ياسمين تغضب وتغار

ياسمين تغضب وتغار

12 1

وصل المغلف إلى العنوان الآمن الذي تستخدمه ياسمين منذ سنوات — شقة صغيرة مستأجرة باسم مستعار، لا يعرف عنوانها أحد سوى شخصين أو ثلاثة تثق بهم ياسمين بحذر شديد، حذر من نوع من تعلّم أن الثقة كاملة تكلف حياة.

لم يكن المرسل صاحب المغلف نفسه. كان وسيطًا — رجلًا كبيرًا في السن، يعمل حارسًا متقاعدًا لأحد بيوت الحي المجاور للقصر، ممن بقوا على تواصل خفيف مع ياسمين منذ اختفائها، بدافع ولاء قديم لوالدها أكثر منه بدافع أي شيء آخر.

كان يراقب من بعيد، بلا طلب مباشر منها، لأنه ببساطة لم يثق يومًا بكريم، ولم يتوقف عن الشعور أن شيئًا في ذلك البيت لم يكن على ما يرام منذ ليلة الحادثة.

فتحت ياسمين المغلف بأصابع هادئة معتادة على فتح مغلفات كهذه دون أن ترتجف.

صور.

عدة صور، مطبوعة بجودة هاتف عادي لا كاميرا احترافية، لكنها كانت واضحة بما يكفي.

الأولى: يوسف يفتح باب السيارة بيده لامرأة تشبهها هي تمامًا.

الثانية: الاثنان يمشيان في حديقة القصر عند الغسق، قريبين، ورأسان يميلان نحو بعضهما في حديث لا يظهر في الصورة، لكنه واضح من لغة الجسد وحدها.

الثالثة — تلك التي جعلت شيئًا يتصلب في صدر ياسمين لثوانٍ طويلة — التُقطت من زاوية بعيدة عبر نافذة مضاءة في الطابق الأول: الاثنان جالسان على الأرض وسط أوراق قديمة، يده فوق يدها، ولا أحد منهما يسحبها.

لم تكن الصور بحاجة لتعليق.

الوسيط لم يكتب شيئًا سوى سطر واحد على ورقة صغيرة مرفقة:

جلست ياسمين طويلًا، الصور منتشرة أمامها على طاولة الشقة الصغيرة، تشعر بشيء قديم يتحرك في صدرها — شيء ظنت أنها دفنته منذ سنوات تحت طبقات من الحذر والهروب والنجاة اليومية.

غيرة.

كلمة لم تسمح لنفسها بنطقها حتى في رأسها لأول وهلة.

لكنها كانت هناك، حادة، غير عادلة، وحقيقية تمامًا.

وصلت الرسالة إلى الهاتف الصغير بعد يومين، مقتضبة كسابقاتها:

لم تشرح شيئًا.

لكن سلمى شعرت بشيء مختلف في نبرة الكلمات نفسها — برودة لم تكن في الرسالة الأولى، حزم يشبه من يحاول ألا ينهار قبل أن يصل.

في اليوم التالي، عند الساعة الرابعة تمامًا، دخلت ياسمين المقهى بنفس الوشاح، نفس النظارة الداكنة، لكن بخطوات أسرع من المرة الأولى، أقل حذرًا، وأكثر توترًا في الجوهر.

جلست.

لم تنزع النظارة هذه المرة إلا بعد أن استقرت تمامًا.

— شكلك جئتِ بسرعة.

قالت سلمى بحذر، تحاول أن تقرأ التوتر الواضح على الوجه المقابل لها.

لم تجب ياسمين مباشرة.

حدّقت في سلمى طويلًا، بنظرة لم يكن فيها الحياد الحذر الذي حمله اللقاء الأول.

مدّت يدها إلى حقيبتها، وأخرجت مغلفًا بنيًا رفيعًا، ووضعته على الطاولة بين يديهما بحركة هادئة محسوبة، من ذلك النوع من الهدوء الذي يخفي شيئًا أعنف بكثير تحته.

— افتحيه.

قالتها بصوت مسطح.

فتحته سلمى بأصابع متوترة.

الصور الثلاث انزلقت أمامها واحدة تلو الأخرى — يوسف يفتح لها باب السيارة، الاثنان يمشيان في الحديقة عند الغسق، ثم الصورة الأخيرة، من خلف النافذة، يده فوق يدها فوق أوراق الأرشيف.

جمدت سلمى في مكانها.

— جئتِ لتلعبي دورًا اتفقنا عليه من أجل هدف واحد فقط — إسقاط كريم، حماية الجدة، كشف الحقيقة. هذا ما كان يفترض أن يكون.

قالت ياسمين أخيرًا، وصوتها بدأ يفلت من قبضتها شيئًا فشيئًا مع كل كلمة، وعيناها لا تزالان على الصور المنتشرة بينهما.

— لكنك لا تكتفين بلعب الدور، أليس كذلك؟ أنتِ تعيشينه. تسرقين ما ليس لك.

— ياسمين، هذه الصور—

— لا تكذبي عليّ.

قاطعتها بحدة لم تحاول تلطيفها هذه المرة، إصبعها يشير إلى الصورة الأخيرة دون أن تلمسها.

— يفتح لك باب السيارة بيده. تمشيان في الحديقة كأن العالم كله ملككما وحدكما. ويده فوق يدك في تلك الغرفة، وأنتِ لم تسحبيها. أنا لا أحتاج أن أكون هناك لأرى هذا، الصورة تقول كل شيء.

ارتفعت نبرتها قليلًا، ثم انكسرت في منتصف الجملة.

— عشر سنوات انتظرني فيها ذلك الرجل. عشر سنوات لم يسمح لنفسه فيها أن يحب أحدًا آخر، لأنه كان ينتظرني أنا. وأنتِ أتيتِ منذ أشهر قليلة، بوجهي، باسمي، وسرقتِ ما احتجت عشر سنوات لأخسره.

وقفت سلمى، الكلمات تتزاحم في صدرها، غضب وذنب وحزن يتصارعون معًا بلا نظام.

— أنا لم أطلب شيئًا من هذا.

قالتها أخيرًا، بصوت أهدأ من المتوقع، لكنه حمل حدة خاصة به.

— لم أطلب أن يقترب مني. ولم أخطط لأي لحظة من هذه اللحظات. أنتِ تتحدثين وكأنني قررت هذا، وكأنني جلست يومًا وفكرت: سأسرق رجلًا انتظر امرأة أخرى عشر سنوات. لم يحدث هذا هكذا.

— لكنه حدث.

ردت ياسمين بجفاف مؤلم.

— نعم. حدث.

لم تحاول سلمى إنكار ذلك.

— لأنني إنسانة، ياسمين، لا دمية تؤدي دورًا بلا قلب. أعيش كل يوم في بيت ليس بيتي، باسم ليس اسمي، وأمام رجل يحدثني كل يوم عن امرأة أحبها، وأحاول — أحاول بكل ما أملك — ألا أشعر بشيء تجاهه. لكن لا أحد يستطيع أن يقضي هذا الوقت، بهذا القرب، دون أن يحدث شيء.

رفعت عينيها إليها.

— أنتِ من الجميع كان يجب أن تفهمي هذا، لأنكِ عشتِ ما يشبهه — عشتِ سنوات من الاختباء والخوف. وحين اختفيتِ لعشر سنوات، هل بقيتِ حقًا لا تشعرين بشيء؟

صمتت ياسمين.

لكن سلمى لم تتوقف.

— وأنتِ التي تركتِه وحده عشر سنوات. لم ترسلي رسالة واحدة. لم تخبريه أنكِ حية. تركتِه يحمل حزنًا لا نهاية له، وذنبًا ظن طوال هذا الوقت أنه سببه، بينما أنتِ كنتِ تحاولين حمايته من بعيد بطريقة لم تمنحيه فيها حق الاختيار حتى مرة واحدة.

ارتجف صوتها.

— والآن تعودين، وتلومينني أنا لأن الوقت لم يتوقف بانتظارك؟

جاء الصمت بعدها ثقيلًا، طويلًا، من ذلك النوع الذي لا يحتاج أحد أن يملأه لأنه يقول كل شيء بذاته.

لم تكن هناك كراهية حقيقية بين المرأتين — كلتاهما تعرف ذلك، عميقًا، رغم الكلمات القاسية.

لكن كان هناك جرح حقيقي من الطرفين، جرح لن يشفى بمجرد اعتذار سريع أو مصالحة متسرعة.

أنزلت ياسمين عينيها إلى فنجان قهوتها الذي لم تلمسه، وأصابعها ترتجف قليلًا حول حافته.

— أنتِ محقة.

قالتها أخيرًا، بصوت منهك، خالٍ من الحدة التي حملها قبل دقائق.

— في كل ما قلتِه تقريبًا. وهذا ما يجعل الأمر أصعب.

رفعت عينيها نحو سلمى، وفيهما شيء أقرب إلى الإرهاق منه إلى الغضب الآن.

— لم أعد أعرف ما الذي أغضب منه بالضبط.

اعترفت بصوت أخفض:

— هل أنا غاضبة منكِ لأنكِ تشبهينني، أم لأنكِ لا تشبهينني على الإطلاق؟ هل أنا غاضبة لأنه يحبكِ، أم لأنني، بطريقة ما، بدأت أتساءل إن كان قد يحبني أنا اليوم كما أحبني حين كنت في السابعة عشرة، لو عدت له كما كنت؟

ضحكت ضحكة قصيرة مريرة بلا فرح فيها.

— ربما لا شيء مما تشعرين به تجاهه هو ذنبك حقًا. وربما لا شيء مما أشعر به تجاهك هو ذنبك أيضًا. لكن هذا لا يجعل الألم أخف.

توقفت سلمى فجأة.

سؤال أهم من كل ما قيل حتى الآن بدأ يتشكل في ذهنها.

— من صوّر هذه؟

سألت بصوت أكثر حدة مما قصدت.

— من كان يراقبني بهذا القرب دون أن أشعر؟ ياسمين، هذا يعني أن أحدًا يتبعني، يتبعنا، منذ فترة، وأنا لا أعرف حتى من هو.

توقفت ياسمين، وكأن السؤال أعادها فجأة من غضبها الشخصي إلى واقع أخطر بكثير.

— شخص أثق به.

قالت بحذر.

— لن أخبركِ من هو، ليس الآن على الأقل. لكن إن كان بإمكانه التقاط هذه الصور دون أن ينتبه له أحد في ذلك البيت، فتذكري أن كريم قد يملك أشخاصًا يفعلون الشيء نفسه، دون أن يكونوا في صفنا.

لم تجد سلمى ما تقوله.

مدّت يدها ببطء على الطاولة، لا لتلمس يد ياسمين، بل لتضعها قريبة منها، إشارة صغيرة لا تطلب شيئًا.

— لستُ عدوّتك.

قالتها أخيرًا بهدوء.

— لم أكن يومًا كذلك.

لم تمد ياسمين يدها لتلمس يد سلمى.

لكنها لم تسحب يدها هي الأخرى بعيدًا.

نهضت ياسمين بعد دقائق طويلة من الصمت، وأعادت النظارة إلى مكانها، وعدّلت الوشاح بحركة آلية.

— سنعمل معًا.

قالتها، وكأنها تذكّر نفسها بذلك أكثر مما تخبر سلمى.

— هذا لم يتغير. كريم لا يزال أهم من كل هذا.

— أوافقكِ.

ردت سلمى بصدق.

توقفت ياسمين عند حافة الطاولة، لم تنظر خلفها مباشرة، لكن كلماتها الأخيرة وصلت بوضوح تام:

— لا أطلب منكِ أن تبتعدي عنه. أعرف أن هذا لن يكون عادلًا، ولن يكون ممكنًا أصلًا في الوضع الذي أنتِ فيه.

توقفت لحظة.

— فقط... لا تنسي أن اسمكِ ليس ياسمين. مهما طال الأمر، ومهما بدا واقعيًا حين تنتهي هذه القصة، سيتوجب عليكِ أن تتذكري من أنتِ فعلًا.

خرجت من المقهى دون أن تلتفت خلفها.

بقيت سلمى وحدها، تحدق في الباب المغلق، وفنجانان من القهوة لم يشرب أيّ منهما، وثقل جملة أخيرة لم تكن قاسية بقدر ما كانت صحيحة أكثر مما تحتمل.

فكرت في يوسف.

في يده فوق يدها.

في كل لحظة بنتها هذه الأسابيع على اسم ليس اسمها.

وفكرت، للمرة الأولى بوضوح تام منذ لقاء المقهى الأول، أن ياسمين لم تكن مخطئة في شيء واحد على الأقل:

هذا الدور بدأ يبتلعها فعلًا.

عادت إلى القصر قبل الغروب بقليل، وجهها مرهقًا بعناية أكبر من المعتاد، لكن العناية نفسها كانت علامة يعرفها من يبحث عنها — قناع أثقل من قناع يوم عادي.

وجدت يوسف ينتظر عند مدخل الجناح.

لا يبدو أنه ينتظرها تحديدًا، لكن وقفته قالت غير ذلك.

— أين كنتِ؟

سأل بهدوء ظاهري لم يُخفِ توتره.

— خرجت لبعض الوقت.

أجابت بابتسامة سريعة، وحاولت أن تمر بجانبه نحو الدرج.

مد يده، لا ليمسكها، بل ليقف بجسده بين الدرج وبينها، بحركة لم تكن عدائية، لكنها لم تكن عابرة أيضًا.

— ياسمين.

قالها بصوت أهدأ، لكن فيه ثقل لم تعتده منه من قبل.

— هذه المرة الثالثة هذا الشهر تخرجين فيها وحدك، بلا تفسير، وتعودين بهذا الوجه بالضبط — وجه شخص كان في مكان لا يريد أن يخبر أحدًا عنه.

— يوسف، أنا متعبة فقط—

— لا.

قاطعها بلطف، لكن بحزم لا يترك مجالًا للهروب.

— لا تقولي متعبة. ليس لي أنا على الأقل.

توقف، وكأنه يجمع شجاعة كان يؤجلها منذ أيام.

— من تقابلين؟

جمدت سلمى للحظة كاملة، لحظة أطول مما ينبغي.

لاحظ يوسف ذلك.

رأته في عينيها قبل أن تحاول إخفاءه.

— لن أجيب على هذا.

قالتها أخيرًا بصوت خافت، تختار كل كلمة بحذر شديد.

— ليس لأنني لا أثق بك. لأن الأمر... معقد، وخطر، وأنا أحاول أن أحميك من شيء لا أفهمه بالكامل بعد أنا نفسي.

نظر إليها يوسف طويلًا، وشيء في وجهه تغير — لم يكن غضبًا صريحًا، بل خيبة أعمق من ذلك، أهدأ وأثقل.

— أتعرفين ما المضحك؟

قال بصوت منخفض:

— منذ أسابيع، جلست معكِ على أرض تلك الغرفة، وحكيت لكِ أشياء لم أحكها لأحد آخر على الإطلاق. عن أبي. عن ذنبي تجاهكِ، أو تجاه من ظننتكِ. عن كل شيء تقريبًا صار في داخلي منذ اختفائكِ.

توقف، وعيناه لا تفارقان وجهها.

— ظننت أننا وصلنا إلى مكان لا أسرار فيه بيننا. ظننت أن هذا ما كان يحدث بيننا هذه الأشهر. والآن أكتشف أنكِ لا تزالين تخفين عني أشياء، تخرجين لمقابلة أشخاص لا أعرف عنهم شيئًا، وتعودين بوجه يقول إن العالم أثقل مما أتخيله.

— يوسف—

— أنا لا ألومكِ.

أكمل بسرعة، قبل أن تستطيع هي أن تكمل جملتها.

— لا أعرف حتى على أي أساس ألومكِ، لأنني لا أعرف ماذا يحدث أصلًا. لكن هذا بالضبط ما يؤلمني. أنني أعطيتكِ كل شيء عندي، وما زلت لا أعرف عنكِ أشياء أساسية بهذا الشكل.

وقف صامتًا لحظة، ثم ابتعد خطوة، وأفسح لها الطريق نحو الدرج دون أن يطلب منها إجابة أخرى.

— اذهبي وارتاحي.

قالها بصوت هادئ متعب.

— لكن اعرفي شيئًا واحدًا: لا يمكن أن تُبنى ثقة حقيقية في اتجاه واحد فقط، ياسمين. وأنا بدأت أتساءل، فعلًا، أي اتجاه نحن فيه.

صعدت سلمى الدرج ببطء، تشعر بثقل نظرته على ظهرها حتى اختفى صوت خطواته في الاتجاه المعاكس.

في تلك الليلة، جلست وحدها في غرفتها.

صورة يد يوسف فوق يدها لا تزال حاضرة في ذهنها من جهة، وصوته المتعب يسألها: «من تقابلين؟» من جهة أخرى.

وأدركت أن الفخ الذي دخلت فيه لم يعد فخًا واحدًا بعد الآن.

صار فخين، من جهتين مختلفتين تمامًا، يضيقان حولها في آن واحد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة المزيفة

المؤلف حنان
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة