كريم يتحرك أولًا

كريم يتحرك أولًا

12 1

لم يكن الرجل الذي دخل مكتب كريم ذلك المساء يشبه أحدًا من معارف القصر المعتادين.

بدلة رمادية بسيطة، حقيبة جلدية متهالكة الأطراف، وجه لا يُتذكر بسهولة — من ذلك النوع من الوجوه التي صُنعت لتُنسى فور مغادرة صاحبها الغرفة.

أغلق كريم الباب خلفه بنفسه، فعل نادرًا ما يقوم به، وأشار للرجل بالجلوس.

— أريد كل شيء عنها.

قالها كريم دون مقدمات، صوته خالٍ تمامًا من ذلك الدفء الذي يستعمله في كل غرفة أخرى من هذا البيت.

— الآنسة ياسمين؟

سأل الرجل بصوت محايد، وهو يفتح دفترًا صغيرًا.

— سمّها كما تشاء.

ردّ كريم ببرود:

— أريد اسم كل طبيب عالجها منذ «عودتها». أريد معرفة من أين أتت هذه المرأة التي تدعى ليليان بالضبط، ومن يدفع لها، وما تاريخها الحقيقي قبل أن تظهر في حياة عائلتي فجأة قبل أشهر قليلة.

ثم أضاف:

— وأريد نسخة من بصماتها في ملف التحقيق القديم، من عشر سنوات مضت، حين اختفت ياسمين الحقيقية أول مرة.

توقّف قلم الرجل عن الكتابة للحظة.

— البصمات القديمة موجودة في أرشيف الشرطة.

قال بحذر:

— الوصول إليها سيحتاج وقتًا، وربما... طرقًا غير رسمية.

ابتسم كريم ابتسامته المعتدلة المعتادة، تلك التي لا تصل أبدًا إلى عينيه.

— لديك كل الوقت والمال اللازم.

قالها بهدوء.

— ما لا أملكه هو الصبر.

في اليوم التالي، طلب كريم لقاء ليليان «لمناقشة بعض التفاصيل الإدارية»، بصوت عادي تمامًا عبر الهاتف، لم يُثر أي شك في نفسها.

جلست أمامه في المكتب الأنيق البارد، وابتسمت ابتسامتها المهنية المعتادة.

— تفضل.

لم يبتسم كريم هذه المرة.

وضع أمامها على الطاولة ملفًا رفيعًا، وفتحه ببطء متعمد.

كانت صورًا. مستندات. أسماء.

نظرت ليليان إلى المحتوى، وشعرت — للمرة الأولى منذ سنوات طويلة من العمل في هذا النوع من الصفقات — بشيء يقترب من الخوف الحقيقي.

— لن أضيّع وقتنا كلينا بالتظاهر أنني لا أعرف ماذا يجري في هذا البيت.

قال كريم بهدوء تام، يداه متشابكتان أمامه على الطاولة.

— أعرف أن الفتاة التي تسكن غرفة ياسمين ليست ياسمين. لا أعرف بعد كل التفاصيل، ولا من دبّر هذا بالضبط، أو لماذا. لكنني أعرف أنك في قلب الأمر.

ثم تابع:

— وأعرف — بعد يومين فقط من البحث — أن اسمك الحقيقي ليس ليليان، وأن هناك قضية قديمة تحمل اسمك الحقيقي لا تزال مفتوحة في مدينة أخرى، بتهمة أخطر بكثير من انتحال هوية.

شحب وجه ليليان قليلًا، رغم كل تدريبها على ضبط ملامحها.

— ماذا تريد؟

سألت أخيرًا، بصوت أكثر برودة من أي وقت مضى.

— لا شيء كثير.

ابتسم كريم من جديد، وعادت ابتسامته الباردة إلى مكانها.

— استمري في عملك بالضبط كما هو، دون أي تغيير يلاحظه أحد. لكن من الآن فصاعدًا، أنت تعملين لحسابين، لا حساب واحد.

صمت لحظة، ثم أضاف:

— كل ما تعرفينه، كل ما تسمعينه، كل خطوة تخطط لها تلك الفتاة أو من يقف خلفها — أريده يصلني أولًا، قبل أي طرف آخر.

صمتت ليليان طويلًا، تحسب الخسائر والمكاسب بسرعة من اعتادت أن تنجو دائمًا.

— وإن رفضت؟

— عندها ستكتشفين أن قوانين هذا البلد لا ترحم من ينتحل صفة وريثة عائلة نافذة.

ردّ كريم بهدوء يشبه الحديث عن الطقس.

ثم أضاف:

— وستكتشفين أنني، على عكس ما تظنين، لا أحتاج دليلًا كاملًا لأُدمّر حياة أحد. أحتاج فقط شكًا كافيًا، وعلاقات كافية.

أطالت ليليان النظر إليه، ثم أومأت برأسها ببطء، إيماءة استسلام باردة محسوبة بدقة.

— اتفقنا.

بدأ المحقق الخاص عمله بهدوء منهجي، بلا ضجيج، بلا أسئلة مباشرة قد تثير انتباه أحد.

تتبّع سجلات مستشفيات صغيرة نائية، بحثًا عن أي إشارة لعلاج امرأة تعاني فقدان ذاكرة يطابق حالة «ياسمين».

تواصل مع معارف قدامى في دوائر الشرطة للحصول على نسخة من بصمات ملف التحقيق القديم.

راقب من بعيد حركة الفتاة التي تعيش في القصر الآن، يسجّل كل خروج، كل زيارة، كل تفصيلة صغيرة قد تبدو بلا أهمية لأي شخص آخر.

كان العمل بطيئًا بطبيعته — أرشيف شرطي قديم لا يُفتح في يوم واحد، ومستشفيات كثيرة يجب مراجعتها واحدة تلو الأخرى.

لكنه كان يتقدم بثبات، كساعة رملية تفرغ حباتها ببطء لا يمكن إيقافه.

في أحد الأيام، استوقف كريم سلمى في الممر بابتسامته المعتادة، بلا مقدمات واضحة.

— ياسمين، عزيزتي.

قالها بدفء مصطنع.

— المحامون يحتاجون بصمة إضافية على بعض الأوراق التكميلية، إجراء شكلي بحت يخص عملية نقل الوصية. سأرسل لك الأوراق غدًا.

أومأت سلمى بابتسامة الغطاء المعتادة، لكن شيئًا في نظرة كريم — نظرة باردة، محسوبة، بقيت معلّقة عليها ثانية أطول من اللازم قبل أن يمضي — جعل قشعريرة خفيفة تسري في جسدها.

لم تكن تعرف بعد أن تلك «البصمة الإضافية» لم تكن إجراءً شكليًا على الإطلاق، بل خطوة أخرى في مقارنة صامتة، تتقدم يومًا بعد يوم، نحو حقيقة قد تدمر كل شيء.

مضى كريم في طريقه، هادئًا كعادته، وابتسامته لم تفارق وجهه للحظة واحدة.

خلفه، بقيت سلمى واقفة في الممر، تشعر بثقل نظرة لم تفهم بعد خطورتها الكاملة، لكنها بدأت، بغريزة لا تخطئ، تعرف أن الوقت لم يعد يعمل لصالحها كما كانت تظن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة المزيفة

المؤلف حنان
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة