تغيّرت الأيام بعدها بشكل لم يعتده يوسف.
لم يعد هناك مطبخ ليلي، ولا كوب قهوة يتشاركانه في صمت مريح. حين كان يمر بها في الممرات، كانت تبتسم الابتسامة الصحيحة، تقول الكلام الصحيح، وتمضي بسرعة أكبر مما تحتاجه أي مغادرة عادية.
حاول مرتين أن يكسر الجدار. اقترح مرة أن يريها وثيقة عثر عليها في الأرشيف، فاعتذرت بصداع مفاجئ. اقترح مرة أخرى نزهة قصيرة في الحديقة، فأجابت بأنها متعبة، وابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها.
لم يفهم يوسف السبب. أعاد في رأسه كل تفصيلة من ذلك اليوم تحت المطر، يبحث عن خطأ ارتكبه، عن كلمة قالها ولم يكن يجب أن يقولها، عن حركة تجاوز بها حدًا لم يكن مسموحًا له بتجاوزه.
لم يجد إجابة. فقط جدارًا، صار كل يوم أكثر سماكة من اليوم الذي قبله.
ثانيًا: الانفجار
وجدها أخيرًا وحدها عند المكتبة الصغيرة، بعد أسبوعين كاملين من هذا الصمت البارد، تتصفح كتابًا دون أن تقرأه فعلًا.
أغلق الباب خلفه بحركة أكثر حدة مما قصد.
رفعت سلمى رأسها، فوجدت وجهًا لم تره عليه من قبل — لا الدفء المعتاد، ولا الحذر المهذب. غضب حقيقي، طويل الكتمان.
"إلى متى؟" سألها بصوت منخفض لكنه يرتجف تحت السطح بشيء أكبر من الهدوء الذي يحاول فرضه على نفسه.
"يوسف، أنا—"
"لا." قاطعها، خطا خطوة نحوها. "لا تقولي إنك متعبة. لا تقولي إنك تحتاجين وقتًا. أعطيتك أسابيع من الوقت، وأعطيتك صبرًا لم أكن أعرف أنني أملكه، وكل مرة كنت أظن أننا اقتربنا خطوة، كنت تبتعدين عشرًا."
توقف، تنفس، وكأنه يحاول أن يمسك بشيء بداخله قبل أن يفلت منه تمامًا.
"عشر سنوات انتظرتك يا ياسمين." قالها بصوت أخفض فجأة، أكثر ألمًا من الغضب نفسه. "عشر سنوات، ولم أسمح لنفسي حتى أن أحب أحدًا آخر، لأن جزءًا مني ظل يعتقد أنك ستعودين يومًا. وحين عدت فعلًا، حين ظننت أن كل شيء سيعود كما كان، أو على الأقل سيجد طريقه إلى شيء جديد—" ضحك ضحكة قصيرة مريرة لا فرح فيها. "بدأت تبتعدين مني أكثر مما كنت بعيدة وأنت على بعد بلد كامل."
"هذا ليس عدلًا." همست سلمى، وصوتها بدأ يرتجف رغمًا عنها.
"لا. ليس عدلًا." رد بحدة. "لكن أخبريني ما هو العدل هنا؟ أن أقف كل يوم أشاهدك تفتحين بابًا ثم تغلقينه في وجهي دون تفسير واحد؟"
وقفت سلمى، والكلمات تتزاحم في صدرها أكثر مما تستطيع كتمانه.
لم تستطع أن تقول الحقيقة. لكنها، لأول مرة منذ دخلت هذا البيت، لم تستطع أيضًا أن تقول الكذبة المعتادة.
"لأنني خائفة." قالتها أخيرًا، بصوت مكسور، حقيقي بشكل لم تخطط له. "خائفة أنك تحب امرأة لم تعد موجودة، يوسف. امرأة عشتها في ذاكرتك عشر سنوات كاملة حتى صارت أكمل وأجمل مما كانت يومًا، وأنا... أنا لا أعرف حتى إن كنت قادرة أن أكون هي مجددًا."
توقفت، أنفاسها متقطعة، لكنها أكملت قبل أن يستطيع هو أن يقول شيئًا.
"ماذا لو نظرت إلي يومًا ورأيت أنني لست من تتذكرها؟ ماذا لو اكتشفت أن كل ما تحبه في الآن ليس سوى ظل لشخص آخر، وأن الحقيقة، حين تظهر كاملة، لن تكون بالجمال الذي تخيلته كل هذه السنين؟" صوتها ارتفع قليلًا، لا غضبًا، بل انكشافًا. "أنا خائفة أن أخيب ظنك. أنا خائفة أنني، ببساطة، لست الشخص الذي تظن أنه أمامك."
كل كلمة كانت صادقة تمامًا. لكن الحقيقة التي تحملها، والحقيقة التي سمعها يوسف، لم تكونا الحقيقة نفسها.
سمع يوسف امرأة عادت بعد غياب طويل، تخشى ألا تليق بذكرى صنعها الشوق أجمل من الواقع.
وسلمى، في داخلها، كانت تتكلم عن شيء أعمق من هذا بكثير — عن اسم ليس اسمها، عن وجه يحمل ملامح ليست ملامحها الحقيقية، عن يوم قادم لا محالة ستُكشف فيه، ولن يبقى بعده أي شيء مما بينهما.
لم يعرف يوسف أيًا من هذا. لكن الألم في صوتها كان حقيقيًا بما يكفي ليصل إليه.
بقي واقفًا لحظة، صامتًا، ينظر إليها وكأنه يعيد ترتيب كل ما سمعه للتو.
"إذن كل هذا الوقت،" قال أخيرًا بصوت هادئ بارد، أشد إيلامًا من أي صراخ، "كنت تبتعدين لأنك خائفة من خيبة أملي؟ لا لأنك لا تريدين، بل لأنك قررت نيابة عني ماذا يجب أن أشعر به؟"
"يوسف، ليس هذا—"
"عشر سنوات وأنا أحاول أن أفهمك يا ياسمين، وما زلت تقررين نيابة عني كل شيء، تمامًا كما فعلت حين اختفيت دون كلمة، ظانّة أنك تحمينني من شيء، دون أن تسأليني يومًا إن كنت أريد أن أُحمى."
كانت جملة قاسية، أقسى مما قصد ربما، لكنها خرجت قبل أن يستطيع سحبها.
نظر إليها لحظة أخيرة، وجهه مزيج من الغضب والألم والارتباك الذي لا يعرف له اسمًا محددًا بعد.
ثم مشى، وترك الباب مفتوحًا خلفه هذه المرة، وكأنه لا يريد حتى صوت إغلاقه.
جلس يوسف في مكتبه بعدها طويلًا، لا يفعل شيئًا سوى النظر إلى نقطة فارغة على الحائط.
أعاد الجملة الأخيرة في رأسه مرارًا — "تمامًا كما فعلت حين اختفيت" — وشعر بشيء يشبه الخجل يتسلل إليه ببطء. لم يكن هذا ما أراد قوله. لم تكن هذه محاكمة لعشر سنوات مضت. كانت لحظة ضعف حقيقي منها، وقابلها هو بأقسى ما يملك من كلمات.
فكر في وجهها وهي تتكلم — في الخوف الحقيقي الذي رآه فيها، خوفًا لم يستطع أن يشكك فيه للحظة واحدة، مهما حاول.
فكر أنه ربما، للمرة الأولى، رأى شيئًا حقيقيًا تمامًا منها — لا الذاكرة الغائبة، ولا التذكر المتقطع، بل خوفًا إنسانيًا بسيطًا من ألا تكون كافية لمن يحبها.
وفكر أن هذا الخوف، على الأقل، لم يكن بحاجة لذاكرة كاملة ليكون صادقًا.
عاد إليها بعد ساعتين، حين هدأ الغضب وحل محله شيء أقرب إلى الندم الصافي.
وجدها في الحديقة، عند شجرة الليمون، تجلس على الحجر البارد بجانبها، ذراعاها ملتفتان حول ركبتيها، وعيناها حمراوان بوضوح لم تحاول إخفاءه هذه المرة.
جلس بجانبها دون كلام في البداية. ثم قال، بصوت هادئ تمامًا، لا أثر فيه لغضب الساعة الماضية:
"آسف."
نظرت إليه سلمى بمفاجأة صغيرة.
"لم يكن يجب أن أقول ما قلته." أكمل، عيناه على الأرض أمامه لا عليها. "لست في موقع يسمح لي أن أحاسبك على شيء لم أفهم حقيقته يومًا. أنت لم تختاري أن تنسي. ولم تختاري أن تخافي مما تخافين منه."
صمت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض:
"فقط... لا تظني أنني أحب ذكرى، ياسمين. الذكرى لا تضحك بالطريقة التي تضحكين بها الآن. الذكرى لا تجلس تحت هذه الشجرة بالضبط بهذه النظرة. أيًا كان ما تغير فيك، أو ما لم يعد يشبه من كانت هنا قبل عشر سنوات — أنا لا أحاول أن أستعيد شخصًا غاب. أنا أحاول أن أفهم من أمامي الآن."
لم تكن تلك جملة تشك في حقيقتها. لكنها كانت جملة ترى شخصًا مختلفًا بوضوح متزايد — دون أن تملك بعد الاسم الحقيقي لهذا الاختلاف.
مدت سلمى يدها، بلا تفكير، ووضعتها فوق يده الملقاة على الحجر بينهما. لم يسحبها هو. بقيا هكذا، صامتين، تحت شجرة ليمون لا تعرف هي الأخرى أي الاسمين تخصّ الآن حقيقة.
حنان