ان الفجر بالكاد يلوّن السماء حين خرجت سلمى من البيت الصغير، تلف حول رقبتها وشاحاً رقيقاً لا يقيها برد الشارع الحقيقي، متجهة نحو المقهى الذي تعمل فيه منذ ثلاث سنوات، منذ أن اضطرت لترك دراستها الجامعية في السنة الثانية حين ساءت حالة أمها الصحية فجأة، ولم يعد هناك من يعيل البيت سواها. فتحت المقهى كعادتها، رتبت الكراسي، أشعلت آلة القهوة، واستقبلت أول الزبائن بابتسامة متعبة لكنها صادقة، من ذلك النوع من الابتسامات التي تعلّمتها الفتيات اللواتي لا يملكن رفاهية الشكوى. عملت طوال النهار بصمت وكفاءة، تحسب كل قرش يدخل جيبها بعناية، تفكر في دواء أمها الذي ارتفع سعره الشهر الماضي، وفي أخيها الصغير الذي يحتاج كتباً مدرسية جديدة لم تستطع بعد شراءها.
في المساء، عادت إلى البيت الصغير المتهالك في حي فقير من أحياء المدينة، جلست بجانب سرير أمها التي أنهكها المرض المزمن، أطعمتها بيدها، حكت لها عن يومها بابتسامة مصطنعة تخفي إرهاقاً حقيقياً، ثم جلست بعدها وحدها في المطبخ الصغير، تحسب وتعيد حساب أرقام لا تكفي أبداً مهما حاولت ترتيبها بطرق مختلفة.
على الطرف الآخر تماماً من المدينة، خلف أسوار عالية وحدائق مشذبة بعناية لا تعرف الإهمال، كان قصر عائلة الفارسي يقف شامخاً كما وقف منذ عقود، شاهداً على ثروة بُنيت جيلاً بعد جيل، ومأساة صامتة تسكن كل زاوية من زواياه الفخمة. جلست الحاجة نور الفارسي في غرفتها المطلة على الحديقة، جسدها الهزيل يذوب شيئاً فشيئاً تحت وطأة مرض لم يعد الأطباء يخفون عنها خطورته، لكن عينيها ظلتا حادتين، يقظتين، تحملان وزن سر ثقيل لم تتخلَّ عنه يوماً: أملها المتبقي الوحيد في العثور على حفيدتها ياسمين قبل أن تغمض عينيها للمرة الأخيرة.
مرّت عشر سنوات كاملة منذ اختفاء ياسمين فجأة وهي في السابعة عشرة من عمرها، اختفاء أثار وقتها ضجة إعلامية كبيرة، تحقيقات مطولة، وتكهنات لا تنتهي: اختطاف، هروب، حادث مجهول. لم يُعثر على أثر حقيقي واحد يفسر ما حدث، وبمرور السنين، تحولت القصة من خبر عاجل إلى أسطورة مدينية يتناقلها الناس بصيغ مختلفة كل مرة.
وحسب وصية زوج الحاجة نور الراحل، كانت الثروة كاملة، بما فيها إدارة الشركة العائلية الضخمة، يجب أن تؤول إلى ياسمين شخصياً فور بلوغها الثلاثين من عمرها، أو تنتقل تلقائياً، في حال غيابها أو عدم ظهورها، إلى الوريث التالي في الترتيب: كريم الفارسي، شقيق والد ياسمين الوحيد.
وقف كريم في تلك اللحظة عند باب غرفة والدته، يحمل ملفات عمل بيد، وابتسامة مهذبة رزينة على وجهه، رجل في الخمسين من عمره، أنيق دائماً، محترم في كل مجلس، يتحدث بهدوء لا يرتفع صوته فيه أبداً. انحنى قليلاً يقبّل جبين أمه. "لا تُرهقي نفسك بالتفكير في هذا الآن يا أمي"، قال بصوت دافئ مطمئن. "سنجدها، أو سنجد طريقة لتسوية الأمر بما يرضيكِ، مهما كلّف الأمر". ابتسمت الحاجة نور له ابتسامة متعبة، دون أن تلاحظ، كما لم تلاحظ طوال سنوات، تلك النظرة الباردة العابرة التي مرّت خلف عيني ابنها لجزء من الثانية قبل أن يستدير ويغادر الغرفة.
كانت ياسمين، قبل اختفائها، فتاة مختلفة تماماً عن الصورة الجامدة التي حفظتها الصحف في أرشيفها: مرحة، محبة للضحك بصوت عالٍ رغم كل محاولات تهذيبها لتكون "سيدة راقية" كما تليق بمكانة عائلتها، قريبة جداً من جدتها التي كانت بمثابة الأم الحقيقية لها بعد وفاة والدتها وهي طفلة، ووفاة والدها لاحقاً في حادث سيارة حين كانت في الرابعة عشرة. كانت تقضي ساعات طويلة في المكتبة الصغيرة الملحقة بالقصر، ترسم، تكتب يوميات لم يقرأها أحد، وتلتقي أحياناً، بحرية سرية صغيرة سمحت لنفسها بها، بشاب من الحي المجاور، يوسف، ابن صديق قديم للعائلة، تجمعهما ضحكات بريئة وأحلام مراهقة لم تكتمل يوماً.
ثم، فجأة، ودون سابق إنذار حقيقي بالنسبة لمن حولها، اختفت ياسمين ذات ليلة، تاركة كل شيء خلفها، وكأن حياتها كاملة توقفت عند تلك النقطة بالضبط، بلا أي تفسير وصل يوماً إلى من أحبوها.
في المقهى، بعد ظهر أحد الأيام العادية تماماً، دخل زبون لم تره سلمى من قبل، رجل في متوسط العمر، توقف فجأة في منتصف الطريق نحو الطاولة، محدقاً فيها بطريقة جعلتها تشعر بعدم ارتياح واضح.
"معذرة"، قال أخيراً، صوته يحمل دهشة حقيقية لا يخفيها. "هل تعرفين أنكِ تشبهين إلى حد مذهل تلك الفتاة، ابنة عائلة الفارسي، التي اختفت منذ سنوات؟ ياسمين، أليس كذلك اسمها؟"
ضحكت سلمى ضحكة مرتبكة قصيرة، معتادة على تعليقات غريبة من الزبائن أحياناً. "لا أظن ذلك، لا بد أنك مخطئ".
لكن الجملة بقيت عالقة في ذهنها بقية ذلك اليوم بغرابة لم تستطع تفسيرها. في المساء، وهي تتصفح هاتفها القديم قبل النوم، وقعت عيناها بالصدفة على مقال إخباري قديم أعيد تداوله، بعنوان يتحدث عن "لغز اختفاء وريثة الفارسي بعد عشر سنوات كاملة"، مرفقاً بصورة كبيرة لياسمين وهي في السابعة عشرة. جلست سلمى مسمّرة أمام الشاشة الصغيرة، قلبها يتسارع بغرابة، وهي تحدّق في الصورة وكأنها تنظر في مرآة غريبة: نفس العينين تقريباً، نفس شكل الوجه، حتى طريقة وقوف الشعر. شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، مزيج من الفضول والانزعاج غير المبرر، قبل أن تغلق الهاتف بسرعة وتحاول أن تنام، مقنعة نفسها أن الأمر مجرد تشابه عابر، لا أكثر.
لم تكن سلمى تعلم أن امرأة أنيقة، هادئة الملامح، باردة العينين، كانت تراقبها من بعيد منذ أكثر من أسبوع كامل، تجلس أحياناً في زاوية المقهى نفسه، تطلب قهوة لا تشربها كاملة، وتراقب كل حركة تقوم بها سلمى بصمت محسوب.
في ذلك اليوم بالذات، وبعد أن أغلقت سلمى المقهى وبدأت طريقها نحو البيت في الشارع شبه الفارغ، اقتربت منها تلك المرأة أخيراً، بخطى واثقة هادئة.
"سلمى، أليس كذلك؟" سألتها بابتسامة مهذبة محسوبة بدقة. "اسمي ليليان، أعمل مستشارة قانونية لعائلة كبيرة في هذه المدينة. أود أن أتحدث معكِ في أمر قد يغيّر حياتكِ بالكامل، إن كان لديكِ بضع دقائق فقط".
توقفت سلمى، حذر فطري يتسلل إلى صوتها. "لا أعرفكِ. وكيف تعرفين اسمي أصلاً؟"
ابتسمت ليليان ابتسامة أعمق قليلاً، غامضة بما يكفي لتثير القلق والفضول في آنٍ واحد. "لأنني، بصراحة تامة، كنت أبحث عنكِ تحديداً منذ مدة، دون أن أعرف حتى اسمكِ في البداية. الأمر يتعلق بمبلغ من المال قد يبدو لكِ كحلم بعيد المنال، مقابل عمل بسيط جداً، لأسبوعين أو ثلاثة فقط في البداية".
بعد تردد طويل، وفضول لم تستطع كبته، وافقت سلمى أن تجلس مع ليليان في مقهى هادئ قريب، حيث أخرجت الأخيرة من حقيبتها الأنيقة صورة كبيرة، ووضعتها على الطاولة بهدوء مدروس. كانت صورة ياسمين.
شعرت سلمى بمعدتها تنقبض، تتذكر فوراً تلك الصورة نفسها التي وقعت عليها بالصدفة الليلة الماضية، والتي حاولت إقناع نفسها أنها مجرد تشابه عابر لا يستحق التفكير فيه. لكن رؤيتها الآن، مطبوعة بوضوح أمامها، بهذا الحجم، وبهذا القصد المباشر من امرأة غريبة تعرف اسمها الحقيقي، جعلت تلك القشعريرة الليلية تتحول إلى خوف حقيقي يتسلل إلى صوتها.
"رأيت هذه الصورة أمس بالصدفة"، قالت بصوت مرتجف، "وحاولت إقناع نفسي أن الأمر مجرد تشابه لا معنى له. لكن كونكِ أنتِ من تُخرجينها الآن، بهذه الطريقة، بعد أن تبعتِني كل هذه المدة... هذا لم يعد تشابهاً بريئاً، أليس كذلك؟"
"هذه ياسمين الفارسي"، أجابت ليليان بهدوء تام، وكأنها تروي حقيقة بسيطة لا تحمل أي ثقل. "وريثة إحدى أكبر العائلات الثرية في هذه المدينة، اختفت منذ عشر سنوات، ولم يُعثر لها على أي أثر حتى الآن. جدتها مريضة، وتحتضر ببطء، وتحلم بأن ترى حفيدتها قبل أن تفارق الحياة. المشكلة الوحيدة، أن ياسمين الحقيقية غير موجودة، وأنتِ... تشبهينها بشكل يفوق كل التوقعات".
فهمت سلمى فجأة، بصدمة باردة سرت في جسدها كاملاً، ماذا تقترحه هذه المرأة بالضبط. "تريدينني أن أتظاهر بأنني هي؟!" سألت بصوت شبه مخنوق بالذهول. "هذا جنون تام، هذا احتيال، هذا... لن أفعل هذا أبداً".
"لم أطلب منكِ إجابة الآن"، قالت ليليان بهدوء لم يهتز رغم الرفض القاطع. "فقط فكري في الأمر. المبلغ الذي أتحدث عنه كافٍ لعلاج والدتكِ بأفضل الأطباء المتاحين، ولتغيير حياتكِ وحياة أخيكِ بالكامل، دفعة واحدة".
عادت سلمى إلى البيت تلك الليلة، عقلها مضطرب تماماً، ترفض الفكرة بكل قوة أخلاقية بداخلها، وتحاول أن تنساها كما تنسى أي عرض غريب آخر مرّ بحياتها.
لكنها، حين جلست بجانب سرير أمها كعادتها، ووجدتها تتألم بصمت أكثر من المعتاد، تكتم أنينها حتى لا تُقلق ابنتها، وحين رأت في اليوم التالي الفاتورة الجديدة لعلاج لم يعد التأمين البسيط يغطي تكلفته الحقيقية، شعرت بشيء ينكسر بداخلها.
جلست وحدها في تلك الليلة، تحدق في السقف المتشقق فوق سريرها الصغير، وتتذكر وجه ليليان الهادئ، ورقم الهاتف الذي تركته لها على بطاقة أنيقة صغيرة.
في صباح اليوم التالي، وبيد ترتجف قليلاً، اتصلت سلمى بذلك الرقم. "وافقت"، قالتها بصوت خفيض متعب، قبل أن تسمح لنفسها بالتراجع. "لكن بشروطي أنا، لا شروطكِ أنتِ وحدكِ".
من الطرف الآخر، جاء صوت ليليان هادئاً، شبه منتصر. "بالطبع يا عزيزتي. لنرتب لقاءً مناسباً لنبدأ".
حنان