"أجمل بحرٍ لم نبحر فيه بعد…"
- ناظم حكمت -
......
علقوا بين الفقرات..أسمعوني صوتكم لماذا هذا الصمت والسكون ..🎼
..
|30نوفمبر 2015|
كان يدبُّ بخطواته العرجاء، غير ثابتة، كأنه في حالة دوار شديد، في زقاق الشارع المظلم المؤدي إلى بيته. ، فيما تتسلل أشعة القمر الخافتة بين المباني المتهالكة، لتلقي بخطوط فضية على الأرض الموحلة. مع كل خطوة، كان صدى قدميه يرتد في الصمت الكثيف، فيتضاعف الشعور بالوحدة والرهبة...
من بعيد، علت أصوات القطط المتشردة، مزعجة الهدوء الطاغي على زقاق، فيما مرَّت نسائم الليل الباردة على وجهه، لكنه كان يتجاهل كل هذا ..
بدا الزقاق وكأنه يمتد بلا نهاية،
كان الكائن الوحيدَ الذي يسير في ذالك الوقتِ وجهه كان شاحبََا متعبََا و شعره مبعثرُُ وملابسه متسخة ..كان ساكنا لكن داخله كانت تقامُ حربا ضروسة ! بين ماكان وماهو كائن وما كان سيكون لو أنه أفاق من غفلته منذ زمن ..
تأنيب ضمير ووجع قديم جرح جديدِو حقائق مُرَة؛ فاجعة من فواجع القدر كلها عصفت به في آن واحدِ .
وصل أخير إلى البابِ فتحه ودخل إليه ..كان ساكنا كما توقع فرغا من كل أثاثِ بارِدا معتمًا موحشَا كصدرهِ ..همس بينه وبين نفسه:
ــ في الكونِ الشاسعِ الشمس تغرب كل مساء ... لكنها تبقى مشرقة في بيتي ..
ــ لكن لأسف شديد كنت أعمى عنها كانت غشاوة من الغفالة تغلف نظري فتمنع عني إستمتاع بها ودعاء لها بأن يحفظها الله .
ــ لا أنكر أني كنت خائفا أن أزيحها فأجدها خدعةََ أو مقلبا من مقالبِِ القدرِِ ..
ــ لكن يا ليتني فعلت قبل أن تذهب كما ذهبت الأشياء الجميلة قبلها ، ويا ليت ليتي يصنع فرقًا!
ــ لكن نحن هكذا دائما نحس بقيمةِ الأشياء إلا في نهاية عند ذهبها .
ــ قلبي يحترق كالجمرِ على فراقكم أحبابي !
لكن أستحق كل ما يحصل معي وماحصل معي وماسيحصل معي..ليس ألمي بقدرِِ جزء ضئيل من الكمدٍ الذي يجتاح قلوبكم بسببي ذنبكم الوحيد أنكم أحببتومني.
وإثمي كبير في أني كنت أسحق حبكم الفطري النقي...
ــ أعلم أن لديكم بصيص أمل فيَّ لأبادر في البحث عنكم ..و أنتم بدوركم تستقبلوني برحابة صدر ..أشعر بكم تنتظرون لحاقِي بفارغِ الصبرِ ..لكن لا أقدرْ
هطلت دموعه بغزارة .. وهي يرى ورقة طبيبة أمامه
ــ أنا أحتضر لهذا لا أستطيع القدوم ستتعلقون بي وأنا سأرحل إلى الأبد .. آسف لا أستطيع أن أحزنكم عليَّ مرة أخرى..إكرهوني أرجوكم لكي لا تحزنوا على بل تتهلهلونَ به ..
كمش الورقة في يده وتنهد :
ــ سحقت آخر أملِِ إنسوني كما لم أكن موجودا على هذه الحياةِ !
قبل ساعات ِِ..
أخبره الطبيب أنه إستفاق من غيبوبة التي دامت يوما كاملا..بعد أن تم إحضاره وتم إخباره بأن كان ملقى في شارع.
أومأ برأسه بإيجاب وأردف:
ــ أعلم لكن غيبوبة دَامت ثمانية عشر سنة ..أيها الطبيب !
لم يتعجب الطبيب من كلامه ..
ظن أنه تأثير أحد الأدوية...لكنه ألتانْ كان يقصد ما يقول ...
خاطبه طبيبُ مبتسما كأنه يساير جنونه :
ــ أنت أدرى .
أدرك ألتان أنه لم يفهم مقصده ... فنظر إليه بإستحقار... لطالما آمن بأن الأطباء سطحيون جاهلون بما في أعماق!
كان هذا كلام الطبيب الصغير أم الكبير فقال له كلاما أجلفه!
ــ حالتك خطرة سأقول بدون مقدماتٍِ لكي لا أطيل الأمر ..
سكت برهة وأضاف :
ــ لديك ورم في دماغ ..
بقي ألتان رورغاز يحدق فيه كأبله ورَد عليه بإقتضابِ :
ــ ليس أمرا جديدا ..كنت أشك في ذالك!
فغر الطبيب فاهه وقال بتعجب:
ــ كنت تعلم وتجاهلت الأمر ببساطة!
رد ببلادة:
ــ نعم ببساطة ليس لدي ما أخسره .
وعندما رأى الطبيب منه هذه الامبلاة أكمل ببرود ماكان يخشى أن يكمله:
ــ انت تحتضر لديك ثلاث أشهر فقط إن لم تجري العملية فستموت ..إن كنت تهتم بحياتك !
شعر بوخز في قلبه وغصة في حلقه لكنه لم يبين ذالك لطبيب وتظاهر بعدم الاهتمام ..كان يريد أن يسأله عن نسبة نجاح العملية لكنه آثر صمت .
في تلك اللحظة قال الطبيب له و كأنه قرأ أفكاره :
ــ آه ..نسيت إخبارك نسبة نجاح عملية جراحية %20 .
نفض عن رأسه أثقالَ هذه الأفكار والهموم،
وأخرج علبة دوائه من معطفهِ إبتلع قرصينِ .. ونهض من مكانه يبحث عن ملاذ هادئ يسترخي فيه وينام، تاركًا لغد قرار ما سيفعله في أيامه الأخيرة، كمن يودع شبح الحياة قبل الرحيل ..كان الندم يهلكه، والمرض يشده كما لو كان أسلاكًا تقيد جسده، والوحدة تحاصره بلا رحمة، تاركة قلبه يئن تحت وطأة الأيام، كأن كل ثانية تمر عليه ثقيلة كقرون الماضي، وكل نفس يختنق بين الألم والخوف في أيامه الأخيرة..
.
.
.
.
كان الصباحُ الرمادي المعتاد قد غزى المكانِ ببردهِ السامِ رغمَ أنه وقتُ الظهيرةِ أبتْ شمسُ أن تشرقُ وكأنها تعلنُ حدادًا ..
في مكتبة غَلَطَة 'Galata'..المتواجدة في حيّ تاريخي قديم في إسطنبول، يقع في الجانب الأوروبي، قرب كاراكوي وبرج غلطة الشهير.
الذي يحمل طابعا فني وثقافي يجذب الكتّاب والموسيقيين والطلاب..كان مكان يختلط فيه الشرق بالغرب، التاريخ بالحاضر…لهذا جذب عاشقة لأدبِ المقارنِ كأيسون إليهِ
كانت قد دخلت لتوها للمكتبة وهي تحمل قهوة Karabatak الشهيرة..لتقتني بعض الكتب المفيدة والتي تحتاجها ثم تقرأ ما يشغلُ بالها مذكرة أستاذِ الأدبِ ..
كانت المكتبة غارقة في ضوءٍ خافتِ يأتي من نوافذها العالية وآخر بارز يأتي من الثريا المعلقة..
صفوف الكتب تمتد كأنها أروقة من ذاكرة العالم، ورائحة الورق المختلط بالقهوة تعطي المكان رُقِيِِ خاصْ و رهبة تشبه الدخول إلى عالم غامض جديد وشعورِ غريب لم تألفهُ من قبل ..تفقدت بعض الكتب النادرة المصفوفةِ في الرفوف الخلفية..همست لنفسها:
ــ رائع جئت في وقتِ مناسبِ..
تفحصت كل من دواوين شعرية لناظم حكمت والسيّاب وقررت إقتنائها بلغتها الأصلية فهي تجيد اللغة العربية.
جلست هي قرب النافذة، أمام طاولة خشبية خفف الزمن لونها، ووضعت قهوة بجانبها رشفت منها رشفة أخذت نفسًا عميقًا وهي تخرج مذكرة من حقيبتها .
ــ سامحني أستاذي..لكن كما تقولُ دائما الحياة هي من أرادت ذالك هي من أسقطتها منك ودفعتني لأحتفظ بها ولا أعيدها إليك ..
همستْ لنفسها وإنغمست في قراءتها من بدايتها وليس من لحظةِِ التي قطعتها فيها تولينْ :
1996.09.13
أنا اليومَ... تأكَّدتُ من وقوعي في الحبِّ. وبمناسبةِ هذهِ اللحظةِ القُدسيةِ، قرَّرتُ أن أكتبَ حكايتي في صفحاتِ هذهِ المُذَكَّرةِ... لعلَّها تَصِلُ يومًا إلى محبوبتي، وتعرفُ أن كلَّ نبضةٍ، وكلَّ سطرٍ، وكلَّ كلمةٍ مني كانتْ لها وحدَها.
لأوَّلِ مرةٍ، شعرتُ أن قلبي يَخونُ رتابتَهُ... خَفْقٌ حارٌّ، ورَعشةٌ لا أعرفُ لها اسمًا، سوى أنها نبوءةُ حُبٍّ... لأوَّلِ مرةٍ في حياتي، يَتسلَّلُ إليَّ هذا الإحساسُ الغريبُ... إحساسٌ لهُ وَقْعٌ خاصٌّ، كأنَّ قلبي اكتشفَ إيقاعًا جديدًا، خَفَقانٌ مُتلاحِقٌ، ودُوارٌ خفيفٌ كأعراضِ مَرَضٍ جميلٍ اسمُهُ الحبُّ... للحظةٍ، ظننتُ أني بحاجةٍ إلى طبيبٍ... لكني أدركتُ أنَّ الداءَ أنتِ، وأنَّ العلاجَ أيضًا أنتِ
حَقًا... كأنكِ لوحةٌ من الأبيضِ والأسودِ نَسِيَ الرسامُ أن يُضيفَ لها الألوانَ، لأنَّ جَمالَها في نقائِها وظِلِّها... لوحةٌ فنيةٌ من الأبيضِ والأسودِ، بظلالٍ عميقةٍ وتفاصيلَ نادرةٍ، مزيجُ نقاءٍ وغُموهضٍ... كأنكِ مشهدٌ مسروقٌ من فيلمٍ كلاسيكيٍّ، تقفينَ فيهِ وحدَكِ، فيغدو العالمُ باهتًا... إلا أنتِ... تحملينَ في ملامحِكِ هيبةَ الماضي وسِحرَ الحاضرِ... أنتِ تَجعلينَ العالمَ حولي يَبدو أقلَّ وضوحًا... إلا أنتِ...
أنتِ تَجعلينَ المارِّينَ يَتوقَّفونَ بلا وَعيٍ، كأنكِ نقطةُ ضوءٍ وسطَ زِحامٍ رماديٍّ، تَجذبينَ الأنظارَ دونَ جهدٍ، وتَتركينَ في كلِّ مَن يراكِ أثرًا لا يُمحى... حتى الصمتُ من حولِكِ يَبدو كأنهُ يُنصِتُ إليكِ... وكأنَّ العالمَ، للحظاتٍ، يَدورُ على وَقعِ خُطواتِكِ... أنتِ فقط... وأنا؟ أقفُ هناكَ بينَهُم، أكتشفُ أني عاجزٌ عن النظرِ بعيدًا، وكأنكِ سلبتِ مني حقَّ الفِرارِ من هذا السحرِ...
فعلتِ بي ما يفعلُهُ... الفجرُ بالليلِ... أزحتِ عتمتي... دونَ سابقِ إنذارٍ، وأيقظتِ في داخلي ألوانًا راقيةً لم أَرَها من قبلُ.
فعلتِ بي ما يفعلُهُ... المطرُ بالأرضِ العَطشى... تَسلَّلتِ إليَّ ببطءٍ، ثمَّ غمرتِني حتى آخرِ نَبضي... فكِدتُ أغرَقُ.
فعلتِ بي... ما يفعلُهُ الشِّعرُ بقلبِ شاعرٍ... أنتِ كقصيدةٍ لم يكتملْ وَزنُها... لكنها رغمَ ذلكَ هي باهيةٌ مُتماسكةٌ، كأنها مُكتملةٌ.
فعلتِ بي ما يفعلُهُ النسيمُ بوَردةٍ نائمةٍ... أيقظتِ عِطري، وحرَّكتِ في قلبي حياةً ما كنتُ أظنُّها تَعودُ.
حُبِّي لكِ جاءَ بلا مَوعدٍ... قَلبتِ مَوازيني، وجعلتِ الفوضى في داخلي أبهى من أيِّ نظامٍ...
يا جميلة العِراق ْ .. بَغدَادِيةَ المنشأ..
العـَرَبِية سارِقة قلبِ تُركي الأهوج !
فغرت آيسون فاهها غير مصدقةٍِ عقدت حجبيها قالت :
ــ حبيبتك عِراقية ..
رمشت مستغربة الأمر وأكملت القِراءة:
{..أكرِرْ و كأني غير مصدقِ أني وقعت في براثيني قلبكِ ..
يا جـميلة العراقِ ..أصَالةْ }
ــ أصالة؛ أصالة ..
كررت الإسم تستشعرُ جمالهْ ..ثم تابعت متحمسة.
{..حُبِّي لكِ جاءَ بلا مَوعدٍ... قَلبتِ مَوازيني، وجعلتِ الفوضى في داخلي أبهى من أيِّ نظامٍ...
حَدَث حَدُثَ اليومَ غير مافي لقلبي وسقى أنساغي العطشى ..
كنت أنتظر لحظة وقوعي في الحب ومعرفةِ التي ستفتكِ بمغرورِ مثلي ..الحياة تحبُ الإطاحةَ بمغارير مثلي ..
كان المساء دافئًا على غير عادته، وإسطنبول تعجُّ بخطى الزائرين المتجهين نحو قاعة الندوات في معرض الكتاب..
في جامعتي بوزجيزي (Boğaziçi University) وفي كليةِ الأداب التي لم تخلوا أيضا من هذا الضجيج ..
الداكاترةُ كانوا يتوجهون إليها من أوطان كثيرة ملبين دعوة مديرِ لحضورِ ومشاركةِ في ندواتِ كرغبةِ منهم في أن نتعرف بأدبِ ونعرف بأدبِنا ليس هذا مهم ..
في إحدى تلك الندواتِ التي حضرتها حدث مالم يكن في الحسبانِ فتحولتُ من ماقتِ لتلك الندواتِ إلى المتأملِ ببقائها سائرة إلى آخرِ الزمانِ ..}
قلبت الصفحة وأكملت :
{..حدث كل شيء في إحدى قاعاتِ محاضرات هناكْ ..
عندما دخل الأستاذ العراقي القاعة بخطوات واثقة، يحمل بين يديه حقيبة جلديّة قديمة، وعلى يمينه تمشي ابنته الجميلةُ مطأطأة رأسها نحو الأسفل بخجلِ مشبكة يدها
كنتُ منهمكاً في ترتيب أوراقي على المنصة حين لمحت عيناي ظلها قبل وجهها رفعت رأسه وكأن شيئًا دفعني لإلتفاتِ .توقفت أنفاسي لثانية عندما رأيتها..وسرت في دواخلي تفاعلاتُ عجيبة لم أحسَ بها من قبل لكني قرأتُ عنها..لكني لم أعترف بذالك لنفسي..
كان والدها يتحدث مع أستاذين له وهي تفق إلى جانبه بصمتِ تمسك حقيبتها ...وتراقب المكانَ الذي يفوح بعبقِ التاريخ ..قال شيئًا من هذا القبيل:
(..أنا الدكتور العراقي علي ، أستاذ الأدب العربي في جامعة بغداد ، قضيت عمري أُدرّس جماليات اللغة ونُبلها، وأبحث في تلك المسافة الدقيقة بين الكلمة ومعناها. جئت إلى إسطنبول بدعوة منكم، لأتحدّث قليلًا عن ذلك الأدب الذي تربّينا عليه، والذي ما زلتُ أؤمن أنه يحفظ روح الإنسان مهما تغيّر العالم..)
ثم جلس والدها في الصف الأول، وهي جلست قربه أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها، وتمتمت لوالدها بعبارة قصيرة لم يسمعها أحد..كنت أراقب كل هذا وأحس بأن صدري مفتوح على مصرعيهِ ..رأيتُ ملامحها دفعة واحدة بوضوحِ
وفي تلك اللحظة أدركتُ أني واقع في حبها ..
حب صامت ..لكنه يقترب من جذورِ عميقة في قلبِ ..لم أفكر في شيء لم أكن أريد إفسادَ اللحظة بسخافاتِ ..
أخير
وعدتُ إلى شقتي وأناوقد أكملت شروطُ طالبِ تخصصِ أدبِ مثلي وهي السير في منحنى سائر شعراءِ و الأُدباءِ.. أنا أصبحت مثلهم عاشقًا..❤️ وأخيرا كتبت ماشعرتُ بي في دفتر لعله وعسى يخفف وطأةِ مشاعرِ الولهِ الجنونيةِ..وإلا فقدت عقلي .. وفي نهاية أنا متأكد أن ما أشعر به ليس وهمًا..ولم يكن لقاء عابرًا...بل بداية شيء أكبر مما توقع...}
أنهت قراءة اليوم كاملا و خطر في بالها صورةٌ نادلِ المقهى للحظةِ ..إحمرَ وجهها بالخجلِ وهي تتذكره ..
ــ هل من المعقولِ أنه ينظرُ لي مثلما ينظر أستاذِ الأدبِ لأصالةَ ..وهل يمكن أنه يكتبُ عني في مذكرتِه؟!
قالت لنفسها وهي تبتسم :
ــ عجيبُ هو شعورُ الحبُ ..أظنُ أنه إبتلاءُ أكثر من مجرد شعورًا إنساني طبيعيٍ .
جرى في بالها للحظة فكرة أنها لو كانت هي عاشقة النادِل مثلاً ..هل ستفكر فيه طوال اليوم وتشتاق له و تكتب عنه وووو...ثم طرأ في بالها شيء آخر هل يمكن أن تنقلب الأمور وأن أقع في حبهِ أيضًا ؟!
ــ لامستحيل ..
مسحت وجهها بكفيها وهمست :
ــ اللهم إحفظ قلبي من وقوعِ فيهِ..!
قلبت الصفحة تتابع القِــرَاءَة..
1996.09.14..
(تفكيري يأخذ منحى غير منحاه المعتادِ لم أرى جميلتب تمر على مرآيا اليوم لكنها لم تغادر مخيلتي..هل تراها عادتْ لوطنها؟ أخبرني صديقي أن علاقتنا مستحيلة لم أخبره أني أنوي هجر تركيا من أجلها ! إشتقتُ لها فكتبتُ لها عسى أن تقرأها يومآ..
{هَبَت نسمة من بَـغْدَادَ زحْزَحَت نَقاءَ إسطنبولِ...إسْتَنْشَقـَها قَلٌـبِي المـِيتُ فـَعادتْ لـَـه حــياتـهُ ..
آهِ لو تدركــون !
نَفَسُ من أَرْض العراقِِ إِرْتطَــم بصَــدْرِي كأنـما بـَثَ في أنسـَـاغِي الرُوحَ ..وأعـَادَ بعِـــثِي من جــَدِيدْ..في إحدى صــباحــاتِ..
وقْــتَها وَوِدْتُ لو أستبدلُ تلكَ نسمةَ بكلِ هواءُ تُرْكِيَا..وأعــْلم الجَمـــِيعْ أنِــي وِلدْتُ من جـَـدِيدْ...
وقْــتَها تمـَـنَيتُ لـَـوْ أن ذالكٰ البـَلْد بَــلْدَي ..و أنَ والدكِ من أحَقِ قَرَابـَـتِي ..أو أنــِي مِــن فـارس من فـرسانِ قبيلتكِ
آهِ لو كانِـت تــَجْمْــعُنَا صِــلاتُ يا مَــهْجَتِي ..لــَا كنت في هـذه الأثـــناءِ تحت جـَنَـــاحـِي ..
حَقَا أيعقلُ أَنْ تبـايعَ وطَنِكَ من أجلِِ الحُبِ؟ وهل فعلِ هذا مباحِ؟ أأنستبدلُ الأوطانُ بما نحبْ ؟
ــ في بعض حَــالاَت يُسْـــتَباحْ...
ــ فِي مثلِ حَالاتِي يَجوزُ..
ــ في حالــتي واجِــبْ..
فلن نُــنـْكِر حـَـقِيقة أنَّ تُرْكِيَا لم تُعْطِني طوال مــُكِوثـِي بهـَا حَياةً ذات مَعْنَى لِروحِي مثل ما أنجـــبتْ لي العراقِ..
في الأَخِـــير ْ..
لِيحْتَرِقْ كُلُ شَيِء في الجَحِيمِ ..لا يُهمني إطلاقًا يهمني فقط ألاَ تَتـَأذيْ اأَنتِ يَا أصَالَة ...♡
كُونـِي لِي..فَقَط وسَأكُونُ أَسْعَد إِنْسَانِ عَلَى وَجْه الأٰرْضِ ..!
أَعْشَــقكُـِكِ يَاعــَرَبــِيـَة..❤️🩹}
أعادت قراءة مقطع تتحسس جمالهُ ..وإبتسمت إبتسامة عريضة سرعان ما تبددت وقالت بعبوس تخاطبُ مذكرةَ :
ــ آهِِ جمالُ بداياتِ
ــ يا أستاذي أظن أنك لو عرفَت نـهاية ماكنت بدأتَ ..
حكت أنفها وقلبت صفحة تقرأ باقي :
1996.09.20
{لم أكن أنوي دخول مكتبة غلطة }
ــ وَاو غلطة يالها من مصادفة ..
صرخت آيسون غير متعمدة ثم إنغمست في قراءة أكثر..
{ لم أكن أنوي دخول مكتبة غلطة ذلك المساء. كنتُ خارجًا من يوم طويل، مزدحم بالمحاضرات والأسئلة،
لكن المطر بدأ ينساب على الأزقة الحجرية كعادته الخريفية، فاضطررتُ للاختباء تحت مظلة المكتبة.
دخلت المكتبة بهدوء.
جلست قرب النافذة، فتحت كتابًا وأغلقه دون أن أقرأ شيئًا منه… لأن صورة وجهها لا تفارني منذ لحظة رآيتها في الجامعة..وقد زاد الأمر عن حدهِ.
كنت أحاول أقناع نفسي في هذه الفترة أنه مجرد إعجاب… لكن الإعجاب لا يخيف القلب بهذه الطريقة.
قلبت نظري في مكتبة ومن بين الرفوف، ومن بين رائحة الكتب التي تحبّس العالم داخل أوراقها، رأيتها.
لم يكن المشهد عادياً…
كانت تقف عند قسم الأدب العربي، تمدّ أصابعها على ديوان السيّاب كأنها تلمس جزءًا من وطنها.
بقيتُ لحظة أراقب ظهرها، وكتفيها الساقطين بثقة هادئة، والوشاحِ الذي بدا كظلّ نور فوق كتفيها.
لم أصدق أن القدر يمكن أن يعيد امرأة هزّت شيئًا في قلبي قبل أيام، بهذه البساطة… بهذه القسوة أيضًا..
لم أتقدم فورًا في بداية..
يقيت أنظر إليها كأني في حلم خفت أن ألمسه فيختفي..
بعدها اقتربتُ دون أن أشعر،
ــ هل وجدتِ ما تبحثين عنه؟
قلت بصوت غير ثابت تمامًا و بلغةِ العربيةِ لأني أدرك أن باستطاعةِ اللَّغة أن تبثَ الأمانَ في أبناؤها إن إبتعدوا عن وطنِ الذي يجمعهم بها ..وأصالة كانت في غربةِِ وأولِ طريقة صحيحةِ لتقربِ منها هي لغتها العربية ..حمدت الله في ذالك الوقت أني تعلمتها رغم ما ألم بي من صعوباتِ ..
استدارت.
الدهشة في عينيها كانت كافية لتكسر كل دفاعات قلبي. .
رَفعت الديوان قليلًا وقالت:
ــ كنت أبحث عن طبعة جيّدة للسيّاب… يبدو أنني اعتدت اللجوء للشعر في المدن التي لا أعرفها.
ابتسمت وقلتُ لها :
ــ انتي غريبة ..
أومأت برأسها بإيجاب..أحسست أنها لم تكن تنوي إسترسالَ معي في حديث لم يزعجني هذا كثيرا بل دفعني لأندفع نحوها أكثر وأجذب أطراف الحديث لولا أنها
سألتني إن كنت عربيا وهي تعقد حجبيها قليلًا
ربما سألتني لأني بقيت واقفا بقربها ابتسمتُ، ربما أكثر مما ينبغي، وقلت:
ــ لا تركي الأصل ..أجيد العربية عاشقُ لتراثِها..
وأضفتُ وأنا أشير للديوانِ:
ــ والشعراء العراقيون يجدون لهم مكانًا خاصًا في هذه المدينة. ..إنه يذكرني بناظم حكمت التركي
ــ تعرفينه ؟
كان يحب أن أجذب أطراف الحديث معها لهذا قررت التحدث معها عن الشعراءِ
رفعت حاجبها باهتمام:
ــ سمعت عنه كثيرًا… الشاعر الذي كتب عن الحرية والحبّ، أليس كذلك..
أومأتُ، وأشرتُ إلى صفحة محددة:
ـ نعم… هو كذلك شاعر وفي لوطنه حتى وهو بعيد عنه… بقي يكتب كأنه يحمله في صدره..
ثم أشرتُ إلى طاولة صغيرة قرب النافذة، وقلت:
ــ هل… تسمحين أن نكمل هذا الحديث هناك؟ يمكنني أن أدلّك على كتب تركية قريبة من الروح العربية. ربما يعجبك ناظم حكمت مثلاً… أو أورهان ولي...
كانت لحظة قبولها، تلك الخطوة الصغيرة نحو الطاولة، أشبه بتوقيع القدر على صفحة جديدة في حياتي. طاولة على يسار رفِ ديوانِ العربي قرب النافذة في ركنِ منزوي ..تلك بدايتنا!
نظرت إلي، فابتسمت تلك الابتسامة البسيطة التي لا ينجو منها قلبٌ يعرف الأدب.
ــ منذ مدة قرأت عن الشعر التركي… ناظم حكمت تحديدًا..لكني لم أتعمق في دواينيه.
سألتها سؤلا إن كانت عراقية أعرف إجابته مسبقا أجابت بنعم وأكملتْ :
ابتسمت وقالت بصوتٍ منخفض:
ــ ناظم حكمت يشبه شعراء العراق… يحملون الوطن حتى وهو يحترق تحس في كلماتهم أنهم يحترقون معه ..
ضحكتُ بخفة تمنّيت ألا تفضح ارتباكي:
ـ لهذا أحبّ الأدب العربي… فيه صدقٌ يشبه جروحنا نحن الأتراك ..كأننا نتقاسم مأساة ..
إسترسلتُ معها في حديث شيقِِ طويل لم أتذكر فيه إلا هذا ..كنت منشغلا بنقشِِ ملامح وجهها في ذاكرتي كي لا أنساها ..}
حركت آيسون رأسها بخفة وهمست :
{...ــ هذا ما يفسر سبب تحدّيقك المباشرِ فيَّ .
ثم تابعت قراءة أسطر أخيرة ..
{..ــ هل لديك بيتٌ تحبه لناظم حكمت ؟
نظرتُ إليها للحظة أطول مما ينبغي، ثم قلت:
ــ لدي بيت… لكنه ليس الأجمل في الشعر، بل الأجمل في ما يفعله بالقلب...
ــ أجمل بحرٍ لم نبحر فيه بعد…
ردت والسيّاب يردّ من بعيد:
ــ مطر… مطر… مطر… كأنه يبكي البحر قبل أن يراه...
كانت هذه أخر ما قلناه في جلستنا و تمنيت أن لا يكون آخر كلام أسمعه وأقولُه لها ..لم أسألها عن إسمها ولم تسألني هي أما أنا فإني أعرفْ ماهو وأما هي فإنها غفلتْ عنه بسبب توترها الواضحِ لكني أدرك أن هذا سؤال بحد ذاته سيشدها إلي وستلعن غفلتها هذه في سرها هكذا شأشغل تفكيرها لأيام كما شغلتْ تفكيري أنا ..أريدها أن تحس ببعض ما أحسست به ..هذا سيأتني بأحاديث أخرى معها..}
قطبت حاجبها باستغراب..وهي تقرأ إحدى حيلِ الرجال في جذبِ النساءِ
{..و هاقد وثقت يومي هذا هنا لا أعلم لما فهو على حسب قناعتي مأكدة أنه حفر في ذاكرة ربما لأني خشيت أن تخونني ذاكرتي يوما وأنسى مابيننا أرأيتِ حرصي شديد على بقاءِ ذكراكِ فكيف بحرصي عليكِ أنتِ موطنِي ..}
أكملت قراءة اليوم كاملاً ..وهي متحمسة لإكمال الباقي كادت تقلبُ الورقة لو أن فكرة طرأت في ذهنها وهي البحث عن طاولة التي تحدث عنها أستاذها في المذكرة.
.
.
.
.
.
لا تنسو التصويت...☆
رأيكم يهمني أعزائي ملاحظاتكم آرائكم ..🦋
سديم 'ے