"رجاء نبهوني في حال عثرتم على خطأ.."
....
"ما من حقيقة يمكنها معالجتنا من الحزن الذي نحس به عند فقداننا محبوباً, ما من حقيقة, ما من خلاص, ما من قوة, ما من عطف يمكن معالجة هذا الحزن, كل ما نستطيع فعله هو أن نرى ذلك الحزن حتى نهاياته ونتعلم منه شيئاً."
~هاروكي موراكامي~
...
/20نوفمبر 2015 /
الساعةُ تجاوزتْ مُنتصفَ الليلِ، السماءُ ما زالتْ تُمطرُ، وتُمطرُ معها آهاتُ أستاذِ الأدبِ المسكينِ. الآن فقط عادَ إلى المنزلِ، تأخَّرَ اليومَ قليلًا على غيرِ عادتِهِ. كان مُبللًا بالكاملِ، من الأعلى إلى الأسفلِ. لم يُشعلِ الضوءَ بجانبِهِ، فقد صارتِ العتمةُ صديقتَهُ المخلصةَ.
نزعَ ثيابَهُ العُلويةَ المبللةَ، ليسَ لأنهُ خائفٌ أن يمرضَ، فمِثلُهُ لا يُصابُ بالزكامِ! دَبَّ بخطواتِهِ في ممرِّ المنزلِ، كان الصمتُ والسكونُ سائدًا على المكانِ، لولا أن قطعَهُ بصوتِ أنفاسِهِ ودَبْدَبَةِ خطواتِهِ. يبدو أن الجميعَ نائمٌ، ومَن سيبقى مُستيقظًا في مثلِ هذا الوقتِ لأجلِهِ؟ "هو". لم يكنْ أحدٌ ينتظرُهُ، ولم يُحزِنْهُ هذا، بل على العكسِ، يُسعِدُهُ أن يجدَ البيتَ فارغًا، لكي لا تنزعجَ روحُ حبيبتِهِ التي تحومُ حولَهُ، ويتسنَّى لهُ الجلوسُ معها! يروقُهُ أن يقضيَ خلوتَهُ معها في مكانٍ هادئٍ، سواءً داخلَ البيتِ أو خارجَهُ. ما يحدثُ معهُ ضربٌ من الجنونِ، لكنهُ لم يعترفْ بهذا لنفسِهِ، ظنًا أنَّ ما يحدثُ بينَهُ وبينَها حقيقةٌ!
ولهذا، لم يَعُدْ أحدٌ يهتمُّ بأمرِهِ، وتمَّ رفضُهُ حتى من قبلِ عائلتِهِ. ولكنْ لم يولدْ هذا الرفضُ من العدمِ؛ فهوَ مُسبقًا لم يكنْ يَهُمُّهُ أحدٌ مِمن حولَهُ، حتى مَن هُم من صُلبِهِ. البلادةُ تُغلِّفُهُ، والعزلةُ تطغى على شخصيتِهِ. لا يَهُمُّهُ حتى أمرُ عائلتِهِ، لا يتفقَّدُ حالَهُم وأحوالَهُم. لا شيءَ مما يُبديهِ يَدُلُّ على أنهُ سعيدٌ ومُمتنٌّ لوجودِهِم، أو على الأقلِّ يُحسِسُهُم أنهُ بجانبِهِم. لا شيءَ يَدُلُّ على أنَّ والدَهُم موجودٌ معَهُم! هو يعيشُ معهم لكنهُ بعيدٌ عنهم جدًا؛ جسدُهُ هنا وروحُهُ في مكانٍ آخرَ، زمنٍ آخرَ، مع شخصٍ آخرَ غادرَ الحياةَ منذُ قُرابةِ عقدينِ ومدفونٌ تحتَ الترابِ.
هُم لا يعرفونَ كلَّ التفاصيلِ التي تخصُّ ماضيَهُ، لكنهُم يعرفونَ بما يكفي ليتوجَّسوا. تلكَ المرأةُ التي يَهذي باسمِها كانت يومًا جزءًا من حياتِهِ ولم تخرجْ منها قطُّ، هم يُدركونَ ذلكَ. ولقد سئموا من تصرُّفاتِهِ الغريبةِ هذهِ، رغمَ أنهم حاولوا مراتٍ عديدةً أن يندمجوا معهُ ويُخرجوهُ من كآبتِهِ وعزلتِهِ، وأن يقتلعوهُ من عالمِهِ، أن يُنسوهُ فيها، ويبدأَ معهم حياةً جديدةً بعيدًا عن الماضي، لكنهُ يأبى أن يخرجَ منهُ، كأنها الشيءُ الوحيدُ الذي يُبقيهِ على قيدِ الحياةِ.
ماذا عساهم يفعلونَ وقد حاولوا كثيرًا؟! لكنَّ كلَّ مُحاولاتِهِم معهُ ذهبتْ في مَهَبِّ الريحِ. لقد حاولوا، رغمَ أنهُ لا يقومُ بأبسطِ واجباتِهِ اتجاهَهُم، غيرَ المأكلِ والمَلبسِ؛ لأنها في نظرِهِ أساسياتُ الحياةِ، وهذا ما يجبُ عليهِ أن يُوفِّرَهُ لهم. لكنهم يُريدونَ ما هو أعمقُ، يُريدونَ الاهتمامَ والحبَّ، أن يُشعِرَهُم بأبوَّتِهِ، أن يبتسمَ في وجوهِهِم، أن يُناديَهُم بأسمائِهِم، أن يعيشَ معهم يومًا مُتَنَاسِيًا وَجَعَ حُبِّهِ، دونَ أن يَذكُرَ ذكرياتِهِ. لقد حوَّلَ حياتَهُم لتعاسةٍ، لا هُم قادرونَ أن يتركوهُ وحيدًا مع كآبتِهِ أو يقتلعوهُ منها.
زوجتُهُ المسكينةُ قد سئمتْ حياتَها معهُ، وهو يذكرُ حبيبتَهُ أمامَها، يخونُها علنًا وسرًا، كسرَها وجرحَها، وإن كانت خيانةً في ذاكرتِهِ! كم مرةٍ كسرَ قلبَها وجرحَ كبرياءَها وداسَ على كرامتِها بتجاهلِهِ أنينَها! كم تجاهلتْ هذا وحاولتْ تحسينَ وضعِهِم وحالِهِم وحياتِهِم، ليسَ من أجلِهِ هو بل من أجلِ أولادِها. لم تكنْ تنوي تدميرَ بيتِها، بقيتْ تُحافظُ عليهِ وحدَها، وإن كان يبدو من الخارجِ مُتمسكًا، فهوَ من الداخلِ على وشكِ الانهيارِ. ندمتْ أن تزوجتْهُ، إن زواجَهُم تقليديًا راحتْ فيهِ ضحيةً - لأنها ابنةُ عمِّهِ - ! لَعنَتْ كلَّ مَن كان سببًا في هذهِ الزيجةِ، علنًا وسرًا! يُهمِلُها ويُهمِلُ أولادَهُ، كأنهُ مُرغمٌ على مُشاركةِ حياتِهِ معهم. لكنْ أيُّ حياةٍ؟! فهوَ فقط يُشاركُهُم النومَ تحتَ سقفٍ واحدٍ، وأحيانًا طعامَ الغداءِ والعشاءِ.
وكذلكَ أولادُهُ، قد تحسَّسوا من هذا البعدِ بينهم وبينَ والدِهِم، وهُم لا يستطيعونَ فعلَ شيءٍ. العمرُ يَمضي، كَبِرَ أولادُهُ وهو كَبِرَ معهم جسديًا فقط، فروحُهُ ما زالتْ عالقةً في شبابِهِ، منبعِ حزنِهِ وبلِيَّتِهِ. عائلتُهُ ليستْ لهم علاقةٌ بما حدثَ في ماضيهِ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، هُم أصلًا لم يكونوا موجودينَ، لكنهُم نالوا القِسمَ الأكبرَ من النتائجِ، وتسبَّبَ في تشكُّلِ الفوهةِ الواسعةِ بينَهُ وبينَهُم! لم يُحاولْ إصلاحَ ماضيهِ، ولا فكَّرَ في مُستقبلٍ، وها هو يُدمرُ حاضرَهُ بيدِهِ. لقد حلَّتْ عليهِ لعنةٌ، بيتُهُ على وشكِ أن يَتدمَّرَ بيدِهِ، إن كان يُدركُ هذا أو لا يُدركُ، ولكنْ أصلًا لا يَهتمُّ. زوجتُهُ تُخططُ لهجرِهِ، لعلها اليومَ أو غدًا، تنتظرُ اللحظةَ المُناسبةَ، خاصةً بعدَ أن انصاعَ لها أولادُها، وإن كانتِ ابنتُهُ الكبيرةُ مُتردِّدةً قليلًا.
وبينما هو يمشي في ممرِّ الطابقِ العُلويِّ شبهِ المُظلمِ، لا يُسمعُ فيهِ إلا صوتُ عقاربِ الساعةِ، كانتْ خطواتُهُ بطيئةً، وصوتُ أنفاسِهِ ثقيلًا، وهو يَغوصُ في قاعِ ذاكرةٍ قديمةٍ. وبينما هو هكذا... اتسعتْ عيناهُ وارتعشتْ شفتاهُ فجأةً. همسةٌ خرجتْ منهُ كأنها أنينٌ، لنَدبةٍ لم تندملْ: حبيبتهُ أمامَهُ تَمُدُّ يَدَها إليهِ، تدعوهُ أن يأتيَ معها. هذهِ المرةَ ليستْ روحُها فقط مَن جاءتْ، بل طيفُ جسدِها أيضًا. كانتْ تُحرِّكُ شفتيها كأنها تُتمتمُ، هو لم يسمعْ ماذا تقولُ. خطرَ في بالِهِ أنها تدعوهُ لشُربِ كأسِ قهوةٍ، ويتبادلا الأحاديثَ. تهلَّلتْ أساريرُهُ وتقدَّمَ نحوها بسرعةٍ، لكنها اختفتْ!
"ما هذا؟ ما الذي يحدثُ لي؟ هل يجبُ عليَّ أن أزورَ طبيبًا؟"
أحزنَهُ اختفاؤها، جلسَ في الممرِّ وأسندَ ظهرَهُ للجدارِ، ضمَّ ساقيهِ لصدرِهِ، رفعَ رأسَهُ وأغمضَ عيونَهُ.
بعدَ مُدَّةٍ... فتحَ عيونَهُ فوجدَها واقفةً أمامَهُ تبتسمُ، فبادلَها ابتسامةً هو أيضًا. لم يتحركْ أبدًا، يخافُ أن تذهبَ، يُريدُها أن تبقى. بعدها جلستْ بجانبِهِ وضمَّتْهُ إليها كأنها ارتاحتْ. بدأَ يُغازلُها:
"يا سيدةَ قلبِي... يا سَكني ومَسكني... يا دائي ودوائي... يا نعيمي وشقائي... يا سَمِّي وترياقي... يا وريدي يا مَن تسري في أنساغي وشراييني... مالي أرى طيفَكِ في كلِّ مكانِي... مالي لا أرى في الوجوهِ سوى مُحيَّاكِ... رجوتُ الغيابَ أن يمنحَني لحظةً معكِ... فإذْ بي حيثُ أمضي تصدُمُني ذِكراكِ... تطوفُ بي روحُكِ فجعلتُ منها مُتنفَّسي... أصابني الجنونُ... لم أبحثْ لهُ عن علاجِ... وهل لجُنونِ الحبِّ دواءُ؟ شوقي إليكِ تفيضُ منهُ الأدمُعُ، وجوايَ عليكِ ضاقتْ بهِ أضلُعي... حياتي قصيدةٌ أنتِ أبياتُها، ذِكراكِ قافيتُها، وقصتُنا رَوِيُّها... أنتِ مُؤنِسَتي ومُسليتي... أنتِ زهرةٌ في صحراءِ قلبي، وواحةٌ أرتوي منها حين يجفُّ حلقي. مرَّ ثمانيةَ عشرَ ديسمبرَ على آخرِ لحظةٍ جمعتنا، لكنكِ لم تغيبي عن بالي لحظةً... ما زلتِ تُؤرِّقينَ نومي، وتُطاردينَ أفكاري لحظةً بلحظةٍ. أعيشُ أيامي مع بقايا ذِكراكِ التي لا تزالُ تسكنُ قلبي. أعيشُ الآنَ وأنا أُصارِعُ ما تبقَّى من هذهِ الأيامِ، مُحتضنًا شظاياكِ. يَعصُرُني ألمُ الفراقِ، ويَخنقُني شوقي إليكِ، حتى كلماتي تُصبحُ عاجزةً عن التعبيرِ عن عُمقِ مُعاناتي. يا لَعذابِ الذكرياتِ الحزينةِ، يا لَقسوةِ الوداعِ! منذُ فارقتِني... ما عُدتُ ذلكَ الشابَّ الذي تعرفين. ما أنا... قبرٌ أنيقٌ، دُفنَ فيهِ شاعرٌ كئيبٌ... ودُفنتْ معهُ روحُهُ."
في هذهِ اللحظاتِ، لحظاتِ تغزُّلِهِ، كانتْ زوجتُهُ ترتَعشُ وهي مُسندةٌ ظهرَها على بابِ غُرفتِها، ليسَ خوفًا بسببِ جنونِ زوجِها، بل غضبًا وسُخطًا لما يفعلُهُ. إنها النهايةُ، ستهجرُهُ. لم تكنْ هذهِ المرةَ الأولى التي يَهمِسُ باسمِها، لكنَّ شيئًا ما في هذهِ الليلةِ جَعلَ الصوتَ أشدَّ وَقعًا على مَسامعِها. لقد طفحَ الكيلُ.
تقدَّمتْ نحوَهُ، لم تقلْ شيئًا في بادئ الأمرِ، فقط ظلَّتْ تُحدِّقُ فيهِ وهو يَهذي باسمِ امرأةٍ أخرى في بيتِها. مرَّتْ لحظةُ صمتٍ قصيرةٍ وهي أمامَهُ، ثمَّ قالتْ بصوتٍ مُتهدِّجٍ: "إلى متى؟"
لم يُجبْ على سؤالِها، وبقيتْ عيناهُ مفتوحتينِ تُحدِّقانِ في السقفِ، لكنَّ عقلَهُ غارقٌ في مكانٍ آخرَ تمامًا. مكانٌ لن تصلَ إليهِ، مكانٌ يَصعُبُ عليها أن تقتلعَهُ منهُ رغمَ مُحاولاتِها الكثيرةِ.
ضربتْ قَدَمَها على الأرضِ فجأةً وبقوةٍ، فقد خابَ رجاؤُها أن يتغيَّرَ، وقالتْ بصوتٍ اختلطَ فيهِ الغضبُ بالحُزنِ: "إلى متى وأنا أقتَسِمُكَ مع امرأةٍ ماتتْ، ولا أعلمُ إن كانتْ حتى تُحبُّكَ؟"
نظرتْ إليهِ، وكان لا يزالُ يُحدِّقُ بعينيهِ في السقفِ، ويُتمتمُ باسمِ امرأةٍ لم تكُنْ يومًا هي. تابعتْ بمرارةٍ رافعةً صوتَها: "كم مرةٍ نِمتُ بجانبِكَ، وأنتَ في حُضنِها؟ كم مرةٍ سمعتُ اسمَها منكَ أكثرَ مما سمعتُ اسمي؟"
تقدَّمتْ منهُ أكثرَ، وقفتْ بثوبِها الليليِّ عندَ قدميهِ، وصرختْ:
"كفى... كفى يا رجلُ!"
"أنا التي لم تَخُنْكَ، لم تترُكْكَ، لم تَغِبْ عنكَ يومًا... ومعَ ذلكَ، لا مكانَ لي في قلبِكَ!"
لم يُجبْها. انهمرتْ دموعُها وأكملتْ بحِدَّةٍ راجفةٍ:
"ابْقَ معها... في حُلمِكَ، وفي يقظتِكَ، مللتُ منكَ حقًا، دائمًا تُخاطبُها أكثرَ مما خاطبتَني منذُ تزوجتُكَ..."
مسحتْ دموعَها، يكفيها، وأضافتْ وهي ترفعُ سَبّابَتَها كأنها تُهدِّدُهُ:
"سيأتي ذلكَ اليومُ الذي لن تجدَني فيهِ... لا أنا ولا أولادَكَ... سيأتي قريبًا جدًا."
تنفَّسَ ببطءٍ... ثمَّ قالَ بصوتِهِ المُعتادِ، وبنبرتِهِ التي تتوشَّحُ بالشعرِ كلما اشتدَّ عليهِ أمرٌ، كان كأنهُ يختبئُ بينَ أبياتٍ يُدركُ أنها لن تُنقذَهُ، لكنها تمنحُهُ شجاعةَ الضُعفاءِ:
"تطلبينَ مني ألا أذكرَها... وكيفَ أُطفِئُ نارًا كانتْ يومًا روحي؟!"
رفعتْ رأسَها بحِدَّةٍ، وردَّتْ بجفافٍ:
"كُفَّ عن فَلْسفتِكَ، إنها لا تُجدي نفعًا."
تنهَّدَ بصمتٍ: "فلسفةٌ؟ أدبٌ؟ لا فرقَ عندها..." فكَّرَ كم من مرةٍ حاولَ أن يشرحَ لها أنَّ ما يقولُهُ ليسَ فذلكةً، بل خُلاصةُ رجلٍ أنهكتْهُ الحروفُ ومزَّقتْهُ الندامةُ. هو لم يُصحِّحْ لها، كثيرونَ يخلطونَ بينَ الأدبِ والفلسفةِ، ويَحسَبونَ أصحابَ الكَلِمِ فئةً من المجانينِ المُتأنِّقينَ بالحروفِ. لكنهُ اليومَ، لم يكنْ في مِزاجِ جِدالٍ.
قالَ، بِنبرةِ شاعرٍ هزمَهُ الشعورُ:
"تطلبينَ مني ألا أذكرَها... وكيفَ أُطفِئُ نارًا كانتْ يومًا روحي؟ وكيفَ أنسى؟ وقد قالَها المتنبي قبلي: (ومَن يَسْكُنِ الروحَ كيفَ القلبُ ينساهُ؟)"
ثمَّ تابعَ بعدَ لحظةِ صمتٍ سادتْ بينَهما:
"كلما حاولتُ أَقنعتُ نفسي أن النسيانَ رحمةٌ، صفعتْني ذاكرتُها في وجهي... أنا لم أنسَ، ولا أستطيعُ التظاهرَ بذلكَ. وكلُّ بيتِ شِعرٍ أُدرِّسُهُ... يُعيدُني إليها."
ردَّتْ، وهي تُزيحُ خِصلةً من شعرِها في ضيقٍ:
"كُفَّ عن فَلْسفتِكَ... عن أشعارِكَ المسمومةِ... ما كُنتَ يومًا نبيًا حتى تَعِظَني بأبياتِ غيرِكَ!"
ابتسمَ بسُخريةٍ فيها مرارةٌ وقالَ:
"صحيحٌ... ما أنا إلا قبرٌ أنيقٌ، دُفنَ فيهِ شاعرٌ... ودُفنتْ معهُ روحُهُ."
ثمَّ نهضَ يَجُرُّ قدميهِ بتثاقلٍ باتجاهِ غُرفتِهِ. دخلَ ودخلتْ هي خلفَهُ، وأغلقتِ البابَ بهدوءٍ. تمدَّدَ على السريرِ، وسرعانَ ما نامَ نومةَ الكَرَى. والتي كانتْ تُراقبُهُ واقفةً استلقتْ هي أيضًا في مكانِها بجانبِهِ، وكلُّها يقينٌ أن هذهِ الليلةَ لن تمرَّ على خيرٍ بسببِ هَذَيانِهِ. فسَدَّتْ أُذنيها بوسادةٍ لتتجنَّبَ العِراكَ معهُ، كونَها تخرجُ دومًا منهُ الخاسرةَ، بفؤادٍ مُحطَّمٍ وكبرياءَ مجروحٍ وغضبٍ يُرافِقُها طوالَ اليومِ.
كان في النومِ عندَهُ حياةٌ أخرى، فيهِ تحضرُ حبيبتُهُ ويستحضرُها بقوةٍ في أحلامِهِ. بعضُها يرى فيها أن اللقاءَ بينَهُ وبينَها تجدَّدَ، وقد سامحتهُ على خيانتِهِ وجميعِ أفعالِهِ، وعادتْ إليهِ، وزادتْ بينهما المحبةُ. والبعضُ الآخرُ... سيناريوهاتٌ لنهايةٍ سعيدةٍ بينَهُ وبينَها، كنهايةِ الأفلامِ الرومانسيةِ والرواياتِ العاطفيةِ التي تنتهي بأن يعيشَ العاشقانِ مع بعضِهما حتى المَماتِ في سلامٍ وأمانٍ. عقلُهُ يرسُمُها بدقةٍ، وقلبُهُ يَنبضُ لها فَرَحًا بسرعةٍ، وهنا يبتسمُ ويفتحُ فمَهُ كالمَعتوهِ. في لحظاتٍ كهذهِ تهللتْ أساريرُهُ بعُمقِ وجمالِ خيالِهِ وأحلامِهِ، كأنهُ على وشكِ أن يُصدِّقَ أنَّ ما حلمَ بهِ قد حدثَ في الواقعِ. يحدثُ هذا معهُ كثيرًا، حيثُ يتمنَّى ألا يستيقظَ.
لكنْ سرعانَ ما تصفعُهُ الحقيقةُ عندما يفتحُ عيونَهُ ولا يجدُها بقُربِهِ! فتتبدَّدُ أحلامُهُ عندما يرى أن المستلقيةَ بجانبِهِ "زوجتُهُ"، فيستفيقُ على واقعٍ مريرٍ، وعلى وجهِ أكثرِ امرأةٍ يكرهُها ويَمقُتُها. يَزُمُّ شفتيهِ حزينًا، ويَعبَسُ وجهُهُ كئيبًا، فتخرجُ هي من الغرفةِ صافعةً البابَ بقوةٍ وهو ينهضُ من مكانِهِ، لا يَهُمُّهُ غضبُها وانزعاجُها، يراها شخصًا محتومًا في حياتِهِ. لتغضبْ! ما شأنُهُ بها؟ حبيبتهُ أهمُّ منها! وبعدها ينهضُ من فراشِهِ، يَسحبُ دفترَهُ، أي مُذكَّراتِهِ، ويكتبُ فيها مشاعرَهُ وأحاسيسَهُ. لذلكَ، لمن يُريدُ أن يعرفَ ماضيَهُ، عليهِ بقراءةِ مُذكَّراتِهِ! غريبٌ أمرُ هذا الرجلِ للسامعِ والناظرِ! لا ريبَ في ذلكَ. لكنهُ ليسَ وحدَهُ في هذا، فهناكَ مَن مِثلُهُ، من البائسينَ المُتشائمينَ، منهم مَن يرثي وينوحُ، يكتبُ ويَبوحُ. وقد شهدنا هذا في قصصٍ كثيرةٍ حقيقيةٍ كانتْ أو خياليةٍ. أليسَ هذا فِعلَهُ بهم الفراقُ والندمُ على ما فاتَ؟! قيسُ مع ليلى في الثقافةِ العربيةِ القديمةِ، وحديثًا نجدُ نزارَ قباني بكى زوجتَهُ بلقيسَ عندما وافتْها المَنيَّةُ إثرَ حادثِ انفجارٍ، فكتبَ عنها ما كتبَ. قصائدُ فاروقِ جويدةَ، رسائلُ جبرانَ ومي زيادةَ! كرمُ وآصلةُ في الثقافةِ التركيةِ، هو كان شاعرًا جوّالًا أحبَّ آصلةَ الفتاةَ النصرانيةَ. ناظمُ حكمتَ بكى زوجتَهُ بيرايَ. قصةُ جمالِ سُرَيّا وسيفدا. وغيرُهُم الكثيرُ منهم في ثقافاتٍ وبيئاتٍ أخرى، حتى ولو اختلفتْ قصصُهُم وأسبابُهُم وطريقةُ تعبيرِهِم، فإنَّ القاسمَ المُشتركَ بينهم هو الفراقُ ونقطةُ الالتقاءِ فيما بينهم هي الاشتياقُ!
.
.
.
الساعة السابعة ونصف صباحًا:
صباحٌ جديدٌ يُشرقُ على الجميعِ، وكلٌّ لهُ حالُهُ ومُخطَّطاتُهُ، وأوجاعُهُ الصامتةُ، وأقنعتُهُ اليوميةُ التي يُحسِنُ ارتداءَها. ورغمَ أن الصباحَ حَلَّ، ظلَّ الضوءُ خافتًا خلفَ ستائرِ الغيومِ الرماديةِ، وكانتْ قطراتُ المطرِ ترتطِمُ بزجاجِ النوافذِ بإيقاعٍ هادئٍ. استفاقَ ألتان رورغاز من نومِهِ بعدَ أن انقطعَ حُلمُهُ الجميلُ الذي تمنَّى أن يكونَ حقيقةً. تنهَّدَ، جلسَ على طرَفِ السريرِ، وضعَ يدَهُ على وجهِهِ كأنهُ يَغسِلُ ندمًا لا ينتهي. تنفَّسَ بعُمقٍ، اتجهَ إلى الحمّامِ، غسلَ وجهَهُ، وتفحَّصَ تجاعيدَهُ في المرآةِ، رتَّبَ شعرَهُ، وعدَّلَ ياقةَ قميصِهِ كمَن يستعدُّ لعَرضٍ تمثيليٍّ. ثمَّ عادَ بخُطىً هادئةٍ نحو غُرفتِهِ وقرَّرَ الخروجَ كعادتِهِ، فرياحُ نوفمبرَ الباردةُ تنتظرُهُ. لكنْ هذهِ المرةَ ليسَ خروجَهُ للتنَزُّهِ، بل ليُدَرِّسَ.
لم يأخذْ معهُ شيئًا سوى حقيبةِ تدريسِهِ ودفترِهِ الجلديِّ الأسودِ القديمِ ذاكَ الذي التصقَ بهِ كما يلتصقُ الجرحُ بجِلدِ صاحبِهِ، الذي كانَ وَثِقَ فيهِ قصةَ حُبِّهِ من بدايتِها إلى نهايتِها. إن كانتْ زوجتُهُ قد مَزَّقتْ بعضَ الصفحاتِ بسببِ غيرتِها المُفرطةِ! سحبَ مِعطفَهُ الرماديَّ، ووضعَ القُبعةَ على رأسِهِ، ثمَّ خرجَ.
بحلول الساعة الثامنة صباحًا: رنَّ الجرسُ في إحدى الثانوياتِ مُعلنًا بدايةَ الحِصَّةِ الأولى.
في القاعةِ - الأولى الصف الثالث الثانوي - كانتْ آيسون جالسةً في مقعدِها قربَ النافذةِ، وإلى جِوارِها صديقتُها دينيز تمضغُ قطعةَ عَلْكَةٍ بصوتٍ خافتٍ وتُراقبُ بابَ القسمِ.
"أظنُّ أنه سيدخلُ بعدَ انتهائي من العَدِّ للرقمِ ثلاثةٍ..." قالتْ دينيزُ بترقُّبٍ.
آيسونُ رمشتْ ببطءٍ، لم تُجِبْ، لكنها تركتْ عينَها مُعلَّقةً ببابِ القسمِ.
"واحد؛ اثنان؛ ثلاثة..."
وفعلًا... دخلَ أستاذُ الأدبِ إلى القسمِ. بعدَ وقوفِهِ عندَ المدخلِ لثوانٍ، وكأنهُ يلتقطُ أنفاسَهُ من عبورٍ طويلٍ في ذاكرتِهِ، خَطا إلى الداخلِ بخُطاهُ المُعتادةِ، خطواتُهُ الهادئةُ كأنهُ لا يخطو بل ينسابُ، واتجهَ مُباشرةً إلى مكتبِهِ. بطولِهِ البارزِ، مرتديًا مِعطفًا رماديًا داكنًا طويلًا فوقَ قميصٍ أسودَ، كأنهُ عائدٌ من الزمنِ الغابرِ. جلسَ في المكتبِ ووضعَ حقيبةَ تدريسِهِ، وأخرجَ أقلامَهُ. لم يكنْ من الأساتذةِ الذينَ يُحضِّرونَ دروسَهُم في البيتِ، بل كانَ يُلقيهِ على سليقتِهِ.
نهضَ من مكانِهِ وجالَ بعينيهِ في وجوهِ طُلابِهِ لكي يبحثَ عن شبيهةِ حبيبتِهِ "آيسون". فَلَمَحَها بجانبِ صديقتِها كالعادةِ. لم تُلاحظْ آيسونُ ذلكَ، ولنَقُلْ لأنها تعمَّدتْ هذا، لا تُريدُ أن تصطدِمَ بنظراتِهِ ويُعكِّرَ صَبْحِيَتَها. وها قد وجدتْ في مُشاركةِ صديقتِها دينيز تعليقاتِها الساخرةَ ما يُلهيها ويُشتِّتُ انتباهَها عنهُ وعن نظراتِهِ الوقحةِ كما تصفُها.
قرَّبتْ أُذنَها لدينيزَ التي كانتْ تَهمِسُ وهي تميلُ نحوها:
"واللهِ لو كانَ الأدبُ رجلًا... لكانَ هو!"
ضحكتْ آيسونُ، لكنْ دونَ صوتٍ، وأجابتْ دونَ أن تَلتفِتْ:
"كأنهُ إلياذةُ هوميروس، يحملُ في مَتنِهِ تاريخًا مُتنوعًا!"
أضافتْ دينيزُ بصوتٍ خافتٍ وهي تَكتمُ ضَحكتَها:
"هههه ربما القصائدُ التي تُعرفُ بالمُعلَّقاتِ في العصرِ الجاهليِّ هي التشبيهُ الأنسبُ لهُ، لا سيما أنهُ مولعٌ بالأدبِ العربيِّ! كم تَظُنينَ عُمرَهُ؟ خمسونَ سنةً؟ أكثرَ ربما؟"
"لا أعلمُ، لكنَّ الزمنَ يبدو وكأنهُ مَرَّ عليهِ طويلًا، كأنهُ عائدٌ من الزمنِ الغابرِ."
أَمَلتْ، شبَّكتْ أصابعَها ومالتْ أكثرَ نحو آيسون:
"ثمَّةَ حُزنٌ غريبٌ في عينيهِ... كأنهُ فَقَدَ شيئًا عزيزًا عليهِ وينتظرُ عودتَهُ."
لم تُجبْها، لكنها كانتْ تُنصِتُ وتُفكِّرُ. كانَ هناكَ ما يُثيرُ دهشتَها في نظراتِ هذا الأستاذِ، لا سيما حينَ تَطُولُ وقفتُهُ عندَ مقعدِها.
أضافتْ دينيزُ، بنبرةٍ مُندهشةٍ:
"أنتِ تُلاحظينَ أنهُ يُطيلُ النظرَ إليكِ... لا يفعلُها مع أحدٍ سِواكِ... لماذا في رأيِكِ؟"
آيسونُ، بصوتٍ مُنخفضٍ شابتهُ الحيرةُ:
"اممم... ربما أُشبهُ لهُ أحدًا... أو أُوقظُ فيهِ ذكرى نائمةً."
قالتْ دينيزُ، وقد زادَ الفضولُ في عينيها:
"أَتَحسَبينَ أن لهُ ماضيًا يُشبهُكِ؟ أو يعرفُكِ بطريقةٍ ما؟"
سكتتْ برهةً ثمَّ أكملتْ بنبرةٍ خافتةٍ:
"لا يغضبُ منْكِ أبدًا، حتى حينَ تتجاهلينَ درسَهُ، أو تُعيدينَ السؤالَ مرتينِ... أنا نفسي رفعتُ صوتي عليهِ مرةً فخَصَمَ لي نقاطًا، وأنتِ... لا شيءَ. أَتظنينَ أنهُ يرى فيكِ شيئًا لا نراهُ؟"
صمتتْ آيسونُ قليلًا ثمَّ رَدَّتْ:
"أظنُّ أنهُ يُطيلُ النظرَ لأنني موجودةٌ... في ملامحَ أخرى يعرفُها. كأنهُ لا يراني، بل يرى بي شيئًا من امرأةٍ بعيدةٍ... ربما أحبَّها، أو خانتْهُ، المهمُّ أنها كانتْ تُشبهُني، لا أعلمُ... وهذا الاستنتاجُ الذي توصَّلتُ إليهِ البارحةَ عندما صادفتُهُ في الحديقةِ بعدَ مُحاولاتي العديدةِ لتفسيرِ نظراتِهِ لي."
تنهَّدتْ دينيزُ وقالتْ:
"لكنهُ لماذا لا يقولُ شيئًا؟ لماذا لا يُلمِّحُ، لا يبتسمُ حتى؟... فقط ينظرُ."
"لأنَّ بعضَ الحنينِ لا يُقالُ، وبعضَ الشوقِ لا يُعاشُ إلا من بعيدٍ."
في تلكَ اللحظةِ، نظرَ إليهم جميعًا، ثمَّ قالَ وهو يُلقي بيتًا شِعريًا كعادتِهِ بِنبرةٍ هادئةٍ:
"يا مَن هواكِ أصابني، فاستقرَّ بي... وجعلتُ قلبي في يديكِ خريطةً للمُنى."
ثمَّ سكتَ... ورفعَ عيناهُ نحوها. كانتْ نظرةً عميقةً، مُتروِّيةً، كأنهُ يَستعيدُ في وجهِها شيئًا من ذاكرةٍ قديمةٍ.
رفعتْ آيسونُ عينيها نحوَهُ، لم تَشُحْ بنظرِها. وكانَ هو ينظرُ إليها، لا كمُعلِّمٍ لطالبةٍ، بل كقارئٍ لصورةٍ محفوظةٍ في الذاكرةِ. الزمنُ توقَّفَ بينَهما لحظةً، ثمَّ عادَ ليُكملَ الدرسَ الذي لم تَسمَعا منهُ شيئًا.
دينيزُ كانتْ تَرمُقُ المشهدَ من مقعدِها بجانبِ آيسون، وسارعتْ بالهمسِ:
"هل رأيتِ؟ حتى اليومِ، لا يزالُ يفعلُها."
آيسونُ رفعتْ حاجبَها بلا اكتراثٍ:
"دَعيهِ وشأنَهُ."
دينيزُ ابتسمتْ وقالتْ، وهي تُراقبُ الأستاذَ يَشرحُ دونَ أن يرفعَ صوتَهُ:
"أظنُّهُ يُشبهُ فاروقَ جويدةَ، يتكلَّمُ عنهُ كثيرًا... كُلَّما نظرتُ إليهِ، شعرتُ أنهُ لا يعيشُ بيننا تمامًا... وكأنَّ قلبَهُ عالقٌ في امرأةٍ لم تكتملْ قصتُهُ معها كما ينبغي وكما أرادَ."
ثمَّ اقتربتْ أكثرَ، وهمستْ كمَن يُفشي سرًا:
"وربما أنتِ... تَملكينَ ملامحَ تلكَ المرأةِ. ربما صوتُكِ، عيناكَ، طريقةُ جلوسِكِ... شيءٌ ما يُذكِّرُهُ، ولا يُريدُ نسيانَهُ."
آيسونُ نظرتْ إلى الأستاذِ بصمتٍ، ثمَّ أخفضتْ عينيها ورَدَّتْ:
"إذًا... أنا ظِلُّ امرأةٍ؟ مُجردُ استدعاءٍ لذاكرةٍ لم أُشاركْ في صنعِها؟"
"أَتَعلمينَ؟ الظلالُ أحيانًا أطولُ من الأصلِ... وقد يَشتاقُ المرءُ للظِلِّ، لأنهُ لن يستطيعَ أن يلمسَ الأصلَ يومًا." أجابتْ دينيزُ بثقةٍ.
تأمَّلتْ آيسونُ كلماتِ صديقتِها، وشَرَدَتْ للحظةٍ، بينما الأستاذُ يُواصلُ شرحَهُ، ونظراتُهُ تمرُّ عليها دونَ أن تَستقرَّ.
همستْ دينيزُ وهي تتأمَّلُ الأستاذَ من بعيدٍ، وقد وقفَ يشرحُ أحدَ النصوصِ الشعريةِ بانغماسٍ شديدٍ:
"أحيانًا أُشفقُ على حالِهِ، لا أعرفُ لماذا... لكنني أشعرُ أن وراءَ عينيهِ سِرًّا لم يُكشَفْ بعدُ. كأنَّ قلبَهُ ما زالَ عالقًا في زمنٍ آخرَ، كأنَّ هذا الرجلَ... لن يُشفى أبدًا."
سكتتْ للحظةٍ، ثمَّ أضافتْ بصوتٍ هادئٍ ممزوجٍ بالشفقةِ:
"أحيانًا، تُراودُني رغبةٌ في معرفةِ قصتِهِ. ربما لديهِ مُذكَّراتٌ... الأدباءُ يفعلونَ ذلكَ، يكتبونَ كي لا يموتوا من الحنينِ."
آيسونُ التي كانتْ تعبثُ بسوارٍ في مِعصمِها، نظرتْ إليها وقالتْ ببرودٍ مَشوبٍ بالفضولِ:
"مُذكَّراتٌ؟ أينَ تتوقَّعينَ أنهُ يُخبِّئُها؟"
"في مكتبِهِ؟ دُرْجٌ مَخفيٌّ؟ أو تحتَ الطاولةِ ربما؟" رفعتْ حاجبَها وأضافتْ بشِبهِ ابتسامةٍ: "نَسرقُها؟"
اتَّسعتْ عينا دينيزَ بَدَهشةٍ:
"نَسرقُها؟! لا يُعقلُ يا سوسو... تلكَ أسرارُهُ! خصوصياتُهُ!"
رَدَّتْ بهدوءٍ، وهي تُراقبُ الأستاذَ من بعيدٍ:
"عادي... سأ... أقرأُها لو وجدتُها. أُريدُ فقط أن أفهمَ، أن أعرفَ مَن هي تلكَ التي يراها كُلَّما نظرَ إليَّ. ربما لو عرفتُ قصتَهُ... سأكُفُّ عن الشعورِ بهذا الانزعاجِ حينَ يُحدِّقُ فِيَّ."
دينيزُ ظلَّتْ صامتةً، تنظرُ إلى صديقتِها بعينينِ حائرتينِ، بينَ الفضولِ والغرابةِ. ثمَّ همستْ:
"لو فتحتِ ذلكَ البابَ، لن يَنغلِقَ بسهولةٍ. بعضُ الأسرارِ لا تُروى... إلا إذا كانتْ تُريدُ أن تُكتَبَ من جديدٍ."
"أنتِ في الخلفِ يا دينيزُ، توقَّفي عن الكلامِ وانتبِهي للدرسِ." خرجَ الأمرُ من حَلقِهِ بِنبرةٍ عاليةٍ غاضبةٍ.
انتفضتْ دينيزُ من مكانِها، وشبَّكتْ يدَها على الطاولةِ، وانتبهتْ معهُ، وبَلَّلتْ شفتيها ثمَّ رَمَقَتْ آيسون بنظرةٍ جانِبيةٍ، كأنها رسالةٌ صامتةٌ تُخبرها فيها أنهُ يتستَّرُ عليها لأنها لم تكنْ وحدَها التي كانتْ تتكلمُ!
مرةً أخرى رنَّ الجرسُ، لكنْ هذهِ المرةَ مُعلنًا نهايةَ الحِصَّةِ، التي يبدو أنها طالتْ على الجميعِ، حتى على المُدرِّسِ. ارتفعتْ بعضُ الهمهماتِ الخافتةِ من الطلبةِ أولًا، ثمَّ بدأتْ بينهم الهمساتُ شيئًا فشيئًا، ثمَّ راحوا يتبادلونَ أطرافَ الحديثِ مع بعضِهِم، ممزوجةً بضحكاتِهِم. حتى ضَجَّتِ القاعةُ بصَخَبِ التلاميذِ وكأنهم في الفُسحةِ.
آيسونُ من ناحيتِها كانتْ تبدو مُتوترةً، تترقَّبُ خروجَ الأستاذِ لكي تذهبَ للحمّامِ. دينيزُ، التي لاحظتِ التوترَ في حركتِها، سألتْها بنبرةِ استغرابٍ:
"ما بكِ؟ تبدينَ مُتوترةً."
فأجابتْ آيسونُ بحَرَجٍ:
"أُريدُ الذهابَ للحمّامِ... مُضطرةٌ!"
كانَ أستاذُ الأدبِ يَضُبُّ أغراضَهُ بسرعةٍ وإهمالٍ، غيرَ آبهٍ لما يحدثُ حولَهُ من ضجيجِ طُلابِهِ. بعدَ انتهائِهِ، خرجَ وسارَ في الممرِّ. كانتْ آيسونُ تسيرُ خلفَهُ، تتمعَّنُ في مِشيتِهِ وظهرِهِ. بَدا وكأنهُ تائهٌ في الممراتِ، نظراتُهُ شاردةٌ هنا وهناك. انحنى بظهرِهِ قليلًا لِيَسعُلَ، ثمَّ رفعهُ بشُموخٍ كعادتِهِ.
كانتْ آيسونُ تُراقبُ كلَّ هذا، وشيءٌ ما في داخلِها يُريدُ أن يَعرِفَهُ أكثرَ، لا كأستاذٍ، بل كإنسانٍ، رجلٍ يحملُ حُزنًا عميقًا في عينيهِ، وكآبةً جَسيمةً تُثقلُ كاهلَهُ، والأهمُّ من كلِّ هذا نظراتُهُ إليها بتلكَ الطريقةِ التي لا تُفسَّرُ. وبينما هذهِ الأسئلةُ تَشغلُ رأسَها... فجأةً وَقَعَ من حقيبتِهِ شيءٌ كورقةٍ عندما كانَ يستعدُّ لنزولِ الدَّرَجِ، دونَ أن ينتبهَ. عَبَثَتِ الريحُ بحركةِ الورقةِ حتى وصلتْ أمامَ قَدَمَيها، فانحنتْ تحملُها وتتفحَّصُها بينَ يديها. كانتْ "صورةً". حدَّقتْ فيها بدهشةٍ صامتةٍ طويلًا...
كانتْ صورةً بالأبيضِ والأسودِ، قديمةً قليلًا، يبدو أنها مُلتَقَطةٌ بعنايةٍ، مُؤرَّخةٌ بخطِّ يدٍ سنةَ "1997" قبلَ ميلادِها بعامٍ. وفيها يقفُ هو، الأستاذُ، بشبابِهِ، بشعرٍ داكنٍ الذي خَفَّ الآنَ، وابتسامةٍ بَشوشةٍ على مُحيَّاهُ لم تَرَها من قبلُ. لكنهُ لم يكنْ وحدَهُ، كانتْ بجانبِهِ امرأةٌ. امرأةٌ ملامحُها أقربُ ما تكونُ إلى آيسون نفسِها. شعرٌ أسودُ طويلٌ مُموَّجٌ يَنسدِلُ بانسيابٍ على كتفيها، عيونٌ سوداءُ، ابتسامةٌ جانبيةٌ غامضةٌ، نفسُ النظرةِ المُتردِّدةِ. تُشبهُها... حتى في الهالةِ المُحيطةِ بها. كانتْ تُشبهُها كثيرًا... إلى حدِّ التطابقِ تقريبًا.
"لماذا يحتفظُ بها؟ مَن تكونُ هذهِ الغريبةُ التي تُشبهُني وتقفُ إلى جانبِهِ؟ هل كنتُ أنا في زمنٍ آخرَ؟ لماذا تُشبهُني إلى هذا الحدِّ؟ هل هذهِ مُجردُ مُصادفةٍ؟"
حاولتْ آيسونُ تفسيرَ ما يحدثُ معها فقالتْ في نفسِها:
"يَخلقُ من الشَّبَهِ أربعينَ. فقط تشابُهٌ، لا غيرُ... هذهِ مَحضُ صُدفةٍ، لا أكثرَ."
لكنَّ شيئًا ما في داخلِها كانَ يُؤكِّدُ وهي تتجاهلُهُ: "أنهُ ليسَ مُجردَ أربعينَ... وأنَّ ما يحدثُ معها ليسَ صُدفةً."
.....
|وهكذا إنتهى هذا الفصل..|
|شاركوني آرائكم أعزائي و توقعاتكم لقادم.. |
●●●
~لا تستعجل ...
الحريق، فالنار تبدأ بشرارة خفية~
~وما كان مجرد صدفة... سيتحول إلى قدرٍ لا مفرّ منه~
...
لا تنسو التصويت☆
...
_من قلبي... كاتبتكم ♡
سديم 'ے