الفصل الخامس عشر.

الفصل الخامس عشر.

15 0

كانت الساعة تقترب من الرابعة فجراً، والهدوء يلف شارع "الزمرد" العريق كبطانية من المخمل الأسود. لم يكن هناك صوت يُسمع سوى حفيف أوراق الخريف الجافة التي تراقصت مع نسيم الفجر البارد، وطرقات خفيفة ومستمرة تأتي من داخل محل "نزار مهران" للأزياء الراقية.

تحت ضوء مصباح مكتبي دافئ، كان نزار يجلس منحنياً على طاولته الخشبية العريضة، وإبرة الخياطة الذهبية الدقيقة تلمع بين أصابعه وهو يمررها ببراعة وتركيز شديدين عبر طبقات من الحرير الفرنسي. كان يقضي ليلته الثالثة على التوالي دون نوم تقريباً، مدفوعاً بطاقة غريبة ومشتعلة لم يعهدها في نفسه طوال مسيرته المهنية. لم يكن يخيط مجرد قماش؛ كان ينسج مشاعره، يعترف بهزيمته المجيدة، ويترجم تلك الفوضى الجميلة التي اقتحمت حياته إلى قطعة فنية ملموسة.

كان "الفستان الأحمر" ممدداً أمامه كلوحة فنية تنبض بالحياة. لم يكن أحمر عادياً أو فاقعاً، بل كان مزيجاً عبقرياً من درجات الألوان التي استخرجها بصعوبة بالغة. كان اللون الأساسي أحمر نارياً عميقاً، يتدرج بانسيابية ساحرة نحو أطراف من النحاسي الدافئ والكراميل المذاب، تماماً كلون خصلات شعرها عندما تضربها أشعة شمس الصباح.

توقف نزار للحظة، ومسح عينيه المتعبتين، ثم تأمل تفاصيل الفستان. لقد تخلى في هذا التصميم عن كل قواعده الصارمة، وكل الخطوط الهندسية المستقيمة التي طالما ميزت أعماله الكلاسيكية. الفستان كان يضج بالتمرد. قصة الصدر كانت غير متناظرة، تلتف بجرأة وحرية، لتشكل ثنيات عشوائية ومدروسة في آن واحد، تشبه تماماً تلك "الكعكة الفوضوية" التي ترفع بها كراميلا شعرها. أما منطقة الكتفين، فقد اختار لها قماشاً شفافاً ورقيقاً بلون البشرة الطبيعي، وقام بتطريز مئات الخرزات الكريستالية الصغيرة جداً، متناثرة بعشوائية مقصودة، لتبدو وكأنها حبات النمش الرقيقة التي تزين أنفها ووجنتيها.

أخذ نزار نفساً عميقاً، وأمسك بالمقص الذهبي ليقطع الخيط الأخير.

"انتهى..." همس لنفسه، وصوته يتردد في الفراغ الصامت للمحل.

نهض من كرسيه ببطئ، ظهره يؤلمه من الانحناء الطويل، لكن قلبه كان يخفق بنشوة الانتصار الفني. حمل الفستان بحذر شديد، كما يحمل المرء كنزاً هشاً، وتوجه نحو زاوية المحل حيث يقف تمثال عرض أزياء (مانيكان) خشبي منحوت بعناية. ألبس التمثال الفستان ببطئ، وبدأ في ترتيب الثنيات، وتعديل الأطراف لتنسدل بانسيابية تشبه تدفق المياه.

تراجع خطوات إلى الوراء لينظر إلى النتيجة النهائية.

توقفت أنفاسه. كان الفستان أروع مما تخيله في رسوماته. كان يصرخ باسمها دون أن ينطق بحرف. كان يجسد القوة، والتمرد، والجمال الفوضوي، والرقة المخبأة خلف أقنعة الصخب. كان الفستان هو "كراميلا" بكل تناقضاتها الساحرة.

لم يتردد نزار. رغم أن عادته كانت إخفاء تصاميمه الجديدة حتى موعد العرض، إلا أن هذا الفستان لم يُصنع ليُخبأ. هذا الفستان صُنع ليكون رسالة مفتوحة، إعلاناً صريحاً يقف في واجهة محله ليراه العالم... ولتراه هي.

حمل التمثال الخشبي الثقيل، وتوجه به نحو الواجهة الزجاجية الكبيرة المطلة على الشارع. أزاح بدلة سهرة كلاسيكية سوداء كانت تتوسط الواجهة، ووضع "فستان الكراميل المتمرد" في المركز تماماً. قام بتوجيه أضواء العرض العلوية (السبوت لايت) لتسلط شعاعاً دافئاً ومباشراً على الفستان، مما جعل ألوانه النارية تشتعل وتتوهج في شبه العتمة التي تسبق شروق الشمس.

خرج نزار من المحل، ووقف على الرصيف البارد ليتأمل الواجهة من الخارج. كان الفستان يبدو وكأنه شعلة من نار وسط الشارع الرمادي. ابتسم نزار ابتسامة متعبة ولكنها عاشقة، ثم عاد إلى الداخل، أسدل الستائر الخلفية للواجهة ليعزل الفستان عن باقي المحل ويبرزه أكثر، ثم ألقى بجسده المنهك على الأريكة الجلدية، وغط في نوم عميق، منتظراً شروق الشمس، ومترقباً العاصفة التي ستجلبها كراميلا معها.

بعد بضع ساعات، بدأت خيوط الشمس الذهبية تتسلل إلى شارع "الزمرد"، لتوقظه من سباته. بدأت أصوات الشارع المعتادة ترتفع؛ بائع الصحف يرتب المجلات، عامل النظافة يكنس الرصيف، ورائحة المخبوزات الطازجة تنبعث من المخبز في ناصية الشارع.

في تمام الساعة التاسعة صباحاً، وصلت كراميلا.

كانت تمشي بخطواتها السريعة والنشيطة المعتادة، تحمل في يدها اليمنى كوباً كبيراً من القهوة الساخنة، وفي يدها اليسرى مجموعة من المفاتيح التي تصدر رنيناً مزعجاً ومألوفاً. كانت ترتدي سترة جينز خفيفة فوق فستان قطني بسيط، وشعرها الأحمر الناري كعادته متمرد، يتطاير مع نسمات الصباح.

كانت تبتسم ابتسامة خفيفة وهي تتذكر أحداث ليلة انقطاع الكهرباء. لا تزال رائحة الشموع العطرية ودفئ حضن نزار عالقين في ذاكرتها، مما يثير في داخلها مزيجاً من الخجل والارتباك والفرح الخفي. لقد تغير شيء ما، شيء أساسي في نظرتها لهذا الرجل الذي كانت تعتبره قمة في الملل والتعجرف.

اقتربت من صالونها الوردي، وقبل أن تضع المفتاح في قفل الباب، توقفت.

هناك شيء مختلف. شيئ ساطع بشكل غير طبيعي يجذب زاوية عينها اليسرى.

أدارت رأسها ببطئ نحو واجهة محل "نزار".

سقطت عيناها على الفستان.

تجمدت في مكانها. توقفت عن التنفس للحظة، ونسيت المفاتيح في يدها، ونسيت كوب القهوة الذي كاد أن يميل ويسكب محتواه الساخن على يدها.

رمشت بعينيها مرتين، غير مصدقة لما تراه. هل لا تزال نائمة؟ هل هذا حلم؟.

خطت خطوة بطيئة، ومسحورة، نحو واجهة محله. تركت صالونها، واقتربت من الزجاج الفاصل حتى كادت جبهتها تلامسه. اتسعت عيناها العسليتان بأقصى ما يمكن، وبدأ قلبها ينبض بسرعة جنونية كأن طبولاً تقرع في صدرها.

كان الفستان مذهلاً بكل المقاييس. لكنه لم يكن مجرد فستان جميل؛ كان مرآة.

كانت تنظر إلى الفستان، لكنها كانت ترى نفسها. اللون... يا إلهي، اللون! لم يكن مجرد أحمر، كان نفس الدرجة المعقدة لشعرها الذي طالما سخر منه البعض في طفولتها ووصفوه بالغريب. الثنيات العشوائية المتمردة عند الصدر... كانت تذكرها تماماً بالطريقة التي ترفع بها شعرها كل صباح في كعكة غير منتظمة. التفاصيل الدقيقة، الشقوق الجريئة، الانسيابية التي ترفض القيود... وحتى تلك الخرزات الكريستالية الصغيرة المتناثرة على الكتفين الشفافين، كانت تبدو وكأنها تجسيد حرفي لنمشها الذي حاولت طويلاً إخفائه بمساحيق التجميل.

تجمعت الدموع في عينيها دون أن تشعر.

طوال حياتها، كانت كراميلا تشعر بأنها تُرى كفتاة فوضوية، مزعجة، صاخبة، لا يمكن السيطرة عليها. كانت تعتقد أن الناس لا يرون سوى القشرة الخارجية من الضجيج الذي تصطنعه لتحمي نفسها. لكن هذا الفستان... هذا الفستان كان دليلاً مادياً قاطعاً على أن هناك شخصاً واحداً في هذا العالم قد رآها حقاً. شخص واحد اخترق كل دفاعاتها، وتأمل تفاصيلها، وقرأ روحها، ووجد في كل فوضاها وعيوبها... إلهاماً وجمالاً يستحق أن يُخلد في تحفة فنية.

"لقد رآني..." همست بصوت مرتجف، ودمعة دافئة انزلقت على خدها. "لقد رآني حقاً."

وقفت هناك لعدة دقائق، غارقة في عاصفة من المشاعر المتضاربة. كان هناك الفرح العارم، والامتنان العميق، والحب الذي بدأ يزهر في قلبها رغماً عنها. لكن، وفي نفس الوقت، كان هناك خوفها القديم. خوفها من الانكشاف، ومن الاعتراف بهذا الضعف الجميل. لم تكن معتادة على أن تكون "الجميلة" أو "الملهمة". كانت معتادة على أن تكون "كراميلا" المشاكسة التي تدافع عن نفسها بالهجوم والسخرية.

مسحت دمعتها بسرعة بظهر يدها الحرة. أخذت نفساً عميقاً، محاولة استعادة قناعها المعتاد. لا يمكنها أن تدخل إليه وهي تبكي متأثرة كالفتيات في الأفلام الرومانسية. يجب أن تحافظ على كبريائها، على الأقل أمام نفسها.

استجمعت قواها، ورفعت ذقنها بتحدٍ مصطنع، ثم دفعت باب محل نزار ودخلت.

طررررن!

رن الجرس النحاسي معلناً وصولها.

كان نزار قد استيقظ لتوه، يجلس خلف مكتبه، يحتسي قهوته الصباحية المركزة، ويتصفح بعض أوراق العمل. رغم الإرهاق الواضح على وجهه والهالات السوداء الخفيفة تحت عينيه، إلا أنه كان يبدو في قمة الأناقة، مرتدياً قميصاً أسود يبرز اتساع كتفيه، ونظارته الطبية تستقر بثبات على أنفه.

عندما سمع الجرس، رفع رأسه. التقت عيناه بعينيها، وعلم فوراً أنها رأت الفستان. كان يتوقع أن تدخل غاضبة، أو مستفهمة، أو حتى خجولة، لكنه كان مستعداً لكل شيئ.

نهض نزار من كرسيه ببطئ، ووضع فنجان القهوة على الطاولة، ووقف ينتظر قدومها نحو منتصف المحل.

مشت كراميلا بخطوات حاولت أن تجعلها واثقة، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق يفضحهما. توقفت أمامه بمسافة قريبة، ونظرت إليه بتلك النظرة الممزوجة بالتحدي والامتنان.

ساد صمت ثقيل، مشحون بالكهرباء، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما.

"إذن..." بدأت كراميلا الحديث، محاولة جعل نبرة صوتها تبدو عادية، لكنها خرجت مهتزة قليلاً. أرجحت رأسها نحو الواجهة الزجاجية. "رأيت القطعة الجديدة في واجهتك. يبدو أنك قررت التخلي عن ألوان الجنازات التي كنت تصممها أخيراً."

ابتسم نزار بهدوء. لم يستفزه تعليقها، بل وجده محبباً. كان يعرفها جيداً الآن ليدرك أن هجومها هو دفاعها الأخير. "نعم، قررت أن أضيف بعض... الحياة إلى واجهتي. هل أعجبكِ؟".

رفعت كراميلا حاجبيها، ومشت بخطوات متمهلة حول إحدى الطاولات، متظاهرة بتفحص بعض الأقمشة، لتهرب من نظراته المباشرة التي كانت تخترقها.

"أعجبني؟ هممم..." تظاهرت بالتفكير، ثم التفتت إليه ووضعت يدها الحرة على خصرها. "اللون مزعج قليلاً، كأنه يصرخ في وجه المارة. والتصميم... فوضوي، غير متماثل. لا أعتقد أن زبوناتك من سيدات المجتمع المخملي اللواتي يفضلن التطريز الرتيب سيشترين شيئاً بهذا الجنون."

"أنا لم أصممه ليُباع،" قال نزار بصوت رخيم، وعميق، جاعلاً إياها تتوقف عن الحركة.

نظرت إليه بصدمة خفيفة. "لم تصممه للبيع؟ إذن لماذا قمت بعرضه في واجهة المحل كأنه تاج الملكة؟".

وضع نزار يديه في جيبي بنطاله، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة، واثقة، حتى وقف على بُعد خطوتين منها. كان يطغى عليها بطوله وبحضوره الذي أصبح الآن دافئاً ومربكاً في آن واحد.

"لأنني أردت أن تراه صاحبته،" قالها مباشرة، دون أي مقدمات، وعيناه الداكنتان مثبتتان على عينيها.

ابتلعت كراميلا ريقها. قلبها كان يقرع كالطبول. حاولت التهرب من الموقف، فاختبأت خلف سلاحها المفضل: السخرية.

"صاحبته؟ يا إلهي، لا تخبرني أنك صممت هذا الفستان المجنون لمدام فريال؟ الفستان سيتمزق فور أن تحاول ارتدائه! أم أنك صممته لـ..."

"كريمة"، قاطعها نزار بنبرة هادئة، حازمة، ولكنها مليئة بالرقة، "أنتِ تعرفين جيداً لمن صُنع هذا الفستان."

صمتت كراميلا. لم تعد قادرة على التظاهر بالغباء أو السخرية. كلماته كانت واضحة كالشمس. شعرت بأن الجدران تضيق بها، وأنها مكشوفة تماماً أمامه. نظرت إلى الأرض للحظة، محاولة جمع شتات نفسها، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه مباشرة.

كانت عيناها تفيضان بمشاعر لم تعد قادرة على كتمانها، لكنها، وفي محاولة أخيرة، يائسة وكوميدية للحفاظ على ما تبقى من صورة "كراميلا" غير المبالية، ابتسمت ابتسامة جانبية ماكرة، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ساخراً:

"حسناً... إذا كان هذا الفستان مستوحى مني كما تحاول أن تلمح، فيجب أن أعترف... أنه ليس سيئاً جداً. في الواقع، القصّات هنا وهناك تحتاج إلى بعض التعديلات لتبدو أكثر احترافية، لكن... كبداية؟ هو أروع من أن يصنعه خياط مبتدئ مثلك!"

خياط مبتدئ!.

الكلمة سقطت في المحل كقنبلة صوتية. نزار مهران، الذي تتسابق دور الأزياء العالمية في باريس وميلانو للحصول على استشارة منه، والذي يرفض زبونات من الطبقة الأرستقراطية إذا لم يعجبه ذوقهن، يُنعت الآن في قلب محله بـ "خياط مبتدئ"!

في الأيام العادية، وقبل أسابيع قليلة، كانت هذه الكلمة كفيلة بأن تجعل نزار يطردها من المحل ويستدعي البلدية لإغلاق صالونها بتهمة التلوث السمعي. كانت الإهانة المهنية بالنسبة له خطاً أحمر لا يُغتفر.

لكن الآن؟.

في هذه اللحظة، وأمام هذه الفتاة التي تقف أمامه ووجنتاها محمرتان كحبات الكرز، وعيناها تلمعان بدموع الامتنان التي تحاول جاهدة إخفائها خلف قناع من الوقاحة اللطيفة... لم يشعر نزار بأي غضب.

بل على العكس، شعر برغبة عارمة في الضحك. رغبة في أن يضمها إليه ويحتضن كل هذا العناد البريئ.

ابتلع نزار إهانة "خياط مبتدئ". لم يكتفِ بابتلاعها، بل استساغها وكأنها أجمل مديح سمعه في حياته. انفرجت أساريره، وتوسعت ابتسامته لتكشف عن صف من الأسنان البيضاء، في ابتسامة عاشقة، دافئة، وحقيقية أذابت كل ملامح الصرامة التي عُرف بها.

"خياط مبتدئ، هاه؟" قال نزار وهو يضحك بخفوت، متقدماً خطوة أخرى نحوها، لتصبح المسافة بينهما شبه معدومة. "أعتقد أنكِ محقة يا كراميلا. أمام هذا الإلهام المعقد والفوضوي الذي اقتحم حياتي، أجد نفسي أتعلم الخياطة، وأتعلم الحياة... من الصفر."

رفعت كراميلا رأسها لتنظر إليه. كانت كلماته أعمق من أن تُقابل بأي سخرية. لم تجد ما تقوله. اختفت الكلمات من قاموسها المزدحم عادة. كل ما استطاعت فعله هو النظر في عينيه، ورؤية الانعكاس الصادق لمشاعرها في بؤبؤيه الداكنين.

رفع نزار يده ببطئ، وبحركة مليئة بالرقة، مرر ظهر أصابعه على خدها، متلمساً النمش الخفيف الذي كان يزينه. أغمضت عينيها بتلقائية عند لمسته، مستسلمة لهذا الدفئ الذي طالما حرمت نفسها منه.

"لقد قضيت ليالي طويلة أختار درجة اللون التي تطابق خصلات شعركِ، وأرتب الخرز ليطابق نمش وجهكِ، وأقص القماش ليحاكي تمردكِ وحيويتكِ،" همس نزار بصوت أجش، قريباً جداً من أذنها. "هذا الفستان ليس للبيع. ولن يعرض على أي مسرح. هذا الفستان ملك لكِ وحدكِ."

فتحت كراميلا عينيها، ونظرت إليه بقلب يرتجف. "نزار..." همست باسمه وكأنه تعويذة.

تراجع نزار خطوة صغيرة إلى الوراء، لكن ابتسامته العاشقة لم تفارق وجهه.

"لا تقولي شيئاً الآن،" قال وهو يضع يديه خلف ظهره كعادته الأنيقة، لكن هذه المرة بعفوية محببة. "الخياط المبتدئ يعرف أن زبونته المفضلة عنيدة، وتحتاج إلى وقت لتستوعب مدى جمالها. سيبقى الفستان في الواجهة، كإعلان صريح عن هزيمتي أمامكِ. ولكني... سأنتظر بشوق."

"تنتظر ماذا؟" سألت كراميلا بصوت خافت.

"سأنتظر اليوم الذي تتخلين فيه عن عنادكِ، وتدخلين إلى محلي ليس لتستعيري السكر، ولا لتختبئي من الظلام... بل لتطلبي مني أن أساعدكِ في ارتداء هذا الفستان، من أجلي."

شعرت بأن حرارة العالم كله تجمعت في وجهها. كانت كلماته تحمل وعداً، ورجاءً، وتحدياً جميلاً لا يمكن مقاومته. لم تستطع تحمل المزيد من هذا التوتر العاطفي اللذيذ.

ابتسمت بخجل شديد لم تعهده في نفسها من قبل، وأومأت برأسها إيمائة صغيرة جداً، ثم استدارت وركضت تقريباً نحو باب المحل.

وقبل أن تخرج، التفتت إليه ويدها على مقبض الباب. كانت عيناها تلمعان بالفرح، وثقتها بنفسها قد عادت إليها مضاعفة.

"بالمناسبة يا سيد نزار..." قالت بصوتها المرتفع والمرح، "من الأفضل أن تجهز الإبرة والخيط. لأن الفستان يبدو ضيقاً قليلاً عند الخصر، وسيحتاج 'الخياط المبتدئ' إلى إجراء تعديلات عندما أقرر ارتدائه!"

وخرجت من المحل بسرعة، تاركة جرس الباب يصدح بمرح، وضحكاتها تتردد في الشارع.

وقف نزار في منتصف محله، يراقبها عبر الزجاج وهي تغادر إلى صالونها بخطوات راقصة. التفت لينظر إلى الفستان الأحمر في الواجهة، والذي كان يشتعل الآن تحت أشعة شمس الصباح الكاملة.

تنهد نزار تنهيدة عميقة ومريحة. لم يعد يشعر بالإرهاق، ولم يعد يكترث لقواعد الأزياء الصارمة، ولم يعد يرى نفسه ذلك المصمم المتعجرف الذي يختبئ خلف الألوان المحايدة والخطوط المستقيمة. لقد أدرك أن أجمل تصميم في حياته لم يكن ذلك المعروض في الواجهة... بل كان قصة الحب الفوضوية، والمجنونة، والمليئة بالحياة التي بدأ ينسجها لتوه مع جارته كراميلا.

ابتسم نزار لنفسه، واتجه نحو طاولته ليبدأ العمل من جديد. فاليوم، لم يعد هناك مكان للملل في شارع الزمرد، ولا في قلبه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة