كانت سماء ظهيرة دالك اليوم في شارع "الزمرد" ملبدة بغيوم رمادية داكنة، تنذر بزخة مطر خريفية وشيكة. الجو البارد كان يتناقض تماماً مع الحرارة التي كانت تغلي داخل صالون "كراميلا بيوتي"، وتحديداً في رأس صاحبته ذات الشعر الناري.
في ذلك الصباح، استيقظت وهي تشعر بأنها ولدت من جديد. لقد مر يوم كامل على إعطائها ظرف الإيجار لنزار ليودعه في البنك. كانت تنتظر أن يحضر لها وصل الإيداع في مساء اليوم السابق كما وعدها، لكنه تحجج بأن البنك تأخر في إصدار الإيصالات الورقية بسبب عطل في النظام، وأنه سيحضره لها في صباح اليوم التالي.
لم تشك كريمة في الأمر للحظة. بل على العكس، كانت ممتنة له. ولكن، وبدافع من الفضول وحب الاطمئنان الذي لا يفارق من عانى من الديون، قررت في فترة استراحتها أن تجري مكالمة هاتفية قصيرة لمكتب المحامي "وائل"، فقط لتتأكد من أن المبلغ قد تم تقييده في السجلات وأن ذمتها أصبحت بريئة تماماً.
جلست على كرسيها الوردي، أمسكت بهاتفها، واتصلت. ردت عليها سكرتيرة المكتب بصوت عملي جاف.
"مرحباً، أنا كريمة، صاحبة صالون كراميلا بيوتي. أردت فقط التأكد من وصول الحوالة البنكية الخاصة بإيجار الصالون المتأخر والتي تم إيداعها البارحة في حسابكم."
سمعت كراميلا صوت نقرات سريعة على لوحة مفاتيح الكمبيوتر عبر الهاتف، قبل أن تعود السكرتيرة لتقول: "آسفة يا آنسة كريمة، ولكن راجعت حسابات العقار للتو... لم يتم إيداع أي مبلغ في حسابنا طوال الثماني والأربعين ساعة الماضية. آخر دفعة مسجلة لكِ كانت منذ أشهر."
توقفت كراميلا عن التنفس للحظة. "عفواً؟ هل أنتِ متأكدة؟ ربما هناك خطأ في النظام البنكي؟ لقد أرسلت المبلغ مع... مع شخص موثوق جداً!"
"نظامنا مرتبط مباشرة بالبنك، يا آنسة. لا يوجد أي إيداع. يمكنك مراجعة الشخص الذي أرسلتِ معه المبلغ. يوم سعيد." وأغلقت السكرتيرة الخط.
سقط الهاتف من يد كريمة على الطاولة.
لم يودع المال؟.
الظرف البني السميك الذي يحتوي على تعب أشهر طويلة، وحرمانها، وعرق جبينها... لم يصل إلى البنك؟ أين ذهب إذن؟ ولماذا كذب عليها نزار وأخبرها عن عطل النظام الورقي؟
في تلك اللحظة، تبخرت كل مشاعر الامتنان، والرومانسية، والارتباك اللذيذ الذي كانت تشعر به تجاه جارها الأنيق. حل محلها إعصار من الغضب الأعمى، والشك، والشعور بالخيانة. لقد ائتمنته على حريتها، وهو تلاعب بها!
كانت كراميلا في تلك اللحظة قد أمسكة بمقص الشعر الاحترافي الفضي الطويل، تستعد لقص شعر إحدى العرائس (المانيكان) للتدريب. دون أن تفكر، ودون أن تترك المقص من يدها، نهضت كالعاصفة، ودفعت باب صالونها بقوة كادت أن تكسر زجاجه، وخرجت إلى الرصيف متجهة نحو الباب المجاور.
في داخل محل "نزار مهران"، كان الهدوء يسود المكان. كان نزار يقف أمام طاولة القص، يرتدي صديرياً كلاسيكياً رمادياً فوق قميصه الأبيض، ويضع نظارته الطبية، محاولاً التركيز في أخذ قياسات قطعة من قماش المخمل الأزرق.
كان عقله لا يزال يعمل كخلية نحل، يحاول إيجاد مخرج من الكارثة التي أوقع نفسه فيها. الظرف البني لا يزال قابعاً في خزنته الحديدية. لم يذهب إلى البنك، ولم يودع شيئاً. كيف يودع ماله في حسابه ليحصل على وصل باسمه؟ كان يخطط لطلب مساعدة صديق له يعمل في مجال الحسابات لتزوير إيصال وهمي، لكن الوقت كان يداهمه.
فجأة...
طااااخ!
انفتح باب المحل بقوة عنيفة لدرجة أن الجرس النحاسي كاد أن يطير من مكانه.
انتفض نزار من مكانه، ورفع رأسه ليرى مشهداً جعله يتجمد في مكانه.
كانت كراميلا تقف في منتصف المحل، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، ووجهها محتقن باللون الأحمر الذي ينافس لون شعرها. عيناها كانتا تطلقان شرراً حقيقياً. ولكن الأسوأ من ذلك كله... أنها كانت ترفع يدها اليمنى، مشهرة مقص شعر احترافياً وطويلاً في وجهه، تماماً كما يشهر الفارس سيفه في ساحة المعركة!
"أين. مالي. يا. نزار؟!" نطقت كراميلا كل كلمة وكأنها رصاصة تُطلق من فوهة مسدس.
ابتلع نزار ريقه بصعوبة. نظر إلى عينيها الغاضبتين، ثم نظر إلى المقص الفضي اللامع الذي توجهه نحوه. ورغم الموقف المرعب، لم يستطع إلا أن يلاحظ كم تبدو فاتنة وهي غاضبة بهذا الشكل الكوميدي والدرامي في آن واحد.
"كراميلا..." بدأ نزار الحديث بصوت هادئ ومحذر، رافعاً يديه في الهواء كعلامة على الاستسلام السلمي. "ضعي هذا السلاح الأبيض جانباً أولاً. نحن في دار أزياء راقية، ولسنا في حلبة مصارعة."
"لا تحاول تغيير الموضوع ببرودك المستفز!" صرخت كراميلا، وتقدمت خطوتين نحوه، مقربة المقص أكثر. "اتصلت بالمكتب قبل دقيقتين! لم يتم إيداع أي قرش في حسابهم! أين الظرف البني يا نزار؟ أين تعب أشهري؟"
شعر نزار بأن الأرض تميد من تحته. لقد اتصلت بهم. الكارثة وقعت.
توقف عقله عن التفكير المنطقي. كان يعلم أنه لا يستطيع أن يخبرها بالحقيقة الآن. إذا أخبرها أنه المالك، وأنها لا تدين لأحد بشيئ، وفي هذه الحالة من الغضب، فقد تستخدم هذا المقص حقاً، وربما تغادر الشارع للأبد. كان يحتاج إلى كذبة... أي كذبة تبرر اختفاء المال وتؤجل اكتشاف الحقيقة.
"المال..." تلعثم نزار لأول مرة في حياته، وهو يتراجع خطوة إلى الوراء حتى اصطدم بحافة الطاولة. "المال ليس معي."
اتسعت عينا كراميلا بذهول. "ليس معك؟ هل سُرق منك؟ هل فقدته؟ تكلم!".
"لا، لم يُسرق،" قال نزار بسرعة، وعقله يصارع لاختلاق سيناريو. نظر حوله بيأس، وسقطت عيناه على ركن بعيد في المحل، حيث تقف آلة خياطة ميكانيكية قديمة وعتيقة كان قد اشتراها مؤخراً كقطعة ديكور.
"لقد... لقد أنفقته!" صرخ نزار بالكلمة قبل أن يدرك مدى غبائها.
توقف الزمن في المحل.
سقطت ذراع كراميلا التي تحمل المقص ببطئ. نظرت إليه وكأنها تنظر إلى كائن فضائي هبط للتو من السماء.
"أنفقته؟" همست بصوت غير مصدق. "أنفقت عشرة آلاف... مالي الذي جمعته بشق الأنفس... أنفقته؟ في ماذا بحق السماء؟".
لم يعد هناك مجال للتراجع. أخذ نزار نفساً عميقاً، وأشار بيده بارتباك نحو الزاوية. "في... في ماكينة خياطة! نعم! ماكينة خياطة ألمانية عتيقة ونادرة جداً. لقد عُرضت عليّ البارحة بسعر مغرٍ، ولم أكن أملك السيولة النقدية الكافية في جيبي، فـ... فاستخدمت محتوى الظرف! كنت سأسحب المبلغ من رصيدي اليوم وأودعه لكِ، أقسم لكِ!"
ساد صمت مميت في المحل. صمت أثقل من الجبال.
كان نزار يراقب وجه كراميلا، متوقعاً أن تصرخ، أو تشتمه، أو حتى تلقي عليه المقص. لكن ما حدث كان أسوأ بكثير مما تخيل.
بدأت ملامح الغضب تتلاشى من وجه كراميلا ، لتحل محلها ملامح انكسار عميق. ارتجفت شفتها السفلية بشدة. سقط المقص من يدها ليصطدم بالأرضية الخشبية بصوت رنين حزين.
تجمعت الدموع في عينيها العسليتين، وفي غضون ثانية واحدة، انهارت.
"أنت... أنت استخدمت مالي؟" قالتها بصوت مخنوق بالبكاء، ودموعها بدأت تنهمر على وجنتيها كالشلال. "أنت تعرف ماذا يعني هذا المبلغ بالنسبة لي! لقد أخبرتك كم عانيت لأجمعه! لقد تخليت عن كل شيئ لأستر نفسي من الديون، وأنت... أنت تأخذه لتشتري قطعة خردة لتزين بها محلك الفاخر؟!"
"كريمة، اسمعيني، الأمر ليس كما..." حاول نزار الاقتراب منها، وقلبه يعتصر ألماً لرؤية دموعها.
"لا تلمسني!" صرخت كراميلا، وبدأت تضرب بكفيها الصغيرين على صدره الواسع بقوة، غارقة في نوبة بكاء وصراخ هستيرية. "أنت أناني! متعجرف! لا تهتم سوى لنفسك ولأقمشتك ومحلك! اعتقدت أنك مختلف! اعتقدت أنك تهتم بي! لقد وثقت بك يا نزار! وثقت بك كما لم أثق بأحد من قبل!".
كانت كلماتها تضرب صدره كالمطارق. كل ضربة من يديها الصغيرتين كانت تحمل عتاباً قاسياً يمزق روحه. لم يكن قادراً على الدفاع عن نفسه، لأنه يعلم أن كذبته، رغم نبل مقصدها الأصلي، كانت قاسية جداً عليها.
"أكرهك! أكره هذا الشارع! وأكره غبائي لأنني ظننت أننا..." استمرت كراميلا في البكاء والصراخ، وضرباتها تضعف شيئاً فشيئاً بسبب إرهاقها العاطفي.
لم يعد نزار يحتمل رؤيتها بهذا الانهيار. لم تكن هناك أي كلمات يمكن أن تشرح الموقف دون أن تزيد الطين بلة. المنطق لا يعمل هنا. التبريرات لا قيمة لها. الشيئ الوحيد الذي كان يمكنه فعله... هو احتواؤها.
بحركة سريعة وحازمة، أمسك نزار بمعصميها بلطف ليوقف ضرباتها، ثم سحبها بقوة نحوه.
شهقت كراميلا بصدمة عندما وجدت نفسها فجأة مسحوبة إلى صدره الصلب. حاولت المقاومة، حاولت التملص، لكن ذراعيه القويتين كانتا قد التفتا حولها كطوق نجاة، محاصرتين إياها في عناق ضيق، قوي، ومفعم بالحماية.
"اتركني!" صرخت بصوت مكتوم في قميصه، وهي تحاول دفعه.
"لا،" همس نزار بصوت عميق، دافئ، واثق، وهو يدفن وجهه في شعرها الناري المتمرد. "لن أترككِ. اضربي قدر ما تشائين، اصرخي، قولي ما تريدين... لكنني لن أترككِ."
زاد نزار من قوة عناقه، ضاماً جسدها الصغير الذي كان يرتجف بعنف إلى جسده. وضع يده العريضة على مؤخرة رأسها، ومسد على شعرها بحنان بالغ، وكأنه يهدئ طفلة مذعورة.
"أنا آسف،" همس في أذنها، وصوته يحمل صدقاً لا يمكن تزييفه. "أنا آسف جداً يا كراميلا. أقسم لكِ بحياتي أن مالكِ في الحفظ والصون، وأنني لم أقصد أبداً أن أؤذيكِ أو أستخف بتعبك. كنت غبياً، وأنا أستحق كل غضبكِ... لكن لا تبكي. أرجوكِ، لا تبكي. دموعكِ تحرقني."
مع كل ثانية تمر وهي بين ذراعيه، كانت مقاومتها تذوب. كانت رائحة عطره الكلاسيكي الممزوج بخشب الصندل تتغلغل في أنفاسها، وحرارة جسده تتسرب إليها لتطفئ نار غضبها. كان العناق محكماً جداً، لدرجة أنها كانت تستطيع سماع دقات قلبه... كانت متسارعة، مجنونة، لا تشبه دقات قلب رجل بارد ومسيطر. بل قلب رجل يخاف فقدانها حقاً.
توقفت يداها عن محاولة دفعه. وبدلاً من ذلك، استرخت أصابعها، وبشكل لا إرادي، أمسكت بياقة قميصه، تماماً كما فعلت في ليلة انقطاع الكهرباء. لكن هذه المرة لم يكن هناك خوف من الظلام؛ كان هناك استسلام لمشاعر أكبر من أن تقاومها.
تحولت صرخاتها العالية إلى شهقات خفيفة، متقطعة. ثم، ببطئ شديد، تحولت الشهقات إلى صمت.
صمت كامل لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتشابكة، والمطر الذي بدأ يهطل فجأة في الخارج، ليغسل زجاج الواجهة.
في هذا الصمت، أدركت كراميلا الموقف. كانت ملتصقة به تماماً. وجهها مدفون في تجويف عنقه، وذراعاه تحيطان بها بملكية وحنان. شعرت بحرارة شديدة تندفع إلى وجنتيها، ليس من الغضب هذه المرة، بل من الخجل الطاغي.
أرادت أن تبتعد، أن تستعيد كبريائها ومساحتها الشخصية، لكن شيئاً بداخلها كان يرفض التخلي عن هذا الدفئ. كانت تشعر بالأمان، شعور افتقدته منذ زمن طويل.
من جانبه، أدرك نزار أن ارتجافها قد توقف، وأن جسدها قد استرخى بين ذراعيه. خفف من حدة العناق قليلاً، لكنه لم يتركها. أبعد وجهه عن شعرها، ونظر إلى أسفل.
رفعت كراميلا رأسها ببطئ، والتقت عيناها العسليتان، اللتان لا تزالان رطبتين بالدموع، بعينيه الداكنتين.
كانت المسافة بينهما شبه معدومة. كانت تستطيع رؤية كل تفصيلة في وجهه، النظرة القلقة، الحنان الخفي، وتلك الرغبة العارمة التي لم يعد قادراً على إخفائها.
"هل... هل هدأ الإعصار؟" سأل نزار بصوت خافت، شبه هامس، وابتسامة صغيرة، خجولة وغير معتادة، ترتسم على زوايا شفتيه.
ابتلعت كراميلا ريقها. قلبها كان ينبض بقوة لدرجة أنها ظنت أنه يسمعه. أنزلت عينيها هرباً من سحر نظراته، ومسحت بقايا دموعها بظهر يدها.
"أنت... أنت مستفز،" همست بصوت ضعيف، لا يحمل أي ذرة من الغضب السابق. "وكاذب. وماكينة الخياطة الألمانية تلك لا تساوي دموعي.".
ابتسم نزار باتساع، ورفع يده ليمسح دمعة يتيمة تمردت على خدها بإبهامه بنعومة فائقة.
"لا يوجد شيئ في هذا العالم يساوي دموعكِ يا كراميلا،" قالها بصدق مطلق. "لا آلات خياطة، ولا أقمشة حريرية، ولا حتى هذا المحل بأكمله."
نظرت إليه بصدمة خفيفة. هل يعترف لها للتو؟
تراجع نزار خطوة صغيرة للوراء، ليعطيها مساحتها، لكنه احتفظ بيديها بين يديه.
"استمعي إليّ جيداً،" قال نزار بنبرة جادة، ولكنها دافئة. "سأذهب الآن، أمام عينيكِ، إلى خزانتي. سأخرج الظرف البني الذي يحتوي على أموالكِ كاملة، دون أن ينقص منها قرش واحد. سأعطيكِ إياه. لم أنفقه، ولم أشتري به أي شيئ، لقد كذبت عليكِ... لأنني..."
توقف نزار. كاد أن ينطقها. كاد أن يقول لأنني أنا المالك، ولا أريدك أن تدفعي شيئاً. لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. الوقت ليس مناسباً الآن، ليس بعد هذا الشجار، وليس وهي في هذه الحالة من الهشاشة.
"لأنكِ ماذا؟" سألت كراميلا بترقب.
"لأنني... كنت أخطط لدفع المبلغ بنفسي، كهدية." أخرج نزار كذبة بيضاء أخرى، لكنها كانت أقل وطأة. "كنت أريد أن أرفع عنكِ هذا العبئ، ولم أعرف كيف أفعل ذلك دون أن أجرح كبريائك. وعندما اقتحمتِ المحل بالمقص، أصابني الذعر وتفوهت بأول غباء خطر على بالي."
نظرت إليه كراميلا طويلاً. حاولت أن تجد ثغرة في كلامه، لكن نظراته كانت صادقة. هو حقاً كان يحاول مساعدتها بطريقته المعقدة والمتعجرفة.
سحبت يديها من بين يديه ببطئ، وتراجعت خطوة أخرى، محاولة استعادة رباطة جأشها وصورتها كـ "كراميلا" القوية.
"هذا... هذا أغبى شيئ سمعته في حياتي،" قالت بصوت حاولة أن يكون حازماً، لكنه خرج مهتزاً، والابتسامة الخجولة تفضحها. "منذ متى يدفع الخياطون المبتدئون ديون جاراتهم كـ 'هدايا'؟ هل تظنني جمعية خيرية؟".
تنفس نزار الصعداء. عادت كراميلا. عاد عنادها الذي يعشقه.
"أنتِ لستِ جمعية خيرية،" قال نزار وهو ينحني ليلتقط المقص الفضي من على الأرض، ويمسحه بقميصه، ثم يقدمه لها بأسلوب درامي ساخر. "وأنا لست فاعل خير. أنا فقط رجل يفضل أن يرى جارته تشتري أحذية جديدة وقهوة بندق، بدلاً من أن تجمع النقود لتدفعها لمحامٍ في التبت."
أخذت كراميلا المقص من يده، ولم تستطع كتمان ضحكة صغيرة رنت في أرجاء المحل كالجرس.
"أنت مجنون يا نزار . رسميًا، أنت مجنون."
"ربما،" ابتسم نزار وهو يضع يديه في جيوبه. "إذاً، هل نعتبر أن الهدنة قد عُقدت؟".
نظرت كراميلا إلى المقص، ثم إلى عينيه. "هدنة مؤقتة. أعد لي ظرفي الآن، وسأذهب لدفعه بنفسي غداً. وأياك أن تفكر في التدخل في أموري المالية مرة أخرى، وإلا..." رفعت المقص في وجهه مرة أخرى بحركة مسرحية مهددة، "...سأقوم بقص كل أقمشة الحرير في محلك، وأصنع منها ستائر لصالوني!"
ضحك نزار بصوت عالٍ، ضحكة حقيقية خرجت من القلب، وجعلت كراميلا تبتسم باتساع.
"أوامركِ مطاعة، أيتها الفارسة ذات الشعر الناري. سأحضر الظرف حالاً."
استدار نزار متجهاً نحو مكتبه، بينما وقفت هي في منتصف المحل. نظرت إلى ظهره، ثم وضعت يدها على قلبها الذي كان لا يزال ينبض بجنون.
اليوم، لم تستعد كراميلا أموالها فحسب؛ بل اكتشفت أن خلف تلك الواجهة الزجاجية الباردة لمحله، وخلف قمصانه المكوية بعناية وكلماته المنمقة... يوجد قلب مستعد لتلقي طعنات المقص، فقط ليحافظ على ابتسامتها.
وعرفت في تلك اللحظة، وسط رائحة المطر والصندل، أنها وقعت في حب هذا "الخياط المبتدئ" بشكل لا رجعة فيه.
prince Egotist