"ولَهْ في القَلْبِ ما لا يَجوزُ لِغَيْرِهِ،
وَفِي النَّبْضِ نَبْضٌ على سِواهُ مُحَرَّمٌ."
..مـَــنـْقُولْ🖤
********
🦋..إضغطوا على نجمة صغيرة ..
..وعلقوا بين فقرات هناك أفكار وأحداث مهمة في هذا الفصل ..🦋
♡..
"كما أني عدت للكتابة في هذه الرواية ستنتهي بإذن الله مع نهاية ديسمبر"
..♡
****
|28 نوفمبر 2015|
مُنكفِئَةٌ في زاويةٍ من زوايا ممراتِ الشارعِ، تَضُمُّ ركبتيها إلى صدرها، وتَلُفهما بذراعيها، حقيبةٌ في حِجْرها. لو كانت نُفاخةً، لَانْفَجَرَت من كثرةِ الضغطِ عليها. تتابعُ تساقطَ قطراتِ المطرِ التي تشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ تساقطَ عَبَرَاتِها في هذه الأثناء. ربما الشَّبهُ في الحركةِ البطيئةِ؛ قطرةٌ تَليها قطرةٌ، فبَدَتْ وكأنها تنزلقُ تمامًا كدموعها. منظرُ المطرِ كان جميلًا في رأيي، بدا هكذا لأنه يعكسُ صورةَ الحزنِ العميقِ. وهي كانت جميلةً وفي داخلها حزنٌ عميقٌ.
مِن المؤلمِ أن ترى إنسانًا يتألمُ، ومؤلمٌ جدًا أن تتألمَ على شخصٍ يتألمُ، والأكثرُ إيلامًا أن هذا الشخصَ يُؤلمُ شخصًا آخرَ مِن المفروضِ أن يكونَ حاجزًا أمامَ ألمهِ! كنتُ أظنُّ أن الذين يملكون آباءً لا يعانونَ الألمَ إطلاقًا، ونسيتُ أن بعضَ الظنِّ إثمٌ. رأيتُ ذلك اليومَ بوضوحٍ: أستاذَ الأدبِ مع ابنتهِ. رأيتُ وأحسستُ، تألمتُ، بكيتُ، لا أنكرُ أني بكيتُ. بكيتُ كثيرًا، وسقطتْ لأثرها دموعي التي لم تسقطْ منذُ زمنٍ طويلٍ. أُدركُ جليًا مقدارَ ألمِ أستاذِ الأدبِ لأني لطالما قرأتُ ذلك في عينيهِ اللتينِ يسكنهُما حزنٌ عظيمٌ؛ حقًا أنا لا أعلمُ مقدارَ الكُرْبَةِ التي تَعْتَليهِ، لكنْ يتضحُ لي من أفعالِهِ أن واقعَها عليهِ شَرِسٌ إلى حدٍّ كبيرٍ، إلى حدٍّ يكادُ يفتكُ بهِ. وأظنُّ أنها فتكتْ بهِ، لكنها فقط لم تُنهِهِ. ما الذي أبقَتْ لهُ؟ فهو كالجسدِ بلا روحٍ، بلا عقلٍ، بلا وعيٍ. لا أعلمُ الابتلاءَ الذي غلّفهُ بالبرودِ إلى درجةِ التجمُّدِ، حتى باتَ لا يُحِسُّ بما حولَهُ. حقًا، لا أستطيعُ أن أنكرَ أن حياتهُ في ظاهرِها عَصِيبَةٌ، مُستعصِيَةٌ، غامضةٌ، مُريبةٌ، مُمِلَّةٌ، عجيبةٌ وغريبةٌ.
دائمًا ما كنتُ أتألمُ لألمهِ، ولطالما انتظرتُ الفَرَجَ الذي سيُخلِّصُهُ من حالهِ هذهِ منذُ عرفتُهُ. لكنْ ما أشدَّ إيلامَ ألمي حين اتضحَ لي أني كنتُ أتألمُ لألمهِ، ومع ذلك كان يؤلمُ مَن حولَهُ، منهم هُمْ الأقربُ إليهِ، كابنتِهِ التي شهدتُ على معاملتِهِ الجافيةِ لها. أحسستُ أني جانيةٌ معهُ؛ كأني كنتُ أُنصِفُهُ بمجردِ أنه يتألمُ، ولكنَّ الحقيقةَ: جزءًا بسيطًا من ألمُ ابنتِهِ في تلك اللحظاتِ أضْعافُ ألمهِ كلهِ أضعافًا كثيرةِِ.
هل يُحِسُّ بألمِ الألَمِ؟ وإن كان ذلك صحيحًا، فلماذا يُؤلِمُ مَن هي مِن صُلبِهِ؟ أم أنه حقًا مجنونٌ؟ لا يهمني إن كان يشعرُ بهذا أم لا، لكنه أصبحَ في نظري أنانيًّا! قد يكونُ حُكمي هذا عليهِ مؤقتًا إلى أن أعرفَ الأمرَ الجَلَلَ الذي جرَّدهُ من إنسانيتِهِ وجعلَهُ باردًا، ربما في ذلك سأشفقُ عليهِ، وربما أغضبُ منهُ، أو ربما الأكثَر: سأكرههُ.
اليومَ تدنَّستْ صورةُ الأبِ المثالي التي كنتُ دائمًا أرسمُها. أهمسُ بها بمرارةٍ وأنا أخاطبُ نفسي وأنا أَجْهَشُ بالبكاءِ. لكنْ رغمَ ذلك لم أكرهْ أبي إطلاقًا، بل رغبتُ في معرفةِ كلِّ شيءٍ عنهُ. لا أعلمُ حقًا لماذا يُلِحُّ عليَّ هذا السؤالُ، أظنُّ أنه نوعٌ من الاشتياقِ: "أشتاقُ إليكَ يا أبي!"
أدركتُ اليومَ كما لم أُدركْ من قبلُ أن الحياةَ غريبةٌ في الأخذِ والعطاءِ؛ فما عندَكَ قد يُؤلمُكَ، وشخصٌ آخرُ يتمنى أن يكونَ عندَهُ ما عندَكَ دونَ أن يعلمَ أنهُ يُؤلمُكَ. فمثلًا أنا لطالما سَرَتْ فِيَّ الغيرةُ ممَّن لديهِ آباءٌ دونَ أقصدَ ذلك، هي هكذا شعورٌ يأتي هكذا، ليس حسدًا أبدًا، فليحفظِ اللهُ الآباءَ في كلِّ هذا العالمِ. لكنْ كنتُ أشعرُ بسُخطٍ لأنَّ الحياةَ حرمتني منهُ، حرمتني من مصدرِ السعادةِ، وها الآنَ أنظرُ إلى نَفِيسَةَ وعلاقتِها مع والدِها، إنه الآنَ في نظرِها أبٌ سيئٌ وستكرهُهُ، أما أنا فأبي غيرُ موجودٍ لكني أحبُّهُ، ولو كان حيًا، هل كنتُ سأكرهُهُ؟
لطالما ظننتٌ أنِي أُعَانِي لأن ليس لي أبٌ، لهذا كانت صورةٌ مرسومةٌ في ذهني عن آباءٍ مثاليةٍ؛ فالحياةُ تُصبحُ سهلةً بوجودِهِ، فمَن لديهِ أبٌ لديهِ سَنَدٌ، كَتِفٌ، لمواجهةِ الحياةِ، لأنهم حاجزٌ أمامَ كلِّ ما سيُؤذينا. لكنْ قناعتي انزاحتْ الآنَ بعدَ ما رأيتُهُ.
أسندتْ رأسَها على الحائطِ وهي تتذكرُ، ودموعُها ما زالتْ تنسابُ. كانتْ هناكَ ابنتُهُ بشعرِها الأشقرِ الذي تعبثُ بهِ الرياحُ، تقفُ أمامَهُ وهو جالسٌ كعادتِهِ في كرسيٍّ مُهترئٍ في الحديقةِ، بعدَ أن كانت نيتي إعادةَ مُذكَّرتِهِ بعدَ صراعاتٍ عويصةٍ في داخلي بينَ الفضولِ وتأنيبِ الضميرِ. تبدَّدتْ نيتي آنذاك، ووقفتُ مشدودةً، مصدومةً مما تُشاهدُهُ عيناي. ابنتُهُ تبكي بحُرقةٍ، دموعٌ تتدفقُ من عينِها كشَّلالٍ. لم يُكَلِّفْ نفسَهُ عناءَ مَسْحِها، ولا ضَمَّ ذلك الجسدَ الهزيلَ الذي يرتجفُ، فقط كان يَرمُقُها بتلك النظرةِ الشاردةِ دونَ أن يرأفَ بحالِها. الرياحُ كانت تعصِفُ مِن حولِها، تعبثُ بملابسِها، كأنها تُحاولُ ضَمَّها وتجفيفَ دموعِها؛ حتى الجمادُ تحرَّكَ وهو لا. سمعتُ صوتَها الكسيرَ الذي كانت تَتَرَجَّى بهِ كأنها تستنجدُهُ، ورأيتُ ردَّةَ فعلِهِ الباردةَ. صوتُها زَلْزَلَ كياني، واستشاطَ لهُ فؤادي، لكنَّهُ هو لم يُحَرِّكْ فيهِ ساكنًا. كيفَ يمكنُ بعدَ هذا الموقفِ أن تستمرَّ في حُبِّهِ؟ أم أنَّ قلبَ الابنةِ أو المرأةِ عامةً هكذا دومًا، يُعطي بسخاءٍ ولا ينتظرُ الكثيرَ؟
ولكَ أن تتخيلَ تلكَ البَلاَّدة، كأنَّ أحدهمِ اقتلعَ قلبَهُ ووضعَ في مكانِهِ حجرًا. سمعتُ كلَّ ما قالتهُ: لم تستطعْ تركَ والدِها هنا وحدَهُ، أمُّها ستهجُرُهُ بسببِ جفائِهِ، بسببِ المرأةِ التي لم تُغادِرْهُ يومًا يَخُونَها مَعها في صَباحِ ومَساءِ عَلنًا وسرًا؛ في الدَاخلِ والخَارجِ ...
وهي كانت تتراجى أن يوقِفَها، أن يأتيَ معهم، أن يطلبَ السماحَ مِن أمِّهِم، أن ينسى أمرَ تلك المرأةِ ويبدأَ معهم حياةً جديدةً، لكنهُ يأبى، وكأنَّ محاولةَ اقتلاعِ تلك المرأةِ جريمةٌ! كأنها ذكراهُ، الشيءُ الوحيدُ الذي يعيشُ مِن أجلِهِ. يبدو أن تلكَ المرأةَ تسكنُ كلَّ مكانٍ وفِي كلِ خَلِيَّةِِ من خَلَّايَا جَسَده : قلبَهُ، عقلَهُ، فكرَهُ، بيتَهُ، في مُذَكَّرَةٍ، في إسطنبول، الشارعِ الذي عبرَ فيهِ، في أيِّ مكانٍ جلسَ فيهِ، أو ينتمي إليهِ؛ هواء الذي تَنَفَسَه وعَبَر رِئَتَْينَا ..
وفي أنا بطريقةٍ ما. كان يرفضُ كلَّ مَن يرفضُ تعايشَهُ مع ذِكْراها، ليس بكلامٍ بل بنظراتِهِ. لطالما كانت نظراتُ عيونِهِ لغتَهُ الأمَّ؛ بها يحكي، بها يُعبِّرُ، بها يشتاقُ، بها يحلمُ، بها يُحَطِّمُ ويكسِرُ، بها يَخْذُلُ، بها يستفزُّ ويتركُ في حيرةٍ، بها يُعَلِّمُكَ أيضًا ويفتحُ عيونَكَ لأمورٍ لم تكنْ تُدرِكُها. غريبٌ أمرُ هذا الرجلِ إلى حدٍّ غريبٍ، غريبٌ لدرجةِ أنه يجعلُ كلَّ شيءٍ غريبًا. لا أظنُّ أن قلبًا غيرَ قلبِ تلك المرأةِ قد يحتويهِ. تُرَى مَن تلك المرأةُ؟ وماذا أعطتْ حتى خلَّفَتْ فيهِ هذا الأثرَ الجسيمَ؟ أم أن الأستاذَ بطبعِهِ ضعيفٌ؟ إنه باردٌ كبرودةِ ديسمبر؛ ديسَمبَريٌّ يُدَسْمِبِرُ كلَّ ما حولَهُ، يجعلُ كلَّ شيءٍ حزينٍ، كئيبٍ. آسفةٌ يا ديسمبر، لكنكَ أنتَ شهرُ النهاياتِ، لذلكَ أنتَ شهرٌ حزينٌ.
لاَ أعرفُ لماذا أُفَكِّرُ في هذهِ الأمورِ؟ ما شأني أنا بهِ؟ ثمَّ لماذا كنتُ في قلبِ الحدثِ وعرفتُ كلَّ شيءٍ قبلَ الجميعِ؟ هل أمرُهُ يخصُّني أكثرَ من أيِّ شخصٍ في حياتِهِ؟ هل أنا مثلًا في مَقامِ ابنتِهِ حتى أعرفَ؟ نَفَضْتُ هذه الأفكارَ عن رأسي وهمستُ بيني وبينَ نفسي بخفوتٍ مُحاوِلَةً تفسيرَ الأمرِ بمنطقيةٍ:
"لا بأسَ، الأقدارُ تعبثُ قليلًا".
لا أعلمُ لِمَا الأقدارُ تَحشُرُني في طريقكَ وتَسوقُني إليكَ بطريقةٍ أقربَ إلى الجنونِ، إلى حياتِكَ، عائلتِكَ، ماضيكَ، ولا أعلمُ لماذا أنا لم أُبعِدْكَ عني أيها السرُّ المريبُ؟
كنت عائدة إلى المنزلِ بعدَ مغيبِ الشمسِ، وإن كانتِ الشمسُ غائبةً طوالَ اليومِ. الجوُّ كان باردٌ، لكنْ ليسَ ببرودةِ المشهدِ الذي رأيتُهُ قبلَ قليلٍ، ليسَ بمقدارِ برودةِ قلبِهِ.
وصلتُ أخيرًا للبنايةِ، قرَّبْتُ المُذَكَّرَةَ من وجهي وعقدتُ حاجبي الأيسرَ وأنا أتأملُها.
"تُرَى ماذا الذي سيتغيَّرُ عندما أُكمِلُها؟" سؤالٌ باغتني فجأةً.
"آه، ألتان رورغاز، أنتَ في كلِّ مكانٍ، كنتُ أفكرُكَ في حاضركَ، والآنَ في ماضيكَ، وربما فيما بعدُ في مُستقبلِكَ!"
صرختُ بيني وبينَ نفسي.
"أنتَ وحبيبتُكَ..."
آه كَم أمقُتُ هذهِ الكآبةَ التِّي تَلْتَفُ حَوْلِي عِنْدما أستضيفُكَ في ذاكرتي. أظنُّ أنكَ سعيدٌ يا أستاذي بعدَ ما أفسدتَ يومي.
تجاهلتُ كلَّ هذا وطرقتُ البابَ ثلاثَ طرَقَاتٍ كانت كفيلةً بأن أسمعَ صوتَ خطواتِ تولين التي فتحتِ البابَ، ولم تُؤنِّبْني كالعادةِ متظاهرةً باهتمامِِ بِي .
.
.
.
.
دَخَلتُ إلى غرفتي مُسرعة أَضَأْتُ الإِنَارَة كان صوت المطر يرتطم بِزُجَاجِ نافذتي كاسرًا السُكُونَ..
رَميتُ حقيبتي المُبَلَّلة على السرير بعشوائية، لم أهتم بشيء حولي. كان جُلُّ اهتمامي مُنصَبًّا على المُذَكَّرة التي بحوزتي. شيءٌ ما يدفعني إلى قراءتها بقوة، وأنا بدوري لم أتجاهل هذا الإِلْحَاحْ بل طاوعتُه. لذلك، خَطوتُ خُطواتٍ مُتحمسة نحو مكتبي، ووضعتُها أمامي، لم أَفتَحْها في بادئ الأمر..
رشفتُ رشفةً من ماءٍ قبل ذلك، كنت أحتاج للماء لكي أستعيد أنفاسي التي كنت فقدت بعضها بسبب بُكَائِي. شربتُ كوبًا كاملًا دفعة واحدة، ووضعتُه بعيدًا عني دون تركيز فسقط، لكن لم أَرفعْه؛ كانت يداي قد حملتا بالمُذكَّرة. تفحصتُها كأني أعثر عليها لأول مرة، كنتُ مُستعدةً لأقرأها كلها. فهذه المرة، على غير سابقتها، لم يُؤنِّبني ضميري ولم يمنعني، بل كان كأنه يُشجِّعني لأفعل؛ لكي يرتاح من الأسئلة التي تَضِجُّ داخله فأرهقته...
للوهلة وأثناء تقليب صفحاتٍ بدَا أن بعضها مُُمَزَّق بوحشية، خَطَر ببالي فكرة أن أفتح صفحة عشوائية وأقرأها. قلتُ في نفسي:
"سأتبع حدسي فقط، هو من سيرشدني. لطالما كنتُ أُؤمنُ بهذه العلامات لأجد إجاباتٍ شافية؛ فهي -حسب اعتقادي- لا تُخطئ". أغمضتُ عيوني، أخذتُ نَفَسًا عميقًا مُنَفِّذةً الفكرة، وفتحتُ صفحة من الصفحات الأخيرة المكتوبة بحبر أزرق، كأنها خواطر عشوائية على شكل فقرات مُتباعدة. جذبتني الكلمة الأولى؛ كانت كأنها إشارة لكي لا أُغيِّرَ الصفحة:
"اليوم تَشَاجَرْتُ مع زوجتي؛"
دهشتُ لوهلة، نظرتُ لا إراديًا للتاريخ. كان مكتوبًا فقط: 15 مارس. ثم عُدتُ بناظري وتابعتُ القراءة:
(..اليوم تَشَاجَرْتُ مع زوجتي، تِلكَ المرأة التي نَتَشَارَكُ أنا وهي البيتَ وسريرَ الأولاد، والتي أَزْعُمُ أني أُشَارِكُها حياتي..)
(ليس هذا أول شجار بيننا، ولن يكون الأخير؛ لكن هذه المرَّةَ تَرَكَ في داخلي شُعُورًا غريبًا لم أَشْعُرْ به من قبل. هذه المرة، على غرار كل ما سبق، رَاجَعْتُ نفسي وتصرُّفاتي نحوها. أدركتُ كم هي مجروحة مني بشكلٍ كبير؛ أَحسستُ بعُمْقِ ذلك الجرحِ الغَائِرِ في كبريائها بسبب برودي وبلادتي، التي لطالما كانتا سكينًا طَعَنتُها بهما. أدركتُ ذلك ربما من خلال إيقاع صوتها الكسير الذي بقي يَئِنُّ في رأسي؛ كأنه هذه المرة عَبَّر عن حجم مُعاناتها في كل السنوات التي عاشتها معي حتى اخترق دواخلي. لم أتذكر ما كانت تقول، تذكرتُ فقط: "اللعنة عليك"، وشَهَقَاتِها وهي تضغط عليها، ودموعَها التي كانت كسيلٍ في وجنتيها...
(هذه المرأة التي لم تَسْتَطِعْ، رغم محاولاتها المتكرِّرة الكثيرة، الدخولَ إلى قلبي. أنا لم أَمنعها صِدْقًا، ولم أحاول قَطُّ فِعْلَ ذلك. أنا أيضًا أَرَدْتُ ذلك؛ أن أُشارِكَها حياتي، أن أَخْرُجَ من قوقعتي، أن أكون كأيِّ إنسان طبيعي يعيش في عائلته. لكن قلبي المُتَحَكِّمَ كان يُوصِدُ أبوابَه؛ يَرْفُضُ أن يَدْخُلَ أحدٌ غيرُها. وأنا سَيَّرْتُهُ، ولم أُرْغِمْهُ على شيء؛ ففي قاموسي، ليس للعقلِ سُلْطَانٌ على القلب. أَدَعُهُ يمشي على هَوَاه، وكان هَوَاهُ شخصًا واحدًا رحل، وبقي شبحُه يمنعني من أن أُحِبَّ شخصًا غيره..)
"اعترف!" قلتُها بنبرة استغرابٍ عالية وأنا أُقَطِّبُ حاجبي الأيسر، وتابعتُ بيني وبين نفسي: "يعني أنه ليس مجنونًا، يُدرك ما يفعله... لنرَ ما هو تبريره لأفعاله..".
(الجميع يَقَعُ في الحُبِّ، لكنني وَقَعْتُ في نارِه، في جَحِيمِه؛ في غرامِ عَيْنَيْنِ اخترقتا جُدْرَانِيَ الداخليةَ، بَعْثَرَتَا كِيَانِي، أصابتا رُوحي في مَقْتَل... وبعد رحيلها فقط، بقي هذا الفراغُ يحيط بي، فراغٌ لا يَسُدُّه شيء. إنه يُسيطر عليَّ؛ إنه بارد، يُؤْلِمُ، ولا يوقف هذا الألم إلا ذِكرى، ذِكرى الحبيبة التي رحلت إلى العالم الآخر. وأنا الآن، أقف هنا في المطر، لا لأنتظرها، بل لأُوَدِّعَ الأملَ القديمَ، وأرثي نفسي التي كانت تحلم بأن نكون معًا، بأن تكون هي في مكانها؛ مكان زوجتي. لكنها الحياة...).
"حبيبتكِ في كل محضرٍ تحضر، لكن لماذا لم يذكر اسمها؟ يا للعجب!" قلتُ بسخرية وتابعتُ الفقرة التي بعدها:
(لكنها الحياة التي مَنَعَتْ أن نكون معًا، الآن، أن تكوني مكان زوجتي.. لو حدث أن جَمَعتنا، لَمَا حَلَّ بها ما حَلّ. فأنا لستُ مُذنبًا كما تعتقد، الحياة أرادت ذلك. حَرَمتني منكِ رغم أنها كانت تعلم أني لا أستطيع العيش طبيعيًا بدونكِ. اقتلعتكِ من حياتي كوردةٍ ليس لها ذنب إلا لأنها جميلة، وأرادت أن تُعوِّضني بعائلة وامرأة جديدة، لكن، لا يمكن لِمِثْلِكِ أن يُعوَّض. حَدَثَ ما حَدَثَ، وتزوجتُ.. يُرغِمونني أن أَطرُدَ ذكراكِ وطيفكِ، لكني لن أفعل ولن أفعل! أَستحق ما يحصل لي، لا يجب أن أتذوق أنا طعم السعادة، لا يجب، لا يجب بعد ما فعلتُه لكِ...
(أَتَعْلَمين؟ الحياة كامرأةٍ مجنونةٍ ذاتِ مزاجٍ مُتَقَلِّب... الحياة بطبعها تُحِبُّ المِزاحَ الثقيلَ كثيرًا ولا تُجيدُ غيرَه. لا تَعْرِفُ المِزَاحَ الخفيفَ، بل تُتْقِنُ العبثَ الثقيلَ؛ تَعْبَثُ بكَ إلى حَدِّ الجُنُونِ، ولكن على طريقتها. تَعْبَثُ بسيرك حتى تُفْقِدَكَ اتزانَكَ، تَرْمي بكَ في قلبِ مسرحيةٍ عبثيةٍ، حتى تشعر أنك مجرَّدُ بطلٍ في مسرحيةٍ لا جمهورَ لها، في سيناريو لا يَعْرِفُهُ سِواكَ... وهي، إن أرادت أن تَعْبَثَ، فإنها تَعْبَثُ بِقَلْبِكَ أوَّلًا، ثم بِعَقْلِكَ، ثم تُلْقِي بِكَ في دَوَّامَةٍ تجعلك تَشُكُّ حتى في نفسك. وأنت لا تستطيع فِعْلَ أيِّ شيء، إلا أن تَعِيشَ دَوْرَكَ كما يَنْبَغِي. هل فَهِمْتَ؟ كما يَنْبَغِي. وهذا الذي يَنْبَغِي هو خُضُوعٌ لقوانينها وعَدَمُ مُخَالَفَتِهَا. وأنا كان عليّ أن ألعب دوري في مسرحية الحياة العبثية هذه، دور الزوج، كما ينبغي. وهذا الذي ينبغي هو الخضوع لقوانينها... )
بحثُت عن قلم رصاص بجانبي، سَطَّرْتُ على بعض العبارات. لا أُنكِر أن فلسفته هذه حَيَّرتني، لم أفهم فيها شيئًا، لكن كان يجب عليّ أن أفعل. وعندما انتهيتُ، تابعتُ:
(يَظُنُّنِي الناسُ مَجْنُونًا، والبعضُ أني عَدِيمُ إحساس... لكنهم لا يَعْلَمُونَ أني أُحَاوِلُ أن أَتَعَايَشَ وأُسَايِرَ هذه الحياة المُتَقَلِّبة... لا أَعْلَمُ لماذا يَلُومُني الناسُ على إهمالي لأولادِي وعائلتي، ولا أَعْلَمُ ماذا سينقصهم لو ابتعدوا عني.. أنا أيضًا عِشْتُ بلا أَبٍ بلا أُمّ. لم يكونا مَوْجُودَيْنِ في حياتي، ليس لأن الموتَ أَخَذَهُما، بل الحياةُ هي مَن أَبْعَدَتْهُما عني؛ فَعِشْتُ وَحْدِي وتَعَايَشْتُ. تَطَلَّقَا عندما كنتُ في الثامنة، أبي تَزَوَّجَ فَوْرَ ذلك، وأُمِّي كذلك، وبَقِيتُ أنا وَحْدِي. لا أَتَذَكَّرُ أني غَضِبْتُ منهما، ولا أني كَرِهْتُهُما، ولم أُحْسِسْهُما بذلك؛ كنتُ بَارِدًا. البرودُ ليس طبعي، بل سُلُوكٌ اكتسبتُه. إنه نوع من دفاعٍ وحِفَاظ. هناك أشياء في الحياة لا يمكنك تغييرها مهما حاولت... هناك أشياء عليك تجاهلها وتَدَعُها تمضي.. وهكذا أنا فعلت مع والديَّ، فلماذا لم يفعلوا مِثْلي؟ ليفترضوا أني مُتُّ لكي يعيشوا، لا حَلَّ آخر. أنا فعلت هذا من قبل وماذا حدث؟ لم يحدث شيء.. لا، بل حدث، استطعتُ التأقلم فَعِشْتُ... )
نَظَرْتُ حَوْلِي بِاسْتِغْرَابٍ، وَرَمَيْتُ قَلَمًا عَلَى الطَّاوِلَةِ. مَشَاعِرُ غَرِيبَةٌ تَخْتَلِطُ فِي دَاخِلِي بِسَبَبِهِ. شعرتُ أن جدران المنطق بدأت تتهاوى.لَم أَفْهَمُ جَيِّدًا مَاذَا يَقْصِدُ، وَتَسَاءَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي:
"هل كان بروده طوال تلك السنوات قناعًا لفلسفة كهذه؟"
"وهل كل ما كتبه مجرد تبرير متقن لبروده؟"
أ
سئلة مبهمة كثيرة دون إجابة !
أَبْعَدْتُ الْمُذَكَّرَةَ الَّتِي بَدَأَتْ التي بدأت تُصَفِّر في رأسي ونَفَضْتُ الْأَفْكَارَ الَّتِي تَضُجُّ فِي رَأْسِي لِكَيْ لَا تَلْتَهِمَنِي، وَأَخَذْتُ هَاتِفِي أَعْبَثُ بِهِ. لَمْ أَكُنْ أَنْوِي أَنْ أَغْرَقَ فِي تساؤلاتٍ جَدِيدَةٍ، خَاصَّةً في هذا الوقت.
لكن لم يجد العبثُ بالهاتف نفعًا. كانت أصابعي تتنقل بين التطبيقات دون وعي، بينما كانت الكلمات المكتوبة بالحبر الأزرق تتردد كَطَنينٍ مُزعجٍ خلف جَفْنَيَّ.
"مسرحية عبثية... دور الزوج كما ينبغي..." لم أَفهم شيئًا من فلسفته، لكنني أدركتُ شيئًا واحدًا وإن كان بديهيا : أنا لستُ حبيبته الراحلة.
أطفأتُ شاشة الهاتف، ورميته بجانب الحائط. كانت الغرفة غارقةً في الصمت بعد أن هدأ عصف البكاء في داخلي، لكن الصمت كان أثقل هذه المرة، محمَّلًا بعبء اعترافات لم تكن لتخطر ببالي.
سحبتُ الغطاء لأتدثَّر به، وسمعتُ صوت قطرات المطر الخفيفة على النافذة؛ صوتٌ يُشبه إيقاع قلبي المضطرب. وضعتُ رأسي على الوسادة المُبلَّلة قليلًا بالدموعي التي كانت تسقط دون أن أعرف لما ؟ ، وأغمضتُ عينيَّ لعلها تتوقف . لكن الظلام لم يكن مريحًا، بل كان ساحةً تتراقص فيها طيوف من الكلمات، والحب القديم، التي لا تخصني .
لقد انتهى هذا اليوم الماطر، وانتهت محاولة القراءة، لكن أسئلة "١٥ مارس" بقيت مُعَلَّقةً في سقف الغرفة.
.
.
.
لاتنسو التصويت ..☆
سديم 'ے