استمر روتين الأرشيف بينهما، رغم كل شيء آخر يتحرك تحت السطح دون علم أيّ منهما بالكامل.
في ذلك المساء، وصلا إلى صندوق مختلف عن سابقيه — أقدم غبارًا، مربوط بخيط بدل الشريط اللاصق المعتاد، موضوع في أبعد زاوية من الغرفة الخلفية، كأن أحدًا تعمّد نسيانه هناك منذ سنوات طويلة.
— هذا يعود لفترة وفاة والد ياسمين، على ما أظن.
قال يوسف وهو يقرأ تاريخًا باهتًا على جانب الصندوق.
— لم أكن أعرف أن هناك أرشيفًا منفصلًا لتلك الفترة أصلًا.
فتحاه معًا.
أوراق قانونية قديمة، تقارير تأمين، مراسلات بين محامين متوفين الآن، كلها تحمل رائحة الورق الذي طال حبسه بعيدًا عن الضوء.
في منتصف الصندوق تقريبًا، بين ما هو رسمي، وجد يوسف مغلفًا بنيًا رفيعًا، غير مؤرشف بنفس دقة بقية الأوراق، كأنه أُضيف لاحقًا أو أُخفي عمدًا.
بداخله شهادة فحص ميكانيكي، صادرة عن ورشة معتمدة، تحمل تاريخًا واضحًا: قبل ثلاثة أيام فقط من حادثة السيارة التي أودت بحياة والد ياسمين.
قرأ يوسف التفاصيل بصمت، ثم توقف.
— هذا غريب.
قالها ببطء، حاجباه يقتربان من بعضهما في تركيز.
— ماذا؟
سألت سلمى، وقلبها بدأ يتسارع دون أن يظهر ذلك على وجهها.
— تقرير التحقيق الرسمي في الحادثة، الذي قرأته سابقًا في ملفات أخرى، ينص بوضوح على أن السبب كان «عطلًا ميكانيكيًا عشوائيًا في نظام الفرامل».
أشار إلى الورقة في يده.
— لكن هذه الشهادة تقول إن السيارة خضعت لفحص شامل قبل الحادثة بثلاثة أيام فقط، واجتازته بالكامل، بلا أي ملاحظة على الفرامل أو أي جزء آخر.
رفع عينيه نحوها، والحيرة في وجهه بدأت تتحول ببطء إلى شيء أثقل.
— سيارة تجتاز فحصًا شاملًا بالكامل، ثم تفشل فراملها فجأة بعد ثلاثة أيام فقط، دون أي حادثة أو ضربة أو سبب واضح آخر؟
هزّ رأسه ببطء.
— هذا لا يحدث بهذه البساطة، سلمى. ليس بهذا التوقيت بالذات.
جلسا على الأرض، والأوراق منتشرة بينهما، وبدآ يبحثان بجدية أعمق مما فعلا في أي جلسة سابقة.
وجدا وثيقة أخرى بعد دقائق — سجل تحويل صلاحيات توقيع في حسابات الشركة العائلية، مؤرّخ بعد وفاة والد ياسمين بأيام قليلة فقط، ينقل سلطة توقيع مؤقتة موسعة إلى كريم «لضمان استمرارية العمليات خلال فترة الحداد»، بتوقيع سريع من محامٍ لم يعد اسمه مألوفًا لأحد الآن.
— هذا سريع جدًا.
همس يوسف، يقرأ التاريخ مرة أخرى للتأكد.
— أسرع بكثير مما تسمح به الإجراءات المعتادة في حالات كهذه. كأن أحدًا كان يعرف مسبقًا أنه سيحتاج هذه الصلاحية، وجهّز الأوراق قبل الحادثة، لا بعدها.
نظر إليها فجأة، وكأنه يفكر بصوت عالٍ لأول مرة أمام شخص يثق به تمامًا.
— ماذا لو لم يكن حادثًا، ياسمين؟
توقف قلب سلمى.
عرفت الجواب مسبقًا، من فم ياسمين نفسها، في مقهى بعيد قبل أسابيع.
لكنها لم تستطع أن تقول شيئًا من هذا.
— لا نملك دليلًا كافيًا بعد لنقول ذلك بثقة.
قالتها بحذر، تختار كل كلمة بعناية شديدة.
— لكن... هذا يستحق أن نبحث فيه أكثر.
أومأ يوسف، عيناه لا تزالان على الوثيقة، لكن شيئًا في صوته حمل حزمًا جديدًا حين تكلم مجددًا.
— سنبحث فيه أكثر، إذن. معًا.
جمعا الأوراق المهمة جانبًا في مجلد منفصل، بحذر من قد يلاحظ غيابها، وبقيا بعدها جالسين على الأرض.
كان الصمت بينهما مختلفًا هذه المرة — صمت شركاء حقيقيين، لا صمت رجل يحاول إيقاظ ذاكرة امرأة غائبة.
— لم أشعر بهذا من قبل.
قال يوسف فجأة، بصوت هادئ، وهو ينظر إليها لا إلى الأوراق.
— أن أعمل مع أحد بهذه الطريقة. أن أثق بشخص بهذا القدر في شيء بهذا الحجم من الخطورة.
— حتى مع ياسمين القديمة؟
سألت سلمى بحذر، تختبر شيئًا لا تعرف بالضبط ماذا تسميه.
فكّر يوسف طويلًا قبل أن يجيب.
— كانت ياسمين القديمة فتاة أحببتها بكل ما أملك من قلب مراهق لم يعرف الخسارة بعد.
قالها ببطء، يختار كلماته بعناية غير معتادة منه.
— لكنها كانت تحمل أسرارًا لم تشاركني إياها يومًا، حتى في أقرب لحظاتنا. أشعر أحيانًا أنني أحببت نصفها فقط، والنصف الآخر بقي مغلقًا أمامي دائمًا.
توقف، ونظر إلى الأوراق بينهما، ثم إليها من جديد.
— أنتِ... مختلفة. حتى مع كل ما نسيتِه، أشعر أنني أعرفك بشكل أعمق مما عرفت تلك الفتاة يومًا.
لم تعرف سلمى ماذا تقول.
كل كلمة قالها كانت تحمل مديحًا موجهًا إليها هي، بينما هي، حرفيًا، ذلك «النصف المغلق» الذي يتحدث عنه — الجزء من ياسمين الذي حمل السر الأثقل، والذي لم يستطع يومًا أن يشاركه معه.
سرًّا يمكن أن يغيّر كل شيء.
مدّت يدها، دون تفكير، ولمست يده الملقاة فوق أوراق قديمة تحمل سرًا لم يُكشف بعد.
لم يسحب يده.
أمسك بيدها بدلًا من ذلك، بثبات هادئ، وبقيا هكذا لحظة طويلة، فوق أدلة جريمة لم تُرتكب بحقهما، لكنها ستغيّر مصير كل من في ذلك البيت قريبًا.
حنان