ومَا شيءٌ مِنْ دَواهِي الدُّنيا يَعدِلُ الافتِراق،
ولو سَالتِ الأرواحُ بهِ، فضلًا عنِ الدُّموعِ، كانَ قلِيلًا.💔.
ابن حزمـ🖤
*****
☆نجمة صغيرة أعزائي ☆
...
♡أعلم أن الرواية مملوءة بالرتوش سأعدلها عندما أنهيها ♡
...
السَّاعَةُ الثَّانِيَةُ صَبَاحًا إِلا رُبْعًا...
كَانَ لَيْلٌ أَسْوَدُ دَاكِنٌ، ذَا بَرْدٍ قَارِصٍ، وَحُزْنٍ حَارِقٍ بَدَا وَكَأَنَّهُ يُعْلِنُ سَيْطَرَتَهُ عَلَى أَجْوَاءِ الْمَكَانِ فِي هٰذَا الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ.
صَوْتُ صَرِيرِ الرِّيَاحِ كَانَ يَنْشِجُ مَعْزُوفَةً مِنْ لَحْنٍ كَئِيبٍ، كَأَنَّهُ يُشَارِكُ إِيقَاعَهُ الْبَائِسَ مَعَ مُبْتَئِسٍ قَابِعٍ وَحْدَهُ وَسْطَ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ، ذَاتِ الْأَشْجَارِ الْكَثِيفَةِ، يُحَرِّكُهَا هَوَاءٌ عَاصِفٌ بِهَمَجِيَّةٍ تَكْسِرُ سُكُونَ الْمَكَانِ.
لَا عَاقِلَ يَتْرُكُ مَنْزِلَهُ فِي هٰذَا الْوَقْتِ وَيَذْهَبُ لِمَكَانٍ مُوحِشٍ كَالْمَقْبَرَةِ، خَاصَّةً وَالسَّمَاءُ تَسْتَحْضِرُ طُقُوسَهَا الْمُرْعِبَةَ مِنْ بَرْدٍ وَرِيَاحٍ.
كُلُّهُمْ فِي هٰذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانُوا قَدْ لَمْلَمُوا شَتَاتَ أَنْفُسِهِمْ وَحُزْنِهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ، وَأَوْصَدُوا الْأَبْوَابَ بِقُوَّةٍ...
إِلَّا هُوَ.
كَانَ لَا يَزَالُ كَمَا هُوَ؛ بِقَلْبٍ بَالٍ مُحَطَّمٍ، وَذَاكِرَةٍ مُشَرَّدَةٍ، وَكِيَانٍ مَهْزُومٍ.
يُشَارِكُ السَّمَاءَ حُزْنَهَا وَنَشْجِيَهَا... أَوْ هِيَ الَّتِي تُشَارِكُهُ نُوَاحَهُ، لَا نَدْرِي.
كَانَ قَابِعًا هُنَا مُنْذُ الْمَسَاءِ، مُنْذُ غَادَرَ الْحَدِيقَةَ بَعْدَمَا ذَهَبَتِ ابْنَتُهُ مُلْقِيَةً عَلَى مَسَامِعِهِ قَرَارَ أُمِّهَا الَّذِي كَانَ كَالرُّمْحِ الَّذِي غُرِزَ فِي دَاخِلِهِ، فَأَلْجَمَ لِسَانَهُ.
لَمْ يُصَدِّقِ الْفَاجِعَةَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ تَدَارُكَهَا؛ عَائِلَتُهُ سَتَهْجُرُهُ.
شُلَّتْ حَرَكَتُهُ، لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ مَنْعَهُمْ أَوِ الذَّهَابَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا بَتْرَ نِصْفِهِ... حَبِيبَتَهُ «أَصَالَةَ».
كَانَ قَدْ تَوَغَّلَ فِي أَعْمَاقٍ تَائِهَةٍ، يَنْظُرُ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدِ، كَأَنَّهُ أَضَاعَ طَرِيقَهُ.
كَانَ يَسِيرُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْحَثُ عَنْ قَبْرِ حَبِيبَتِهِ دُونَ أَنْ يَدْرِي أَيْنَ هُوَ، وَلَنْ يَعْرِفَ مَكَانَهُ؛ حُرِمَ مِنْ مَعْرِفَةِ التُّرَابِ الَّذِي دُفِنَتْ فِيهِ، وَكَانَتْ تِلْكَ وَصِيَّتَهَا الْأَخِيرَةَ... لَمْ تَشَأْ أَنْ يَعْرِفَ مَكَانَهَا، لَا تُرِيدُهُ حَتَّى أَمَامَ قَبْرِهَا.
مَاتَتْ غَاضِبَةً مِنْهُ، كَارِهَةً لِوُجُودِهِ، سَاخِطَةً حُبَّهُ، لَاعِنَةً زَوَاجَهَا مِنْهُ.
كَانَ يَرْثِيهَا رِثَاءً لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِهِ... حَتَّى شُعَرَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ لَوْ رَأَوْهُ لَحْظَةَ انْكِسَارِهِ لَنَظَمُوا فِيهِ قَصِيدَةً.
لَمْ يُغَادِرِ الْمَكَانَ، رَغْمَ أَنَّ الْعَاصِفَةَ اشْتَدَّتْ؛ كَأَنَّهُ يَنْوِي الْبَقَاءَ هُنَا كَيْ يَتَجَمَّدَ، كَمَا تَجَمَّدَتِ الْحَيَاةُ دَاخِلَهُ.
ظَلَّ يُحَاوِلُ اسْتِرْجَاعَ خُيُوطِ ذِكْرَيَاتِهِ مَعَهَا، تِلْكَ الَّتِي يَتَنَفَّسُهَا فَيَبْقَى قَيْدَ الْحَيَاةِ، وَلَكِنِ الذِّكْرَى كَانَتْ تَأْبَى أَنْ تَحْضُرَ... كُلُّ شَيْءٍ مُشَوَّشٌ فِي ذِهْنِهِ.
لَرُبَّمَا الْقَدَرُ يُرِيدُهَا أَنْ تَنْتَهِيَ الآن... وَيَنْتَهِيَ مَعَهَا إِلَى الْأَبَدِ.
نَادَى لَا مُنَادِيَ، بِصَوْتٍ يَحْتَضِرُ:
"الْمَاضِي لَنْ يَعُودَ يَا أَلْتَانْ... الْمَاضِي انْتَهَى، الْمَاضِي مَاتَ، وَلَنْ يُبْعَثَ حَيًّا مَرَّةً أُخْرَى.
هُوَ مَوْجُودٌ فَقَطْ فِي الذَّاكِرَةِ؛ لَيْسَ حَيًّا أَبَدًا، وَلَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ يَوْمًا.
هُوَ مَوْجُودٌ فَقَطْ فِي ذَاكِرَةٍ كَشَرِيطِ فِلْمٍ يَحْدُثُ أَنْ يُمْحَى يَوْمًا!
هَلْ صَحَوْتَ مِنْ غَيْبُوبَتِكَ يَا رَجُلُ؟
حَدَثَ مَا حَدَثَ... وَانْتَهَى... وَلَنْ يَعُودَ!"
وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَبْكِي شَيْئَيْنِ لَا يَعُودَانِ أَبَدًا: عَائِلَتَهُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ.
وَبَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ الْحَقِيقَةَ الْمُرَّةَ الَّتِي طَالَمَا زَيَّفَهَا عَلَى هَوَاهُ، خَطَا بِخُطًى خَارِجًا مِنْ مَكَانٍ مُوحِشٍ، تَارِكًا شَوَاهِدَ قُبُورٍ شَاهِدَةً عَلَى نَدَمِهِ أَكْثَرَ مِنْ شُهُودِهَا عَلَى قُبُورِ أَصْحَابِهَا.
الآنَ قَرَّرَ أَنْ يَعُودَ لِلْمَنْزِلِ، يُعْلِنُ أَنَّهُ لَا مَفَرَّ؛ عَلَيْهِ أَنْ يُوَاجِهَ وَاقِعَهُ الْمُرِيرَ، وَهُوَ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَحِيدًا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ.
لَكِنَّ هٰذَا نَصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا... رُبَّمَا كَانَ أَنَانِيًّا وَنَقَمَ نِعْمَةَ عَائِلَتِهِ، وَلَكِنْ لِمَ لَا يَتَقَبَّلُونَ الْعَيْشَ مَعَهُ كَمَا هُوَ بِذِكْرَاهُ؟ لِمَ كُلُّ هٰذَا التَّهَجُّمِ عَلَيْهِ؟
وَلَكِنْ شَيْءٌ مَا صَدَّهُ عَنْ إِكْمَالِ تَسَاؤُلَاتِهِ، وَصَفَعَهُ بِإِجَابَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ:
وَلِمَ لَا تَكُونُ أَنْتَ طَبِيعِيًّا وَتَعِيشُ مَعَهُمْ كَأَيِّ أَبٍ فِي هٰذَا الْعَالَمِ؟ لِمَ لَا تَتْرُكُ مَاضِيَكَ وَذِكْرَيَاتِكَ وَتَعِشْ حَاضِرَكَ؟ لِمَ كُلُّ هٰذَا التَّشَاؤُمِ؟ أَأَنْتَ الْوَحِيدُ الَّذِي فَقَدَ حَبِيبَتَهُ فِي هٰذَا الْكَوْنِ الْوَاسِعِ؟ لِمَ تُجْبِرُهُمْ أَنْ يَعِيشُوا مَأْسَاتَكَ؟ ثُمَّ لِمَاذَا دَائِمًا تُكَرِّرُهَا وَكَأَنَّهَا طَقْسٌ مُقَدَّسٌ؟
تَتَظَاهَرُ بِالْبَرَاءَةِ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا، وَكَأَنَّ قَلْبَكَ لَمْ يُدَنَّسْ غَيْرَهُمْ بِالْخَيْبَةِ وَالأَذَى.
لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ تَقِفُ أَمَامَكَ بِلَا سِتَارٍ: أَنْتَ مُذْنِبٌ... نَعَمْ، مُذْنِبٌ.
تَذَكَّرْتَ حِينَ تَزَوَّجْتَ تِلْكَ الْمِسْكِينَةَ، ظَنًّا مِنْهَا أَنَّكَ سَتَمْنَحُهَا حَيَاةً جَدِيدَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْ سِوَى الأَلَمِ.
بَدَلَ أَنْ تَمْنَحَهَا الْحُبَّ وَالأَمَانَ، جَعَلْتَهَا تَدْفَعُ ثَمَنَ عِشْقِكَ، ثَمَنَ نَزَوَاتِكَ، ثَمَنَ كُلِّ ضَعْفِكَ.
آذَيْتَهَا، وَآذَيْتَ مَنْ حَوْلَكَ، وَآذَيْتَ نَفْسَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
وَمَا أَبْشَعَ أَنْ أَوْلَادَكَ، أَبْرِيَاءُ صِغَارٌ لَمْ يَطْلُبُوا شَيْئًا سِوَى الْحُبِّ وَالِاهْتِمَامِ، أَصْبَحُوا ضَحَايَا إِهْمَالِكَ وَسُوءِ اخْتِيَارَاتِكَ.
هُمْ لَا ذَنْبَ لَهُمْ لِيَعِيشُوا وَسْطَ الْخَرَابِ الَّذِي زَرَعْتَهُ، وَلَا لِيَحْمِلُوا وِزْرَ أَخْطَائِكَ.
كُلُّ حُلْمٍ صَغِيرٍ كَانَ يُرَاوِدُهُمْ، كُلُّ ابْتِسَامَةٍ كَانُوا يَنْتَظِرُونَهَا مِنْكَ، أَصْبَحَتْ جُرْحًا بِسَبَبِكَ.
وَهَا أَنْتَ الآنَ تَتَظَاهَرُ بِالْبَرَاءَةِ، وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَابِرٌ، وَكَأَنَّكَ بَرِيءٌ مِنَ الْخَرَابِ الَّذِي زَرَعْتَهُ فِي حَيَاتِهِمْ وَحَيَاةِ مَنْ أَحْبَبْتَ.
الْحَقِيقَةُ قَاسِيَةٌ وَلَنْ تَخْتَفِيَ: كُلُّ فِعْلٍ لَهُ ثَمَنٌ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ جَارِحَةٍ سَتَعُودُ لِتَكْسِرَ قَلْبَكَ يَوْمًا.
سَتَقِفُ أَمَامَ نَفْسِكَ عَاجِزًا عَنِ الْهُرُوبِ، وَسَتُدْرِكُ أَنَّهُ لَا مَفَرَّ مِنْ مُوَاجَهَةِ الأَلَمِ الَّذِي زَرَعْتَهُ.
كَفَى... كَفَى مِنَ التَّظَاهُرِ، كَفَى مِنَ الإِنْكَارِ، كَفَى مِنَ الزيف .
كانت حقائق تصفعه واحدة تلو الآخرى لم يستطع التحمل كاد يهوي لولا أنه إتكئ على عمود الإنارة في الطريقِ لكن وخز في رأسه أفقده توازنُه تمامًا فسقط على مؤخرته في الأرضِ المبللة شعر بشيء لزجِِ يسيل من انفه تحسسه بيده كان دمًا مسحه بكمِِ معطفه
رعش جسده و أحس أن رأسه سينفجر فقد كان ألم في إزدياد وكأن أعصابه تتمزق كقماشِِ سميك لم يستطع التحمل أكثر صرخ صرخةً كسرتْ السكون موحش للحظة فقط ثم ألجم لسانه وغرق في غيبوبةِِ وعاد للمكانِِ سكونه.
.
.
.
.
السَّاعة السادسة والنصف صباحاََ :
بَدَتْ مدينةُ إسطنبولَ في هذا الوقتِ المُبكّرِ كأنّها لَعنةٌ أصابَتْهَا، فسحبتْ رُوحَ الحياةِ منها.
كانتِ السماءُ تَكتسِحُ بلونٍ رماديٍّ غامقٍ، فلم يكنْ هناكَ أثرٌ لأشعةِ الشمسِ ولا لِدِفئها؛ الجوُّ كانَ باردًا، وصوتُ صريرِ الرياحِ كانَ يَنشُجُ كأنّه إيقاعٌ لشارةِ بدايةِ فيلمِ رُعبٍ. أغلبُ الناسِ كانوا مُنزَوِينَ في ديارهم، فلا أحدَ يُحبُّ الخروجَ في هذا الوقتِ إلّا إذا اضطُرَّ. فقط قليلٌ منَ الناسِ يسيرونَ في الشوارعِ بصمتٍ، لا يُسمعُ إلّا صوتُ زفيرِهِم المُتطايرِ بسببِ برودةِ الطقسِ. يَلُفّونَ أنفسَهم بِمَعاطِفَ ثقيلةٍ بألوانٍ داكِنةٍ، كأنّهم أشباحٌ تائهةٌ.
وَسْطَ هذا المشهدِ، كانتْ "آيسون" تسيرُ في الزقاقِ المؤدّي إلى مقهى قريبٍ منَ الثانويةِ، تَلفُّ جسدَها بِشالٍ أحمرَ فوقَ سُترةٍ بيضاءَ خفيفةٍ. خُصْلاتُ شَعرِها السوداءِ تتطايرُ بخفّةٍ فوقَ وجهِها. لم تُكلّفْ نفسَها عناءَ إزاحتِها بيدَيها اللتينِ كانتا تَتَدَفَّآنِ في جيبِ السّترةِ.
كانتْ تنظرُ أمامَها شاردةً وهي تُضَيِّقُ عينَيها بسببِ الهواءِ الذي كانَ يلفحُ وجهَها المُحْمَرَّ بسببهِ أيضًا. لكنّها لم تكنْ تشعرُ بكلِّ هذا؛ كانتْ غارقةً في تساؤلاتٍ حولَ حياةِ الأستاذِ الذي زجّتْها الأقدارُ في حياتِهِ، ولم تستطعْ طردَهُ منها. قالتْ وهي تُحاورُ نفسَها بيقينٍ نابعٍ من قلبِها ليسَ فيهِ أيُّ شَكٍّ:
النهاياتُ، وبَرغمِ أنّها مؤلمةٌ في أحيانٍ كثيرةٍ، إلّا أنّها دائمًا صادقةٌ وواضحةٌ، بدونِ رتوشٍ؛ دائمًا ما تَنكشِفُ فيها الحقيقةُ المخبّأةُ بعدَ أنْ كانتْ مُغلَّفةً في البدايةِ بالصَّدْقِ، وتمنحُنا راحةً مزيّفةً. وعندما يُرفَعُ هذا الغطاءُ الذي يُغلّفُها، نُصابُ بالخِذلانِ ونكرَهُ النهاياتِ، وأغلبُ الناسِ يُنكرونَ فضلَها ويَبقَونَ مُتمسّكينَ بذكرياتِ البداياتِ، وفي حقائقَ مزيّفةٍ، ولا يُواجهونَ واقعَهم الحقيقيَّ بأنّهم خُذِلوا وبأنّهم كانوا مُخطئينَ.
أقولُ هذا وأنا أتذكّرُ ماذا سيَحلُّ بأستاذِ الأدبِ بعدَ أنْ هجَرَتْهُ عائلتُهُ. هو الآنَ صارَ وحدَهُ، ليسَ أحدٌ بجانبِهِ، وإنْ كان مُقتنعًا أنّه وحيدٌ مِن قبلُ... لكنّه لم يكنْ وحيدًا إطلاقًا، كان أنانيًّا فقط، وأتمنّى أنْ أُخبِرَهُ بهذا بنفسي. ربّما يظنُّ أنَّ بدايةَ حياتِهِ الجديدةِ مع عائلتِهِ كانتْ عوضًا مزيّفًا منَ الحياةِ لكي ينسى حبيبتَهُ، لهذا فرّطَ فيها أشرَّ تفريطٍ بمُكوثِهِ في ذكرياتِ ماضٍ يعتقدُ أنَّ السعادةَ انتهتْ بانتهاءِهِ، لكنْ لمْ يَعلمْ أنَّ السعادةَ أوسعُ مِنْ أنْ نحصُرَها في ماضٍ.
مُنذُ الآنِ سيعرِفُ مرارةَ الوحدةِ والفراغِ الموحِشِ الحقيقيّينِ، وسَيُجرّبُ لأولِ مرّةٍ وَجَعَ الفراقِ الحقيقيِّ. ربّما في ذلكَ الوقتِ سيزدادُ جُنونُهُ، أو يستيقظُ على واقعِهِ، ويُدركُ حجمَ خسارتِهِ، والعمرَ الذي ضيَّعَهُ وهو يعيشُ في ماضٍ، في ذاكرتِهِ وذكرياتِهِ، دونَ أنْ يُصحّحَهُ أو يهتمَّ بحاضرِهِ وما لديهِ.
بُتَرَ خيطُ أفكارها في اللحظةِ التي وصلتْ فيها إلى المقهى، أَدارتِ المقبضَ ودَلَفَتْ إلى داخله، وأوّل ما التقطتْ عينيها وجهَ النادلِ الذي رمقها بنظرةٍ تفحصيةٍ كأنّه كان ينتظرُ مجيئها. تجاهلته، ونقلت نظريها في مكانٍ بعشوائية.
كان المقهى مُنارًا بضوءٍ خافتٍ برتقاليٍّ كلونِ الشفق، ودافئًا يعمهُ السكون على عكسها تمامًا، ففي داخلها عاصفةٌ ثلجية قاتمة من أفكارٍ ومواقفٍ وتساؤلاتٍ بلا إجابات، كلها اجتمعت في لحظةٍ واحدة وتحالفت ضد صفوها، فأنشبت حربًا ضروسَة!
توغلت في أعماقِه، وفي كل خطوة كانت ستشعرُ بهدوئه، أحستْ أنّه يسحبها إلى داخله، وأنّه يحاول أن يربّت عليها ويضمّها إليه ليخلصها من وحشية أفكارها التي كانت تفترسها. فمنذ وضعت قدمها داخله شعرت وكأن ثقلَ الذي كان يجتاح صدرها قد خفّ ضغطه قليلًا.
وكعادتها، اتجهت نحو طاولتها المفضّلة القابعة في ركنٍ منزوٍ، لتكون بذلك شبه منعزلة عن الطاولات الأخرى.
جلست على مقعد، وحمدت الله أنه كان شاغرًا، فأغلب الناس الذين يترددون على هذا المقهى كانوا يحبّون الجلوس فيه، حتى بدا وكأنهم يتنافسون عليه.
أراحت جسدها عليه، وراحت تراقبُ السماء المغيمة من النافذة المبللة بقطراتِ الندى، كانت السماء كمرآة تعكس غمامة المتشابكة في دواخلها، وهي أدركت ذلك.
تنهدت، وهزت رأسها، تبعها تقليب نظريها حولها كدلالة على ضيقها. أرادت أن تطلب فنجان قهوة دافئ، لكنها لم تفعل، كانت تعلم أنّه سيأتي إليها به كعادته. وفعلًا، لم يطل انتظارها كثيرًا حتى جاءها النادلُ به، ووضعه أمامها، وإبتسامةٌ رسمت على ثغره فبرزت غمازته على خده الأيسر. لم يقل أي كلمة، كانت ابتسامته كفيلة بأن تخبرها بكل شيء:
"ابقِ بخير."
بادلته آيسون الابتسامة، لم يكن شيء يدفعها إلى الابتسام سوى-احترامها الشديد له-فبعد نوبة الاكتئاب والضياع التي أصابتها بسبب أستاذها ومذكرته التي سرقتها، لم يعد أي شيء قادرًا على أن يبثّ فيها قسطًا من الفرح.
"نعم، سرقتُ مذكرةَ أستاذي في الأدب."
ردّت كلماتٌ في داخلها، لعل قلبها المتطفّل يخجل، ولعل ضميرها يؤنبها، لتعيد المذكرة وتتخلص من كل الضغوطات التي تسببت لها بها. لكن لا جدوى، كل شيء في داخلها ميت لا يستعيد حياته إلا عند قراءة تلك المذكرة اللعينة. أتراها تتركها؟ فهي لم تسرقها بمعنى حقيقي، أي أنّ سرقةً هنا غير مقصودة، فقد حدثت فجأةً دون نيةٍ للسرقة، لكنها تعدها في نهاية المطاف ، رغم أنها تعلم من يكون صاحبها وكم هي عزيزة عليه، وأنّها سقطت منه سهواً وهي التي لم تعدها إليه.
كان النادل في هذه الأثناء ينظف الطاولات، لكي يتسنى له مراقبتها، فقد شعر بأنها لا تبدو على ما يرام، وأحزنه هذا. كان قد لاحظ ذلك من خلال ابتسامتها المزيفة التي لم تكن متناسقة أبدًا مع ملامح وجهها الواجمة.
أراد أن يسألها إن كانت على ما يرام، وعما يضيقها، لكنه لم يفعل شيئًا، ما كان يمنعه من ذلك ليس منه، بل منها هي. إنه حذرها، وحساسيتها المفرطة من البشر، وخاصة الرجال، تصدّه عن ذلك، كأنها قد شيدت جدارًا حولها تمنع من خلاله أي أحد يحاول عبوره والتقرب منها. فهي تخشى جميع الرجال، وكأنهم يتربصون بها ويسعون لأذيتها.
كان النادل في الثالثة والعشرين من عمره، في السنة الأخيرة من تخصصه الجامعي، وكان مجبرًا على العمل هنا لكي يستطيع الإنفاق على نفسه. وفي عمله، الذي طالما استصغره، حدثت له أجمل صدفة. هذه الصدفة جعلته يزاول هذا العمل ولا يبحث عن غيره، وهي أنّه التقى آيسون، الملاك الإنساني كما ينعتها بجمالها وبهائها وهالتها الجذابة التي أوقعته في شبابيكها وجعلته أسيرًا في حبها. شيء ما جذبه إليها بطريقة زلزل كيانه، وتركه يتأرجح، ليس بسبب مظهرها الخارجي، لطالما طافت الجميلات حوله، بل شيء أعمق في داخلها كان يسحبه إليها دون أن تدرك هي ذلك.
وبينما هو يتغزل بها في قلبه كانت تقلب صفحات المذكرة، عازمة على عدم إعادتها، وقراءتها كلها من البداية إلى النهاية، لتعرف قصة عشق أستاذها في الأدب مع شبيهتها مهما كلفها الأمر.
.
.
.
.
.
في مساءٍ هادئ، وبعد أن أنهيت كل واجباتي، أعدت قراءة جزءٍ من نصّ "إحساس": تشاجر أستاذ الأدب مع زوجته البارحة. كنت أحاول أن أفهم فلسفته في الحياة، تلك التي دفعته للتفريط في عائلته. كنت أبحث بين كلماته، المكتوبة بحبر من نبض قلبه، عن أي مسوغ يمكن أن يقنعني بأن ما فعله صواب، لكني، للأسف، لم أجد شيئًا.
يعتقد أن الحياة أخذت منه حبيته، قبل أن يصحح خطأه، ويعتبرها مصدر سعادته الوحيد. في المقابل، منحته حياته الزوجية والأبوة سعادة مزيفة، وكأنها تحاول خداعه. فهو لا يستطيع العيش بدونها، وأي شخص يرفضها، يرفضه معها. مسكين، يعيش بإدراك قاتل.
يرى الحياة عابثة ومجنونة، بلا ضوابط أو قوانين، ويمنحها صفات البشر، مع أن الحقيقة أن الحياة أكبر من مجرد بشر.
وهل نسي قدر الله تعالى، رغم علمه، أم أنه يتعمد ذلك؟
سرحت بأفكاري، الممزوجة بفلسفته، محاولة تفسير أمره، وتذكرت ما كتبه في مذكراته: اعتاد "الافتراض" لتبرير كل شيء، ولينجو من تأنيب ضميره.
وهكذا افترض معها أشياءً عن نفسها، ليبرر أفعاله. افترض أنها غير عاقلة، مجنونة، وأنها من ترميه في صعوبات الحياة، وتأخذ منه ما يحب فيتأذى، ثم تعوضه فيؤذي من حوله. هو دائمًا الضحية، والحياة هي من أخبرته بذلك.
أكاد أفقد توازني من التفكير. نفضت من مخيلتي صورته وجلست القرفصاء، أحاول تصفية ذهني، ووضعت يدي على خدي. عدت لنقطة الصفر، أتأمل أستاذي في الأدب.
"العلاقات العائلية معقدة جدًا"، قلت لنفسي، لكن سؤالًا تلوح في رأسي:
كيف كانت علاقة والديّ؟ كيف التقيا؟ لأول مرة، يطرق هذا السؤال عقلي. لم أرَهما في حياتي؛ توفيا في حادث سير وأنا في ستة أشهر، حسب ما قالت لي عمتي. لكنها لم تحكِ لي عن ذكرياتهما، لا عن ملامحهما، ولا عن أي لحظة تجمعهما بها. لا صورة، لا تذكار... هل محَت الحياة أثرهما، وبقيا فقط في قلبي؟
حاولت دفع هذه التساؤلات بعيدًا، لكن شيئًا في داخلي يلح عليّ: يجب أن أجد إجابة، أو بعضها.
قررت مشاركة عمتي العشاء. جلست على المائدة بهدوء، صامتة، لم أبتسم، ولم أنبس بكلمة، بينما رفعت حدقيتها عن شاشة هاتفها، مقطبة حاجبيها كمن تفحصني باستغراب.
لم أعرف لماذا نظرت لي هكذا، ولم أرد أن أعرف. رأسي يكاد ينفجر، وتكفني الأسئلة التي تزن في عقلي.
وجهي جامد، يوحي بالحيرة. شعرت أنها لاحظت ذلك، لكنها لم تهتم، كعادتها.
ألقيت نظرة خاطفة عليها ،لكن لم تظهر أي مبالاة، حتى بعد ما بدا من حزني. وخز شيء في داخلي وكأنني بدأت أتحسس، محاولة اكتشاف ما إذا كانت حقًا قريبتي، أخت أبي. أحيانًا يخطر ببالي سؤال: هل يجري دمها في عروقي، أم أنها مجرد غريبة في حياتي؟
تجاهلت كل هذا ونظرت إلى طبق الرز أمامي. الغصة حالت دون أن أضع لقمة في فمي، الذكريات اجتاحت كياني فجأة فأضعفتني. أردت النهوض، لكن شيئًا ما كان يشدني، يجبرني على البقاء. شيء داخلي يهمس:
"لم تحضري هنا لأنك جائعة، بل لتجدين إجابات لأسئلتك عن أبيك وأمك. هذا حقك."
رفعت نظري نحوها، لكنها منكسة على هاتفها، وأنا أصارع ضعفي. بعد صراع طويل، خضعت لأوامر أعماقي، ونطقت بصوت متهدج:
"عمت..."
لكن الهاتف رن، أفسد كل شيء. تجاهلتني، وكأنني غير موجودة، وغادرت المطبخ متجهة إلى الشرفة للرد على المتصل. وأنا بقيت أراقب خطواتها، في رأسي ألف سؤال، ربما تكون لديها بعض الإجابة.
عادت بعد بضع دقائق أخرى،
أراقب ضوء الشرفة يتسلل إلى المطبخ، يلقي بظلاله على وجهها وعلى وجهي، كان الصمت سائدا بيننا كل شيء ساكن لا يتحرك إلا الأسئلة التي تدور في رأسي بلا توقف. شعرت فجأة بثقل الزمن، وكأن كل لحظة تمضي هنا تضاعف من حيرتي.
أغلقت عينيّ للحظة، محاولًة تهدئة أنفاسي، لكن الذكريات رفضت أن تتركني. تخيلات عن والديّ، ضحكتهما، لمستهما، حتى صمتهما، كلها كانت تتردد في عقلي بلا توقف. لماذا لم تحكِ لي عمتي شيئًا؟ لماذا تركتني أبحث عن هذا الفراغ وحدي؟
ثم شعرت، لأول مرة، بشيء غريب يتسلل إلى داخلي: رغبة في طرح السؤال بصوت أعلى، بصوت يخرج من قلبي قبل عقلي، رغبة في كسر هذا الجهل .
لكن الهاتف رن مرة أخرى، وقطعت الموجة الصامتة التي كانت تحيط بي. نظرت إلى عمتي، فابتعدت في الشرفة بعيدًا عني، وكأن العالم بيننا أصبح شفافًا وممتدًا بلا حدود.
وقفتُ على مائدة، وضعت يدي على سطحها البارد، وأخبرت نفسي بهدوء:
"سأجد الإجابات، مهما كلف الأمر بدون عمتي هذه المرة ."
وفجأة، شعرت بشيء من القوة يتسلل إلي، شيء يلمّ شتات قلبي الممزق، شيء يهمس: "عليك بدأ الرحلة، لإكتشاف ما كان مخفيًا."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، كانت أول ابتسامة منذ وقت طويل، ثم أعدت النظر إلى طبق الرز أمامي، وكأن كل شيء حولي، كل الأسئلة، كل الألم، أصبح قابلًا للتحمل.
رفعت عيني نحو الشرفة فإذا بعمتي أنهت مكالمة وهي قادمة ، لكن لم تكن لي نية في سؤالها سأعتمد على نفسي هذا أفضل لأنها ربما لن تعطني الحقيقة كماهي فأمرها أصبح مشكوكًا ؛
وفي نهاية المطاف أدرك أن الطريق نحو الحقيقة قد يكون طويلًا وصعبًا، لكنه الطريق الذي عليّ أن أسلكه، مهما كانت الغصة التي ستظل عالقة في حلقي.
.
.
.
سديم 'ے