لقاء ياسمين الحقيقية

لقاء ياسمين الحقيقية

11 1

كان مقهى الياسمين البعيد مكانًا لا يشبه أي مكان اعتادت سلمى ارتياده في حياتها الجديدة — لا رخام، لا نُدُل بأزياء موحّدة، لا صمت مصطنع.

طاولات خشبية بسيطة، رائحة قهوة تركية ثقيلة، زبائن قلائل يدخنون بصمت في زوايا بعيدة عن بعضها.

جلست في الركن الخلفي كما طلبت الرسالة، ظهرها إلى الجدار، عيناها على الباب.

وصلت قبل الموعد بعشرين دقيقة.

أمضتها كلها تراقب كل من يدخل، قلبها يتسارع مع كل صوت جرس معلّق فوق الباب.

عند الرابعة تمامًا، دخلت امرأة تلف حول رأسها وشاحًا كبيرًا ونظارة شمسية داكنة، رغم أن الشمس بدأت تميل نحو الغروب.

مشت مباشرة نحو الطاولة الخلفية، دون تردد، دون أن تسأل أحدًا عن أحد.

جلست في المقابل.

نزعت النظارة ببطء.

توقف قلب سلمى عن النبض للحظة كاملة.

كانت كمن تنظر في مرآة غريبة، مشوّهة بطريقة ما، وصحيحة تمامًا بطريقة أخرى.

نفس ملامح الوجه.

نفس شكل العينين.

لكن فيهما شيء لم تحمله عينا سلمى يومًا — حذر عميق، متجذّر، من ذلك النوع الذي لا يُبنى في أشهر، بل في سنوات من النظر خلف الكتف باستمرار.

بشرتها أقل نعومة مما توقعت سلمى من صور الملف القديمة.

شعرها مقصوص بطريقة عملية بسيطة لا تشبه أناقة قصر الفارسي.

ويداها — حين وضعتهما على الطاولة — كانتا يدين اشتغلتا، خشنتين قليلًا، لا يدي وريثة محمية.

"أنتِ..."

همست سلمى، ولم تكمل الجملة.

"أنا ياسمين."

قالتها المرأة بصوت هادئ، منخفض، مضبوط بدقة من اعتادت ألا ترفع صوتها في الأماكن العامة أبدًا.

"الحقيقية. أعرف أن هذا صعب الاستيعاب."

جلستا في صمت لحظة، كل منهما تدرس وجه الأخرى بشيء أقرب إلى الذهول منه إلى أي شعور آخر يمكن تسميته.

"لا بد أن هذا غريب بالنسبة لكِ أيضًا."

قالت سلمى أخيرًا، بصوت أهدأ مما شعرت به داخلها.

"أن ترى شخصًا يرتدي حياتك."

عبرت ابتسامة مريرة وجه ياسمين، سريعة، اختفت بسرعة ظهورها.

"أنتِ لا تعرفين نصف ما هو غريب في هذا."

ردّت.

"لكن دعينا نبدأ بما هو ضروري أولًا."

مدّت ياسمين يدها إلى شعرها عند الصدغ الأيسر، أزاحت خصلة بحركة معتادة، كمن فعلت هذا آلاف المرات لتتحقق من شيء لا يريد أن يُرى.

كان هناك خط رفيع، أبيض شاحب، يمتد من أعلى الصدغ إلى ما فوق الأذن بقليل، تخفيه الخصلة تمامًا حين تُسدل بشكل طبيعي.

"من الحادثة."

قالتها بصوت جاف، بلا مشاعر ظاهرة، كمن تعلمت أن تتكلم عن الأمر بحياد مصطنع بعد سنوات طويلة.

"ارتطم رأسي بإطار النافذة حين انقلبت السيارة. الأطباء قالوا إنني محظوظة أن الجرح لم يكن أعمق بسنتيمترات قليلة."

تذكرت سلمى فجأة، بقشعريرة خفيفة، سطرًا عابرًا قرأته في الدفتر — إشارة سريعة غامضة إلى "ألم في الرأس لا يزول"، لم تفهم وقتها مغزاها الكامل.

"أعرف أنكِ قرأتِ عن هذا في مكان ما."

أضافت ياسمين، وكأنها تقرأ الفكرة في عيني سلمى مباشرة.

"الدفتر يحتوي على أكثر مما تتخيلين، حتى لو لم يذكر التفاصيل بوضوح."

"لماذا ترينني إياها؟"

سألت سلمى بحذر.

"لأنه لا يوجد شخص آخر على وجه الأرض يعرف بوجود هذه الندبة تحديدًا في هذا المكان بالذات، سوى طبيب أنقذ حياتي في مستشفى صغير بعيد عن هذه المدينة، تحت اسم مستعار."

ردّت ياسمين بجدية تامة.

"أريتكِ إياها لأنني أحتاجكِ أن تصدقيني تمامًا في كل ما سأقوله بعد هذا. وأنا لا أعطي هذا النوع من الثقة بسهولة، لأحد."

طلبت ياسمين قهوة لم تلمسها تقريبًا طوال الجلسة، وبدأت تتكلم، بصوت منخفض ثابت، كأنها تروي قصة حفظتها عن ظهر قلب في رأسها لعشر سنوات دون أن تجرؤ على قولها بصوت عالٍ لأي أحد.

"أبي كان اكتشف شيئًا، في الأشهر الأخيرة قبل موته.

تلاعبًا في حسابات الشركة العائلية، تحويلات لا تفسير قانونيًا واضحًا لها، تصل في النهاية إلى حسابات يسيطر عليها كريم وحده.

لم يكن أبي رجل مواجهات كبرى، لكنه كان يخطط لطرح الأمر أمام مجلس إدارة الشركة، ولديه أدلة كافية، كما فهمت لاحقًا، لتدمير سمعة كريم المالية والقانونية بالكامل."

توقفت، أصابعها تدور حول حافة فنجان القهوة الذي لم تشربه.

"الحادثة حدثت قبل أسبوع واحد من الاجتماع المقرر مع مجلس الإدارة."

"تقصدين—"

"لم يكن حادثًا."

قالتها ياسمين بصوت لا يحمل أي تردد.

"الفرامل فشلت في منحدر يعرفه أبي جيدًا، في طريق سلكه مئات المرات من قبل بأمان تام.

المحققون أغلقوا الملف بسرعة غريبة، بتقرير رسمي يتحدث عن 'خلل ميكانيكي عشوائي'.

كنت في السيارة، في المقعد الخلفي.

رأيت وجهه في المرآة قبل الاصطدام، وأتذكر أنه كان يحاول شيئًا بالفرامل ووجهه يتغير من ارتباك إلى رعب حقيقي في ثوانٍ."

صمتت سلمى، والدفتر يعود إلى ذهنها بكل ثقله — الجملة الأخيرة، المكتوبة بضغط أثقل من سائر الصفحة:

"رأيت ما رأيت، وأنا الوحيدة التي تعرف كيف مات أبي."

"بعد الحادثة، بدأت ألاحظ أشياء."

أكملت ياسمين.

"كريم يقترب أكثر مني، يسأل أسئلة كثيرة عن أوراق أبي، عن ملاحظاته، عن أي شيء تركه ورائه.

ثم بدأت أشياء صغيرة تختفي من غرفته — دفاتر ملاحظات، ملفات كنت أعرف مكانها.

في مرة، وجدت رجلًا غريبًا يفتش غرفتي بينما كنت أفترض أن أكون في المدرسة.

حين واجهته، ادّعى أنه فني صيانة أُرسل بالخطأ."

"وحين بلغتِ السابعة عشرة؟"

سألت سلمى بصوت خافت.

"حين اقتربت من سن يسمح لي قانونيًا بالوصول إلى بعض ملفات الشركة، وبدأت أطرح أسئلة على المحامين حول أوراق أبي، تلقيت تحذيرًا غير مباشر — حادثة سيارة أخرى، هذه المرة استهدفتني أنا مباشرة.

لم تنجح بفضل الحظ وحده.

في تلك الليلة فهمت أنني إن بقيت، سأكون التالية."

"لماذا لم تخبري أحدًا؟"

سألت سلمى بصوت مثقل.

"الجدة؟ يوسف؟ الشرطة؟"

ابتسمت ياسمين ابتسامة حزينة عميقة.

"من كان سيصدقني؟

رجل في الخمسين، محترم في كل مجلس، يمسك بكل خيوط المال والنفوذ في هذه المدينة تقريبًا، ضد فتاة في السابعة عشرة تتحدث عن مؤامرة قتل بلا دليل واحد ملموس، بعد وفاة والدها بحادث أغلقه المحققون رسميًا منذ ثلاث سنوات؟"

هزّت رأسها ببطء.

"جدتي كانت لتنهار من الصدمة، أو الأسوأ، لتصدّق كريم بدلًا مني — إنه ابنها بعد كل شيء، بينما أنا مجرد حفيدة يتيمة الأب فجأة تتحدث بجنون عن مؤامرات."

توقفت لحظة، عيناها تلمعان بشيء لم تسمح له بالسقوط.

"واختفيت بلا كلمة لأنني كنت أعرف أن أي شخص أخبره، أي شخص يعرف أنني أعرف، سيصبح هدفًا بدوري.

كنت أحاول حماية الناس الذين أحبهم بالطريقة الوحيدة التي عرفتها — بابتعادي عنهم تمامًا."

جاء صمت طويل بعدها، ثقيل، لم تحاول أي منهما ملأه فورًا.

ثم، بنبرة تغيّرت فجأة — أخف، أكثر حذرًا، تحاول أن تبدو عابرة ولا تنجح تمامًا — سألت ياسمين:

"كيف حاله؟"

لم تحتج سلمى لأن تسأل عمّن تتحدث.

"بخير."

أجابت بحذر، تختار كلماتها بعناية شديدة.

"محامٍ ناجح الآن. لا يزال قريبًا من العائلة."

"هل لا يزال..."

توقفت ياسمين، وكأن السؤال أثقل من أن يخرج كاملًا دفعة واحدة.

"هل يتحدث عني أحيانًا؟"

نظرت سلمى إليها، وشعرت بشيء يتمزق داخلها ببطء.

"نعم."

قالتها بصدق، لأنها لم تجد كذبة تستحق أن تُقال في هذه اللحظة بالذات.

"كثيرًا، في البداية."

"في البداية؟"

التقطت ياسمين الكلمتين فورًا، بحدة خفيفة لم تستطع إخفاءها تمامًا.

توقفت سلمى، تشعر بالأرض تهتز تحت قدميها في اتجاه لم تكن مستعدة له.

"الأمور معقدة."

قالتها أخيرًا، بصوت أخفض.

"فقدان الذاكرة... جعل الأمور تأخذ مسارًا لم يتوقعه أحد."

نظرت ياسمين إليها طويلًا، وشيء في عينيها بدأ يتغير ببطء — فهم، ربما، أو بداية فهم، لشيء لم تكن ياسمين مستعدة له هي الأخرى.

لم تسأل المزيد.

لكن الصمت الذي تلا كان يحمل ثقل سؤال لم يُطرح بالكامل.

وسلمى شعرت بالذنب يتضاعف في صدرها دفعة واحدة — ذنب تجاه يوسف الذي لا يعرف الحقيقة، وذنب تجاه ياسمين التي لا تزال، بعد كل هذه السنوات، تحمل اسمه في مكان لم تستطع إغلاقه أبدًا.

غيّرت ياسمين الموضوع أخيرًا، بجهد واضح، عائدة إلى نبرتها الحازمة الأولى.

"لن أطلب منكِ أن تنسحبي فورًا، رغم أن هذا ما كنت أفكر فيه حين علمت بوجودك لأول مرة."

قالتها بجدية.

"لأنني أدركت أن انسحابك المفاجئ سيثير شكوك كريم فورًا، وقد يعرّضنا جميعًا لخطر أكبر.

وأدركت أيضًا أنكِ، من داخل ذلك البيت، تملكين وصولًا لا أملكه أنا من مكاني."

"ماذا تريدين مني؟"

سألت سلمى.

"أن نعمل معًا. بصمت تام."

ردّت ياسمين.

"أنتِ تراقبين من الداخل. أراقب أنا من الخارج، وأجمع ما أستطيع من أدلة قديمة كنت قد بدأت جمعها منذ سنوات قبل أن أضطر للاختفاء الكامل.

هدف واحد فقط يجمعنا: إسقاط كريم، وكشف حقيقة ما فعله بأبي، قبل أن يحصل على الوصية كاملة ويصبح بمنأى عن أي محاسبة إلى الأبد."

مدّت يدها إلى حقيبتها، أخرجت هاتفًا صغيرًا بسيطًا، بلا أي ميزات تقريبًا، ووضعته على الطاولة بين يديهما.

"خط لا يمكن تتبعه. استعمليه فقط في حالات الضرورة القصوى، وتخلّصي منه فورًا إن شعرتِ بأي خطر."

ثم أضافت، بنظرة مباشرة ثابتة:

"ولا تثقي بليليان أكثر مما يجب.

لا أعرف بالضبط أي جانب تلعب عليه تلك المرأة، لكنني متأكدة أنه ليس جانبنا وحده."

أخذت سلمى الهاتف بيد لا تزال ترتجف قليلًا، وأومأت برأسها.

"اتفقنا."

قالتها بصوت أكثر ثباتًا مما شعرت به داخلها.

"كريم أولًا. كل شيء آخر ينتظر."

نظرت ياسمين إليها لحظة أخيرة، بشيء يشبه التقدير الحذر يبزغ خلف كل ذلك الحذر المتراكم.

"احذري من نفسك في ذلك البيت، سلمى."

قالتها قبل أن تنهض، النظارة الشمسية تعود إلى مكانها، والوشاح يُسدل من جديد.

"أدوارًا كهذه لها طريقة في أن تبتلع من يلعبها، إن لم ينتبه."

ثم مشت، واختفت بين طاولات المقهى بنفس السرعة الهادئة التي دخلت بها.

تركت سلمى وحدها مع فنجان قهوة بارد، وهاتف صغير بلا اسم، وثقل حقيقة لم تعد قادرة على حملها وحدها بعد اليوم.

كانت ذاهبة إلى هناك لتقابل ياسمين.

والآن، لم تعد تعرف إن كانت عادت من اللقاء وهي تحمل جوابًا...

أم أنها حملت معها سؤالًا أكبر بكثير.


الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة المزيفة

المؤلف حنان
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة