الفصل الثاني والعشرين.

الفصل الثاني والعشرين.

2 0

كانت السماء في أواخر شهر نوفمبر كلوحة زيتية رسمت بريشة فنان غاضب، غيوم رمادية داكنة تتراكم فوق بعضها البعض، تحجب أشعة الشمس التي كانت تقاوم بضعف قبل أن تستسلم وتنسحب تماماً. الهواء كان مشبعاً بتلك الرائحة الترابية المميزة التي تسبق العواصف الرعدية، "رائحة المطر" التي توقظ في النفوس مزيجاً من الحنين والترقب.

في صالون "كراميلا بيوتي" بشارع الزمرد، كانت وتيرة العمل قد بدأت تتباطأ أخيراً. ودعت كراميلا آخر زبونة لها بابتسامة متعبة، ثم أغلقت الباب الزجاجي وتنهدت بعمق. كانت ريم وسلوى قد غادرتا قبل ساعة، وتركتا لها مهمة إغلاق المحل. كانت تشعر بإرهاق يسري في عظامها، فاليوم كان حافلاً بشكل غير طبيعي، لكنه إرهاق لذيذ يذكرها بأنها تقف على قدميها وتتجاوز أزماتها خطوة بخطوة.

بينما كانت تراجع دفتر الملاحظات الوردي، اكتشفت كارثة صغيرة: مخزون صبغة الشعر الحمراء المفضلة لدى إحدى زبوناتها الدائمات، والتي حجزت موعداً لصباح الغد، قد نفد تماماً. لم يكن بإمكانها تأجيل الموعد، ولا يمكنها استخدام علامة تجارية أخرى. كان الحل الوحيد هو الذهاب إلى شارع سوق الجملة، وهو شارع يبعد عدة تقاطعات ومحطات عن شارع الزمرد، لتدارك الأمر قبل أن يغلق الموردون محلاتهم.

ارتدت كراميلا معطفها الصوفي الواسع ذو اللون الخردلي الذي يتناقض بشكل صارخ مع شعرها الناري، ولفت وشاحاً سميكاً حول عنقها، وحملت حقيبتها الجلدية الكبيرة. ألقت نظرة سريعة على جدار الصالون الذي يفصلها عن محل نزار مهران. تذكرت لقب "مهران المزيف" الذي أطلقته عليه، وابتسمت بخبث. منذ حادثة المجلة، أصبحت تتعمد مناداته بهذا اللقب في كل فرصة سانحة، وكان هو يتقبل الأمر بابتسامة غامضة ونظرة تحمل الكثير من التحدي المبطن.

خرجت من الصالون، وأحكمت إغلاق الباب. كان الشارع شبه خالٍ، والرياح الباردة بدأت تعصف بقوة، تعبث بخصلات شعرها وتجعل أوراق الأشجار الجافة تتطاير في دوامات صغيرة. سارت بخطوات سريعة، متجهة نحو محطة الحافلات، وكل همها أن تصل إلى المورد قبل أن يغلق بابه.

في شارع محلات الجملة، كانت الحركة أكثر صخباً، لكنها كانت حركة مذعورة. الجميع كان يهرول هرباً من السماء التي بدأت تنذر بالانفجار. وصلت كراميلا إلى متجر المورد، بالكاد التقطت أنفاسها، واشترت ما تحتاجه من عبوات الصبغة، ودستها في حقيبتها.

بمجرد أن خطت بقدمها خارج المتجر، حدث ما كان متوقعاً. ومض البرق في السماء كشفرة سيف فضية، تبعه صوت رعد مدوٍ اهتزت له الأرض، ثم فتحت السماء أبوابها. لم يكن مطراً عادياً، بل كان طوفاناً مفاجئاً، حبات مطر كبيرة وباردة تتساقط كزخات الرصاص، تغسل الأرصفة وتحيل الشوارع إلى أنهار صغيرة في غضون ثوانٍ.

شهقت كراميلا وتراجعت إلى الوراء، لكنها كانت قد تبللت بالفعل. حاولت الاحتماء بمظلة قماشية صغيرة تتدلى من واجهة متجر لبيع الكتب القديمة، لكن المظلة كانت ممزقة وتسمح بمرور الماء. وقفت هناك، تضم معطفها إلى جسدها الذي بدأ يرتجف من البرد، وتنظر إلى الشارع الغارق. لم تكن تحمل مظلة، وسيارات الأجرة كانت تمر مسرعة، ممتلئة بالركاب أو ترفض التوقف في هذا الطقس السيئ.

"يا لحظي العاثر!" تمتمت كراميلا وهي تمسح قطرات الماء التي تسللت إلى وجهها ومسحت جزأً من نمشها البارز. "سأبقى هنا حتى أتحول إلى تمثال من الجليد."

بينما كانت تلعن حظها، وتفكر في كيفية العودة إلى شارع الزمرد، لمحت من بين ستارة المطر الكثيفة شخصاً يسير بخطوات واثقة وهادئة على الرصيف المقابل. كان يحمل مظلة سوداء كبيرة وكلاسيكية، ويرتدي معطفاً أسود طويلاً يضفي عليه هالة من الغموض والأناقة لا تتناسب مع فوضى الشارع الغارق.

لم يكن يركض كبقية الناس. كان يسير وكأنه يتنزه في حديقة، يتجنب البرك المائية ببراعة راقص محترف. وعندما اقترب أكثر، توقف تحت ضوء عمود إنارة يرتجف نوره بسبب الرياح.

رفعت كراميلا عينيها، وتوقفت أنفاسها.

النظارات الطبية ذات الإطار الفضي، اللحية الخفيفة المحددة بعناية، وتلك النظرة الثاقبة التي يمكنها تمييزها بين مليون شخص.

إنه نزار.

"مهران المزيف؟" همست كراميلا بذهول، غير مصدقة عينيها. ماذا يفعل في هذا الشارع البعيد وفي هذا الوقت تحديداً؟

بدا وكأن نزار قد شعر بنظراتها. أدار رأسه ببطئ، والتقطت عيناه الداكنتان صورتها وهي تقف تحت المظلة الممزقة، ترتعد من البرد، وشعرها الناري قد فقد حجمه وأصبح ملتصقاً بوجهها.

لم تظهر على وجهه أي علامة من علامات المفاجأة. بل ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الجانبية التي تثير أعصابها وتجعل قلبها يخفق في آن واحد. غير مساره، وعبر الشارع متجاهلاً السيارات التي تطلق أبواقها، حتى وقف أمامها تماماً، يفصل بينهما بضع خطوات.

"هل تحاولين اختراع تسريحة جديدة تعتمد على مياه الأمطار العكرة، يا كراميلا؟" سأل نزار بصوته الرخيم العميق، الذي اخترق صوت الرعد والمطر بسهولة.

ضيقت عينيها، محاولة الحفاظ على كبريائها رغم أسنانها التي كانت تصطك من البرد. "وماذا تفعل أنت هنا؟ هل كنت تلاحقني لتتعلم كيف تدير عملاً ناجحاً؟ أم أنك جئت لتشتري أقمشة رخيصة تناسب تصميماتك المقلدة؟"

ضحك نزار ضحكة قصيرة دافئة، ورفع بيده كيساً ورقياً صغيراً. "في الواقع، جئت لألتقي بحرفي عجوز هنا يصنع أزراراً نحاسية يدوية لا تقدر بثمن. ولكن يبدو أن القدر قرر أن يكافئني برؤية القطة الشرسة لشارع الزمرد وهي تبدو كفأر غريق".

"لست فأراً غريقاً!" تذمرت كراميلا وكتفت ذراعيها أمام صدرها. "أنا فقط... أنتظر أن يهدأ المطر قليلاً."

نظر نزار إلى السماء التي كانت تزداد اسوداداً، والمطر الذي يزداد غزارة. "هذا المطر لن يهدأ قبل منتصف الليل. وأنتِ ترتجفين لدرجة أنني أستطيع سماع اصطكاك أسنانك من هنا".

خطا نزار خطوة للأمام، ورفع المظلة السوداء لتغطي كليهما. كانت المظلة من النوع الكلاسيكي المتوسط الحجم، ليست كبيرة بما يكفي لشخصين إلا إذا وقفا متلاصقين تماماً.

بمجرد أن دخلت في محيط المظلة، انقطع عنها هجوم المطر المباشر، وحل محله هالة من الدفئ الفوري الذي ينبعث من جسده، محملة برائحة عطره المميز، خشب الصندل، البرغموت، ولمسة من التبغ الفاخر. كانت رائحة مسكرة، تجعلها ترغب في إغلاق عينيها واستنشاقها بعمق.

"تعالي إلى هنا"، قال نزار بصوت آمر ولكن مبطن بحنان غريب. "أمسكي حقيبتك جيداً، وسنمشي معاً حتى نصل إلى محطة الحافلات أو نجد سيارة أجرة".

نظرت كراميلا إلى المساحة الضيقة تحت المظلة، ثم إلى عينيه. "لا أعتقد أن هذه المظلة تتسع لغرورك وحقيبتي معاً".

تنهد نزار، وبحركة سريعة ومفاجئة، لف ذراعه اليمنى القوية حول كتفيها، وسحبها نحوه بقوة أخذت أنفاسها. اصطدم كتفها بصدره الصلب، وشعرت بحرارة جسده تخترق معطفها المبلل.

"الغرور يمكنه البقاء تحت المطر، لكن أنتِ ستبقين تحت مظلتي"، همس نزار وهو ينظر إلى أسفل نحو وجهها، قريباً جداً لدرجة أنها استطاعت رؤية قطرات الماء الصغيرة العالقة على زجاج نظارته. "والآن، تحركي قبل أن نُصاب نحن الاثنان بالزكام."

بدآ في المشي. كانت الخطوات الأولى خرقاء ومربكة. لم تكن كراميلا معتادة على هذا القرب الجسدي من أي رجل، ناهيك عن الرجل الذي يشغل كل تفكيرها مؤخراً. كانت أكتافهما تتصادم مع كل خطوة، وحركة ساقيهما تضطر للتناغم معاً لكي لا يخرجا من تحت دائرة المظلة الواقية.

كان المطر يضرب بعنف على قماش المظلة المشدود، محدثاً إيقاعاً منتظماً يشبه نبضات القلب. في الخارج، كان العالم فوضوياً، مظلماً، وبارداً. أما تحته، في هذه الفقاعة السوداء الصغيرة، كان العالم يقتصر عليهما فقط.

"على مهلك، هناك بركة ماء أمامك"، قال نزار، وهو يشدها من كتفها بلطف لتتفادى الحفرة المليئة بالمياه الطينية.

"أنا أرى جيداً، لست بحاجة إلى توجيهات من خياط يضع نظارات ليبدو مثقفاً"، ردت كراميلا بمشاكستها المعتادة، محاولة التغطية على توترها الشديد ونبضات قلبها التي كانت تخشى أن يسمعها.

ابتسم نزار في الظلام. كان يعشق هذه المقاومة الشرسة فيها. "وهل تعتقدين أنني أرتديها للزينة فقط؟"

"بالتأكيد! لتكمل دور 'نزار مهران' الأسطوري"، ضحكت كراميلا. "أخبرني، هل تدربت على تلك النظرة المتعجرفة أمام المرآة، أم أنها موهبة فطرية في الاستنساخ؟"

توقف نزار عن المشي فجأة.

الشارع الذي كانا يمران به الآن كان زقاقاً ضيقاً متفرعاً، مضاءً بمصباح جداري قديم يلقي بظلال طويلة على الأرضية المبللة. كان الزقاق خالياً تماماً من المارة، والمطر يعزلهما عن بقية المدينة.

نظرت إليه كراميلا باستغراب. "لماذا توقفنا؟ هل تعبت من حمل المظلة؟ أيمكنني أن أحملها أنا؟"

لم يجب نزار. استدار ليواجهها بالكامل. كانت المظلة لا تزال فوقهما، لكن موقفهما الآن أصبح متقابلين، المسافة بينهما لا تتجاوز بضعة سنتيمترات.

رفع نزار يده الحرة ببطئ، وتوقف للحظة في الهواء، قبل أن يمد أصابعه الطويلة والدافئة ليزيح خصلة من شعرها الناري المبلل التي كانت ملتصقة بوجنتها. كانت لمسته رقيقة جداً، كأنما يلمس قطعة من الحرير النادر، وجعلت قشعريرة قوية تسري في جسدها من رأسها حتى أخمص قدميها.

"نزار..." همست كراميلا، وقد تبخرت كل سخريتها وحس دعابتها فجأة.

نظرت إلى عينيه. لم يكن هناك أي أثر للسخرية، أو التعالي، أو البرود الكلاسيكي الذي يغلف نفسه به دائماً. كانت عيناه تحملان عمقاً مرعباً، ومشاعر جياشة بدت وكأنها على وشك الفيضان.

"تعرفين يا كريمة..." بدأ نزار بصوت خافت، أجش، بالكاد يُسمع وسط ضجيج المطر. "طوال حياتي، كنت أهرب. أهرب من الضجيج، من الفوضى، من توقعات الآخرين، ومن المشاعر التي لا يمكنني السيطرة عليها. كنت أعتقد أن التنظيم الصارم والصمت هما الطريق الوحيد للنجاح والسلام".

ابتلعت ريقها، ولم تستطع تحويل نظراتها عنه. كان يتحدث بصدق مؤلم، وكأنه يخلع درعه أمامها.

"وعندما جئت إلى شارع الزمرد"، استمر نزار، ويده لا تزال قريبة من وجهها، إبهامه يمسح بخفة على خط فكها. "كنت أبحث عن ذلك الصمت. ثم ظهرتِ أنتِ".

توقفت أنفاس كراميلا.

"جئتِ بكل فوضاكِ، بصوت مجففات الشعر المزعجة، بأغانيكِ الصاخبة، بعنادكِ الذي لا ينكسر، وبشجاراتكِ التي لا تنتهي." ابتسم نزار ابتسامة صغيرة، حزينة بعض الشيئ. "في البداية، كنت أعتبركِ كارثة طبيعية حلت بجواري. كنت أحاول بناء جدران عازلة للصوت، وأحاول تجاهلكِ".

"لقد نجحت في ذلك... كنت متعجرفاً جداً،" حاولت كراميلا أن تدافع عن نفسها، لكن صوتها خرج متقطعاً، ضعيفاً، لا يحمل أي قوة.

"لم أنجح"، قاطعها نزار، وهو يقترب خطوة أخرى، حتى لامس صدره معطفها. "لم أنجح أبداً. لأنني اكتشفت شيئاً مرعباً. اكتشفت أن جدراني العازلة للصوت كانت تخنقني، وأن صمتي كان مجرد فراغ. واكتشفت..."

توقف نزار، وأخذ نفساً عميقاً، وكأنه يجمع كل شجاعته لينطق بالكلمات التالية. نظر إلى عينيها العسليتين الواسعتين اللتين تعكسان نور المصباح الخافت.

"...اكتشفت أنني لم أعد أطيق البقاء بعيداً عنكِ".

سقطت الكلمات كالصاعقة. لم يكن اعترافاً مبهرجاً، لم يكن مقطعاً من مسرحية رومانسية. كان اعترافاً عارياً، حقيقياً، ومباشراً.

"لم أعد أطيق أن أدخل محلي ولا أسمع ضحكاتكِ من خلف الجدار. لم أعد أحتمل أن أشرب قهوتي دون أن أتذكر كيف سكبتِ قهوتكِ على قميصي في أول يوم التقينا فيه. أنا... أنا أحب فوضاكِ يا كراميلا. أحبها لدرجة أنها أصبحت الشيء الوحيد الذي يجعل العالم منطقياً بالنسبة لي".

كان قلب كراميلا يقرع كطبول حرب مجنونة. هل قال للتو أنه يحب فوضاها؟ هل يعترف لها تحت المطر، في زقاق ضيق، وبنظرة تكاد تخترق روحها؟

عقلها بدأ يعمل بأقصى سرعة لإنقاذها من هذا الموقف الذي يهدد بتدمير كل دفاعاتها. هي ليست معتادة على هذه المواقف. هي معتادة على المزاح، على السخرية، على القتال. أما الاستسلام لمشاعر بهذا العمق؟ هذا يرعبها أكثر من الإفلاس.

نظرت إلى الأسفل بسرعة، محاولة التهرب من جاذبية عينيه، ثم ضحكت ضحكة قصيرة، مهتزة، وغير مقنعة على الإطلاق.

"يا إلهي يا نزار!" قالت وهي تتراجع نصف خطوة للخلف وتضرب على ذراعه بخفة. "لقد كنت محقاً! الوقوف تحت المطر يسبب الهلوسة! انظر إلى نفسك، لقد أصابتك الحمى وبدأت تتحدث كشعراء الجاهلية! 'لا أطيق البقاء بعيداً'؟ 'أحب فوضاك'؟ أقسم أنك تقتبس هذه الكلمات من مسلسل تركي رديئ شاهدته البارحة!"

شعر نزار بوخزة خيبة أمل خفيفة في صدره، لكنه لم يتفاجأ. كان يعرفها جيداً. كان يعرف أن دفاعها الأول والأخير هو السخرية والتهرب. هي كائن مجروح من الماضي، وتخشى أن تضع قلبها بين يدي شخص آخر.

لم يغضب، ولم يتراجع. بل رسم ابتسامة واسعة، وتنهد بصوت مسموع، وعاد لتقمص شخصيته المعتادة.

"مسلسل تركي؟ أرجوكِ يا كراميلا، ذوقي الفني أرفع من ذلك بكثير. إذا كنت سأقتبس، سأقتبس من السينما الفرنسية الكلاسيكية"، قالها وهو يعيد ذراعه حول كتفيها ليسحبها مجدداً تحت المظلة بالكامل "ولكن ربما أنتِ محقة. ربما هي الحمى. أو ربما رائحة صبغة الشعر الرخيصة في حقيبتك هي ما أثر على قواي العقلية".

"رخيصة؟ هذه أفضل صبغة إيطالية في السوق يا متعجرف!" صرخت كراميلا وهي تضربه على صدره مرة أخرى، هذه المرة براحة أكبر، وقد زال التوتر الخانق الذي كاد أن يقتلها قبل ثوانٍ.

"حسناً، حسناً، إيطالية. دعينا نكمل طريقنا قبل أن أبدأ في غناء الأوبرا تحت المطر".

واصلا السير معاً في الزقاق، ثم خرجا إلى الشارع الرئيسي، حيث نجح نزار أخيراً في إيقاف سيارة أجرة. فتح لها الباب، وأغلق المظلة، وركب بجوارها. طوال الطريق إلى شارع الزمرد، تبادلا النكات والمناوشات المعتادة حول بللها، وحول كبريائه، وكأن لحظة الاعتراف تحت المطر لم تحدث أبداً.

لكن كلاهما كان يعلم أن كل شيء قد تغير. الكلمات قيلت، والبذرة زُرعت، ولا يمكن سحبها.

وصلت السيارة إلى شارع الزمرد. توقفت أمام صالون "كراميلا بيوتي". نزل نزار أولاً وفتح لها الباب، ورافقها حتى باب مبناها السكني الذي يعلو الصالون.

"شكراً على التوصيلة، وعلى المظلة، يا مهران المزيف،" قالت كراميلا وهي تبحث عن مفاتيحها في الحقيبة، محاولة ألا تنظر في عينيه مباشرة.

"على الرحب والسعة، يا كارثتي الطبيعية"، أجاب نزار بصوت هادئ. "خدي حماماً ساخناً فوراً. لا أريد أن تفوتني حفلة العطس المزعجة غداً".

ضحكت كراميلا، وفتحت الباب. "تصبح على خير يا نزار".

"تصبحين على خير يا كراميلا"

دخلت وأغلقت الباب خلفها. وقفت في الظلام للحظة، مستندة بظهرها إلى الباب الخشبي. استمعت إلى صوت خطواته وهي تبتعد متجهة نحو محله المجاور.

صعدت السلالم المؤدية إلى شقتها ببطئ شديد. عندما دخلت، أضاءت المصباح الصغير في الردهة. خلعت معطفها المبلل وعلقته، ثم توجهت مباشرة نحو مرآة الحمام.

نظرت إلى انعكاسها. كان شعرها في حالة فوضوية عارمة، وبعض خصلاته لا تزال تقطر ماءً. بشرتها كانت شاحبة من البرد، ونمشها يبدو أكثر وضوحاً. لم تكن تبدو كبطلة رواية رومانسية على الإطلاق.

لكن عينيها... عيناها كانتا تلمعان ببريق غريب، بريق لم تره في نفسها منذ سنوات طويلة.

رفعت يدها المرتجفة ووضعتها على صدرها. كان قلبها لا يزال ينبض بقوة، كطائر محبوس يحاول تحطيم القفص. تذكرت لمسة أصابعه الدافئة على وجهها. تذكرت رائحة خشب الصندل. تذكرت صوته الأجش وهو يقول: "اكتشفت أنني لم أعد أطيق البقاء بعيداً عنكِ".

أغمضت عينيها بقوة، وانزلقت ببطئ حتى جلست على حافة حوض الاستحمام، وضمت ركبتيها إلى صدرها.

التهرب الساخر الذي استخدمته في الشارع لم يعد ينفع هنا، في وحدتها المطلقة. لا يمكنها أن تكذب على نفسها أكثر من ذلك. لا يمكنها أن تختبئ خلف قناع "كراميلا القوية المتمردة" إلى الأبد.

لقد دخل هذا الرجل إلى حياتها كعاصفة مفاجئة. أثار أعصابها، تحدى كبريائها، دفعها للجنون ببروده وأناقته... ثم، وبدون سابق إنذار، تسلل إلى أعماق قلبها.

"يا لكِ من غبية يا كراميلا..." همست لنفسها في صمت الحمام، وصوتها يرتجف بتأثر عميق ودمعة دافئة تفلت من عينيها لتختلط بقطرات المطر الباردة على وجنتها.

فتحت عينيها، ونظرت إلى الفراغ بابتسامة مستسلمة، عاشقة، وخائفة في الوقت ذاته.

"لقد وقعتِ في الفخ... لقد وقعتِ في حب هذا الخياط المتعجرف".

في تلك الليلة، وعلى الرغم من صوت الرعد والمطر الذي استمر في ضرب نوافذ شقتها، نامت بعمق وسلام لم تعهدهما من قبل. كانت تعلم أن الغد سيحمل معه المزيد من الشجارات، والمزيد من التحديات، وربما المواجهة الكبرى مع حقيقته، لكنها كانت مستعدة. لأنها أدركت، تحت تلك المظلة السوداء، أن فوضاها قد وجدت أخيراً مرساها الآمن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة