الهدوء الخادع

الهدوء الخادع

12 1

لم تنم سلمى تلك الليلة، ولا الليلة التي تلتها.

أعادت قراءة الكلمات الأربع في رأسها حتى فقدت معناها من كثرة التكرار، ثم استعادت معناها فجأة، أثقل من قبل: "أنتِ لستِ بأمان."

فكرت أن تحرقها. فكرت أن تأخذها لليليان. فكرت — للحظة مجنونة قصيرة — أن تأخذها ليوسف.

لم تفعل شيئاً من هذا.

في الصباح، طوت الورقة من جديد، طياً دقيقاً كما وجدتها، ودسّتها داخل بطانة حقيبة قديمة كانت قد أحضرتها معها من بيتها — الشيء الوحيد في هذه الغرفة الفخمة الذي لا يخص ياسمين، ولا يخطر على بال أحد أن يفتّشه. ثم أغلقت الحقيبة، ودفعتها إلى أعمق زاوية في الخزانة.

قررت ألا تخبر ليليان. ليس بعد.

وقررت شيئاً آخر، بصمت، دون أن تصيغه بوضوح حتى لنفسها: أن تراقب. أن تصبح، من الآن فصاعداً، الشخص الذي يلاحظ كل شيء ولا يعلّق على شيء.

بدأت تُقفل بابها ليلاً بالمفتاح، لا بالطريقة التي تفعلها فتاة خائفة من الظلام، بل بالطريقة التي تتعلمها امرأة أدركت أن أحداً في هذا البيت يعرف حقيقتها، ولا تعرف من هو.

مرّت الأسابيع بعدها بإيقاع هادئ خادع.

استقرت سلمى في الدور أكثر مما توقعت لنفسها. تعلّمت إيقاع القصر — متى تُقدَّم القهوة، متى يصمت الخدم احتراماً، متى تحتاج الجدة إلى الصمت لا إلى الكلام. صارت الأسئلة القانونية مع المحامين أقل رعباً، والنظرات في وجوه الخدم أقل ثقلاً.

ويوسف — يوسف كان يقضي وقتاً معها. كثيراً منه.

قال إنه "يساعدها تتذكر". لكن اللقاءات صارت تطول أكثر مما تحتاجه الذاكرة، وصار يأتي في أوقات لا تفرضها الملفات ولا يبررها القانون. لحظات صغيرة، بلا قصد من أحد، بدأت تبني شيئاً لم يسمّه أحد بعد.

كان لا يزال يرى "ياسمين التي نسيت". هذا ما أقنع نفسه به كل مرة. لكن شيئاً، في مكان لا يريد أن يزوره، بدأ يربكه دون أن يجد له تفسيراً.

لم تستطع النوم تلك الليلة أيضاً.

نزلت إلى المطبخ حين تأكدت أن القصر غاطس تماماً في الصمت، حافية القدمين على البلاط البارد، لا لشيء إلا لأنها احتاجت أن تفعل شيئاً بيديها — شيئاً حقيقياً، من حياتها هي، لا من حياة ياسمين.

أشعلت النار تحت الإبريق الصغير بحركة واثقة لم تتعلمها من أي ملف. ثلاث سنوات خلف طاولة مقهى تركت في يديها ذاكرة خاصة بها، لا علاقة لها بالدور.

كانت تحرّك الملعقة في الكوب حين سمعت خطواته.

لم تلتفت فوراً. عرفت إيقاعه من صوت الخطوة وحدها — صار هذا، هو أيضاً، شيئاً تعرفه الآن.

"لا تنامين أبداً؟" سأل، وهو يميل على إطار الباب بذراعين مطويتين، وابتسامة نصف مستيقظة على وجهه جعلته يبدو أصغر بعشر سنوات من الرجل الذي تعرفه في النهار.

"ولا أنت." ردّت بابتسامة، ولم تحاول أن تخفي الراحة في صوتها. راحة لم تخطط لها.

جلس على الطاولة الصغيرة، يراقبها تحضّر كوبين بدل واحد دون أن تسأله. شيء في المشهد بدا لها فجأة، وهي تحرّك السكر، أليفاً بشكل يخيف — كأن هذا مطبخها هي، وكأنه ضيفها هي، لا العكس.

قدّمت له الكوب. أصابعهما التقت لجزء من ثانية عند حافته، ثانية لم تكن ضرورية، لكن لا أحد منهما سحب يده بالسرعة التي كان يفترض بها أن تُسحب.

"من متى صرتِ تستخدمين يمينك؟"

سؤالٌ عابر، لكن عينيه لم تفارقا يدها وهي تمسك كوبها.

تجمّدت سلمى لجزء من ثانية. ثم رفعت رأسها بابتسامة متعبة صادقة أكثر مما قصدت.

"صراحة... ما أعرف بالضبط متى بدأ." توقفت، كأنها فعلاً تبحث في ذاكرة مشوشة. "الطبيب قال إن الدماغ أحياناً يعيد ترتيب نفسه بعد صدمة قوية. الآن أقدر أستخدم الاثنين. غريب، صح؟" ضحكت ضحكة قصيرة خفيفة، تحاول أن تُفلت اللحظة من ثقلها.

اقترب يوسف خطوة، أخذ منها ملعقة السكر بهدوء ليساعدها يرتّب الفناجين — لمسة أصابع عابرة، بالكاد ثانية، لكنها كانت هناك.

ابتسم، هزّ رأسه ببطء وكأنه يقتنع.

"غريب فعلاً."

جلسا بعدها على طرفي الطاولة الصغيرة، الكوبان يدخّنان بينهما، والقصر بأكمله نائم من حولهما كأنه يترك لهما هذه الزاوية الصغيرة من الوقت وحدهما فقط. تكلما عن أشياء لا تخص لا الملفات ولا المحامين ولا الميراث — عن طعم القهوة، عن مطر قادم توقّعه هو من رائحة الهواء، عن كتاب قرأته سلمى قبل سنوات وما زالت تتذكر جملته الأولى.

في لحظة ما، وهي تضحك على شيء قاله، لاحظت أن عينيه لم تكونا تراقبان الطاولة أو الكوب، بل وجهها فقط، بثبات لم يحاول أن يخفيه هذه المرة.

لم يقل شيئاً. هي أيضاً لم تقل شيئاً.

لكن حين نهضا أخيراً ليعودا كل إلى غرفته، ورافقها حتى باب غرفتها في الممر المظلم، توقف قبل أن ينصرف، وكأن جملة كانت على لسانه ثم غيّر رأيه في آخر ثانية.

"تصبحين على خير، ياسمين."

نطق الاسم بتردد خفيف بالكاد يُلاحَظ — كأن لسانه، لثانية، لم يكن مقتنعاً به هو الآخر.

وجدته واقفاً عند الشجرة صباح يوم لاحق، حين نزلت إلى الحديقة لتهرب من ثقل غرفة لم تعتد بعد أن تسميها غرفتها.

شجرة الليمون في الزاوية البعيدة، كما وصفتها الجدة، وكما كتبت عنها ياسمين في الدفتر — بلا نظام، أغصانها تميل بعشوائية جميلة لا تشبه بقية الحديقة المشذّبة بدقة.

وقفت أمامها طويلاً دون أن تعرف لماذا بالضبط. ربما لأن هذه الشجرة، من بين كل شيء في هذا القصر، كانت الشيء الوحيد الذي يخص طفولة حقيقية.

"كانت تتسلقها كل صيف."

لم تسمعه يقترب. التفتت.

وقف يوسف بجانبها، يداه في جيبيه، عيناه على الشجرة لا عليها.

"مرة كسرت غصناً كاملاً وحاولت تخفي الأمر عن الجدة بإخفاء الغصن تحت سريرها." ضحك ضحكة قصيرة خافتة، من ذلك النوع من الضحك الذي يحمل حناناً أكثر مما يحمل مرحاً. "اكتُشف الأمر بعد أسبوع كامل، حين بدأت رائحة الأوراق الذابلة تملأ الغرفة."

ابتسمت سلمى، وضحكت — ضحكة حقيقية، خرجت قبل أن تحسب حسابها.

توقّف يوسف.

نظر إليها لحظة، والابتسامة على وجهه لم تختفِ لكنها تجمّدت قليلاً، كمن سمع نغمة مألوفة من آلة غير التي اعتاد عليها. لم يقل شيئاً هذه المرة. فقط أعاد نظره إلى الشجرة، وكأنه يعيد ترتيب شيء في داخله بصمت.

مدّ يده، قطف ثمرة ليمون صغيرة خضراء لم تنضج بعد، وقلّبها بين أصابعه.

"أظن أنني أفتقد شيئاً لم أكن أعرف أنني أفتقده." قالها بصوت خافت، وكأنه يتكلم مع الشجرة لا معها. ثم التفت إليها فجأة، بنظرة مباشرة جعلت قلبها يتوقف لثانية. "منذ عودتك."

لم تعرف سلمى ماذا تقول. المسافة بينهما، التي كانت خطوة كاملة قبل دقيقة، صارت أقل من ذلك بكثير دون أن يتحرك أحدهما بوضوح.

مدّ يده، وضع الليمونة الصغيرة في كفّها، وأغلق أصابعها عليها بيده هو — لمسة بطيئة، متعمّدة هذه المرة، لا عابرة كسابقاتها.

"احتفظي بها." قالها بابتسامة نصف مكتملة. "لا أعرف لماذا. فقط... احتفظي بها."

بدأ المطر بلا سابق إنذار بعد ظهر ذلك الأسبوع، وهما في منتصف الحديقة يمشيان بلا وجهة واضحة، يتكلمان عن شيء لا يتذكره أحد منهما لاحقاً بوضوح.

الأولى كانت قطرة واحدة. ثم عشرات. ثم صار العالم كله ماءً يتساقط بلا رحمة.

ضحكا معاً وهما يركضان نحو المظلة الحجرية الصغيرة عند طرف الحديقة، مبلَّلين تماماً في أقل من دقيقة، أنفاسهما متقطعة من الركض والضحك معاً.

وقفا تحت السقف الصغير، قريبين من بعضهما أكثر مما يسمح به المكان الضيق، والمطر يتساقط أمامهما كستارة رمادية كثيفة تعزلهما عن العالم كله.

كانت خصلة من شعرها قد التصقت على جبينها. رفع يوسف يده ببطء، وأزاحها عن وجهها بأصابع لم ترتجف رغم أن كل شيء آخر فيه بدا مرتجفاً في تلك اللحظة.

توقفت يده عند خدها، لثانية أطول من اللازم، أطول مما يبرره إزاحة خصلة شعر.

نظر إليها. لم تكن نظرة الرجل الذي يبحث عن ياسمين. كانت نظرة رجل ينظر إلى من أمامه، الآن، بلا ماضٍ يزاحمه.

اقترب قليلاً، حتى صارت المسافة بينهما لا تكفي لأكثر من نَفَس واحد. نظر إلى عينيها، ثم إلى شفتيها للحظة لم يحاول إخفاءها، ثم عاد إلى عينيها من جديد، بصمت يشبه سؤالاً لم يجد الجرأة الكافية ليقوله بالكلام.

مالت هي قليلاً نحوه، بلا قرار واعٍ منها، استجابة لا إرادية لشيء أقوى من كل الحذر الذي حملته معها إلى هذا القصر منذ اليوم الأول.

كادت المسافة بينهما أن تنعدم تماماً.

وفي تلك اللحظة بالضبط، سمعا صوت باب يُفتح بعيداً في الرواق المطل على الحديقة، وخطوات تقترب.

ابتعد يوسف خطوة كاملة إلى الوراء، بسرعة، أنفاسه لا تزال غير منتظمة. مرّر يده في شعره المبلل بحركة عصبية خفيفة، وضحك ضحكة قصيرة مرتبكة لم تكن موجهة لأحد بقدر ما كانت محاولة لتفريغ التوتر.

"يبدو أن المطر لا ينوي أن يرحمنا اليوم." قالها بصوت أخفض من المعتاد، متجنباً عينيها للحظة.

ابتسمت سلمى، حاولت أن يبدو صوتها طبيعياً أكثر مما تشعر به. "يبدو ذلك."

لم يقل أي منهما شيئاً أكثر من هذا. لكن كليهما عرف، دون أن يصرّح أحد بشيء، أن أمراً كان على وشك أن يحدث، وأن توقفه لم يكن نهاية له، بل مجرد تأجيل.

توقف المطر بعد دقائق. مشيا عائدين إلى القصر في صمت مختلف عن كل الصمتات التي سبقته بينهما.

في تلك الليلة، جلس يوسف وحده في مكتبه، أمامه ملفات لم يفتحها.

كان يفكر في التفاصيل — ضحكتها العالية غير المتوقعة، يدها التي بدّلت جانباً دون تفسير مقنع تماماً، خشونة خفيفة في راحة كفّها لاحظها حين لمسها ولم تكن تشبه يدين قضتا سبعة عشر عاماً محمّيتين خلف أسوار قصر.

كل تفصيلة وحدها لا تعني شيئاً. مجتمعة، كانت تشكّل شكلاً لا يحب النظر إليه مباشرة.

وفكّر أيضاً، رغماً عنه، في تلك اللحظة تحت المطر — في كم كان قريباً من فعل شيء لم يخطط له، وفي أنه، رغم كل الحذر الذي يفرضه على نفسه هذه الأيام، لم يندم على ذلك القرب ولو للحظة واحدة.

فكّر أن يسأل. فكّر أن يطلب فحصاً طبياً آخر، أو يراجع أوراق التعرّف القديمة، أو يتحدث مع كريم.

ثم فكّر في وجهها تحت المطر. في الطريقة التي نظرت بها إليه قبل أن يبتعد.

أغلق الملف الذي لم يفتحه أصلاً، وأطفأ الضوء.

قرر ألا يسأل. ليس بعد. ربما لاحقاً. ربما أبداً.

لأنه، ولأول مرة يعترف بها لنفسه بوضوح في تلك الليلة، لم يعد متأكداً أنه يريد الجواب.

حاولت سلمى، في لقائها الأسبوعي الروتيني مع ليليان، أن تذكر الأمر بحذر شديد.

"تلقيت... شيئاً غريباً تحت بابي، منذ فترة." اختارت كلماتها بعناية. "ورقة. بلا توقيع."

توقفت يد ليليان عن الكتابة للحظة واحدة فقط — لحظة قصيرة جداً لولا أن سلمى كانت تراقبها بدقة محقق لا بدقة موظفة.

"أي نوع من الأوراق؟" سألت ليليان بنبرة محايدة تماماً، بلا رفع رأس.

"تحذير. غامض." لم تذكر الكلمات بالضبط. أرادت أن ترى ردة الفعل أولاً.

"في بيت بهذا الحجم، فيه خدم كثر وأحاديث كثيرة تتسرب دون معنى حقيقي وراءها." ردّت ليليان أخيراً، برودها المعتاد لم يهتز قيد أنملة. "لا تعطي الأمر وزناً أكبر مما يستحق. ركّزي على دورك."

لم تسأل عن الورقة نفسها. لم تطلب رؤيتها. لم تُظهر قلقاً واحداً يليق بامرأة مسؤولة عن سلامة الفتاة التي وضعتها في قلب هذا الفخ.

خرجت سلمى من اللقاء بيقين هادئ بارد: ليليان إما تعرف من أرسل الورقة، أو لا تريد أن تعرف.

كلا الاحتمالين كان مخيفاً بالقدر نفسه.

في تلك الليلة، جلست سلمى على حافة السرير، الليمونة الصغيرة الخضراء التي أعطاها إياها يوسف موضوعة على المنضدة بجانبها، لم تجرؤ بعد على التخلص منها ولا على أن تسأل نفسها لماذا احتفظت بها فعلاً.

فكّرت في تلك اللحظة تحت المطر — في قربه منها، في الثانية التي ظنت فيها أن كل مسافة بينهما ستنعدم. في الدفء الذي شعرت به، رغم كل شيء، رغم أن كل لحظة من هذا مبنية على كذبة تحمل اسمها هي بالذات في وسطها.

كانت سعيدة. هذا ما أرعبها أكثر من أي شيء آخر.

سعيدة بلحظة لا تملك فيها الحق أن تكون سعيدة بها. مرتاحة إلى رجل يحب امرأة أخرى فيها، لا يعرف حتى أنه ينظر إليها هي.

فكّرت في الورقة المخبأة في الحقيبة. في ليليان التي لم تسأل. في نظرة كريم الباردة التي عادت إلى ذهنها فجأة دون سبب واضح.

وفكّرت، للمرة الأولى بوضوح تام منذ قبلت هذا الاتفاق، أن الهدوء الذي تعيشه هذه الأيام ليس هدوءاً حقيقياً.

إنه فقط الصمت الذي يسبق شيئاً لم تعرف بعد شكله.

أطفأت الضوء، لكنها بقيت مستيقظة طويلاً، تستمع إلى صوت القصر النائم من حولها، وتتساءل كم من الوقت بقي قبل أن ينهار كل شيء تحت هذا الهدوء الخادع.


الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة المزيفة

المؤلف حنان
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة