الاعتراف الصامت

الاعتراف الصامت

12 1

لم تكن نائمة حين سمعته.

منذ ليلة الظل في الممر، ومنذ أسابيع طويلة، تعلّمت سلمى أن تميّز صمت القصر الحقيقي عن صمته الكاذب — ذلك الصمت الذي يخفي تحته حركة لا يُفترض أن تكون هناك.

خطوة.

ثم توقّف.

ثم خطوة أخرى، أبطأ هذه المرة، وكأن صاحبها يعرف بالضبط أين يضع قدمه ليتجنب الأرضية التي تصرّ في الزاوية الثالثة من الممر — التفصيلة الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاش في هذا البيت طويلًا، أو من درسه بعناية شديدة.

جلست في السرير، وقلبها يتسارع بإيقاع لم تعد تخطئه.

فكرت في الورقة المطوية في بطانة حقيبتها.

فكرت في كريم، في نظرته الباردة التي لا تصل إلى عينيه.

فكرت في المحقق الخاص الذي حدثتها عنه ياسمين بحذر:

هذه المرة، لم تجلس منتظرة أن تتوقف الخطوات.

نهضت.

فتحت الباب بحذر شديد، بلا صوت، وأطلّت برأسها أولًا قبل أن تسمح لجسدها بالخروج.

كان الممر مضاءً بضوء خافت أصفر يأتي من مصابيح الجدار البعيدة، يترك أكثر من نصف المسافة في ظلال متحركة.

رأت طرف قماش يختفي عند منعطف الممر — لا ظلًا هذه المرة، بل شكلًا حقيقيًا، شخصًا يرتدي معطفًا داكنًا، يمشي بخطى محسوبة نحو الجناح الغربي، حيث تقع مكاتب العائلة القديمة وغرفة كريم الخاصة.

توقفت سلمى للحظة عند عتبة بابها.

عقلها يصرخ بكل منطق أن تعود، أن تغلق الباب، أن تتصل بأحد.

لكن جزءًا آخر منها — الجزء الذي أمضى ثلاث سنوات يراقب الزبائن فوق طاولة مقهى صغير، يقرأ الوجوه والنوايا قبل أن تُقال بالكلام — قال لها إن هذه ربما تكون الفرصة الوحيدة لتعرف من يتحرك في هذا البيت ليلًا، ولماذا.

مشت خلفه.

خطواتها حافية على الرخام البارد، وأنفاسها مضبوطة بعناية لتكون بلا صوت.

تتبع الظل على مسافة حذرة، تتوقف حين يتوقف، وتتحرك حين يتحرك.

وصلت إلى الدرج الخلفي — ذلك الضيق، الأقل استعمالًا، الذي يربط الطابق الثاني بالجناح الغربي مباشرة دون المرور بالردهة الكبرى.

وهناك، عند أول درجة، لمحت شيئًا يلمع تحت الضوء الخافت.

زجاج مكسور.

لم تفهم في البداية ماذا يعني ذلك — مصباح جداري قديم سقط، ربما، أو نافذة صغيرة تحطمت بفعل الريح.

لكنها لم تملك وقتًا كافيًا للتفكير، لأن الشخص الذي كانت تتبعه توقف فجأة، والتفت.

رأت ظهره فقط — رجل غريب، معطف داكن، وقفة رجل يعرف بالضبط أين يضع قدمه.

توقف عند أول درجة، وكأنه سمع شيئًا، أو شعر بشيء.

بدأ يدير رأسه ببطء نحو الخلف، نحوها.

لم تتحرك سلمى.

لم تستطع.

كانت قدمها لا تزال على حافة الدرج الأول، والزجاج المكسور تحتها بالضبط، وكل ما استطاعت التفكير فيه هو أن هذا الوجه، حين يكتمل التفاته، سيكون آخر شيء تريد رؤيته وحدها في هذا الممر.

ثم، قبل أن يكتمل التفاته بثانية واحدة فقط، ظهرت يد من الظلام خلفها.

لم تشعر سلمى بيوسف يقترب.

لم تسمع خطواته على الإطلاق — وهذا وحده أخافها لاحقًا حين فكرت فيه، أن رجلًا بحجمه استطاع أن يتحرك بهذا الصمت.

لكنها شعرت بذراعه يلتف حول خصرها فجأة، يسحبها بقوة إلى الخلف وإلى جانب الممر، بعيدًا عن خط نظر الرجل الغريب تمامًا، في نفس اللحظة التي اكتملت فيها التفاتته.

جمّدها يوسف خلف عمود حجري بارز، جسده يحجبها بالكامل، ويده الأخرى ترتفع بصمت أمام شفتيه — إشارة واحدة لا تحتاج كلامًا:

لا صوت.

من خلف كتفه، رأت سلمى الرجل الغريب يقف لحظة طويلة، ينظر نحو الممر الفارغ أمامه، غير متأكد مما سمعه بالضبط.

ثم، ببطء، استدار من جديد ومضى في طريقه نحو الجناح الغربي، واختفى عند المنعطف بالسرعة الهادئة نفسها التي جاء بها.

لم يتحرك يوسف لثوانٍ بعد اختفائه، لا يزال يحجبها بجسده، وذراعه لا تزال حول خصرها.

حين شعر أخيرًا أن الخطر ابتعد، حاول أن يسحبها بهدوء أبعد عن الدرج.

لكن قدمها، في محاولتها التراجع خطوة، وطئت شيئًا حادًا تحت النعل الرقيق.

انزلقت للحظة، وذراعها تمتد بحثًا عن أي شيء تتشبث به.

أمسكها يوسف قبل أن تفقد توازنها بالكامل، بحركة سريعة لم يفكر فيها للحظة — جسده تحرك قبل أن يسمح لعقله باللحاق به.

اصطدم ظهرها بصدره.

توقفا معًا، أنفاسهما متقطعة، والزجاج المكسور يلمع عند أقدامهما تحت الضوء الخافت — بقايا مصباح جداري صغير، أو ربما شيء آخر، لم يتوقفا لتحديده الآن.

نظر يوسف فوق كتفها نحو نهاية الممر.

لكن الرجل الغريب كان قد اختفى، بالسرعة الهادئة نفسها التي دخل بها، كأنه لم يكن هناك على الإطلاق.

— هل أنتِ بخير؟

سأل بصوت منخفض، لا يزال ذراعه حولها، لا يزال لا يعرف أنه لم يُبعدها عن الخطر إلا بثوانٍ معدودة.

لم تستطع سلمى أن تجيب فورًا.

كانت لا تزال تشعر بثقل يده على خصرها، بدفء صدره خلف ظهرها، وبقلبها الذي لم يهدأ منذ سمعت الخطوة الأولى.

— كان هناك رجل...

همست أخيرًا.

— كنت أتبعه، ثم—

— تتبعينه؟

قالها بحدة مفاجئة.

أدارها نحوه بيدين لا تزالان تمسكان بذراعيها، وعيناه تفحصان وجهها بقلق لم يحاول إخفاءه هذه المرة.

— وحدك؟ في منتصف الليل؟ هل تدركين ماذا كان يمكن أن يحدث؟

لم تكن هذه المرة الأولى التي يمسك فيها يوسف بها.

لكنها كانت المرة الأولى التي لا يقول فيها اسمًا على الإطلاق.

لا «ياسمين».

لا شيء.

فقط يداه على ذراعيها، وعيناه اللتان تتنقلان بين وجهها وموضع الزجاج المكسور خلفها، وكأنه يعيد بناء المشهد في رأسه بسرعة أكبر مما يستطيع التحكم به —

ماذا لو لم يستيقظ؟

ماذا لو لم يكن قريبًا بما يكفي؟

— أنا بخير.

قالتها سلمى أخيرًا، بصوت لا يزال مرتجفًا.

— أقسم لك، أنا بخير.

لم يبتعد يوسف فورًا.

بقي واقفًا، يداه لا تزالان حيث هما، كأن جسده يحتاج ثانية إضافية ليصدّق ما تقوله عيناه.

ثم، ببطء، سحبها نحوه.

لا بحركة رومانسية مقصودة، بل بشيء أقرب إلى غريزة الحماية الخام.

احتضنها بقوة، كمن يتأكد أن الشيء الذي كاد يفلت منه لا يزال هناك فعلًا.

وقفت سلمى في ذراعيه، جامدة للحظة من المفاجأة.

ثم أسندت رأسها على صدره ببطء، تسمع قلبه يدق بسرعة لا تقل عن سرعة قلبها هي.

لم يقل أي منهما شيئًا لدقيقة كاملة.

حين ابتعدا أخيرًا، بقيت المسافة بينهما أقل مما كانت عليه في أي لحظة سابقة بينهما، حتى تحت المطر.

— من كان ذلك الرجل؟

سأل يوسف، صوته هادئ الآن، لكن الجدية فيه لم تتزحزح.

— لا أعرف.

أجابت سلمى بصدق.

— لم أره من قبل.

نظر يوسف نحو الزجاج المكسور، ثم نحو نهاية الممر المظلمة، وشيء في وجهه تحوّل من القلق إلى تصميم بارد لم تره عليه من قبل.

— سأتحدث مع رئيس الحراسة غدًا.

قالها بحزم.

— ولن أتركك تخرجين من غرفتك وحدك ليلًا مرة أخرى، مهما سمعتِ، مهما ظننتِ أنكِ رأيتِ. تأتينني أنا أولًا. هل هذا واضح؟

أومأت سلمى برأسها، غير قادرة على قول شيء أكثر من ذلك.

رافقها يوسف حتى باب غرفتها في صمت، ولم يتحرك للانصراف فورًا كما فعل في كل مرة سابقة.

وقف هناك، يداه في جيبيه، وعيناه عليها بشيء لم تجد له اسمًا بعد.

— خفت عليكِ.

قالها أخيرًا، بصوت منخفض جدًا، كمن يعترف بشيء لم يكن ينوي قوله.

— خفت بطريقة لم أعتدها منذ زمن طويل.

لم يقل «خفت عليكِ يا ياسمين».

لم يذكر اسمًا على الإطلاق.

ولم يبدُ أنه لاحظ ذلك بنفسه.

أغلقت سلمى الباب خلفها أخيرًا، وجلست على حافة السرير في الظلام، ذراعاها لا تزالان تحملان ذكرى دفء لم تطلبه، لم تخطط له، ولم تستطع أن ترفضه في تلك اللحظة بالذات.

فكرت في ياسمين، في كلماتها الأخيرة في مقهى بعيد:

فكرت في يوسف، في كيف نطق كلامه بلا اسم لأول مرة، وكيف أن هذا التفصيل الصغير كان يعني أكثر من أي جملة حب قد يقولها لاحقًا.

وفكرت في الرجل الغريب الذي اختفى بهذه السهولة، في الزجاج المكسور الذي بدا الآن، وهي تعيد تركيب المشهد في ذهنها، وكأنه وُضع هناك عمدًا.

ليس حادثًا.

بل فخ صغير محسوب بدقة.

لم تكن تعرف بعد من دبّره، ولا لماذا بالضبط.

لكنها عرفت شيئًا واحدًا بيقين بارد:

الخطر لم يعد يقترب من بعيد.

صار يعرف أين تنام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة المزيفة

المؤلف حنان
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة