الفصل السابع عشر.

الفصل السابع عشر.

14 0

كان صباح يوم الأربعاء في شارع "الزمرد" يحمل نسمات خريفية منعشة، تداعب أوراق الأشجار المتساقطة على الأرصفة وتدفعها في دوامات صغيرة راقصة. داخل صالون "كراميلا بيوتي"، كانت الأجواء تختلف تماماً عن الفوضى المعتادة. لم تكن هناك موسيقى صاخبة، ولا أصوات مجففات الشعر، بل ساد صمت شبه مقدس، لم يقطعه سوى صوت حفيف الأوراق النقدية التي كانت كراميلا تعدها بتركيز شديد.

جلست خلف مكتب الاستقبال الوردي، وقد عقدت شعرها الناري في كعكتها الفوضوية المعتادة، وثبتت نظارة طبية ذات إطار أسود عريض على أنفها لزوم التركيز. أمامها، تراصت رزم من الأوراق النقدية، تم ترتيبها بعناية فائقة وتصنيفها حسب فئاتها. كانت أنفاسها تتسارع قليلاً مع كل رزمة تنهي عدها، وعيناها العسليتان تلمعان ببريق الانتصار والفخر.

لقد فعلتها أخيراً.

بعد أشهر من العمل الشاق، والتقشف الصارم (الذي تضمن التخلي عن شراء ثلاثة أزواج من الأحذية التي كانت تعشقها، وتقليل استهلاكها اليومي من قهوة البندق الفاخرة)، استطاعت أخيراً جمع المبلغ الكامل للإيجار المتأخر لصالونها.

كان هذا الإيجار يمثل كابوساً جثم على صدرها طويلاً. فقبل عدة أشهر، مر الصالون بأزمة مالية خانقة كادت أن تعصف به، وتراكمت عليها الإيجارات لمالك العقار القديم، السيد "فاروق"، الرجل الجشع الذي كان يهددها بالطرد في كل مناسبة. وفجأة، ودون سابق إنذار، اختفى السيد فاروق من الصورة، وجائها إشعار مقتضب من مكتب محاماة يفيد بأن العقار قد تم بيعه لمالك جديد، وأن هذا المالك "الغامض" قد أوقف جميع إجراءات الإخلاء، ولم يطالبها بالإيجار المتأخر حتى الآن.

رغم أن هذا التأجيل منحها قبلة الحياة، إلا أن كبرياء كراميلا لم يسمح لها بالشعور بالراحة. كانت تكره أن تكون مدينة لأحد، وتكره أكثر أن تشعر بأنها تعيش تحت رحمة شخص غريب قد يقرر طردها في أي لحظة. لذلك، كان جمع هذا المبلغ مسألة حياة أو موت بالنسبة لها؛ مسألة استعادة لكرامتها واستقلالها.

"تسعة آلاف... تسعة آلاف وخمسمائة... وعشرة آلاف!" همست بصوت مرتجف من الفرح، وهي تضع الورقة النقدية الأخيرة فوق الرزمة الكبيرة.

أمسكت بالرزمة، وضمتها إلى صدرها وكأنها تضم طفلاً صغيراً، وأغمضت عينيها بابتسامة عريضة. "أخيراً، أصبحت حرة. سأتصل بهذا المالك الغامض، أو بمحاميه، وألقي بهذا المبلغ في وجهه بأدب، وأخبره أن كراميلا لا تعيش على صدقات أحد!".

على الجانب الآخر من الجدار، في مملكة "نزار مهران" للأزياء الراقية، كان الوضع مختلفاً تماماً.

كان نزار يقف أمام مرآة طويلة، يرتدي كعادته قميصاً ناصع البياض وبنطالاً كلاسيكياً داكناً. كان يمسك بفنجان قهوته الصباحية، لكن ذهنه لم يكن مع القهوة ولا مع التصاميم التي تنتظره. كان ينظر إلى الجدار الفاصل بين محله وصالون كراميلا، وابتسامة دافئة، لا واعية، ترتسم على شفتيه.

منذ حادثة "الفستان الأحمر" وطرد مندوب المبيعات اللزج، أصبحت العلاقة بينهما تشبه رقصة تانغو مثيرة. خطوة للأمام، وخطوتان للخلف؛ مناوشات لطيفة، نظرات ذات مغزى، وابتسامات مسروقة. كان نزار يعيش حالة من السعادة الغريبة، الفوضوية، التي لم يعهدها في حياته المنظمة.

لكن، وسط هذه السعادة، كانت هناك قنبلة موقوتة تكاد تنفجر في أي لحظة. سر كبير وحوله جدار من الكتمان.

لم يكن السيد فاروق قد باع العقار لمستثمر غريب. عندما علم نزار، قبل أشهر، بأن كراميلا مهددة بالطرد، وأنها تبكي سراً في الصالون بعد مغادرة الزبائن، لم يستطع تحمل الفكرة. رغم أنهما كانا في أوج فترات الشجار والمكابرة آنذاك، إلا أن فكرة اختفاء ألوانها الصاخبة من الشارع، واختفاء رائحة الفراولة والقهوة التركية، واختفاء ضحكاتها المستفزة... كانت فكرة لا تطاق بالنسبة له.

لذا، وبسرية تامة، تدخل نزار ودفع مبلغاً فلكياً للسيد فاروق ليشتري منه المبنى بالكامل. وبواسطة محاميه، السيد "وائل"، أرسل الإشعار المكتوب بلهجة قانونية جافة ليطمئنها بأن الإخلاء قد أُلغي. كان نزار يعرفها جيداً، لو علمت أنه هو من اشترى المبنى لينقذها، لاعتبرت ذلك شفقة، ولحزمت حقائبها وغادرت فوراً حفاظاً على كبريائها الذي يضاهي الجبال.

كانت خطته أن يتركها تعمل براحتها، دون أن يطالبها بالإيجار، حتى يقنعها لاحقاً بطريقة ما أن المالك قد تنازل عن المتأخرات كنوع من "التخفيض الترويجي". كانت خطة مثالية... حتى هذا الصباح.

طررررن!

رن الجرس النحاسي لمحله، قاطعاً حبل أفكاره. التفت نزار ليجد كراميلا تقتحم المحل، كما تفعل دائماً، لكن هذه المرة لم تكن تحمل كوب سكر فارغاً لتستعيره، ولا كانت هاربة من انقطاع الكهرباء.

كانت تمشي بخطوات عسكرية واثقة، ترفع رأسها بشموخ، وتمسك في يدها اليمنى ظرفاً ورقياً بنياً سميكاً جداً. كانت عيناها تلمعان بانتصار غريب، وابتسامتها العريضة تكاد تصل إلى أذنيها.

"صباح الخير يا خياطي المبتدئ!" هتفت بصوت مرح، وهي تقف أمام مكتبه مباشرة، وتضع الظرف البني السميك على الطاولة الخشبية بصوت مسموع. طاب!

رفع نزار حاجبه الأيسر، محاولاً إخفاء ارتباكه من اقتحامها المفاجئ وجمالها الصباحي المربك. نظر إلى الظرف، ثم إليها.

"صباح النور يا كراميلا،" قال نزار بصوته الرخيم الهادئ، وهو يضع فنجان القهوة جانباً. "ما هذا؟ هل قررتِ أخيراً الاعتراف بهزيمتكِ ودفع ثمن الفستان الأحمر مقدماً؟".

ضحكت بصوت عالٍ، ولوحت بيدها في الهواء. "الفستان الأحمر لا يقدر بثمن، وأنت تعرف ذلك. لا، يا عزيزي، هذا الظرف يحتوي على شيء أهم بكثير. هذا الظرف يحتوي على حريتي!".

عقد نزار حاجبيه باستغراب حقيقي هذه المرة. "حريتك؟ هل كنتِ رهينة لدى عصابة ما دون علمي؟"

"أسوأ!" اقتربت كراميلا من المكتب، واستندت بيديها عليه، مقتربة بوجهها منه لتشاركه انتصارها. "هذا الظرف يحتوي على كامل مبلغ الإيجار المتأخر لصالوني. لقد جمعته، قرشاً بقرش! لم أعد مديونة لأحد، ولا حتى لذلك المالك الغامض المتغطرس الذي يظن أنه يتفضل عليّ بتأجيل الدفع!"

توقف قلب نزار عن النبض للحظة.

شعر وكأن دلواً من الماء المثلج قد سُكب على رأسه. اتسعت عيناه قليلاً، واختفت ابتسامته الهادئة. حدق في الظرف البني وكأنه أفعى سامة تستعد للدغته.

"الإيجار... المتأخر؟" كرر نزار الكلمات ببطئ، محاولاً استيعاب الكارثة التي توشك أن تقع. "لكن... ألم تقولي أن المالك الجديد لم يطالبكِ به؟ لماذا العجلة؟".

العجلة؟!" وقفت بظهر مستقيم، ووضعت يديها على خصرها. "هذه مسألة كرامة يا نزار! لا أستطيع النوم براحة وأنا أعلم أن هناك شخصاً يملك عليّ حقاً قد يستخدمه ضدي في أي لحظة. سأتصل بمحاميه، السيد وائل، اليوم. سأطلب منه الحضور فوراً لأعطيه هذا الظرف، وأجعله يكتب لي وصلاً رسمياً بأن ذمتي بريئة تماماً!"

بدأ جرس الإنذار يقرع بعنف داخل رأس نزار.

لو اتصلت بوائل... سيكتشف وائل أنها تجمع الإيجار. وائل محامٍ صارم، سيسجل المبلغ في الدفاتر، وسيطبع إيصالاً يحمل اسم المالك الحقيقي... نزار مهران! ستعرف كريمة أنني المالك. ستعرف أنني أشفقت عليها. ستغضب، ستثور، وستكرهني للأبد!.

كان يجب أن يوقفها. وبأي ثمن.

"لا يمكنكِ فعل ذلك!" صرخ نزار فجأة بصوت مرتفع، أعلى بكثير من نبرته المعتادة.

قفزت كراميلا من مكانها متفاجئة. "ماذا؟ لماذا لا يمكنني؟"

تنحنح نزار، وحاول استعادة رباطة جأشه، وعدل ياقة قميصه بتوتر غير مألوف. كان عقله المنظم يعمل بسرعة مليون كيلومتر في الساعة لاختلاق عذر منطقي، لكن تحت وطأة الذعر، لم يجد سوى الهراء.

"لأن... لأن اليوم هو الثلاثاء!" قال نزار بثقة مصطنعة، وهو ينظر إليها بجدية تامة.

رمشت كراميلا عدة مرات. "نعم... أعرف أن اليوم الثلاثاء. وما المشكلة في ذلك؟ هل المحامون لا يعملون يوم الثلاثاء؟".

"بالضبط!" التقط نزار الخيط، وبدأ ينسج كذبته بكل ما أوتي من براعة في الإقناع. استند على كرسيه، وضم يديه معاً وكأنه خبير قانوني يشرح مسألة معقدة. "في العرف العقاري الحديث، يوم الثلاثاء يُعرف بـ 'يوم السكون الإداري'. الملاك والمحامون لا يستقبلون أي مدفوعات نقدية في هذا اليوم لتجنب... التداخل في الحسابات الأسبوعية. إنها مسألة محاسبية بحتة، معقدة جداً لتفهميها."

نظرت إليه بشك، ورفعت حاجبها الأيسر بطريقتها الشهيرة. "السكون الإداري؟ نزار، هل تمازحني؟ أنا أعيش في هذا البلد منذ ولادتي ولم أسمع بهذا الهراء من قبل! سأتصل به الآن."

أخرجت كراميلا هاتفها المحمول من جيب سترة الجينز التي ترتديها، وبدأت في البحث عن رقم المحامي وائل.

"انتظري!" قفز نزار من كرسيه، ودار حول المكتب بسرعة، ليقف بينها وبين الباب. "كريمة، استمعي إليّ. هذا المبلغ كبير. حمل النقد في هذه الأيام أمر خطير للغاية. التضخم... نعم، التضخم! قيمة العملة تتغير بين الصباح والمساء. إذا أعطيته النقد اليوم، قد يخسر المالك من قيمته، وقد يطالبكِ بتعويض فرق العملة لاحقاً!"

أوقفت إصبعها الذي كان يوشك على الضغط على زر الاتصال، ونظرت إلى نزار وكأنه فقد عقله للتو.

"التضخم؟ فرق العملة؟ نزار، هل أنت بخير؟ نحن لا نتحدث عن بورصة وول ستريت! نحن نتحدث عن إيجار صالون حلاقة في شارع الزمرد! سأعطيه مبلغه بالعملة المحلية، ولن يهمني إذا انخفضت قيمتها أو ارتفعت. ابتعد عن طريقي من فضلك."

لكن نزار لم يبتعد. كان يتصبب عرقاً بارداً. كان يشعر بأن الجدران تطبق عليه. الحب يجعلك تفعل أشياء غبية، لكن نزار كان يتفوق على نفسه في هذه اللحظة.

"حسناً، الحقيقة هي..." خفض نزار صوته، ونظر يميناً ويساراً وكأنه يوشك على البوح بسر خطير. "المحامي وائل... لا يمكنكِ الاتصال به. إنه... إنه في رحلة روحانية."

"رحلة روحانية؟!" صرخت كراميلا، وقد بدأت تفقد صبرها. "المحامي الجشع الذي أرسل لي إنذاراً مطبوعاً بورق رسمي مرعب، في رحلة روحانية؟ إلى أين؟ التبت؟"

"نعم! التبت!" أومأ نزار برأسه بحماس زائد. "ذهب ليبحث عن ذاته، وانقطع عن العالم الخارجي. لا توجد شبكة هواتف هناك. إذا اتصلتِ به، سيتحول الرقم إلى البريد الصوتي، وقد تضيع أموالك إذا حاولتِ تحويلها إلكترونياً."

وقفت كراميلا تنظر إلى نزار بصمت لعدة ثوانٍ. كان صدرها يرتفع ويهبط، وعيناها تدرسان ملامحه بدقة. لاحظت قطرة العرق الصنبورية على جبينه، ولاحظت كيف يتجنب النظر مباشرة إلى عينيها، وكيف أن أصابعه تعبث بياقة قميصه بتوتر لم تعهده فيه من قبل.

فجأة، تلاشت ملامح الغضب والشك من وجهها، وحلت محلها ابتسامة ناعمة، دافئة، ومليئة بالفهم.

اقتربت منه خطوة، ونظرت إلى عينيه مباشرة.

"نزار..." قالت بصوت هادئ وحنون، "لماذا تفعل هذا؟"

تجمد نزار. هل كشفته؟ هل عرفت الحقيقة؟ ابتلع ريقاً جافاً، وحاول الحفاظ على قناع الجدية. "أفعل ماذا؟ أنا فقط أقدم لكِ نصيحة مالية وقانونية لتجنب..."

"أنت تحاول حمايتي، أليس كذلك؟" قاطعته كراميلا بابتسامة رقيقة، ووضعت يدها بنعومة على ذراعه.

رمش نزار ببطئ. "أحاول... حمايتك؟"

"نعم،" تنهدت كراميلا، ونظرت إلى الظرف البني. "أنت تعرف كم تعبت لجمع هذا المبلغ. وأنت تعتقد أنني أستنزف نفسي بدفع كل ما أملك دفعة واحدة لمالك لا يطالب به أصلاً. أنت تخشى أن أبقى بلا سيولة مالية في حال حدوث طوارئ للصالون، لذلك تختلق هذه الحجج المضحكة عن التبت والسكون الإداري لتمنعني من الدفع."

شعر نزار وكأن جبلاً قد انزاح عن صدره. لقد أساءت فهم موقفه، لكن هذا السوء في الفهم كان بمثابة حبل النجاة الذي أُلقي له في اللحظة الأخيرة. قرر أن يتشبث به بكلتا يديه.

"أنا... نعم." تنهد نزار بتمثيل متقن، وأحنى رأسه قليلاً. "لقد كشفتيني. أنا فقط... لا أريدكِ أن تضعي نفسك في موقف مالي حرج. هذا المالك لم يطلب المال، فلماذا تستعجلين؟ احتفظي بالمبلغ كشبكة أمان لكِ."

اتسعت ابتسامة كراميلا، وشعرت بموجة من الدفئ تغمر قلبها. هذا الرجل البارد المتعجرف يهتم بها لدرجة أنه يخترع أكاذيب غبية ومكشوفة فقط ليحميها من نفسها. كان هذا أكثر الأشياء رومانسية وعاطفية قد يفعلها شخص من أجلها على الإطلاق.

"أنت رائع يا نزار،" قالت بصوت خافت، واقتربت منه أكثر حتى لامس كتفها صدره. "وأنا أقدر خوفك عليّ. حقاً أقدره. لكن... لا يمكنني. يجب أن أدفع هذا المبلغ. كرامتي لا تسمح لي بالنوم وأنا مدينة. لكن، بما أن المحامي في 'التبت'..." قالتها وهي تغمز له بعينها دلالة على أنها لا تصدق القصة ولكنها تسايره. "...سأضطر للذهاب إلى البنك بنفسي لإيداع المبلغ مباشرة في الحساب البنكي الخاص بإدارة العقار.".

توقف قلب نزار مرة أخرى. الحساب البنكي لإدارة العقار هو حسابه الشخصي الفرعي! إذا ذهبت إلى البنك وقدمت رقم الحساب، سيخبرها الموظف باسم صاحب الحساب لتأكيد الإيداع!

"لا!" صرخ نزار مجدداً، وعاد الذعر ليحتل ملامحه.

"ماذا الآن يا نزار؟ هل البنوك أيضاً في عطلة روحانية؟" سألت بضحكة مكتومة، مستمتعة بتوتره الذي ظنت أنه نابع من خوفه المالي عليها.

"لا، ليس البنوك... بل... الزحام!" هتف نزار، وهو يمسح جبينه بمنديل أخرجه من جيبه. "اليوم هو... منتصف الشهر! البنوك مزدحمة جداً بصرف رواتب بعض القطاعات، والانتظار سيستغرق ساعات. أنتِ لديكِ زبائن في الصالون، لا يمكنكِ تضييع يومكِ بأكمله هناك.".

نظرت كريمة إلى ساعتها، وعبست قليلاً. "هذا صحيح. لدي موعد مع عروس بعد ساعة من الآن لعمل بروفة للمكياج. لا أستطيع التأخر عليها."

"بالضبط!" التقط نزار أنفاسه، وشعر أن النصر قريب. "لذا، خذي الظرف، وضعيه في خزنتكِ، ودعينا نؤجل هذا الموضوع للأسبوع القادم."

عضت كراميلا على شفتها السفلية مفكرة. نظرت إلى الظرف على الطاولة، ثم نظرت إلى نزار. فجأة، لمعت عيناها بفكرة عبقرية.

"انتظر لحظة!" قالت بحماس، وصفقت بيديها. "أنت زبون 'VIP' (شخصية هامة) في البنك الذي تتعامل معه، أليس كذلك؟ لقد رأيتك مرة تدخل وتخرج في خمس دقائق فقط متجاوزاً كل الطوابير!"

شعر نزار بالخطر يقترب من جديد. "نعم... أنا كذلك، ولكن...".

"ممتاز!" ركضت كراميلا نحو الطاولة، التقطت الظرف البني السميك، وعادت لتقف أمام نزار، ثم وضعت الظرف بقوة في يديه ودفعته نحو صدره.

"بما أنك خائف عليّ من ضياع وقتي، وبما أنك ذاهب للبنك في كل الأحوال كما أخبرتني البارحة لإيداع شيكات محلك... فما رأيك أن تودع هذا المبلغ نيابة عني؟"

اتسعت عينا نزار بصدمة. "أنا... أودع... ماذا؟"

"رقم حساب العقار مكتوب على هذا الإشعار،" قالت كراميلا وهي تسحب ورقة صغيرة من جيبها وتدسها في جيب قميصه. "خذ هذا الظرف، اذهب إلى البنك، استخدم صلاحياتك كـ VIP، أودع المبلغ في حساب المالك الغامض، وأحضر لي وصل الإيداع. هكذا، أكون قد دفعت ديني، وحافظت على وقتي، وأنت تكون قد أسديت لي خدمة العمر!".

نظرت إليه بابتسامة واسعة، مشرقة، لا يمكن لأي رجل على وجه الأرض أن يرفض لها طلباً. "ما رأيك يا بطلي ذو المكنسة؟ هل ستنقذني مرة أخرى؟"

وقف نزار كالصنم. نظر إلى الظرف البني المحشو بالمال في يديه.

لقد وضع نفسه في ورطة لا مخرج منها. إذا رفض، ستصر على الذهاب بنفسها، وستكتشف السر. وإذا وافق... فهو سيذهب إلى البنك، ليودع أموالها، في حسابه هو، ثم يعود إليها بوصل يحمل اسمه!

كيف سيحضر لها وصلاً لا يحمل اسمه؟ هل يزور وصلاً بنكياً؟ هل أصبح مصمم أزياء عالمي ومزورا محترفا في نفس الوقت؟

"كراميلا، أنا..." حاول نزار التحدث، لكن صوته كان يخرج ضعيفاً ومتهدجاً.

"أعرف أنك لا تحب القيام بمهام الآخرين، لكن هذه حالة استثنائية،" قالت بلطف، وربتت على خده بحنان أذاب ما تبقى من مقاومته. "سأعوضك عن هذا. سأشرب معك تلك القهوة التي تطلبها دائماً، وسأتوقف عن مناداتك بـ 'الخياط المبتدئ' لمدة... يومين كاملين! اتفقنا؟"

وقبل أن يتمكن من الرد، التفتت كراميلا وركضت نحو باب المحل. "شكراً لك يا نزار! أنت الأفضل! سأنتظر الوصل في المساء!"

وخرجت من المحل، تاركة خلفها رائحة الفراولة، ودوامة من الفوضى، ورجلاً طويلاً وأنيقاً يقف في منتصف محله الفاخر، يحمل ظرفاً سميكاً من المال.

نظر نزار إلى الظرف. كانت يداه ترتجفان قليلاً.

هذا المال... هو ماله. هي تدفع له إيجار محله، وهو الآن مكلف بالذهاب إلى البنك لإيداع ماله في حسابه، ثم العثور على طريقة سحرية لإحضار إيصال بنكي لا يحمل اسم "نزار مهران".

رفع نزار نظره نحو السقف، وتنهد تنهيدة طويلة وعميقة، خرجت من أعماق روحه المنهكة.

"رحلة روحانية إلى التبت..." تمتم نزار لنفسه بصوت خافت، وهو يهز رأسه بيأس كوميدي. "ربما يجب أن أذهب أنا إلى التبت حقاً... لأنه إذا اكتشفت كراميلا هذا السر... فلن تنقذني أي مكنسة في العالم من غضبها.".

وضع الظرف الثقيل في جيب سترته الداخلية، وتوجه نحو آلة القهوة بخطوات متثاقلة. كان يحتاج إلى فنجان قهوة مركز جداً، وربما إلى معجزة، ليخرج من ورطة "الإيجار المنسي" التي أوقع نفسه فيها بكامل إرادته.

لقد أدرك نزار، أكثر من أي وقت مضى، أن الحب لا يجعلك أعمى فقط، بل يجعلك محاسباً، ومزوراً، ومحامياً في عطلة، وكل ذلك فقط لترى ابتسامة رضا على وجه من تحب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة