سلمى تريد الخروج

سلمى تريد الخروج

10 1

طلب منها كريم أن تمر على مكتب المحامين صباحاً، "إجراء شكلي بحت"، على حد وصفه.

لم يكن شكلياً.

وضع أمامها المحامي الأول ورقاً رسمياً بختم وزاري، جملاً قانونية طويلة معقّدة لم تفهم نصفها، تتحدث عن "إقرار هوية" و"استئناف صفة الوريثة الشرعية" تمهيداً لإجراءات نقل الوصية بعد بلوغ السن القانونية. طلبوا توقيعها. ثم طلبوا بصمتها.

نظرت سلمى إلى الورقة طويلاً. إلى اسم "ياسمين الفارسي" المطبوع أعلاها بخط رسمي جامد. إلى الخانة الفارغة أسفلها بانتظار خط يدها هي.

"هذا... يحتاج وقتاً لأراجعه." حاولت أن تكسب وقتاً لا تعرف بالضبط ماذا تفعل به.

"إنه إجراء روتيني تماماً." ابتسم كريم من مكانه عند النافذة، بصوته الدافئ المعتاد الذي لم يعد يخدعها منذ زمن. "كل ما في الأمر هو تأكيد أنكِ أنتِ. أمر بسيط لفتاة تعرف من هي، أليس كذلك؟"

كانت الجملة الأخيرة موجهة إليها بدقة أكبر مما يبدو عليها ظاهرياً.

وقّعت. بصمت. أعطتهم إصبعها.

خرجت من المكتب بيد لا تزال تحمل أثر الحبر، وشعور بارد يتصاعد ببطء من معدتها إلى صدرها.

لم تكن قد فكرت في الأمر بهذه الطريقة من قبل. كانت الكذبة، حتى تلك اللحظة، كلاماً — دوراً تؤديه، جملاً تحفظها. الآن صارت توقيعاً رسمياً، بصمة إصبع، على وثيقة تحمل ختماً حكومياً. صارت شيئاً يمكن لأحد أن يرفعه أمام قاضٍ ذات يوم ويقول: هذه امرأة انتحلت هوية أخرى، بإرادتها الكاملة، وبخط يدها.

وقفت في الممر الرخامي الطويل، ينظر إليها آباء وأجداد ياسمين من صور معلّقة على الجدران بعيون لا تعرفها، وشعرت لأول مرة أنها لم تعد تمثّل دوراً.

صارت جزءاً منه، بشكل لا رجعة فيه.

لم تنتظر حتى المساء.

أغلقت باب غرفتها، أدارت المفتاح، جلست على الأرض في زاوية بعيدة عن النافذة كأنها تخفي نفسها من عين لا تراها، وطلبت الرقم بيد ترتجف.

ردّت ليليان من النغمة الثالثة، بصوتها الهادئ المعتاد.

"سلمى؟ هذا وقت غير معتاد للاتصال."

"أريد الخروج." قالتها سلمى بلا مقدمات، بصوت منخفض حادّ لم تعرف من أين جاءت حدّته. "الآن. اليوم. أريد أن أنهي هذا."

صمت قصير من الطرف الآخر.

"هدّئي من روعك، وأخبريني ماذا حدث."

"وقّعت اليوم على ورقة رسمية باسم ياسمين. بصمتي أنا، على ورقة باسمها هي. وقبلها بأسابيع وجدت ورقة تحت بابي تقول إنني لست بأمان، ولم تهتمي حتى أن تسأليني عن تفاصيلها. وأشعر أن أحداً يراقبني في هذا البيت طوال الوقت، وكريم ينظر إليّ كأنه يعرف كل شيء، والجدة تسألني أسئلة لا إجابة لها في أي ملف، ويوسف—" توقفت فجأة، لم تكمل الجملة.

"يوسف ماذا؟" سألت ليليان بهدوء لم يهتز، لكن شيئاً في نبرتها صار أكثر انتباهاً.

"لا شيء." ابتلعت سلمى الكلمة. "أريد الخروج فقط. الآن."

جاء صوت ليليان بعدها مختلفاً تماماً.

لم يعد فيه ذلك الدفء المحسوب الذي استعملته في أول لقاء بينهما، ولا ذلك الحياد المهني الذي رافق كل تدريب. صار صوتاً بارداً، مسطّحاً، مباشراً بقسوة لم تسمعها سلمى منها من قبل.

"اسمعيني جيداً، لأنني لن أكرر هذا."

"ليليان—"

"لا. اسمعي." قاطعتها بحدّة هادئة أخافتها أكثر من أي صراخ ممكن. "أنتِ لستِ موظفة في عمل يمكنك تقديم استقالتك فيه صباح غد. أنتِ وقّعتِ اليوم — بإرادتك، بيدك، ببصمة إصبعك — على وثيقة رسمية تنتحلين فيها هوية وريثة عائلة من أكبر عائلات هذه المدينة. هذا ليس دوراً مسرحياً بعد اليوم يا سلمى. هذا احتيال موثّق، بتوقيعك."

شعرت سلمى بالغرفة تضيق من حولها.

"لكنكِ من طلبتِ مني—"

"وستكون كلمتي ضد كلمتك أمام أي محكمة." قالتها ليليان بهدوء تام، وكأنها تقرأ حقيقة جافة من ورقة. "لن يكون هناك أي أثر مكتوب يربطني بهذا الاتفاق. لا عقد، لا رسالة، لا تسجيل. أنتِ من وقّع. أنتِ من ظهر أمام الجدة، أمام كريم، أمام يوسف، أمام كل خادم في ذلك القصر، وقالت إنها ياسمين الفارسي. إن انسحبتِ الآن، ستُتَّهمين بالاحتيال على عائلة ثرية ونافذة، وستُتَّهمين وحدك."

"وأمي—" همست سلمى، وصوتها بدأ يتكسّر.

"علاج أمك ممّول بعقد رعاية طبية مرتبط مباشرة باستمرار عملك." جاء الجواب باقتضاب لا رحمة فيه. "لا عمل، لا عقد. لا عقد، لا علاج. الأمر بهذه البساطة القاسية، وأنا آسفة لأنني لم أقلها بهذا الوضوح من البداية، لكنك لم تكوني لتوافقي لو قلتها."

"إذن كذبتِ عليّ منذ اليوم الأول."

"لم أكذب." ردّت ليليان ببرود. "فقط لم أخبرك بكل شيء دفعة واحدة. هذا فرق مهم يا عزيزتي، وستتعلمينه إن بقيتِ في هذا العالم وقتاً كافياً."

توقفت سلمى عن الكلام. لم تجد ما تقوله.

"بخصوص الورقة التي وجدتها،" أضافت ليليان بعد صمت قصير، بنبرة أهدأ قليلاً لكنها لم تفقد بردها، "لا أعرف من أرسلها، وهذه حقيقة، لا محاولة تهرّب. لكنني أنصحك بأمر واحد: لا تحاولي أن تفهمي كل شيء يحدث في ذلك البيت. بعض الأسئلة، إن سألتِها، لن يعجبك جوابها. أكملي دورك. افعلي ما هو مطلوب منك. وستنتهي هذه المسألة، عاجلاً أو آجلاً، بطريقة تعرفين فيها أن أخاك محاط بالأمان الذي أردتِه لأجله."

"أخي." قالتها سلمى بصوت خافت، وكأنها تذكّر نفسها لماذا هي هنا أصلاً.

"بالضبط." أنهت ليليان المكالمة بجملة أخيرة، هادئة بقسوة نهائية لا تحتمل نقاشاً: "لا تتصلي بي مجدداً بهذه الطريقة. إن احتجتِ شيئاً، انتظري لقاءنا الأسبوعي."

انقطع الخط.

بقيت سلمى جالسة على الأرض، الهاتف في يدها، الشاشة مظلمة، طويلاً بعد انتهاء المكالمة.

لم تبكِ في البداية. شعرت فقط بذلك الفراغ الثقيل الذي يسبق البكاء أحياناً، حين يكون الألم أكبر من أن يخرج فوراً.

نظرت حولها إلى الغرفة الفخمة — الأثاث الثمين، الستائر الحريرية، السرير الذي لم يكن سريرها، الخزانة المليئة بثياب امرأة أخرى، اللوحات على الجدران لعائلة ليست عائلتها.

قفص ذهبي. هذا ما كان عليه هذا المكان بالضبط. قفص مذهّب بأبواب لا تُفتح من الداخل.

تذكرت فجأة جملة قرأتها في دفتر ياسمين، مكتوبة بضغط أثقل من سائر الصفحة: "ابتعد عن كريم. ابتعد منه بقدر ما تستطيع."

ياسمين نفسها حذّرت من هذا البيت. وها هي سلمى، لا تستطيع حتى أن تبتعد عن عتبته.

فكّرت في أمها، في سريرها الصغير، في يديها المرتجفتين حول كوب الشاي، في جملتها الأخيرة: "ما تنسيش مين إنتِ."

نسيت. نسيت لدرجة أنها وقّعت ببصمة إصبعها على وثيقة تحمل اسماً غير اسمها.

فكّرت في يوسف. في يده على خدها تحت المطر. في قربه الذي كادت المسافة معه أن تنعدم. في كل شيء بُني بينهما هذه الأسابيع على أساس هش من كذبة صارت الآن موثّقة رسمياً بختم حكومي.

وحينها فقط، دفعة واحدة، دون سابق إنذار، انكسر شيء بداخلها.

بكت.

بكت كما لم تبكِ منذ أن مرضت أمها، منذ أن تركت الجامعة، منذ أن بدأت تحسب كل قرش يدخل جيبها بعناية خائفة. بكت بصوت خافت خشيت أن يسمعه أحد خلف الباب، يداها تغطيان فمها، جسدها ينتفض بصمت في زاوية غرفة ليست لها، في قصر لا تملك فيه حتى الحق بالبكاء بصوت عالٍ.

بكت على أمها. على أخيها الذي لا يعرف بأي ثمن يُدفع تعليمه. على نفسها التي دخلت هذا البيت بخيار — مهما كان مؤلماً — وتكتشف الآن أنها لم تعد تملك خياراً على الإطلاق.

بكت على يوسف، الذي يحب امرأة لا وجود لها، ويقترب كل يوم أكثر من امرأة لا يعرف اسمها الحقيقي.

طال البكاء. لم تحاول أن توقفه هذه المرة.

في الصباح، غسلت وجهها بماء بارد طويلاً أمام المرآة، حتى اختفت آثار الليلة تماماً، وعادت "ياسمين" إلى مكانها على وجهها — قناع هادئ، مبتسم، لا يحمل شيئاً مما تحته.

لكن شيئاً تغيّر في الداخل، بصمت، دون أن تعلنه.

حين مرّ بها يوسف في الممر ذلك الصباح، محاولاً أن يبدأ حديثاً خفيفاً عن شيء يخص اليوم، وجدها أكثر بعداً مما اعتاد. أجوبة قصيرة. عينان لا تلتقيان بعينيه كما اعتادتا. ابتسامة مهذبة لا تصل إلى أي مكان أعمق.

لم يفهم يوسف السبب. لم تشرح له سلمى شيئاً.

كيف تشرح لرجل تحبه — بدأت تعترف بهذه الكلمة لنفسها الآن، ولو همساً — أنها ليست حبيبته، ولا حتى نفسها؟ أنها سجينة اسم لا يخصها، في بيت لا تستطيع مغادرته، بسبب توقيع لا يمكن محوه؟

ابتعدت. ليس لأنها أرادت ذلك، بل لأنها لم تعد تعرف كيف تقترب دون أن تنهار من جديد.

وفي مكان ما داخلها، بدأت تعدّ الأيام بطريقة مختلفة تماماً عن ذي قبل — لا كأيام تقرّبها من نهاية هذه المهمة، بل كأيام تبعدها أكثر فأكثر عن أي طريق للخروج منها.


الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة المزيفة

المؤلف حنان
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة