيسيًا جذبَهُ إليها منذُ دخولِها الحديقةَ. انتظرَها حتى تجلسَ، ولربما تهللتْ أساريرُهُ لأنها جلستْ أمامَهُ. راحَ يُحدِّقُ فيها بنظراتٍ عميقةٍ لا يُفهَمُ منها الكثيرُ، لكنها تحملُ الكثيرَ والكثيرَ، سنتعرفُ عن هذا قريبًا. ومع كلِّ تحرُّكٍ يصدرُ منها يرتبكُ كأنهُ يهتزُّ. عيونهُ بقيتْ فيها معلَّقةً، يُحللُ وجهَها كأنهُ قصيدةٌ هو يحفظُها.
"نفسُ ملامحِ تلكَ الحبيبةِ... ليسَ فقط ملامحَ، نفسُ الشعرِ، نفسُ العيونِ، نظرةُ الشرودِ، شِدَّةُ القلقِ، الكبرياءُ والغموضُ، الهالةُ التي تُحيطُ بها، الرِّقَّةُ والأصالةُ العراقيةُ العربيةُ... كأنها نسخةٌ طبقُ الأصلِ منها عادتْ من الماضي لتُزاحمَ الحاضرَ، لتُبعثرَ فوضاي. إنها تعودُ بي إلى الماضي، إلى ديسمبرَ قبلَ ثمانيةَ عشرَ سنةً، حينَ تعرَّفتُ فيها إليكِ. أحببتُكِ وأحببتِني، وخذلتُكِ وتركتِني. كنتما تقريبًا في نفسِ العمرِ، كِلاكُما تُزلزلانِ كياني وأنا غيرُ قادرٍ على فعلِ شيءٍ. أنا دائمُ التحديقِ بها، لا أستطيعُ التوقفَ عن هذا، ليسَ لأني واقعٌ في حبِّها بسببِ الشبهِ بينكِ وبينَها، لا، بل لأني أُفتِّشُ في ملامحِها عنكِ. والأدهى أني كنتُ خائفًا أن أجدَكِ حقًا. أعلمُ أنها جاهلةٌ لسببِ نظراتي المُطوَّلةِ فيها، أُحِسُّ دومًا بأنها تنزعجُ وتَنفِرُ منها، ولربما تشعرُ اتجاهي بالغرابةِ، ولربما أنا في نظرِها نَذْلٌ حقيرٌ، وتتمنى داخلَها أن أُصابَ بالعمى لتتخلصَ من نظراتي لها. آه لو أنكِ تعلمينَ بَلِيَّتي، لأشفقتِ على حالي، بُنيتي."
"ويبقى سؤالٌ يُؤرِّقُني... لم أبحثْ لهُ عن إجابةٍ، وليسَ لديَّ نيَّةٌ ولا قدرةٌ على فعلِ ذلكَ. مَن هذهِ الغريبةُ التي تُشبهُكِ؟ لا، بل تُطابقُكِ؟ هذهِ لم تعُدْ مُجردَ طالبةٍ عندي؛ لأنكِ أنتِ فيها بطريقةٍ ما، حتى ولو بَدَتْ غريبةً. لم أقلْ إنها أنتِ، لكنْ شيئًا ما يربطُكِ بها ويربطُها بكِ، وربما مرتبطٌ بي أنا! هل يا تُرى عليَّ أن أبحثَ وأُفتشَ عن الصِّلةِ بينكُما والرابطِ الذي يجمعُكُما؟ هل أفتحُ الصفحاتِ التي ظننتُ أني طويتُها؟ هل أُغامِرُ؟ ليسَ لديَّ الشجاعةُ، تعبتُ من التنقيبِ والبحثِ، أُريدُ أن أعيشَ باقي الأيامِ بذِكراكِ ولا أُريدُ سوى هذا. لا أُريدُ أن أصطدمَ بأيِّ حقيقةٍ قد تعودُ بي إلى الوراءِ، يكفيني ما يكفيني مما جنيتُهُ عليكِ وعَلَيَّ، لأتركَها وشأنَها، وإلا آذيتُها. يكفي أني أُؤذيها بنظراتي. يكفي هذا، دَعْها فتاةً وشأنَها، هي بريئةٌ منكِ."
أرادَ أن ينهضَ، أن يبتعدَ، لكنْ قدماهُ بقيتا عالِقَتَينِ، لا تأبيانِ المُغادرةَ. شيءٌ ما يَشُدُّهُ إليها لا يعلمُ. بقيَ يُحدِّقُ ويُحدِّقُ كالهائمِ، ازدادَ تحديقُهُ بها رغمَ أني أردتُ التوقفَ. لا شيءَ تَغَيَّرَ، لا حقيقةَ كُشِفَتْ... حقيقةٌ يكفيكِ نطقُ كلمةٍ حتى في داخلكِ حتى يَقشَعِرَّ بدنُكِ، إنها كالموتِ. سأبحثُ عنها عندما أُريدُ ذلكَ.
مرتْ ثوانٍ ودقائقُ كثيرةٌ، وهي لم تنتبهْ لهُ، ولا تعلمُ أن رجلًا أنهكتْهُ ذكرى ديسمبرَ يُفتِّشُ عن ماضيهِ في وجهِها، ويا ليتَها تعلمُ! فجأةً أحسَّتْ بإحساسٍ غريبٍ، ذلكَ الإحساسُ الذي يتسللُ إليكَ فجأةً، يطلبُ منكَ أن ترفعَ رأسَكَ كأنَّ أحدهمْ يُراقبُكَ. رفعتْ نظرَها إلى الأعلى فاصطدمتْ بنظراتِهِ: "ألتان رورغاز، أستاذُ الأدبِ التركيِّ"، غريبُ الأطوارِ الذي يُحدِّقُ فيها دومًا، ولم تفهمْ سببَ فعلِهِ لذلكَ يومًا.
كانت تشعرُ بانزعاجٍ ونُفورٍ مراتٍ كثيرةٍ، وشعورٍ بالحَرَجِ أحيانًا أخرى، خاصةً عندما يُلاحظُ شخصٌ آخرُ غيرُها تحديقَهُ هذا. ورغمَ أنه لاحظَ أنها لاحظتْ نظراتِهِ، لم يُزِحْ عينَهُ عنها، بقيَ ينظرُ إليها ببرودٍ وهدوءٍ. قطَّبتْ حاجبيها تتعجبُ وقاحتَهُ! ما يظنُّ نفسَهُ فعلًا؟!
لماذا يفعلُ هذا؟ لماذا يُحدِّقُ بي هكذا؟ هل هناكَ شيءٌ يعرفُهُ عني لا أعرفُهُ؟ الشيءُ الوحيدُ الذي أعرفُهُ أن الذي يُطيلُ التحديقَ فيكِ هكذا دونَ سببٍ واضحٍ أنه واقعٌ في حبِّكِ وغرامِكِ... لكنَّ هذا احتمالٌ مستحيلٌ، هو رجلٌ خمسينيٌّ لن يقعَ في حبِّ مُراهِقةٍ، وهو مُتزوجٌ ولديهِ أولادٌ. إذَنْ ما السببُ؟ هل أسألُهُ؟ لا، مستحيلٌ، أنا لا أُريدُ أن أتورَّطَ معهُ إطلاقًا!
كانت هذهِ التساؤلاتُ تدورُ في رأسِها. مرتْ ثوانٍ ثمَّ دقائقُ وهما على هذا الحالِ. هو بقيَ هكذا شاردًا حزينًا يُحدِّقُ، وهي ورغمَ نُفورِها لم تُزِحْ نظرَها عنهُ. هو عالقٌ في ذكرى، لا ذكراها هي، كان هناكَ، في زمنٍ آخرَ، مع فتاةٍ أخرى، ووجهٍ يُشبهُ وجهَها. أما هي فكان قلبُها يَعِجُّ بمشاعرِ الغضبِ والرِّيبةِ، أسئلةٌ تترددُ في ذهنِها: لماذا يُصِرُّ على مُلاحقتي بنظراتِهِ؟ والأغربُ، لماذا نظراتُهُ حزينةٌ وكئيبةٌ؟ لربما لو عرفتُ سببَ حزنِهِ سأعرفُ سببَ تحديقِهِ بي.
طالَ تحديقُهُ، ويبدو وأنه ارتاحَ ولن يتوقفَ ويُزِيحَ عيونَهُ، وهي سئمتْ من جلوسِها هكذا، ليتها تستطيعُ اقتلاعَهُما، هذا سيُريحُهُ ويُريحُها. جاءتْ إلى هذا المكانِ لتبحثَ عن مكانٍ هادئٍ، فإذا بها تلتقي بهذا الذي يُعكِّرُ صفوَ خَلوتِها، ويُزعجُها بصمتِهِ أكثرَ من أيِّ ضجيجٍ.
ضَبَّتْ أغراضَها، واحتضنتْ كتابَها، ووقفتْ تُغادرُ المكانَ. وقبلَ أن تخطو خطوةً واحدةً، نظرتْ إليهِ نظرةً حادةً جِدِّيَّةً، عاقدةً حاجبَها الأسودَ، كأنها تضعُ حَدًّا وحُدودًا لنظراتِهِ المُزعِجةِ، نظرةً تحملُ رسالةً صامتةً، تقولُ بها باستعلاءٍ:
"كُفَّ عن مُلاحقتي بنظراتِكَ، فأنا لستُ لغزًا تحتاجُ لأن تحلَّهُ."
"أنتَ تُثيرُ شفقتي بفعلتِكَ ونظراتِكَ هذهِ يا غريبَ الأطوارِ!"
وغادرتِ المكانَ بخطواتٍ شبهِ مُسرعةٍ، شعرُها الأسودُ تتخللُهُ نسماتٌ، وقد بَرَزَ للناظرينَ احمرارُ وجنَتَيها الذي سببهُ الغضبُ، مُختلطًا ببرودةِ الجوِّ. وكانت قد عاهدتْ نفسَها أن تبحثَ عن إجاباتٍ للأسئلةِ المُبهمةِ.
بعدَ مُدَّةٍ، أحسَّ بقطراتِ المطرِ تنهمرُ فوقَهُ بخِفَّةٍ، أفاقتْهُ من شُرودِهِ. لقد بَلَّلتْ جزءًا كبيرًا من جسدِهِ، يبدو أنها تُمطِرُ منذُ مُدةٍ وهو لم ينتبهْ لها! لاحظَ أن طالبَتَهُ قد غادرتْ. تُرى متى؟ خطرَ السؤالُ في ذهنِهِ لوهلةٍ، لم ينتبهْ لها عندما غادرتْ، ولم ينتبهْ أيضًا لهطولِ المطرِ، فافترضَ أن كليهما حدثَ معًا في نفسِ الوقتِ. لم يستغربْ إطلاقًا من عدمِ انتباهِهِ، فهذهِ حالُهُ منذُ سنينَ، لأنهُ طوالَ الوقتِ شاردٌ، وعالقٌ في زمنِ الماضي قبلَ ثمانيةَ عشرَ سنةً، في ذكرياتِ تلكَ الفترةِ، تلكَ الذكرى التي تجري في أنسغِهِ مَجرَى دمهِ.
الساعةُ تجاوزتِ التاسعةَ ليلًا، والمطرُ لم يتوقفْ بعدُ. كانتِ السماءُ تَنشِجُ وكأنها تبكي بدلًا عنهُ، وهو لا يزالُ جالسًا في مكانِهِ في الحديقةِ لا يتحركُ. نهضَ من مكانِهِ وقد أخذَ قرارَهُ أن يسيرَ في الشارعِ. كان الشارعُ خاليًا، إلا من صوتِ المطرِ يهبطُ كعزفٍ حزينٍ، ولا أحدَ يُصغي إليهِ إلا هو. غاصَ في البللِ أكثرَ، كأنَّ المطرَ وحدَهُ يُنقِّيهِ من هذا الندمِ، لكنه لا ينفعُ، لا ينفعُ أبدًا مع ذنبٍ مِثلِ ذنبِهِ. كلُّ خُطوةٍ منهُ كانت تجرُّهُ إلى الوراءِ، لا إلى الأمامِ. كان يسيرُ وكأنَّ روحَهُ مُرهقةٌ أكثرَ من جسدِهِ، وكأنَّ الأرضَ تحملُ ثِقلَ جسدِهِ ولم تحتملْ.
توقَّفَ عندَ شجرةٍ مُبلَّلةٍ، أسندَ ظهرَهُ إليها، رفعَ رأسَهُ للسماءِ وهَمَسَ:
"بعضُ القلوبِ مثلُ الغيومِ... لا تُمطِرُ إلا وَجَعًا."
أغمضَ عينيهِ، شعرَ بقطراتِ المطرِ تنزلقُ من جبينِهِ إلى وجنَتيهِ، لكنهُ لم يُميِّزْ بينها وبينَ دموعِهِ.
كان يحملُ داخلَهُ عُمرًا من الأسفِ، وجُرحًا لا يندملُ، وامرأةً لم تُغادرْهُ رغمَ كلِّ هذا الوقتِ. كان يحملُ خيانةً ارتكبَها، كان واقعُها على حياتِهِ بأنْ جعلتْهُ يعيشُ بائسًا بقيةَ عُمرِهِ. وأن يحملَ قلبًا نصفُهُ أحبَّ ونصفُهُ الآخرُ خذلَ مَن يُحِبُّ دونَ قصدٍ أو تجبُّرٍ.
في تلكَ اللحظةِ، لم يكنْ أبًا، ولا زوجًا، ولا أستاذَ الأدبِ... كان فقط رجلًا خمسينيًا أتعبهُ العُمرُ، وأنهكهُ ديسمبرُ. يقفُ تحتَ المطرِ، يبحثُ عن خَلاصِهِ من ذِكرى لا تُريدُ أن تموتَ إلا معهُ!
نهاية ..!
هذا الفصل كان بمثابة تمهيد لرواية..
رأيكم في شخصيات وتوقعاتكم وتعديلات ..
/ملاحظة أنا نشرتها في 09 جوان 2025 وكنت أكتب وأعدل فيها/ :
أستاذ الأدب وسبب نظراته ل آيسون..وهل يمكن أن تكون لها علاقة بماضيه وحبيبته ؟
••••••
--رأيكم في طريقة سردي ..أتقبل نقد بناء --
•••••••
💙نجمة صغيرة أعزائي 💙
...
إنتظروا الفصول القادمة ..فما خفي أعظم ‼️
سديم 'ے