مذكرة

مذكرة

22 0

" أقلقَه الوجد، وأنْحَله الشوق، وأسقمَه وأذابَه، واستطار فؤاده، وسَعَر أنفاسه، ورأيتَه ملتهبَ الصدر، مضطرم الضلوع."

~الشوق عند العرب، هكذا يُقال~

-----

/27نوفمبر 2015 /

​الساعةُ الحاديةَ عشرةَ ظهرًا.

كان أستاذُ الأدبِ ألطان رورغاز قد دخلَ إلى القسمِ بملامحِهِ الشاردةِ الجامدةِ كعادتهِ، إلا أنها تبدَّلتْ لدهشةٍ حينَ اصطدمتْ نظراتُهُ بنظراتِ طالبتهِ آيسون، وإن كان هذا الاصطدامُ بادرَ منهُ، فهو مَن رفعَ حَدَقَتَيْهِ يبحثُ عنها بينَ الوجوهِ. ارتبكتْ هي منذُ دخولِهِ القسمَ، إلا أن ارتباكَها تبدَّدَ وحَلَّ محلَّهُ إحساسٌ بالنفورِ والاشمئزازِ منهُ عندما لاحظتْ هذا منه - أي نظراتِهِ. حاولتْ تجاهُلَهُ كعادتِها بإبعادِ نظرِها كليًا عنهُ.

​غيرَ أن النظراتِ المستفِزَّةِ من دينيز، صديقتِها الجالسةِ على يسارِها، التي بدتْ وكأنها تنتظرُ هذهِ اللحظةَ التي تصطدمُ فيها نظراتُهما بفارغِ الصبرِ منذُ دخولِهِ القسمَ، أو لعلَّ حضورَها هذهِ الحصةَ كان فقط من أجلِ أن تلتقطَ هذهِ النظراتِ بينهما كَسَبقٍ صحفـي، غيرَ مهتمةٍ بالدرسِ بتاتًا ولا حتى بما سيقولُهُ، فهي كانتْ من الفريقِ الذي يَتَّهِمُهُ بِجُنونٍ وتُؤمنُ في قرارَةِ نفسِها أنَّ حضورَ حِصَّتِهِ ما هو إلا تضييعٌ لوقتِها الضائعِ.

​كانتْ نظراتُها المستفِزَّةُ هذهِ التي تَرمُقُ بها صديقتَها، تزيدُ الموقفَ حَرارةً، وتزيدُ شعورَها بالارتباكِ والغضبِ ومشاعرَ أخرى لم يكنْ لها اسمٌ ولا وصفٌ. ولهذا نكزتْها بقَدَمِها، كإشارةٍ منها لتتوقفَ عن هذهِ الأفعالِ الصبيانيةِ الغبيةِ كما تَصِفُها دائمًا، لكنَّ هذا لم يُجدِ معها نفعًا، وباءتْ محاولتُها في التخفيفِ من حرارةِ الموقفِ إلى زيادةٍ من حِدَّتِهِ، فقط تحوَّلَ ما بينهما إلى نَغَزاتٍ سبَّبَتِ الحَرَجَ لآيسون فقط، فالتي بجانبِها كانتِ اللامبالاةُ من طبعِها الذي لا يتغيَّرُ.

​توقفتْ آيسونُ خشيةَ أن يلاحظَ الأستاذُ هذا بينهما، ويحدثَ ما لا يُحمَدُ عُقباهُ، فأستاذٌ مِثلُهُ بارعٌ في تحليلِ ملامحِ وجوهِ العامةِ كبراعتِهِ في تحليلِ قصائدَ هو يَحفَظُها، وأكثرَ براعةً ودقَّةً في تحليلِ وجهِها كبراعتِهِ في تحليلِ قصيدةٍ هو كاتبُها. وقتَها سيقرأُ الارتباكَ والقَلَقَ والنفورَ والمشاعرَ الأخرى التي تَختَلجُها، والتي تمازَجتْ فيما بينها فلم تَعُدْ قادرةً على التمييزِ بينها. ثمَّ يسألُ بنبرةِ التأنيبِ صديقتَها الشقيةَ عن سببِ إزعاجِها لزميلتِها التي ليستْ كأيِّ زميلةٍ أخرى، هي ومَن غيرُها شبيهةُ وَتينِ قلبِهِ، "آيسون براي".

​وقتها لن تتردَّدَ دينيزُ ولو للحظةٍ في التَّهجُّمِ عليهِ كَرَدِّ فعلٍ للدفاعِ عن نفسِها، وكغيرةٍ لا شعوريةٍ لمَن يَظُنُّ نفسَهُ يَفهمُ صديقتَها أكثرَ منها، وتبوحُ بما يَجولُ في خاطرِها من استنتاجاتٍ كانتْ قد توصَّلتْ إليها، والتي تَخُصُّ سببَ تَحديقِهِ الغريبِ في آيسون، أي بأنها تُشبهُ ربما حبيبتَهُ القديمةَ، وتُشيرُ لهُ بأصابعِ الاتِّهامِ بأنهُ هو مصدرُ إزعاجِها وغَضَبِها بسببِ تَحديقِهِ الوقحِ الغريبِ المستمرِّ بها، وتُهَدِّدُهُ لو أنها فقط كانتْ تستطيعُ مُجاراتَهُ في البِنيةِ لأقتلعتْ حَدَقَتَيْهِ. لأنَّ دينيزَ من النوعِ الذي لا يستطيعُ الاحتفاظَ بأفكارِهِ حبيسةَ عقلِهِ إطلاقًا، ولا تستطيعُ كبْتَ مُلاحظةٍ أو استنتاجٍ قد توصَّلتْ إليهِ، حتى ولو بدا ظاهرُهُ سخيفًا وتافهًا لا تَخجَلُ بمشاركتِهِ مع العامةِ مُطلقًا، بل تَعتبرُهُ إنجازًا عظيمًا، وإن انتقدَها أو سَخِرَ أحدٌ ما منها اعتبرتْهُ مُغَفَّلًا، وأنها أفضلُ منهُ لأنها على الأقلِّ شَغَلَتْ عقلَها. لم تكُنْ أيُّ طريقةٍ تَنفعُ في إيقافِ فتاةٍ مِثلِ دينيزَ عندما تبدأُ مَرحَها وشَكسَتَها، وأيُّ مُحاولةٍ تزيدُ الأمرَ سُوءًا لا غير!

​لحظةً بعدَ لحظةٍ، اتَّجَهَتِ الأنظارُ نحوَهما بعدَ سماعِهِم انبثاقَ ضَحكاتٍ مُتقطِّعةٍ من جهتِهما، والتي يَجهلونَ سببَها. دينيزُ تضحكُ وآيسونُ بجانبِها بوجهٍ مُحمَرٍّ غاضبٍ تكادُ تَصفَعُها لتتوقَّفَ لكي لا تُطرَدَ كعادةِ مثلِ باقي الحصصِ. وهذا ما جعلَ بعضَ الفضوليينَ يَسألونَها عن سببِ ضحكِها ليُشارِكوها الاستمتاعَ في هذهِ الحِصَّةِ المُمِلَّةِ، كونَها معروفةً بينهم بأنها تتمتَّعُ بروحِ الدعابةِ وحِسِّ الفكاهةِ. فكانتْ تَرُدُّ عليهم بِدُعاباتٍ ونُكَتٍ كاذبةٍ ولكنها مُضحكةٌ، وكانتْ تَنجحُ في جَعْلِها سببًا حقيقيًا، وهم يُصَدِّقونَها ويَضحكونَ لخِفَّتِها، بعدَ مُحاولةٍ منها كتمَ شَهقاتِها لكي لا تَفضَحَ! وهم بِدورِهِم يَنقُلونَها لبعضِهِم البعضِ، فتنتشرُ المَزحةُ بينَ الطلابِ في القاعةِ، فترتفعُ هَمهَماتٌ وهَمَساتٌ وضَحكاتٌ بينهم فتَصِلُ إلى آخرِ الرواقِ، مُحدِثةً فَوضى كبيرةً.

​ثمَّ بعدَ ذلكَ، تُغلَقُ أبوابُ القسمِ المُجاورَةِ بهمجيةٍ كَدلالةٍ على الغضبِ والاشمئزازِ، فيَخترقُ مَسامِعَهُم ويُدركونَ أنهمُ المَقصودونَ لكنهم لا يتوقفونَ. لم يطلبْ أحدٌ من الأساتذةِ في الأقسامِ المُجاوِرَةِ منهم السكونَ ولا الهدوءَ، رغمَ ما تسبَّبَ ضجيجُهُم من إزعاجٍ وتَشويشٍ لهم، وهذا ليسَ حَدَثًا جديدًا ولا غريبًا، كونَ الذي يُدرِّسُهم "ألتان رورغاز" ولا أحدَ غيرُهُ. المجنونُ الهائمُ كما يَصفونَهُ. الحاضرُ معهم جسديًا. فقط في حِصَّتِهِ يتجرَّأُ الطلابُ على فِعلِ هذا الشَّغَبِ الذي استنكرُوهُ بشِدَّةٍ. ولا فائدةَ من الحديثِ معهُ، فكم من مرةٍ وقفَ الأساتذةُ يُكلِّمونَهُ أمامَ البابِ ليَطلبوا منهُ إسكاتَ طلابِهِ، ففاجأَهُم بشُرودِهِ وصَمْتِهِ المريبِ كأنهُ لا يراهُم ولا يُدركُ ما يحصلُ من حولِهِ. بعدها اكتشفوا من الأقاويلِ التي تدورُ حولَهُ أنهُ مُصابٌ بأحدِ أنواعِ مرضِ الجنونِ يَجعَلُهُ يعيشُ في عالمٍ غيرِ عالَمِهِم لا يعودُ منهُ أبدًا!

​نعم، فها هو أستاذُ الأدبِ ورغمَ كلِّ هذا الصَّخَبِ حولَهُ لم يَنتبِهْ لهُ! بدا وكأنهُ بعيدٌ جدًا، بعيدٌ إلى أقصى مدى. تائهٌ في عالمٍ آخرَ، عالَمِهِ الخاصِّ بهِ وحدَهُ وهو ومحبوبتُهُ! بعيدًا عنهم، بعيدًا عن الجميعِ، غيرَ موجودٍ في عالمِ وجودِ هؤلاءِ حولَهُ!

​الآن يقفُ يُحدِّقُ في عنوانِ أحدِ دروسِهِ المُفضَّلةِ الذي خطَّهُ على السبورةِ بخطٍّ مُتقَنٍ تركيٍّ وترجمةِ العربيةِ بجانبِهِ، بأناملَ ترتجفُ ارتجافًا خفيفًا لم يلحظْهُ إلا هو، ولكنهُ لا يَعلَمُ سببَهُ. ثمَّ استدارَ للطلابِ، أغمضَ عيونَهُ وسحبَ نَفَسًا عميقًا كأنهُ يُعيدُ نفسَهُ إلى واقعِهِ بعدَ عُبورٍ طويلٍ في ذاكرتِهِ. ابتسمَ ابتسامةً عريضةً، كأنهُ يُريدُ مُشاركتَهُم هذا الدرسَ ظَنًّا منهُ أن الجميعَ يُحبُّهُ ومُتحمِّسٌ لهُ! فقالَ بصوتِهِ العميقِ ونبرتِهِ التي تتوشَّحُ بالشعرِ:

​"أضحى التنائي بديلاً من تَدانينا... ونابَ عن طِيبِ لُقيانا تجافينا"

​ثمَّ سكتَ برهةً يستمعُ لصدى ما قالَهُ الذي تردَّدَ إليهِ فقط، وأضافَ وابتسامةٌ على مُحيَّاهُ:

​"اليومَ أعزائي الطلابَ... لن نَدرسَ درسًا عاديًا. سنسافرُ معًا في رحلةٍ بينَ الأندلسِ وبلادِ الأناضولِ، حيثُ يتعانقُ الأدبُ العربيُّ معَ الأدبِ التركيِّ في أبهى صُوَرِهِ."

​"لنبدأَ مع شاعرٍ أندلسيٍّ عظيمٍ... ابن زيدونَ. شاعرِ الحبِّ والسياسةِ، الذي كتبَ في مَنفاهُ إلى ولادةَ بنتِ المستكفي رسائلَ تُعتبرُ من أجملِ ما خلَّفَ الأدبُ العربيُّ."

​ثمَّ أطرقَ لحظةً، وأعادَ البيتَ الشعريَّ بصوتِهِ الهادئِ بعضًا من قولِهِ:

​"أضحى التنائي بديلاً من تَدانينا... ونابَ عن طِيبِ لُقيانا تجافينا"

​عندما انتهى، قالَ الأستاذُ وهو يسيرُ بينَ الطاولاتِ: "هل تسمعونَ؟ هذهِ ليستْ مُجردَ كلماتٍ. ابنُ زيدونَ لم يكنْ يكتبُ في فراغٍ. لقد كانَ عاشقًا، أُبعِدَ عن حبيبتهِ "ولادةَ بنتِ المستكفي"، فعاشَ المَنفى والحرمانَ، وكتبَ عن شُعورِهِ."

​توقَّفَ، نظرَ حولَهُ كالتائهِ وحدَّقَ في آيسون وقالَ بنبرةٍ حزينةٍ وملامحَ عابسةٍ:

​"كأنَّ التنائيَ قَدَرُ الإنسانِ، كلما اقتربنا مِمن نُحبُّ، جاءَ شيءٌ ليُبعدَنا."

​لاحظتْ دينيزُ هذا، فرفعتْ يدَها لتطرحَ سؤالًا كمُحاولةٍ منها استدراجَهُ لعلَّهُ يبوحُ بشيءٍ ما من مشاعِرِهِ، ما أزعجَ التي بجانبِها: "أستاذ، لكن... لماذا نهتمُّ بقصتِهِ بعدَ كلِّ هذهِ القُرونِ؟"

​ابتسمَ الأستاذُ، وعيناهُ تَلمعانِ بوميضٍ يعرفُهُ كلُّ عاشقٍ للأدبِ:

​"لأنَّ ما كتبَهُ يُشبهُنا. نحنُ أيضًا نَفقِدُ، ونُبعَدُ، ونشتاقُ. الأدبُ العظيمُ لا يموتُ لأنهُ يكتبُ الإنسانَ، والإنسانُ لم يتغيَّرْ منذُ ألفِ عامٍ."

​ثمَّ جلسَ على حافَّةِ الطاولةِ كأنهُ يُقاومُ الانهيارَ عندما تحرَّكتْ تلكَ الذكرى في قلبِهِ، ثمَّ قالَ كأنهُ لم يَعُدْ يَشرَحُ بل يَبُوحُ:

​"حينَ أقرأُ لابنِ زيدونَ، أشعرُ أنهُ يَفضَحُني. كأنني أنا الذي كتبتُ هذهِ الأبياتَ، لا هو. وهذا... سِرُّ الأدبِ عامةً، أنهُ يُعرِّي قلوبَنا... ويُعبِّرُ عمَّا يَختَلِجُنا... إنهُ يُحاكي مشاعرَنا... الأدبُ نسخةٌ مِنَّا، إنهُ يُشبهُنا."

​دينيزُ ابتسمتْ لأنها استطاعتْ استدراجَهُ ولو قليلًا، لم تكتفِ بهذا فأضافتْ سؤالًا آخرَ تعرفُ مُسبقًا إجابتَهُ: "لم أفهمْ كيفَ يُشبهُنا؟"

​نهضَ من على الطاولةِ ودارَ على نفسِهِ دَورةً بشكلٍ غريبٍ، جَعَلَ الطلابَ حولَهُ يَستغربون لفِعلِهِ. أخذَ نفسًا عميقًا، ثمَّ ضَمَّ قَبضةَ يدِهِ وجعلَ يَعصُرُها حتى برزتْ عروقُها، كأنهُ يُجاهدُ نفسَهُ لِيُلقِيَ بكلماتِهِ، كونهُ يُدركُ في قرارَةِ نفسِهِ أنها عظيمةٌ:

​"اسمعوا... 'يَخْلِقُ من الشَّبَهِ أَرْبَعِينْ'... وأشباهُكُم الأربعونَ ليسوا بالضرورةِ أن يكونوا أشخاصًا. يمكنُ أن تكونَ اقتباسًا، قصيدةً، أو بيتًا شعريًا، أو حتى روايةً... تُشبهُنا، تُحرِّكُ مشاعرَنا كأنها كُتِبَتْ لأجلِنا! هكذا تُحاكي بطريقةٍ ما مشاعرَنا وأحاسيسَنا. نَحِسُّ بها ونَتعلَّقُ بها، وموجودةٌ في أيِّ مكانٍ وأيِّ زمانٍ."

​ثمَّ اقتربَ من السبورةِ وكتبَ كلمةً واحدةً: "حنين".

​"هذا هو المفتاحُ. شعرُ ابنِ زيدونَ كلُّهُ حنينٌ. حنينٌ للحبيبةِ، حنينٌ للوطنِ، حنينٌ لما لا يعودُ. أَتعلَمونَ؟ نحنُ جميعًا نَحملُ هذا الحنينَ فينا، لكننا نصمُتُ عنهُ. الأدبُ يقولُ ما نَعجزُ نحنُ عن قولِهِ."

​أضافَ وهو ينظرُ في الوجوهِ:

​"هل أدركتُم الآنَ لماذا الأدبُ يَظلُّ خالدًا؟ لأنهُ يَربطُ بينَ أرواحٍ لم يلتقِ أصحابُها قَطُّ، ويَعني هذا أن المشاعرَ نفسَها يمكنُ أن تُعاشَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، حتى لو اختلفتِ اللغةُ والحكايةُ، فإنَّ الشعورَ واحدٌ!"

​"إنَّ الحبَّ، والفَقدَ، والغُربةَ وغيرها من المشاعرِ كلها لا تحتاجُ ترجمةً لأنها واحدةٌ."

​"الآن... لنُسافرَ إلى تركيا. هناكَ، في القرنِ السادسَ عشرَ، نجدُ الشاعرَ العثمانيَّ الكبيرَ فضولي البغداديَّ، الذي كتبَ بالتركيةِ والفارسيةِ والعربيةِ. هل تُصدِّقونَ؟ لقد عبَّرَ هو أيضًا عن لوعةِ الفَقدِ والبُعدِ، كما فعلَ ابنُ زيدونَ، وكأنَّ القلوبَ واحدةٌ وإن اختلفتِ الألسنةُ."

​فتحَ دفترَهُ وقرأَ بصوتٍ تركيٍّ: "Aşk derdiyle hoşem el çek ilâcımdan tabîb" (أنا راضٍ بوَجَعِ الحبِّ، فَدَعني أيها الطبيبُ، لا دواءَ لي إلا العشقُ).

​أخذَ نَفَسًا عميقًا وأردفَ:

​"أرأيتم؟ إنَّ الحُبَّ حينَ يُعبَّرُ عنهُ بِصِدقٍ، لا يَعرفُ حدودَ لغةٍ ولا وَطَنٍ. ابنُ زيدونَ بالأندلسِ، وفضولي بالأناضولِ، لكنَّ كليهما التقى في جِسرٍ واحدٍ من شُعورِ ألَمِ الحبِّ. ونحنُ أيضًا نُحبُّ ونَتألَّمُ، كأنهم يَتحدَّثونَ عنهم وعنَّا بلسانٍ واحدٍ..."

​"نعم، لسانِ القلبِ." همستْ آيسونُ التي كانتْ مُتأثرةً بكلامِهِ ومُعجَبَةً بطريقةِ شرحِهِ على غرارِ الآخرينَ الذينَ يَمقُتونَ حِصَّتَهُ. لقد كانتْ دائمةَ المُشاركةِ وكانتْ كمثالٍ للطالبةِ المُجتهدةِ، لو أنهُ أفسدَ مكانتَها عندها بِتَحديقِهِ المستمرِّ بها.

​أرادَ أن يُكملَ الأستاذُ درسَهُ، غيرَ أن رأسَهُ باغَتَهُ بألَمٍ مُفاجِئٍ، كأنَّ مِسمارًا يُدَقُّ في أعماقِ جُمجُمَتِهِ. رفعَ يدَهُ إلى صُدغِهِ في حركةٍ خاطفةٍ. وعلِمَ أنَّ وَجَعَهُ ليسَ صُداعًا عابرًا، بل بدايةُ طريقٍ لا رجعةَ فيهِ. ابتلعَ أنينَهُ، ثمَّ أعادَ الطباشيرَ إلى السبورةِ.

​"انتبهوا، هذهِ النقطةُ مُهمَّةٌ..." قالَها بابتسامةٍ شاحبةٍ، مُحاولًا إخفاءَ ما يَنهشُ داخلَهُ. لكنهُ لم يتحمَّلْ أكثرَ فانهارَ، يتشبَّثُ بالطاولاتِ أمامَهُ إلى أن وَصَلَ إلى مكتبِهِ، وأخرجَ حُبوبَ الدواءِ التي كانَ يبحثُ عنها بعصبيةٍ جَعَلتْ ما في حقيبتِهِ يتناثرُ أرضًا. لم تَنجحِ الحبوبُ هذهِ المرةَ في إسكاتِ ألَمِ رأسِهِ الذي زادتْ حِدَّتُهُ هذهِ المرةَ! وَقَعَ أرضًا يُصارعُ ألَمَ رأسِهِ، والطلابُ حولَهُ بعضُهُم مُستغرِبٌ، وبعضُهُم ذهبَ لِيَطلُبَ يدَ العَوْنِ، وهناكَ مَن كانَ يَضحكُ بِهِستيريةٍ.

​أما آيسونُ فبالرغمِ من أنها أحسَّتْ بالشفقةِ والخوفِ على الأستاذِ، إلا أن ما حدثَ كان قد قدَّمَ لها شيئًا مُهمًا، وإن كانَ هذا أنانيةً منها. فقد كانتْ تُراقبُ باندهاشٍ الشيءَ الأسودَ الذي تدحرجَ من حقيبتِهِ وعَلِقَ بينَ المكتبِ والجدارِ، الذي بدا وكأنهُ يُناديها، ويُخبرها أن عليها القُدومَ لأخذِهِ لأنهُ يخصُّها هي أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخرَ حتى صاحبِهِ! لقد استبدَّ بها الفضولُ أكثرَ فأكثرَ.

​عادتْ ذاكرتُها إلى اليومِ الذي التقطتْ فيهِ تلكَ الصورةَ التي سقطتْ منهُ. ذلكَ الشيءُ الذي خطفَ تفكيرَها طوالَ هذهِ الأيامِ، ومَنَعَها من النومِ، وجعلَها تُفكِّرُ ألفَ مرةٍ في هذا الرجلِ وفي المرأةِ التي تُشبهُها وجهًا حدَّ التطابقِ. لقد بدأَ شيءٌ ما في داخلِها يَتوقُ لمعرفةِ مَن تلكَ الغريبةُ.

​"مَن هي؟ هل لا تزالُ على قيدِ الحياةِ؟ أم هل اختفتْ إلى الأبدِ؟ هل تعرفُ بوجودي؟ مَن تكونُ تلكَ؟ أهي قريبةٌ لي؟ هل يَعقِلُ أن يكونَ في العالمِ مَن يُشبهُكِ إلى هذا الحدِّ وأنتِ لا تعرفينَهُ؟"

​تساؤلاتٌ كثيرةٌ، لكنها جَذَّابةٌ، لذيذةٌ بطريقتِها المُؤلِمةِ. كانتْ تتساءلُ في داخلِها، بينَ كلِّ خطوةٍ وأخرى: مَن تكونُ تلكَ المرأةُ؟ ما اسمُها؟ أينَ صارتِ الآنَ؟ وهل ستعودُ؟ لكنها لم تَسمحْ لنفسِها بالاستغراقِ في تلكَ الدوامةِ. لا وقتَ لمثلِ هذهِ الأسئلةِ الآنَ... عليها بإحضارِ ذلكَ الدفترِ الأسودِ مهما كلَّفَها الثمنَ!

​الساعة الثانية عشرة...

​كانتْ آيسونُ قد سحبتِ الدفترَ من بينِ المكتبِ والجدارِ، وكانَ عبارةَ مُذَكَّرَةٍ جلديةٍ، بلونٍ أسودَ، تحملُ تاريخًا غريبًا محفورًا في الزاويةِ: 1977. نَفسُ التاريخِ بجانبِ الصورةِ... قبلَ ميلادِها بعامٍ! دسَّتْها في حقيبتِها دونَ أن تَفتحَها، دونَ أن تسألَ نفسَها إن كانَ ما فعلتْهُ خطأً أو لا... كأنَّ شيئًا ما في داخلِها يُؤكِّدُ: "هذا ليستْ صُدفةً... هذا خيطٌ من خيوطِ القَدَرِ."

​ثمَّ جلستْ آيسونُ في مقعدِها المُعتادِ، في الصفِّ الثالثِ من اليمينِ، قربَ النافذةِ. وضعتْ حقيبتَها على الطاولةِ، ثمَّ سحبتْ كرَّاستَها... لا، ليسَ الكرَّاسةَ. كانتْ يدُها قد امتدَّتْ للمُذَكَّرَةِ دونَ وعيٍ. حدَّقتْ فيها سريعًا، ثمَّ أخفتْها أسفلَ دفترٍ آخرَ، وأخذتْ نَفَسًا عميقًا. دينيزُ إلى جانبِها، تُثرثِرُ كعادتِها عن حذاءِ المُعلِّمةِ الجديدِ، لكنَّ آيسونَ لم تكُنْ تُصغي. كانَ عقلُها مشغولًا بشيءٍ آخرَ، بقصةٍ مكتوبةٍ بخطِّ يدِ رجلٍ غامضٍ ربما لهُ علاقةٌ بها أكثرَ مما تتصوَّرُ!

​في المشفى...

​كانَ مُستلقيًا على فِراشٍ أبيضَ ناصعٍ في أحدِ المشافي، يُحدِّقُ في السقفِ أعلاهُ. لم يَمضِ وقتٌ طويلٌ على استيقاظِهِ. كانَ ينوي المُغادرةَ، لكنَّ الدُّوارَ الذي يَجتاحُهُ مَنَعَهُ من ذلكَ. فراحَ يَستعيدُ ما جرى لهُ عندَ إغمائِهِ، مُحاولًا بذلكَ تفسيرَ الألمِ الشديدِ الذي أصابَهُ قبلَ ساعاتٍ، رغمَ أنَّ ألَمَ رأسِهِ هذا لم يكنْ جديدًا عليهِ لكنهُ كانَ أشدَّ وَقعًا هذهِ المرةَ ليُغمى عليهِ، معَ بعضِ قطراتِ دمٍ كانتْ قد سالتْ من أنفِهِ. كانَ مُستغرِبًا كونَ الحُبوبِ التي كانَ يُداومُ عليها لإيقافِهِ لم تَنجحْ هذهِ المرةَ، فقرَّرَ أن يشتريَ حُبوبًا أخرى أعلى تركيزًا، لأنَّ جسمَهُ ربما اعتادَ عليها.

​تبدَّدَ شُرودُهُ للوهلةِ بسببِ ضيقِ صَدرِهِ، فانتبَهَ أنهُ في غرفةٍ مُغلَقَةٍ ذاتِ تهويةٍ ضعيفةٍ مما زادتْ من شُعورِهِ بالاختناقِ، فهوَ يُفضِّلُ الأماكنَ المفتوحةَ التي يَخترقُ فيها الهواءُ رئتيهِ اختراقًا. جالَ ببَصَرِهِ في الغرفةِ حولَهُ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ قليلًا باتجاهِ النافذةِ، فإذا بهِ يرى قطراتِ المطرِ ترتطِمُ بزجاجِ النافذةِ بإغراءٍ، تدعوهُ للاستمتاعِ بها. باختصارٍ، هذا كانَ جَوَّهُ المُفضَّلَ. رفعَ الغطاءَ من عليهِ وتقدَّمَ نحوها مُقاوِمًا لِدُوارِهِ. تَرَنَّحَ قليلًا، فأمسكَ بحافَّةِ السريرِ، وما إن أحسَّ أنَّ جسمَهُ تَوازَنَ قليلًا حتى سارَ نحوها سَيْرَ الهُوَينَا وقد بدا عليهِ الإعياءُ. وَصَلَ وفتحَ شُبَّاكَ النافذةِ على مِصراعيهِ وأخرجَ رأسَهُ، لِيَسمحَ لتلكَ القطراتِ أن ترتطِمَ بوجهِهِ لتقتلعَ الضيقَ في صَدرِهِ. أحيانًا كانَ يُخرجُ لسانَهُ لكي يَلعَقَها، 'طعمُها ورائحتُها لذيذةٌ' هكذا كانَ يُحادِثُ نفسَهُ.

​طرقاتٌ على بابِ الغرفةِ تَلاها دخولُ المُمَرِّضةِ مُقاطِعَةً خلوتَهُ. انزعجَ من دخولِها وأطلقَ زَفرةً طويلةً كَرَدِّ فعلٍ على فِعلتِها، فهذهِ أولُ مَن يُقاطِعُهُ فيها أحدٌ، ولكنِ الأحرى أن نقولَ أنها أولُ مرةٍ يَنتبهَ لوجودِ أحدٍ وهو شاردٌ، لربما كانَ بدايةَ استفاقةٍ على واقعِهِ. تقدَّمتْ نحوَهُ وابتسمتْ. لم يَرَ ابتسامتَها لكنهُ أحسَّ بها ورسمَها في مُخيلتِهِ. كانَ الصمتُ سائدًا على المكانِ فقطعتْهُ وقالتْ بنبرةٍ حنونةٍ:

​"سيد رورغاز، الحمدُ للهِ على سلامتِكَ."

​أومأَ برأسِهِ بإيجابٍ عاقدًا حاجبَهُ، دونَ أن يَتكلَّمَ، ودونَ أن يَستديرَ لها حتى، كإشارةٍ منهُ أن وجودَها هنا يُضايقُهُ، كأنهُ بهذا التصرفِ يَظُنُّ أن المكانَ أصبحَ مِلكَهُ. لم يكنْ يُريدُ أن يسمعَ ثرثرتَها بشأنِ مرضِهِ وخُطورتِهِ والفحوصاتِ والاهتمامِ بنفسِهِ وغيرها، كلامًا فارغًا في الأخيرِ سيتجاهلُهُ. لأنهُ يُدركُ في قرارَةِ نفسِهِ أن مرضَهُ ليسَ مرضًا عابرًا أبدًا، بل فيهِ من الخطرِ ما فيهِ. لكنْ لا يَهُمُّهُ أن يَخسَرَ حياتَهُ أو لعلَّهُ ينتظرُ اللحظةَ بفارغِ الصبرِ.

​لم تنزعجِ المُمَرِّضةُ من تجاهُلِهِ لها كونَها مُعتادةً على هذهِ التصرفاتِ مِمَّن بمثلِ سِنِّهِ، فأضافتْ قائلةً وابتسامةٌ لم تُفارقْ مُحيَّاها:

​"سيد رورغاز، يمكنكَ الخروجُ لكنْ قبلَ ذلكَ عليكَ التحدثُ معَ الطبيبِ بشأنِ حالتكَ والتوقيعُ على بعضِ الأوراقِ."

​استدارَ لها وكأنهُ استفاقَ لوهلةٍ. كيفَ غابَ عنهُ أنهُ يمكنُهُ الخروجُ، فهذا مَشفى وليسَ مكانَ إقامةٍ دائمةٍ؟ ليتَهُ انتبهَ لهذا منذُ استطاعَ استعادةَ تَوازُنِ جسمِهِ. ضربَ بيدِهِ على رأسِهِ بخِفَّةٍ، وابتسمَ بسُخريةٍ خفيفةٍ لغبائِهِ، غيرَ مُتناسقةٍ مع عُبوسِ ملامحِ وجهِهِ التي ظهرتْ فجأةً نتيجةَ تأثُّرِهِ بذكرى حبيبتِهِ. لهذا غابتْ عنهُ روحُ حبيبتِهِ، هي لا تُحبُّ المستشفياتِ، لديها ماضٍ سيئٌ معها، هنا كانوا قد أعطوها حُقنةً يومًا وهي تخافُ منها. والأسوأُ من ذلكَ... أنهُ آخرُ مكانٍ ترقُدُ فيهِ الأجسامُ قبلَ أن تُدفنَ! أيْ أنهُ آخرُ مكانٍ زارَهُ جَسَدُها! ربما ازدادَ جنونُهُ بتفكيرِهِ هذا!

​جَهَّزَ نفسَهُ وهمَّ بالخروجِ فالتقى بطبيبِهِ الذي كانَ سيُغادرُ دونَ أن يراهُ. كانَ واقفًا أمامَهُ مُكشِّرًا وجهَهُ عاقدًا حاجبَهُ وقالَ بنبرةِ تأنيبٍ:

​"سيد رورغاز، حالتكَ خَطِرةٌ ولا تُبشِّرُ بالخيرِ. سيتَّضحُ كلُّ شيءٍ عندما تَخرُجُ نتائجُ الفحوصاتِ. أرجو منكَ أن تَهتمَّ بصحتِكَ وتتوقفَ عن تعاطي المُسَكِّناتِ لأنها لن تُفيدَكَ!"

​لم يُبالِ لكلامِهِ، كانَ هَمُّهُ الوحيدُ أن يَخرُجَ لِيَستمتعَ بالأجواءِ في الخارجِ، لأنهُ يَعشقُ المطرَ، روحُ حبيبتِهِ هناكَ تُناديهِ، تنتظرُهُ. بقيَتْ أيامٌ معدوداتٌ قليلةٌ ويَنتهي نوفمبرُ، ولا يُريدُ إفسادَ هذهِ اللحظاتِ معها بترهاتِ الأطباءِ! كانَ الأستاذُ مُتلَهِّفًا للخروجِ، كَلَهفةِ الطلابِ لانتهاءِ الحِصَّةِ. وقد لاحظَ طبيبُهُ هذا فأضافَ بنبرةٍ صارمةٍ:

​"سيد رورغاز، يبدو أن لديكَ موعدًا مُهمًا، لكنْ أرجوكَ لا تُهمِلْ صحتَكَ، يجبُ أن تَخضَعَ للعلاجِ."

​أومأَ لهُ برأسِهِ بإيجابٍ وغادرَ.

​في غرفة آيسون...

​عادتْ آيسونُ إلى البيتِ وهي تَتوقُ إلى لحظةِ هدوءٍ لقراءةِ ما بينَ يديها. لكنْ ما إن فتحتِ البابَ حتى فوجئتْ بتولين، عمتِها التي تعيشُ معها في الداخلِ، وعلى غيرِ عادتِها أن تعودَ من العملِ في هذا الوقتِ. ولم تكُنْ وحدَها في المنزلِ، كانَ رجالُ الإصلاحِ يَتَحرَّكونَ بينَ الجُدرانِ يُعدِّلونَ هنا ويَطرقونَ هناكَ، ورائحةُ الطلاءِ تَملأُ المكانَ.

​ابتسمتْ تولينُ وهي تقولُ: "أهلًا سوسو... هل أنتِ جائعةٌ؟ سأُحضِرُ لكِ الطعامَ."

​أخذتْ آيسونُ بنظراتِها في أنحاءِ البيتِ تسألُ بنبرةٍ مُستغربةٍ: "لا شُكرًا، ماذا يحدثُ هنا؟"

​"أقومُ ببعضِ التصليحاتِ... للبيتِ."

​انسحبتْ إلى غُرفتِها، أغلقتِ البابَ خلفَها، ورَمَتْ حقيبتَها جانبًا. مدَّتْ يدَها إلى المُذَكَّرَةِ، واستلقتْ على بطنِها فوقَ السريرِ. كانَ إحساسٌ غريبٌ يتملَّكُها... مزيجٌ من الفضولِ وتأنيبِ الضميرِ. أليسَ خطأً أن نَقرأَ خصوصياتِ غيرِنا؟ لكنْ تجاهلتْ كلَّ هذا. سترى فقط ما تحتويهِ الصفحةُ الأولى ثمَّ ستُعيدُها لهُ!

​فتحتِ الدفترَ. توقَّفتْ عيناها عندَ السطرِ الأولِ، مكتوبٌ بخطٍّ مائلٍ أنيقٍ، وحِبرٍ بدأَ يَميلُ إلى البُنِّيِّ بفعلِ السنينِ:

​"1996.09.13

أنا اليومَ... تأكَّدتُ من وقوعي في الحبِّ. وبمناسبةِ هذهِ اللحظةِ القُدسيةِ، قرَّرتُ أن أكتبَ حكايتي في صفحاتِ هذهِ المُذَكَّرةِ... لعلَّها تَصِلُ يومًا إلى محبوبتي، وتعرفُ أن كلَّ نبضةٍ، وكلَّ سطرٍ، وكلَّ كلمةٍ مني كانتْ لها وحدَها..."

​شعرتْ آيسونُ أنَّ الحروفَ ليستْ مُجردَ كلماتٍ، بل بابٌ انفتحَ على زمنٍ آخرَ. وتابعتِ القراءةَ...

​"لأوَّلِ مرةٍ، شعرتُ أن قلبي يَخونُ رتابتَهُ... خَفْقٌ حارٌّ، ورَعشةٌ لا أعرفُ لها اسمًا، سوى أنها نبوءةُ حُبٍّ... لأوَّلِ مرةٍ في حياتي، يَتسلَّلُ إليَّ هذا الإحساسُ الغريبُ... إحساسٌ لهُ وَقْعٌ خاصٌّ، كأنَّ قلبي اكتشفَ إيقاعًا جديدًا، خَفَقانٌ مُتلاحِقٌ، ودُوارٌ خفيفٌ كأعراضِ مَرَضٍ جميلٍ اسمُهُ الحبُّ... للحظةٍ، ظننتُ أني بحاجةٍ إلى طبيبٍ... لكني أدركتُ أنَّ الداءَ أنتِ، وأنَّ العلاجَ أيضًا أنتِ."

​"حَقًا... كأنكِ لوحةٌ من الأبيضِ والأسودِ نَسِيَ الرسامُ أن يُضيفَ لها الألوانَ، لأنَّ جَمالَها في نقائِها وظِلِّها... لوحةٌ فنيةٌ من الأبيضِ والأسودِ، بظلالٍ عميقةٍ وتفاصيلَ نادرةٍ، مزيجُ نقاءٍ وغُموهضٍ... كأنكِ مشهدٌ مسروقٌ من فيلمٍ كلاسيكيٍّ، تقفينَ فيهِ وحدَكِ، فيغدو العالمُ باهتًا... إلا أنتِ... تحملينَ في ملامحِكِ هيبةَ الماضي وسِحرَ الحاضرِ... أنتِ تَجعلينَ العالمَ حولي يَبدو أقلَّ وضوحًا... إلا أنتِ..."

​"أنتِ تَجعلينَ المارِّينَ يَتوقَّفونَ بلا وَعيٍ، كأنكِ نقطةُ ضوءٍ وسطَ زِحامٍ رماديٍّ، تَجذبينَ الأنظارَ دونَ جهدٍ، وتَتركينَ في كلِّ مَن يراكِ أثرًا لا يُمحى... حتى الصمتُ من حولِكِ يَبدو كأنهُ يُنصِتُ إليكِ... وكأنَّ العالمَ، للحظاتٍ، يَدورُ على وَقعِ خُطواتِكِ... أنتِ فقط... وأنا؟ أقفُ هناكَ بينَهُم، أكتشفُ أني عاجزٌ عن النظرِ بعيدًا، وكأنكِ سلبتِ مني حقَّ الفِرارِ من هذا السحرِ..."

​"فعلتِ بي ما يفعلُهُ... الفجرُ بالليلِ... أزحتِ عتمتي... دونَ سابقِ إنذارٍ، وأيقظتِ في داخلي ألوانًا راقيةً لم أَرَها من قبلُ."

​"فعلتِ بي ما يفعلُهُ... المطرُ بالأرضِ العَطشى... تَسلَّلتِ إليَّ ببطءٍ، ثمَّ غمرتِني حتى آخرِ نَبضي... فكِدتُ أغرَقُ."

​"فعلتِ بي... ما يفعلُهُ الشِّعرُ بقلبِ شاعرٍ... أنتِ كقصيدةٍ لم يكتملْ وَزنُها... لكنها رغمَ ذلكَ هي باهيةٌ مُتماسكةٌ، كأنها مُكتملةٌ."

​"فعلتِ بي ما يفعلُهُ النسيمُ بوَردةٍ نائمةٍ... أيقظتِ عِطري، وحرَّكتِ في قلبي حياةً ما كنتُ أظنُّها تَعودُ."

​"حُبِّي لكِ جاءَ بلا مَوعدٍ... قَلبتِ مَوازيني، وجعلتِ الفوضى في داخلي أبهى من أيِّ نظامٍ..."

​ابتسمتْ لذلكَ، وكأنهُ يَتغزَّلُ بها هي، لا بتلكَ المرأةِ المجهولةِ التي يكتبُ عنها. تردَّدَ في ذِهنِها سؤالٌ: "هل يمكنُ أن تكونَ شبيهتي إلى هذا الحدِّ؟"

​في هذهِ اللحظةِ، طرقتْ تولينُ البابَ بِرِفقٍ، ثمَّ أدخلتْ رأسَها قائلةً: "سوسو، تعالي ساعديني في تنظيفِ الصالونِ، العُمَّالُ تركوا الفوضى في كلِّ مكانٍ."

​رفعتْ عينيها عن المُذَكَّرةِ، تُحاولُ إخفاءَها خلفَ ظهرِها، لكنَّ تولينَ لمحتْها وسألتْ بفضولٍ:

​"ما هذا الذي تُمْسِكينَهُ؟ ولماذا ملامحُ وجهِكِ هكذا؟"

​أجابتْ بسرعةٍ وكأنها تَخشى أن تَنكشِفَ: "كتابٌ، لا شيءَ أُخفيهِ."

​تقدَّمتْ تولينُ خطوةً إلى داخلِ الغرفةِ، تَضعُ يديها على خَصرِها بنبرةٍ شِبهِ مُعاتبةٍ:

​"ما بكِ يا آيسون؟ تَتَعَفَّفينَ حتى عن المُساعدةِ؟"

​تنهَّدتْ ورَمَتْ بِنظرةٍ مُستسلمةٍ، ثمَّ قالتْ: "لا، أرجوكِ يا تولينُ أنا مُتعبةٌ... استأجِري عاملةً أو أيَّ أحدٍ آخرَ، أنا اليومَ لا طاقةَ لي."

​رفعتْ تولينُ حاجبيها مُستغربةً: "آه... هكذا إذًا! أستأجرُ عاملةً؟ أنتِ هنا... هيا انهَضِي!" ضربتْ كَفَّها على فَخذِها بنبرةٍ آمرةٍ كالأمهاتِ: "انهَضِي كفاكِ كسلًا، البيتُ لا يُنظِّفُ نفسَهُ!"

​رَمَقتْها آيسونُ بِنظرةٍ مُستسلِمةٍ، وأغلقتِ المُذَكَّرةَ على مَضَضٍ، والفضولُ يَنهشُها لمعرفةِ باقي ما في الصفحةِ.

-----

الأحداث بدأت تأخذ منحى أعمق...

أريد أن أرى تفاعلكم وتعليقاتكم، أخبروني ما رأيكم في ما جرى، وما تتوقعون في الفصول القادمة ؟

حماستكم هي ما يدفعني للاستمرار، فلا تبخلوا علي بها 🖤

هيااا...

إن كنتم مهتمين بها، أريد أن أرى حماسكم قبل أن تنطلق الحكاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وَصْمَة دِيَسَمْبَر|مذكرات أستاذ الأدب|

المؤلف سديم 'ے
2025/08/27 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة